ثقافة اللعنة

كثر الكلام في الأيام الأخيرة حول تأثير اللعن أو حتى جوازه للكفار و الظالمين و حتى قتلة الإمام الحسين عليه السلام 

فمنهم من قال بأن الإمام المعصوم كيف يمكن أن يجعل الجزء الأكبر من الزيارة (زيارة عاشوراء)  للّعن ؛ لعن قتلة الحسين و من ساهم في قتله ؟ و منهم من قال بأنه ماذا يفيد اللعن لعظام أصبحت رميمة بل و ترابا ، فماذا ننتفع من لعن التراب ؟! ومنهم من قال بأن اللعنة تنبئ عن نوع من التشاؤم والعنف ونحن لا نحب العنف !

في الجواب لابد من مقدمة موجزة و أنا دائما أوجز في البيان حتى لا يملّ القارئ من البحث :

الإنسان ليس صخرة صماء أو جمادا لا حراك له بل الإنسان عبارة عن مشاعر و أحاسيس بالإضافة الى العلم و المعرفة ؛ يحس بألم الآخرين فينهار و يشعر بفقر الفقراء فتسيل دموعه مدرارا .. يسمع بمصيبة قوم و فاجعة أمة فيصيبه الحزن و الغم و كأن ما حديث لغيره قد حدث له بالفعل . و حينما يسمع بفرحة عزيز و مسرة صديق يبتسم دون اختيار و يفرح من كل قلبه عندما يجتاز ابنه أو بنته مرحلة من مراحل الدراسة المتعمقة و كأنه هو الذي اجتازها . وحتى انه عندما يريد أن يؤدب ابنه ولو بتوبيخ أو عتاب يكسر قلبه ويعتصر فؤاده ألما وحزنا .

هذا هو الإنسان بلحمه و دمه و روحه .. فإن كانت هناك لعنة أصبّها على قاتلي مواليّ فإن اللعنة لا تصب على تلك العظام الرميمة كما تصور البعض بل اللعنة تصب على صاحب تلك العظام و هو الذي لا يموت بموت جسده بل يبقى بروحه في عالم البرزخ يُعذّب بعذاب الله أو يتنعم بنعمه التي لا تُحصى الى يوم القيامة . 

و لكن هل يفيده أو يفيدني اللعن ؟ نعم .. أنا عندما ألعنه فإنما أتبع مواليّ أولا في لعن أعداء الله و لعن الظالمين و في هذا قطعا أجر جزيل لأنني أتقرب الى الله بالبراءة من أعداء آل محمد و اللعنة عليهم  كما هو المتّبع في منهاج رسول الله و أهل بيته الكرام عليه و عليهم السلام .

و أما الطرف الآخر فلا شك أنه كلما ازدادت اللعنات عليه و على روحه الشرسة الخبيثة فإن الله يزيد في عذابه و عقابه و بذلك فليفرح المؤمنون .

و بعد ذلك فإن اللعنة على الظالمين و الجائرين خُلق رباني بل و خلق جميع الأنبياء و المرسلين . قال تعالى : ” ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ”واللعنة هنا لا تنحصر بشخص دون شخص بل لعنة عامة تشمل جميع من يؤمن بالله . و قال تعالى : ” لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم ، ذلك بما عصوا  كانوا يعتدون ” فهنا يذكر الله اسم نبيين من أنبيائه العظام أنهم لعنوا المعتدين بل و حتى العصاة (إن لم يتوبوا الى الله) و هذا نموذج لإغتبار كل الأنبياء من اللاعنين الذين يلعنون الظالمين من كل قوم و أمة . فهذا ديدنهم و هذا خلقهم ، شاء من شاء و أبى من أبى .

ثم ان الله يأمرنا ايحائيا باللعن في قوله تعالى : ” ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب ، أولئكيلعنهماللهويلعنهماللاعنون ” فالأمر لا يقتصر على لعنة الله و الأنبياء فحسب بل هذه سنة الله أن نلعن من لعنه الله و كم من مرة لعن الله الظالمين و المعتدين في القرآن الكريم و كم من لعنة نزلت على الظالمين و العتاة من قبل أولياء الرحمن هنا و هناك ، الى يوم المعاد . فإذا كان الله يدعونا و بصراحة أن نلعن الذين يكتمون حقائق الدين و الشريعة – حسب الآية الكريمة – فإننا لا شك مدعوون الى لعن الظالمين بطريق أولى ، فكيف بمن ظلم آل محمد ، أصفى و أفضل و أكرم و أطهر و أطيب و أسمى خلق الله من الأولين و الآخرين ؟!

و هذا لعمري هو التبري من أعداء الله حيث أننا ملزمون بتولي أوليائه و التبري من أعدائه وهذا في صميم ديننا و عقيدتنا .

و من حسن الحظ أن رسول الله صلى الله عليه و آله قبل عشرات السنين من مقتل الحسين عليه السلام لعن قاتليه وقد نقله الفريقان في كتبهم و لا داعي للإعادة فقد سمعه كل المؤمنون .

روى الحاكم عن عائشة أنّه قال صلى الله عليه وآله وسلم : «ستّة لعنتهم ، لعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب : الزائد في كتاب الله ، والمكذّب بقدر الله تعالى ، والمتسلّط بالجبروت ؛ فيُعزّ بذلك مَن أذلّ الله ويُذلّ مَن أعزّ الله ، والمستحلّ لحرم الله ، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله ، والتارك لسنّّتي» (المستدرك ١-٩١)

و بعد كل هذا فإن الذي قتل الحسين أو قتل أي فرد من أولياء الله أو استحل حرم الله أو انتهك قداسة إمام أو معصوم أو نبي مرسل إنه يعتبر عدوا لنا و الإنسان مفطور بطبعه على بغض المعتدين و الظالمين و المنتقصين لكرامة أولياء الله ، فهل نبتسم في وجوههم أو نبغضهم و نلعنهم و نتبرأ منهم ، تقربا الى رب العالمين ؟
و اصلا تكامل الإنسان وسعادته تكمن في أن يكون محبا لأولياء الله و مبغضا لأعدائه و الا فمثله كمثل الذي يستمع الى سخرية الأعداء من الدين و العقيدة فيجلس معهم و يستمع اليهم و يسكت عن جرائمهم . قال تعالى : ” وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها و يستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ..!! لا حول و لا قوة الا بالله . إنكم إذا مثلهم . هل يمكن السكوت و التغاضي عن كل تلك الجرائم النكرة التي سودت وجه التاريخ ؟ نعم .. ليس عندنا الآن إلا أن نبكي على ما حصل لأوليائنا و ما كنا معهم لننصرهم و نجيب واعيتهم و هذا البكاء أيضا أمر في غاية اللطف و إلا فكنا نموت كمدا و حزنا على موالينا سلام الله عليهم . و ننتظر بفارغ الصبر إمامنا المنتظر روحي فداه لننتقم من أعداء آل محمد في الدنيا قبل الآخرة .

ثم ان لنا في ابراهيم اسوة حسنة ” إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم و مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ” فالبراءة سنة إلهية و سنة نبوية و إذا قال أصحاب ابراهيم لقومهم إنا برآء منكم فنحن نقول بملء الفم الى أعداء آل محمد : إنا والله برآء منكم . ثم إن العداوة و البغضاء بدت بينهم و بين أعداء الله و هكذا فلير العالم أننا نبغض أعداء الله و أعداء آل محمد و نتبرأ منهم و نتقرب الى الله باللعنة عليهم و البراءة منهم في الدنيا و الآخرة. فإن البراءة مثل الولاية بل عدل الولاية : كفان في ميزان الحق لا ينفصلان و لا ينفصمان أبدا مثل ما أن الرحمة و الشدة كفان في ميزان العدل فإننا رحماء بيننا (رحماء بينهم) في الوقت الذي نحن أشداء على أعداء الله ( أشداء على الكفار ) و بهذا التولي و التبري نكون قد أنصفنا أنفسنا و أدينا واجبنا تجاه ديننا و أوليائنا ننتظر الرحمة من الله علينا و على المؤمنين و اللعنة و العذاب الأليم على الظالمين و المعتدين من الآن الى يوم يبعثون .



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: