أمّــــــــــــــــي ….

أمّــــــــــــــــي ….

بعد قرابة ثلاثين عاما من وفاتها ، تذكّرتها : وهي دائما في ذاكرتي و لا يمكن أن يمضي عليّ يوم الا و أدعو لها دعاء مفصلا ، ولكنني اليوم رأيت بعض وسائل الراحة في المطبخ فتذكرتها وتذكرت كيف كانت تقوم بأعمال البيت من طبخ و خَبْز و كنس وتطهير مع وسائل بدائية جدا دون أن تئنّ و تحنّ أو تقول كلمة تدل على انزعاج أو تذمّر أو تعب أو مشقة .

أمي اسمها سكينة و لكنها في الصغر سموها ”شيخة“ لأنها قبل زواجها كانت تعلم الأطفال القرآن بلا مقابل ، فقط تقربا الى الله و بعد زواجها انحصر تعلمها على فلذات كبدها ، أبنائهاو بناتها .. علمتني القرآن كاملا و لم أتخطّ الست سنوات . و كانت حريصة جدا على تعليمي و تعليم غيري من الأبناء مع كثرة مشاغلها في البيت .

فبيتنا كان مأوى للغرباء من العلماء و طلاب العلوم الدينية والوعاظ الذين يتقدمون الى بلدنا للحصول على لقمة عيش فالوالد المبجل رحمه الله كان فاتحا باب بيته على الضيوف من أي جنسية و قومية دون فرق ، يأكلون و يشربون و يرتاحون شهرا أو أكثر حتى أن بعضهم كان يأتي مع أهله و عائلته و يسكنون معنا في بيتنا ليالي وأياما آمنين .. والوالدة هي التي تقوم بطبخ الطعام ظهرا و ليلا ، غذاء و عشاء دون أن تكلّ و تئن .. يا لها من صبورة لم ير الدهر مثلها .

أتذكر أيام شهر الله على مائدة الإفطار غالبا عشرات المؤمنين و هكذا السحور و كل الطعام كانت هي تطبخه دون مساعدة من أحد و تنوي التقرب الى بارئها في ذلك . فلم تكن في أيامنا مطاعم مثل الآن و أتصور أنه حتى لو كانت هناك مطاعم مجهزة فهي لا ترضى الا أن تطبخ الطعام بيديها تكسّبا للأجر.

أمي كانت تقوم الى صلاة الليل قبل ساعتين تقريبا من الفجر .. لا أدري متى كانت ترتاح ؟ و تتسابق هي و زوجها على التجافي عن جنبيهما في مضجع الراحة لإجابة دعوة الرب . و أما قراءتها للقرآن ففي شهر رمضان كانت تختم القرآن كل ثلاثة أيام (طبعا في السنوات الأخيرة من عمرها) و في أيام السنة كل عشرة أيام . و أما في أيام شبابها فبالتأكيد لم يكن لها الوقت الكافي لتلاوة القرآن مثل السنوات الأخيرة من العمر ولكن شفتيها كانت دائما تتحرك بالقرآن . وحتى في آخر ساعة من عمرها رآها شقيقي سيد مرتضى حفظه الله تتحرك شفاها و هي ملقاة على فراش الموت في المستشفى . يقول انني اقتربت منها لأرى ماذا تطلب لألبي طلبها فرأيتها في عالم آخر .. انها استغلت فرصة آخر اللحظات لتقرأ القرآن و ماتت وهي تقرأ كتاب الله وبكل اطمئنان وهدوء وسكينة .

لا أطيل الحديث ولو أن في قلبي كلمات كثيرة أحب أن ألقيها على أسماعكم الا أنني أتحرى الإختصار حى لا أكون مملا . و آخر ما أقول عنها انها كانت تقول : ما أرضعت أبنائي الا و أنا على وضوء .. و كانت دائما على وضوء فسلام من الرحمن على روحها الزكية الطاهرة ما دامت السموات و الأرض  .

سيد جواد المهري

١٠-١١-٢٠٢٠



التصنيفات :خواطر

1 reply

  1. و قد أجاد شقيقي سيد محمد رضا المهري بتحويل المقال الى قصيدة جميلة :
    ثلاثون عاماً دون أن تتبسما
    مضت وفؤادي لا يزال متيّما

    وأدعو لها في كل يومٍ وليلةٍ
    ورغم حنيني كنت بالصبر مرغما

    وما جزعي أني فقدت رعايةً
    ترعرعت فيها غانماً ومنعّما

    فطاماً وتغسيلاً وأكلاً وملبساً
    وبسمة حبٍّ في المحيّا ترسّما

    وشيخة تعليم الكتاب تلاوةً
    فتجهد فيها النفس كي أتعلّما

    وفي لوعتي كانت لنفسي سكينةً
    كأنّ ملاكاً في فؤادي ترنّما

    وخدمتها طبخاً وغسلاً ومكنساً
    مضيف أبي فيه الثريد تهشّما

    فما جزعي ألا لأنّي مقصّرٌ
    وليست دموع العين للقلب مرهما

    فرضوانك اللهم ادعو وارتجي
    لأمّي وسلواني بأن تترحّما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: