ميلاد النور الزاهـــر

الحياة كئيبة .. والأفق في السماء لا يوحي برفق ولا يسر.. غمامة من البلاء تحيط بجنبات شعب أبي طالب .. ظروفٌ شاقّة بكل معنى الكلمة .. و لكن هناك أملٌ يبدو من بعيد .. أملٌ فيه بارقة نور مشع .. أملٌ تلو أمل كلما نظرت خديجة الى زوجها الصابر الصادق الأمين وهو يبتسم في محياها ابتسامة تكاد تُمحي كل آثار العناء و الشقاء ، ابتسامة حنان و محبة من أحب كائن عند الله.

و بينما كان قلب خديجة مضطربا مرتعشا، خوفا على حبيبها رسول الله روحي فداه، من وحشية و همجية الأعراب الجلف الأشد كفرا، كانت تنتظر وليدا فجنينها ربما كان متألما لآلام أمه.

و لم تنتظر طويلا حتى بدأ الجنين يكلمها من الرحم وتطيب خاطرها و تبعد عن قلبها الرؤوف كل ملامح الإضطراب و الرعب .. يا له من جنين

نعم .. كل ما في هذا البيت عجيب .. ولا نعجب لأمر الله.

و دخل الوالد المقدام الدار ذات يوم ليرى زوجته الحبيبة تكلم شخصا ما و لكن لا يوجد أحد في البيت .. ولربما أثرت الحالة المضطربة في نفسيتها فقامت تناجي نفسها و تحدث روحها و لكن خديجة ردت باطمئنان: أكلم جنيني الذي في بطني! انه لا يدعني مضطربة و لا خائفة بل يكلمني من حين الى آخر .. نعم انها المحدثة و المتحدثة.

و رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان ينتظر تلك الفرصة الجميلة بفارغ الصبر قال مبشرا اياها:

« أبشري يا خديجة بذرية طاهرة مباركة ، فهذا جبرئيل بشرني أنها أنثى، وانها النسمة الطاهرة الميمونة، وان الله تبارك و تعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل منها أئمة و يجعلهم خلفائي في أرضه.»

و تنقضي الأيام سراعا لتتفاجأ خديجة الكبرى بالمخاض . و طلبت من نساء مكة أن يساعدنها فامتنعن! بينما هي متألمة ذعرة أقبلت اليها أربع نساء هن نساء الجنة: سارة و آسية بنت مزاحم ومريم ابنة عمران وصفراء بنت شعيب (وفي رواية كلثم أخت موسى) و هبطت الملائكة بأجنحة من نور تحيط بهذا البيت المبارك من كل جهة بل و ازدحمت الملائكة لإستقبال سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين. وُلدت فاطمة و هي ساجدة لرب العالمين . وجاء الأب العطوف حاملا هذه الحوراء الإنسية بيديها المباركتين و طبعَ قُبلة الحب و الحنان على وجنتيها و ارتسمت الإبتسامة على محيا رسول الله في أحلك الأوقات و أضنكها مستبشرا حامدا.

و يحكي الإمام الصادق عليه السلام قصة الميلاد:

« فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة طوال كأنهن من من نساء بني هاشم. ففزعت منهن، فقالت لها إحداهن: لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربك إليك، ونحن أخواتك، أنا سارة وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه صفراء بنت شعيب ، بعثنا الله تعالى إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء .

فجلست واحدة عن يمينها، والأخرى عن يسارها، والثالثة من بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت خديجة فاطمة عليها السلام طاهرة مطهرة .

فلما سقطت إلى الأرض أشرق منها نورٌ حتى دخل بيوتات مكة ، ولم يبق في شرق الأرض ولا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور.»

و أقول :

لم تشرق الأرض فقط بل أشرقت السموات كلها بهذا النور.

و أما محياها فقد نظر الى وجهها رسول الله فرأى فيها نفسه .. انها مرآة رسول الله .. بضعة منه .. جزء لا يتجزأ منه. نفس الروح ، نفس الخُلق و نفس الخِلقة ونفس الصفات . و كأنها هي رسول الله بل هي أم أبيها. وهذا ليس تصورا بل تصديق وليس خيالا بل حقيقة.

كيف تنظر أيها القمر في محياها فإنه آية من القرآن و رواية من الكتاب . أجل .. ترى في سيماها خالق الخلق كتب بيراع الوحي: « نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون » و في جبهتها رسم رب العُلى « ولقد كرمنا بني آدم » وبين عينيها كُتب: « وانك لعلى خلق عظيم » فهذه بضعة من ذاك و قبس مشعّ من ذلك النور السرمدي . والعظمة تحيط بها من كل جانب وان نورها – كما ورد في الأثر – أنار بيت الوحي فيا له من نور .

وسماها رسول الله “فاطمة”.

 يا لهذا الإسم من جذبة روحية معنوية عُلوية يتباهى به ملائكة السماء قبل أن يعتز به شيعة علي ومواليه.

ايه فاطمة .. نحن ورب البيت نقدس هذا الإسم إجلالا واحتراما لصاحبه و نأمل أن يسعدنا ربنا بشفاعتك يوم اللقاء فإن لكِ عند الله مقاما محمودا و شأنا عاليا فاكتبينا في صفحة محبيك و محبي أبيك و بعلك و أبنائك الطاهرين لتهنأ لنا النشأتان . و سلام من الرحمن عليك أيتها الصديقة القديسة آناء الليل و أطراف النهار.

وفي الختام نزين مقالنا بحديث من مولاتنا الزهراء سلام الله عليها :

عَنْ فاطِمَةَ الزَّهْراءِ علیها السلام قالَتْ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله علیه وآله وسلم وَ قَدْ افْتَرَشْتُ فِراشىي لِلنَّوْمِ، فقالَ: یا فاطِمَةُ لا تَنامي إلاّ وَ قَدْ عَمِلْتِ أَرْبَعَةً:خَتَمْتِ القُرآنَ، وَ جَعَلْتِ الاَْنـْبِیاءَ شُفَعائَكِ، وَ أَرْضَیتِ الْمُؤْمِنینَ عَنْ نَفْسِكِ، وَ حَجَجْتِ وَ اعْتَمَرْتِ،

قالَ هذا وَ أَخَذَ فِى الصَّلاةِ، فَصَبَرْتُ حَتّى أَتَمَّ صَلاتَهُ، قُلتُ: یا رَسُولَ الله أَمَرْتَ بِأَرْبَعَة لا أَقْدِرُ عَلَیها فى هذَا الْحالِ!

فَتَبَسَّمَ(صلى الله علیه وآله وسلم) وَ قال:إِذا قَرَأْتِ قُل هُوَ الله أَحَدٌ ثَلاثَ مَرّات فَكَأنَّكِ خَتَمْتِ القُرْآنَ، وَ إِذا صَلَّیتِ عَلَيّ وَ عَلَى الاَْنـْبِیاءِ قَبْلي كُنّا شُفَعاءَكِ یوْمَ الْقِیمَةِ، وَ إِذا اسْتَغْفَرْتِ لِلْمُؤْمِنینَ رَضُوا كُلُّهُمْ عَنْكِ، وَ إِذا قُلْتِ: سُبْحانَ اللهِ وَ الْحَمْدُ لِله وَ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَ الله أَكْبَرُ، فَقَدْ حَجَجْتِ وَ اعْتَمَرْتِ. (بحار الأنوار ١-٣٠٤)

 
١٦جمادى الثانية ١٤٤٢



التصنيفات :خواطر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: