أضواء من سيرة آية الله سيد عباس المهري

  

السيد عباس بن حسن بن هاشم بن علي بن هاشم بن علي خان بن ابراهيم بن عبدالحسين بن عبد النبي بن عبدالحسين بن عبدالرضا بن عبدالنبي بن ابوطالب بن عبدالرضا بن عبدالنبي بن علي بن محمد بن عبدالرضا بن عبدالنبي بن علي بن احمد المدني بن محمد بن موسى بن احمد بن عبدالله بن احمد بن عبدالله بن احمد بن محمد بن جعفر بن احمد بن محمد بن ابراهيم بن عبدالله بن احمد بن موسى بن حسين بن ابراهيم بن حسن بن احمد بن محمد بن احمد بن ابراهيم بن محمد بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي امير المؤمنين بن ابي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
ولد المرحوم سيد عباس سيد حسن المهري رحمه الله في سنة 1333 هجرية في بيت مشهود له بالعلم و التقوى في قرية تدعى ” مهر “. و لقد سماه والده عباسا ليكون أنموذجا لمقابلة الظلم و المبارزة مع الظالمين طوال حياته.
النسب:
اسمه سيد عباس و سلابته من العلماء و الأفاضل. جده سيد هاشم كان معروفا باسم المجتهد. أصله من قرية ” التويثير ” في الإحساء. و من ناحية الأم يصل نسبه الى المحدث و المفسر الكبير السيد هاشم البحراني قدس سره. أمه السيدة خديجة من النساء الفاضلات و من حفيدات السيد هاشم البحراني.

نشأته:
لم يمض من عمره سوى 12 ربيعا حيث توفي أبوه و تكفل تربيته أخاه الأكبر منه بخمسة عشر عاما ، المرحوم سيد هاشم المهري و كان له نعم المربي و الأب. بالرغم من حدوث المجاعة في تلك السنوات و الفقر المدقع لهذه الأسرة الشريفة فإن أخاه تحمل المشاق و الصعوبات و باع كل ما يستطيع بيعه ليتمكن من إرسال عباس الى النجف الأشرف و هو في أوان شبابه. وصل عباس الى النجف الأشرف بعد تحمل مشاق الطريق و بدأ منذ وصوله بتلقي العلوم الدينية بشغف بالغ و بدون أن يقضي يوما في غير الدراسة حتى أيام العطل كان لا ينفك من المطالعة و التحقيق في زوايا الكتب. كان يقول لنا: دروسي كانت مركزة جدا كنت أتلقى ثلاثة دروس يوميا و أقوم بتدريس درسين بالإضافة الى مباحثة ثلاثة دروس أخرى مع أصحابي ( على سيرة ظلاب العلوم الدينية ). و هذا الكم الكبير من الدراسة و التدريس كان أمرا غير اعتيادي للطلبة. و ان شدة عشقه لتلقي علوم أهل البيت كان يغنيه من أكل ما لذ و طاب فكان غذاؤه أحيانا يقتصر على الخبز و اللبن و البطيخ. و بالرغم من زهده في الأكل فإن غرفته ( على عكس نظرائه ) كانت مفتوحة للجميع و يوصي الطلاب أن يأكلوا ما يشاؤون من الغذاء حتى في حالة غيابه. بعد أن أتم المقدمات و السطوح و بدأ بدراسة الخارج ( مصطلح أهل العلم ) عند كبار المراجع مثل آية الله سيد محمود الشاهرودي و آية الله سيد محمد تقي بحر العلوم و آية الله سيد محمد باقر المحلاتي قدس الله أسرارهم. طلب منه جماعة من أهل الكويت أن ينتقل اليهم و يرشدهم و يهديهم و يعلمهم, فلم يتنازل عن الهجرة من النجف الا بعد استشارة كبار أساتذته و في مقدمتهم المحلاتي الذي كان يرى فيه صورة المربي و الوالد و المعلم في آن واحد فأصروا جميعهم على استجابة طلب أهالي الكويت و بنوا له مسجدا ( يُدعى مسجد شعبان ) و سكن الكويت مجبورا مكرها. و لكنه رأى من واجبه الشرعي استجابة هذا الطلب لأن الشيعة كانوا يحتاجون حقا لهاد مرشد. و جاء الى الكويت للهداية و الناس في أبسط حياة و أفقرها. و لا أنسى قول آية الله الشيخ الوحيد الخراساني ( من كبار مراجع قم ) عندما قال في حقه: كل المعممين الذين كانوا يأتون الى الكويت أتوا بعد اكتشاف النفط ولو أفادوا فقد استفادوا أكثر ماعدا السيد عباس الذي أحيى الموات في الكويت. ( يعني أنه خدم الناس في عز فقرهم و رباهم و هداهم و هم الى مثله أحوج من العطشان الى الماء ). بالإضافة الى عبء تربية الناس و تعليمهم الأحكام الشرعية فإنه كان يدرس بعض المؤمنين دروسا في الفقه و الأصول و لا يقضي لحظة من عمره عبثا و بدون عمل. مجلسه كان غاصا بالمؤمنين الذين يتزاحمون للحضور و الإستزادة من تلك المعلومات القيّمة و المفيدة. و كنت أراه دائم المطالعة و عندما رأى جمعا من تالناس فإنه يحاول أن يلقي عليهم موعظة أو خطابا بسيطا أو يشرح حديثا من أحاديث أهل البيت عليهم السلام أو يفسر آية من القرآن. و لذلك فإن المقربين اليه بالرغم من أن بعضهم كان أميا لا يقرأ و لا يكتب و لكنه كان متضلعا في الأحكام الشرعية و مسائل الحلال و الحرام. و أما في المساء و بعد أن يؤم المؤمنين صلاتي المغرب و العشاء في مسجد شعبان ، فكان يرتقي المنبر و يشرح بعض المسائل الشرعية و الأحكام العملية و يبين الفتاوى المختلفة لإستفادة أكثر الحاصرين بل جلّهم من مجلسه. و لا تنحصر مجالسه على الأحكام و المسائل بل كان يتطرق دائما الى المشكلات الإجتماعية و يحاول ايجاد حلول لها وفق الأسس الدينية.

موقفه من الثورة الإسلامية:

عندما انطلقت الشرارة الأولى في ايران عبر الخطاب الناري لإمام الأمة الخميني العظيم رحمه الله في عام 1382 هجرية بدأ السيد نضاله جنبا الى جنب الخميني في الكويت دون أن يخشى لومة لائم أو سوط ظالم. دأب السيد على تحليل الأوضاع السياسية في ايران و بدأ حربه جهارا دون وجل مع نظام الشاه محمد رضا بهلوي الجائر و لم يتوان في هذا المجال من فضح السلطة الغاشمة في ايران و فضح المخطط الشاهنشاهي لمحاربة الدين بكل ما أوتي من قوة. و في المقابل بدأت السفارة الإيرانية في ايران محاربته بشتى الوسائل دون أن تؤثر في عزمه و صموده شيئا ز هددوه بالقتل فلم يسكت بل زادت شدة محاربته لأعداء الدين. فتركوه و بدأوا بتهديد رواد مسجده و مجلسه و قد كان لهذا التهديد بعض الأثر و كنت أرى صفوف الجماعة تقل شيئا فشيئا و لم يبق معه الا القليل من حوارييه و أنصاره المخلصين و لكنه استقام و تخطى كل الإبتلاءات و الإختبارات الإلهية دون تزلزل أو تراجع. في أحد الأيام و عندما كان التهديد له في أوجه رآنا – أنا وبعض الأصحاب – نمشي خلفه و هو يريد الذهاب الى المسجد صباحا ( و كان صعبا علينا الخروج في الصباح الباكر ) فنظر الى خلفه و قال بشدة معترضا : لماذا تمشون خلفي ؟ أنا لا أحتاج الى حراس.. الله هو الذي يحرسني و يحفظني من الأعداء.. ارجعوا الى البيت. من جكلة الرسائل المتبادلة بين الإمام الراحل و السيد نلقي نظرة الى جملة من الإمام في أحد خطاباته له : ” نقدر و نشكر كثيرا مساعيكم الجميلة في ترويج و نشر الشريعة الإسلامية المقدسة في تلك البلاد ( الكويت ) و أتمنى أن تكون خدماتكم مورد نظر ولي العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف و تكونوا مأجورين في أعمالكم و خدماتكم. و أرجو من الله تاعالى لكم دوام التوفيق لإعلاء كلمة الإسلام الطيبة…” متى كان ثائرا ؟: من الخطأ القول أن السيد المهري رحمه الله كان قد بدأ نضاله ضد الشاه مع قيام الإمام في الآونة المتأخرة على ظهوره و بروزه كعالم عامل في منطقة الخليج بصورة عامة. فقد كنت أسمع منه يقول : ” كانت لي نظرة أخرى تجاه الشاه و كنت صغيرا فلم تعجبني الملكية و الشاهنشاهية و كنت أراها مناهضة للدين و أرى أن الشاه مصداق لآية ” و من لم يحكم بما أنزل الله… ” فهو ليس مسلما و لا يستحق التبجيل و الإحترام ثم انني كنت أرى أن الحكم و السلطة يجب أن يكون للمرجع و ليس للشاه , و لذلك فإنني كنت أتفوه بعقائدي في صغر سني و كم عُذبت أنا و أخي لعقائدنا الثورية و قبل أن أرحل الى النجف عذبوني و جروني خلف الحصان حافي القدمين لكي أسكت و لم أسكت طول عمري و تحملت كل الأذى ( لوجه الله ) لأنني كنت أرى فيه ايصال رسالة الى النائمين الغافلين من أمتنا. و عندما أتممت مرحلة كبيرة من دراستي الحوزوية و جئت الى الكويت كنت أتمنى أن أتلقى العون من المراجع العظام في نضالي المستمر ضد الطغاة و لكن السكوت كان حاكما على الحوزات العلمية آنذاك الى أن نهض الخميني بالأمر فارتحت كثيرا و بدأت أناضل براحة نفسية أكبر فقد أحيى الخميني في نفسي الرجاء لأنه كان مرجعا للتقليد و عالما كنت أتلقى منه الإذن الخاص و العام في المبارزة و النضال ضد الشاه و غيره من الظلمة و أعوانهم.

النضال ضد الشاه:  
لا يمكننا في هذا الموجز بيان نضاله ضد الشاه بالتفصيل لأنه يحتاج الى كتاب كامل فالنضال – كما قلت – بدأ منذ صغره و لكنه عندما قام الإمام الخميني بالأمر أصبح السيد شعلة متوقدة ضد الشاه و أعوانه و عملائه و جلاوزته و بدأ المبارزة بكل الوسائل من الخطابة أولا و الكتابة ثانيا و لم يكتب الى الجماهير فحسب بل أبرق الى المراجع العظام في النجف آنذاك الحكيم و الخوئي و الشاهرودي رحمهم الله برقية عتاب شديدة يقول في جزء منها : ” المظالم على الشعب المسلم في ايران عجيبة و سكوتكم عليها أعجب !..” و هذه العبارة الشديدة لم ألاحظها لأي رجل في أي زمان للمراجع أبدا لأن الرجل لا يخشى أحدا في الله و يريد الوقوف في وجه الظلم بكل حدة و شدة فلا بد أن يخاطب حتى المراجع الكبار بمثل ذلك الخطاب و بالطبع رد عليه المراجع قدس الله أسرارهم بأنهم لن يسكتوا و كل قد حاول من جانبه محاربة الشاه المستبد و الدفاع عن الشعب المظلوم. و لكن الوالد رحمه الله كان يريد حركة أكبر و أعظم و ثورة جامعة في كل الإتجاهات. و حتى العلماء الموجودون في الكويت آنذاك دعاهم و طلب منهم تأييد النضال ضد الشاه المجرم و لكن أكثرهم تجاهلوا دعوته و البعض الآخر سكتوا خوفا على أنفسهم و لم يعاونه الا المخلصين من أنصاره و قليل ما هم. و يمكن القول أن السيد عباس المهري قال كلمته الأخيرة في أول النهضة فقد أبرق الى شخص الشاه برقية شديدة يوبخه فيها و يعاتبه بشدة و يحذره من اللعب بالنار و كان ذلك عقب أول خطاب علني للإمام ضد الحكومة الإيرانية. و لكن السيد وجّه قوس النضال الى الشاه بنفسه لأنه على سدة الحكم و هو المسؤول المباشر عن كل المجازر و المشاكل و الفجور و كبح الحريات و الإهانة الى نجوم المذهب أعلى الله كلمتهم. و بعد تلك البرقية النارية ( أي من أوائل النهضة ) مُنع السيد المهري من دخول ايران مع أهله و عائلته حتى قيام الثورة الإسلامية المباركة بقيادة الإمام الخميني قدس سره. و من الأمور اللطيفة خلال النضال المستمر أن السفارة الإيرانية الشاهنشاهية حاولت ردع السيد بالتطميع و التهديد و حتى حرق المنزل و قتل الأولاد و لم تؤثر في اروح الفولاذية الصلبة للسيد قيد أنملة. و بعد أن انتهى عهد السفير الإيراني في الكويت ( إبان سنوات النضال الحارة ) دعا كثيرا من وجهاء البلد من التجار و الشخصيات و أقاموا حفل الوداع و في الحفل – كما ينقل المرحوم الحاج اسماعيل بهبهاني ( عم يعقوب و مراد بهبهاني ) أنه قال السفير : “أنا أودعكم بعد سنين طويلة مكثت في الكويت و لقيت منكم كل الحفاوة و التقدير. و نحن في البلدان الأخرى نصرف أموالا طائلة للدفاع عن الشاهنشاهية و لكننا في الكويت لم نصرف مالا في هذا المجال لأن التجار الشيعة كانوا يساعدوننا ماديا و معنويا !!!. و بحق أقول لكم : ما لقيت رجلا شهما في الكويت مثل السيد عباس المهري فقد حاولنا المستحيل منعه و ردعه عن مساعدة الخميني و لم نستطع بل زادته تصلبا و مضيا في عزمه و هدفه ” و بالتأكيد هذا الكلام مما نعتز به فالفضل ما شهدت به الأعداء.

الإتصال مع المناضلين:
كان له اتصالا مباشرا مع جميع المناضلين المتدينين في ايران و العلماء المبارزين و منزله كان الملجأ و المأوى الوحيد لكل العلماء المجاهدين ضد السلطة الشاهنشاهية أمثال الشهيد المرحوم سيد محمد رضا سعيدي خراساني و الشهيد محمد منتظري و المرحوم الشيخ الفردوسي و سائر الإخوة مثل الشيخ رحيميان و محتشمي و غيرهم الكثير الكثير ممن كان بيت السيد مقر عملهم المنظم ضد السلطة الغاشمة. و كان المنزل أو القلعة الثورية مركز الإتصال بين بيت الإمام الخميني في النجف و سائر المناضلين من أنصاره في ايران و حتى في أمريكا و أوروبا. و لا أنسى أن الإمام عندما كان يصدر بيانا بل و حتى يخطب خطبة فبعدها بلحظات كان الخط التلفوني بيننا و بينهم في النجف ( الإتصال السريع الوحيد آنذاك ) ينقل تفاصيل الخطاب أو البيان فنسجلها فورا و خلال لحظات ننقلها الى ايران و غالبا كان وراء الخط الشيخ مهدي الكروبي حفظه الله و إن لم يكن في البيت فزوجته المناضلة كانت تتلقى الخطاب أو البيان ( و كنتُ المباشر لكل هذه الإتصالات ) و بعد ساعة أو ساعتين كان البيان أو الخطاب قد انتشر في طهران و منها الى سائر مناطق ايران. و السلطة كانت مندهشة من سرعة وصول خطبة الإمام الى طهران في نفس اليوم بل و بعد أقل من ساعتين من القاء الخطبة في النجف الأشرف و لم تعرف أننا كنا ملتقى الخطوط. و لابد من الإشارة أيضا أنني بعد وصول لبيان من الإمام كنت أترجمه فورا و أطبعه و أنشره في الكويت – عبر بعض الإخوان المعتمدين حفظهم الله و رحم الله المتوفين منهم – و منها الى كل مناطق العالم و بذلك نستطيع أن نفتخر بأننا كنا الواسطة بين الإمام و انصاره في كل العالم في وقت كانت العلاقات بين العراق و ايران منقطعة تماما ظنا من قادة الطرفين أن بقطع العلاقات يقضون على حركة الإمام و ينقطع الإمام عن أصحابه و أنصاره في ايران. أي أن قطع العلاقات السياسية كانت مجرد حيلة من الطرفين لوقف ايصال صوت الإمام الى الخارج و لكن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نوره ولو كره المشركون. المراد و المريد كنت أحاول دائما أن أصوره و الإمام صورة تذكارية و لكنه كان لا يقبل ذلك و يقول : أنا لست من الذين يصورون مع الإمام لأجل مصالح وقتية.. أنا أحب الإمام لأجل هدفه المقدس و عندما عاهدته على المضي معه فقد عاهدت الله على الأمر و لم يكن لأجل كسب الشهرة أو الشخصية منه و لا من غيره. كنت أعرف أن الإمام لا يعطي كتبه هدية لأحد و من طلب منه كتابا يقول له : اشتر من فلان حتى لا يكون فيه تبليغا و تزكية لنفسه. هذا كان معروفا عن الإمام دون غيره من المراجع و لكن في أحد الأيام رأيت الوتالد بعد أن زار الإمام و رجع الى البيت – و كنا في النجف آنذاك – حمل معه كثيرا من كتب و مؤلفات الإمام الغالية. فاستغربت و استنكرت الأمر مع ما كنت أعهده من الإمام و قلت للشيخ الفردوسي رحمه الله معترضا : معروف أن الإمام لا يعطي كتبه لأحد فلماذا أعطاها لوالدي ؟ فضحك الشيخ و قال : لأنه عرف السيد عباس معرفة خاصة و تيقن أن هذا العمل لا يؤثر فيه شيئا فالعلاقة بينهما علاقة أخوية الى أبعد الحدود. ثم اضاف قائلا : أتعرف ماذا قال أبوك للإمام في آخر لقاء ؟ قلت : لا. قال : قال له : ” ما دمت في هذا الطريق و ما دمت تنهج هذا النهج الذي أعتبره نهج الأنبياء و الأئمة عليهم السلام فإني أقدم لك و لأجل نجاح مسيرتاك كل ما أملك من مال و جاه و أولاد و راحة و شهرة و لكن اذا انحرفت عن مسيرك قيد أنملة فأنا أول من يقف في وجهك ! ” و بعد هذا التصريح بين المراد و المريد عرف كل منهما صاحبه و أخلص له الإمام كما أخلص هو بنفسه و ماله و أولاده و كل ما يملك له. و في ايران أيضا عندما كان يزوره لم يرض بأن يكون أحد حجابا بينه و بين مراده فحتى سيد أحمد الخميني رحمه الله الذي كان يحضر جميع لقاءات الإمام ، لم يرض بتواجده في لقائهما معا و كان يقول للإمام : أريد أن أكلمك لوحدك و لا أريد معنا أحدا. هكذا كان الإخلاص متبادلا بين المراد و المريد رحمهما الله تعالى.

بصماته:
له بصمات ظاهرة في كل ناحية و منطقة لا في الكويت فحسب بل حتى في سائر دول الخلج و في ايران و في العراق. و قد كان يهتم بكل شئون الحياة الإجتماعية و الدينية و السياسية و كان همه الكبير رفع الحاجات المعنوية و المادية بصورة كلية أو جزئية. ففي الوقت الذي نراه يساعد في بناء المساجد و الحسينيات في المناطق المحرومة من ايران و العراق و لبنان ، نراه يساعد الفقراء بصورة جماعية أو فردية. و ما رأيت أحدا يراجعه و يخرج خائبا أبدا.. و كثيرا ما ساعد أقاربه و أصحابه بل و حتى الذين لم يعرفهم في أمورهم المادية و الوظيفية بالإضافة الى اهتمامه بتثقيفهم و تعليمهم. و كان الأمر الذي يشغل باله طويلا عدم وجود مدرسة جعفرية لبنات مواطنيه الكويتيين حتى تتلقى البنات دروسا في العقيدة بالإضاف الى الدروس الأخرى التي تهتم بها الحكومة. و أن تكون المدرسة أنموذجا للحجاب الإسلامي و لكل المظاهر الدينية الراقية. و سعى كثيرا لأجل انجاح هذا المشروع العلمي و الديني الهام حتى جمع أموالا من هنا و هناك تكفي لتأسيس مدرسة كاملة كانت أنموذجا في الرقي و التطور بالإضافة الى التثقيف و التربية الواقعية على منهاج أهل البيت عليهم السلام و أسماها ” المدرسة الإسلامية الجعفرية للبنات ” و قد حاول الأعداء ايجاد عراقيل كثيرة في افشال المشروع و لكن السيد الذي عُرف عنه صموده و ايمانه بالهدف تصدى لكل العراقيل بشجاعة و بسالة حتى تم افتتاح المدرسة في حياته المباركة و على يديه الكريمتين. و لكن الى أين آلت أحوال المدرسة اليوم ؟ لا أدري. و أما مشاريع بناء و تعمير و ترميم المساجد و المدارس و الآبار الإرتوازية و غير ذلك فحدث و لا حرج.. كم من المدن و القرى التي زرناها خلال هجرتنا الطويلة في ايران و نرى فيها بصمات ظاهرة بارزة للمرحوم. و من جملة تلك المشاريع بناء مستشفى ضخم مجهز بكل الوسائل الحديثة في مدينة ” مهر ” مسقط رأسه و ليس لأن مهر مسقط رأسه بل لأنهم كانوا حقا محرومين و فقراء. و كم كان الناس يموتون قبل وصولهم الى المدن القريبة لعدم وجود مشفى هناك و كان في بداية الأمر تأسيس و بناء مستشفى الولادة و لكن تطور الأمر بعدئذ لتحويله الى مستشفى عام و كبير يستفيد منه أهل البلد و البلدان المجاورة و لله الحمد. و من مشاريعه الباقية أيضا ترميم مدرسة القزويني و مدرسة البخارائي لطلبة العلوم الدينية في النجف الأشرف. و من خدماته الباقية الخالدة تأسيس ” مؤسسة المعارف الإسلامية ” في قم المقدسة و التي كان سبب تأسيسها حفظ الآثار الإسلامية و تدوين تاريخ معتبر للشيعة و احياء علوم أهل البيت و معارفهم و قد كان موفقا في هذا السبيل الى أبعد الحدود فالمؤسسة بفضل تلك النية المباركة و بفضل جهود المخلصين في ادارتها و على رأسهم ابن عمي حجة الإسلام و المسلمين سيد اسماعيل المهري الذي لم يتوان لحظة في هذه الخدمة المقدسة ، أينعت ثمارها و الحمد لله بكتابة و تأليف و تدوين و اعادة طبع أكثر الكتب المفيدة و التي تهتم بنشر ثقافة أهل بيت العصمة عليهم السلام و في بكورتها ” معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام ” و الذي طبع في خمس مجلدات ليحوي تقريبا جميع الأحاديث الواردة في الإمام الحجة عجل الله فرجه من الرسول الأكرم و الأئمة المعصومين عليهم السلام و الآيات المفسرة المؤولة و في هذه الأيام نحاول اعادة طبعه ان شاء الله بتفصيل أكثر و في سبع مجلدات. و لازال الباحثون من العلماء و المحققين يعملون صباح مساء في هذا المركز العلمي و الذي يحوي مكتبة عامة ضخمة للإستمرار في تقديم خدمات أفضل تلبية للحاجة الملحة في نشر و الوعي العتروي بين المسلمين ان شاء الله.

بعض المميزات الأخلاقية:
بصراحة صعب جدا لأمثالي أن يبينوا جانبا من جوانب عظمة هذه الشخصية.. و لا أقول هذا من باب تقديري و احترامي له كونه والدي و أبي فكل من عاشره و صاحبه طوال حياته يعجز عن وصف أخلاقه و توصيف خصاله. فبعنوان المثال : التواضع كان سمة بارزة فيه. يحترم الكبير و الصغير. يسلم على كل من يلقاه حتى لو كان صغيرا. و في مجلسه يقوم لكل من يحضر و يوقر السادة من سلالة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله احتراما خاصا بالرغم من كونه هو سيدا شريفا أيضا. في السنة الأخيرة من حياته و حيث كان مريضا و يصعب عليه احترام القادمين الى مجلسه ، رأيته أحد الأيام و قد أقبل رجل فقير ، فقام من مقامه بكل صعوبة و احترمه احتراما بالغا. بعد أن خرج اعترضنا عليه ذلك الإحترام البالغ مع ما به من ضعف ، فرد علينا : من يعرف ، ربما كان مقامه عند الله أكبر مني و منكم. علينا أن نحترم كل المؤمنين لعله أكبر شأنا و أعظم قدرا عند بارئه. و بذلك علمنا درسا مهما. كان رحمه الله دائم الوضوء و يهتم بالمستحبات كإهتمامه بالواجبات و يتجنب المكروهات كتجنبه المحرمات. يصلي بتأن و هدوء. لا يترك النوافل حتى في اليام الصعبة. يقوم من نومه قبل الفجر بساعتين حت ى لو لم يمض من نومه و استراحته الا القليل فما رأيناه نائما قبل الفجر أبدا. رأيته ذات ليلة بعد منتصف الليل واقفا في ساحة المنزل ، تحت السماء و في الظلام رافعا يديه الى السماء خاضعا خاشعا يدعو ربه و يبكي بكاء أم فقدت وحيدها. استغربت ذلك فظننت أن به ألما أو يشكو من أمر. نقلت القصة للوالدة رحمها الله فضحكت و قالت : هذه عادته منذ عرفته و ليس أمرا جديدا. ما رأيته يرد سائلا و لا محروما بل و أكثر من ذلك فإن كان قد لبس رداء جديدا أو عباءة جديدة و جاءه أحدهم مادحا رداءه ، رأيته ينزع الرداء و يعطيه الرجل و يقنع بملابسه القديمة. و عندما كانت الوالدة تعترض عليه يقول مبتسما : ” ملابسي ما فيها شيء ، كأنها جديدة ” و بذلك ينتهي الأمر بسلام. و أمااكرامه للضيف فكان أمرا منحصرا به دون غيره. فالبيت دائما كان يحوي الضيوف خاصة في أيام شهر رمضان و شهر محرم فالطلبة و المبلغون و كل من جاء الى الكويت و ليس له أهل ، كان منزلهم بيت السيد و كنا نخدمهم حسب أوامره و بكل رضا و راحة نفسية. و الوالدة رحمها الله كانت لا تتألم من كثرة الضيوف يوما و تطبخ الطعام يوميا لكل هذا الجمع الغفير من الضيوف دون أن تئن من التعب و تعتبر ذلك عملا صالحا ينفعه يوم لا ينفع مال و لا بنون. هكذا رباها أبونا كما ربانا أيضا بتلك التربية المحمدية السامية. علاقته و محبته لأهل البيت أيضا كانت استثنائية فما أن يأتي الخطيب بذكر اسم الحسين الا و تسيل دموعه دون اختيار. و كان يقيم كل مراسم أهل البيت إن كانت عزاء أو احتفالا بالمولد. و كل ليلة اثنين كان يقيم مجلسا للوعظ و لإحياء أمرهم في منزله. كان دائما يساعد أهله في أعمال المنزل بل و حتى في الترميم و اصلاح بعض عيوب البيت كان يباشرها بنفسه ليعلم أبناءه أن لا يتكئوا دائما في أعمالهم على الغير. كان لا يحب الإسراف أبدا فبالرغم من وضعه المادي الجيد نوعا ما فإن الإسراف لم يكن له أثر في حياته. و اذا كان يخرج من الغرفة لفترة وجيزة جدا يطفئ المصباح و يأمرنا بذلك دائما. و علمنا أن نأكل المتبقي من أكل النهار في الليل بل و حتى في اليوم الذي يليه و يوصينا بعدم الطبخ زيادة على الحاجة و ان زاد فعلينا أن لا نحذف الزيادة في القمامة حتى لو كانت بسيطة. و أكثر من هذا فإني رأيته عندما يتمضمض و يغسل فمه بعد الطعام يشربماء المضمضة بادئ الأمر فقلت له : لماذا ؟ قال : لأن به بعض ذرات الطعام. و المضمضة الثانية يلقيها في المغسلة. الى هذا الحد كان يحاول اكرام النعمة. من تواضعه أنه كان أحيانا يركب سيارة الوانيت ليذهب الى المسجد و عندما اعترضنا عليه ذلك ، قال : لو كانت عربانة أيضا ما كنت أتكبر في ركوبها. و صدقوني يا أبنائي أن كرامة الإنسن و شخصيته لا تكمن في اقتناء و ركوب سيارة فخمة. الإنسان فخم يتقواه لا بسيارته أو أثاث بيته. و من تواضعه العجيب أيضا أنه أثناء البحث مع بعض أقرانه من رجال الدين كنت ألاحظ أنه اذا استعصى على الطرف الآخر و لم يستطع البحث لجهله بالمسألة ، فورا يغير البحث حتى لا يخجل الطرف الآخر. عندما كان يحضر مجلسا يجلس في أي مكان فارغ و لا يتعب الآخرين في صدر المجلس بإفساح المجال له بل يكره للمرء أن يزاحم الآخرين للجلوس في مكان في صدر المجلس مثلا. و يقول : هذا كبر. و خلاصة القول أنه كان يطبق تماما وصايا قادته و ولاة أمره عليهم السلام في شتى أمور حياته من ملبس و مسكن و معاشرة و حديث و زيارة و غير ذلك.
وفاته:
و أخيرا بعد مضي 75 عاما من الخدمة الجادّة و الحياة الحافلة بالمكرمات انتقل الى جوار ربه بتاريخ 1988/2/15ميلادية الموافق 1408/6/26 هجرية و دفن في مدينة قم المقدسة جوار فاطمة المعصومة عليها السلام و في المسجد الذي يحتضن عادة طلاب العلوم الدينية ليكون قبره في أقدس بقعة من الحرم المقدس. و ذلك بعد أن شيع تشييعا ضخما و شارك في تشييعه و دفنه كثير من المراجع و العلماء الكبار. و بقيت مدينة قم قرابة شهر كامل تقيم العزاء عليه في مساجدها و حسينياتها. و أقيمت له مجالس العزاء في كثير من المدن في ايران و خارجها. له مؤلفات كثيرة منها مطبوعة و منها غير مطبوعة و ناقصة:

1.كتاب شعاع من التاريخ ( للرد على ابراهيم الجبهان ) حيث كان الجبهان لعنه الله قد كتب مقالا في مجلة راية الإسلام السعودية أهان فيها رئيس الطائفة الإمام الصادق عليه السلام و تصدى له السيد علميا و عمليا ففي الوقت الذي كتب كتابا ضده حاول أن يقضي على حياته في الكويت و ما أن علمت الحكومة بذلك حتى أرسلت اليه رئيس الديوان الأميري حينئذ المرحوم درويش العرادي و قال له بالحرف الواحد : ” سمو الشيخ عبد الله السالم ( أمير الكويت المغفور له آنذاك ) يسلم عليك و يقول لك : اطمئن يا سيد فقد طردنا الجبهان و أهله من الكويت بكل ذل و خزي في السيارة الى السعودية و لا يحق له الرجوع أبدا “.
2. شعاع من سيرتنا و سنتنا
3. دروس في الدين ( لطالبات المدرسة الإسلامية الجعفرية التي أسسها في الكويت قبل أكثر من ثلاثين عاما )
4. رسالة في بيان حرمة لحم الخنزير
5. تفسير سورة العصر
6. تقريرات دروس الزكاة ( غير كاملة )
  رحمك الله سيدي و غفر الله لك فقد كنت لي أبا و مربيا و أستادا و مرادا و أنموذجا و قدوة و دليلا و عونا و مرشدا و هاديا   سيد محمد جواد المهري
 
 



التصنيفات :كتب, مقالات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: