فاطمة الزهراء، ميزان قبول الأعمال

يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : “فاطمة بضعة مني “، “ فاطمة روحي التي بين جنبي “ ،“ فاطمة فلذة كبدي”، “ فداها أبوها”
يا ترى من هذه الإنسانة التي أعظم من في الوجود يفديها بنفسه و من هي هذه العظيمة التي يتنفس الرسول بها فهي روحه و حياته و قطعة منه؟
من هذه المرأة التي عندما تحضر في مجلس رسول الله ، الرسول بعظمته يقوم إجلالا لها و يُجلسها مكانه بل و يقبل يدها. و في كل صباح عندما يريد الخروج من البيت الى المسجد يمر على باب بيتها ويسلم عليها و على بعلها و بنيها : السلام عليكم اهل البيت . بل و اذا أراد أن يسافر في غزوة أو رحلة عمل، فإن آخر وداع له مع ابنتها الزهراء سلام الله عليها . ما هذه المحبة التي تفوق محبة الأب و الإبنة و كأن فاطمة هي ليلة القدر و رسول الله يرى في وجودها كتاب الله تعالى وعندما ينظر الى محياها يرى السعادة و الحياة و الخلود و الوجود واللطف الإلهي.
فاطمة هي كنز الرحمة و ذخيرة اللطف و ميزان قبول أعمال البشر فبمقدار حب العبد للزهراء يتبين مدى قربه الى الله تعالى و بمقدار بُعده عن الزهراء يتبين مقدار بُعد العبد عن ربه دون ريب. بل ان فاطمة هي البيت المعمور وهي الكتاب المسطور و هي اللوح المحفوظ وهي بقية النبوة. دعوني أقول من كل قلبي بما يليق بمقامها دون مبالغة و غلو فليس ما أقوله الا قول المعصومين في حقها .
يا فاطمة .. إذا كان الآخرون صخورا مزينة فأنتِ الجوهرة و أنت المرجان و أنت الزمردة و أنت اللؤلؤ. كل ذرة من ذرات وجودك عالَم متميز وكل قطرة من دموع خشيتك من ربك في الأسحار حياة خالدة . الحكماء عليهم أن يأخذوا الحكمة من جواهر كلامك والأطباء يتوسلون بكِ في شفاء المرضى.
ما هذه الفضيلة التي تدعو أعظم الخلق و أشرفهم حيث لم يصل الى مقامه نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا ملك مقرب ، تدعوه أن يبجلها و يكرمها و يحترمها احتراما لا يوصف. ها هنا نرى و نلمس عظمة الزهراء و مدى قربها الى الله و رسوله .صفاء رباني و مودة ملكوتية و حب الهي و عاطفة سرمدية كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بأمر ربها ، وينير شعاعها جنبات القلب المتيم للحب الإلهي المقدس .
يا لها من عظمة و بهاء ، و جلال و صفاء عندما يقدم الأب على ابنته فتقوم الإبنة إجلالا و تقديرا للأب ، تقبل يديه المباركتين و تنحني انحناء الأمة لمولاه و كأنها تودع الدنيا و ما فيها بعد استقبال الأب وكأنها لا تريد من الدنيا إلا النظر في وجه محمد(ص) و كأنها نظرت الى وجه الله تعالى . آه .. تعجز الكلمات عن وصف هذه اللحظات المباركة دون شك. و فاطمة التي يملأ قلبها الإيمان و الخلوص ترى نفسها شعاعا من تلك الشمس الوضاءة و ظلا من ظلاله بل و كما يوصفها أبوها بضعة منه بل و روحه التي بين جنبيه. و في المقابل عندما تدخل فاطمة على أبيها ، يأخذ الأب بيد الإبنة و يقبّلها قُبلة الأبدية و يفرش فرشه بل و عباءه الخاص لتجلس عليه بهجة قلبه و ثمرة فؤاده و نور عينه . ثم يقبل بكل وجوده على الإبنة ليخدمها و هو يتفرب الى الله بهذه الخدمة و يا لها من سعادة أن يخدمكِ أشرف الخلق و أعظم البريّة وأفضل الرسل .
من أنتِ يا زهراء ؟ روح رسول الله أم روح الله جل جلاله
هكذا يصفها رسول الله صلى الله عليه وآله كما جاء في أمالي الصدوق :
«وأما ابنتي فاطمة، فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهو نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الإنسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله عز وجل لملائكته: ياملائكتي، انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار.»
نعم .. يرى رسول الله في الزهراء فاطمة جميع الكمالات المتصورة للبشر و كل الصفات المتعالية وجميع محاسن المحسنين واخلاص المخلصين ولذا فإنه يوصفها بأعلى ما يمكن وصفه سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين. الله أكبر .. يكفي في حق الزهراء هذه الكلمة الخالدة من الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم.
أخيرا ماذا يسعنا أن نقول و قد التحقت الزهراء بأبيها بعد أيام قلائل من ارتحال الأب و هاجرت دنيانا بعد أن رأت مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا
أف لك يا دهر .. الى أين وصلت حالة الزهراء حتى لم تصبر على هموم الزمان و ارتحلت الى بارئها الذي كانت تعشقه و تعشق لقاءه ولم تغفل عنه لحظة واحدة ولربما كان ذلك اليوم الحزين الكئيب يوم ١٣ جمادى الأولى من سنة ١١ هجرية (٦٣٢ميلادية) حيث انفصل جسد الوردة المحمدية عن الشجرة المباركة في الدنيا لتبقى غضة طرية في الملأ الأعلى يستقبلها و يحتضنها أبوها في زحمة من الملائكة المقربين . و هكذا استشهدت فاطمة حتى يبقى العالم الإسلامي في حزن أبدي و نذرف دموع الفراق على تلك الروح الطاهرة المقدسة ما بقينا و بقي الليل و النهار . و سلام على فاطمة و أبيها و بعلها و بنيها أبد الدهر و دوم الحياة .

١٣ جمادى الأولى ١٤٤٢



التصنيفات :مقالات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: