ذكرى ميلاد زينب الكبرى سلام الله عليها

يوم الخامس من شهر جمادى الأولى يوم ميلاد الصديقة الصغرى ، زينب الكبرى سلام الله عليها ، حاملة لواء النهضة الحسينية المباركة بعد استشهاد سيد النهضة و قائدها سلام الله عليه .
وهذا اليوم يسمونه يوم التمريض اشارة الى أن زينب كانت تتفقد أحوال ابن أخيها الإمام السجاد عليه السلام الذي كان عليلا مريضا يوم عاشوراء و قبله و بعده بأيام ولم تتوان لحظة من تفقد أحوال الإمام و لا أبناء و بنات الأسرة المباركة من شجرة النبوة الطيبة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء .
و لكني أتصور أن التمريض كان عملا جزئيا صغيرا من أعمال زينب الكبرى فهي أكبر من أن تكون مجرد ممرضة لأنها هي أصلا ممرضة و مربية النهضة الحسينية و حاملة لواء الحسين في الكوفة و الشام و المدينة بل و في العالم كله و في كل الأزمان و الأمصار . وما أظن أن انسانا كان يستطيع حمل اللواء بعد كل النكبات و المصائب التي توالت على أبناء و بنات رسول الله صلى الله عليه و آله في تلك البقعة و ذلك الزمن إلا أن يكون قمة في الإيمان و جبلا في الصبر و أسوة في المقاومة و ملاذا محكما للمفجوعين و لم يكن هذا الإنسان الأسوة و القدوة إلا زينب.
زينب تعهدت بالمحافظة على النهضة الحسينية رغم كل الصعاب و المشاق التي تندك أمامها الصخرة الصماء والجبل الأشمخ ولولا هذا الإلتزام و الوفاء لانمحى اسم الحسين و انمحت ثورته بل و انمحى اسم مؤسس الشريعة روحي فداهم .
زينب بمجاهداتها و شموخها و شجاعتها التي يُضرب بها المثل و قفت وقفة الضرغام الشهم الشجاع أمام الجائرين و حتى المخدوعين من الذين كانوا ينظرون الى الحسين نظرة ازدراء ، و كأنه خارجي قام ليحدث بلبلة و ليس هو الذي بنى بتضحيته صرح الإسلام بناء جديدا قويا شامخا عاليا لن تناله أيدي الجبناء . وما قامت به زينب لم يقم به إنسان طوال التاريخ فهي أفضل بعد الأئمة من كل إنسان مرأة كانت أو رجلا.
ايهٍ يا زينب .. يا لسان علي و يا تجسيم الروح الطاهرة الزكية . يكفي أنكِ في خضم المعركة و الجهاد وقفتِ أمام كل الطغاة رافعة صوت الحق بدون ضعف و تخاذل و تكاسل و تقاعس ليصل صوت الحسين من الحنجرة المقطوعة ظلما الى جميع المجاهدين و الصابرين و الثائرين على مدى القرون و الأعصار : “ هيهات منا الذلة “

ولادة حزينة
بالرغم من أن يوم ميلاد أي ابن أو بنت يكون يوما سعيدا مفرحا للوالدين و الأهل الا أن ولادة زينب كانت مقرونة بالهم و الغم.
بعد مضي ست سنوات من هجرة رسول الله صلى الله عليه وله وُلدت زينب في بيت النبوة و الإمامة في المدينة المنورة من الشجرة المباركة المحمدية .. و بولادتها هبت نسائم السعادة و الحيوية في بيت الزهراء سلام الله عليها لأن رسول الله ، الإنسان الأكمل لازال حيا وهو الذي تكفل بإسم المولودة الجديدة و سماها «زينب» الوردة المحمدية العطرة .. ولكن شاء الله أن يحيط بسيماء المولودة المباركة هالة من الحزن والغم و كأن حوادث يوم عاشوراء و ما بعدها توالت كفلم مُحزن على مهد الطفلة. جاء في الأثر أن رسول الله روحي فداه انحنى بقلب كئيب ليقبّل الحفيدة المباركة وقبل أن يصل اليها تنفس الصعداء نفسا كان فيه آلام المستقبل فبكي الحاضرون كلهم و كأنما السماء بعظمه تنفست الصعداء .
و هذه الهالة الحزينة امتدت على ملامح زينب أياما و أياما حتى ارتحل سيد الخلق الى بارئه فسالت أودية الحزن في بيت فاطمة و رأت زينب ما رأت من المصائب ، الواحدة تلو الأخرى الى أن وصلت أوجها في مسرح الطف .

صفحة من شموخ زينب
التاريخ مليء بشموخ و عظمة زينب حاملة لواء الحسين من ساعة الفراق الى آخر المطاف و نكتفي بذكر أنموذج من هذه العظمة حيث وقفت بكل كبرياء أمام الطاغية ابن زياد محتقرة إياه أشد احتقار قائلة بكل فخر ردا على استهزاء الظالم اللئيم : ((الحمدلله الذى اکرمنا بنبیه صلى الله علیه و آله و سلم و طهرنا من الرجس تطهیرا… انما یُفتضح الفاسق و یکذب الفاجر و هو غیرنا والحمدلله)).و عندما قال ابن زياد : كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟
أجابته جوابا لم يكن يتوقع المجرم أن يسمعه من امرأة ثكلى مرت في أصعب ساعات و أشقها و لكن هذه زينب بنت علي .
قالت : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ، وَ سَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَ تُخَاصَمُ ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ  يَوْمَئِذٍ ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ .
فمن يستطيع أن يتكلم بهذا الأسلوب القوي الشديد أمام ظالم مثل ابن زياد ؟!هذه هي الصرخة التي تزلزل عروش الطغاة و تحطم كبرياء الظالمين الدمويين السفاحين و تجسد صورة العز و الإباء.
بصراحة عندما أقرأ هذه العبارات المليئة بالعزة و الشموخ أحسّ في نفسي حقارة و ذلا لا مثيل له فزينب بعد كل المصائب و النكبات التي مرت بها ترى أنها ما رأت الا جميلا و تقف بكل عزة أمام أكبر عتاة العصر دون ذرة من خوف أو وجل فأين نحن منها ولا نتحمل أبسط المصائب و المحن بل و أين الثرى من الثريا .
لا أريد الإطالة في هذا المجال فنحن في ذكرى ولادة .. ذكرى طيبة و عطرة ومهما كانت فنحن نحتفل بذكرى المولد المبارك لزينب الكبرى لنهنئ الموالين المؤمنين بهذه الذكرى العطرة و نأمل الشفاعة من الصديقة الصغرى في الآخرة و الثبات على مودتها و محبتها و ولائها في الدنيا .. آمين ، رب العالمين .



التصنيفات :خواطر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: