شرح دعاء أبي حمزة الثمالي (٨٧)

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي (٨٧) :
” وَالمُقامَ فِي نِعَمِكَ عِنْدِي، وَالصِّحَّةَ فِي الجِسْمِ، وَالقُوَّةَ فِي البَدَنِ، وَالسَّلامَةَ فِي الدِّينِ .“

و المُقامَ في نعمك عندي :المُقام مأخوذ من الإقامة أي الدوام و الإستمرار . فالنعمة من الله أمرٌ و استمرار النعمة أمر آخر . قال تعالى عن أصحاب الجنة : ” خالدين فيها حسنت مستقرا و مُقاما“ فالمؤمنون متنعمون في نعيم الجنة ، خالدون فيها ، و انها أحسن مكان يستقر و يقيم فيه الإنسان إقامة دائمة . فطال مُقامه أي طالت إقامته .
الصحة في الجسم : الصحة خلاف السقم و هي السلامة و العافية . ولا شيء من النعم المادية أهم و أفضل من الصحة و العافية فلولا صحة الجسم و سلامته لما استطاع الإنسان أن يعبد ربه حق العبادة بل و ربما أثر في معتقده والعياذ بالله فانحرف عن جادة الصواب و لذلك فإن أئمتنا عليهم السلام يوصوننا أن نطلب العافية دائما من الله و حتى في ليلة القدر نلحّ على العافية و السلامة . جاء في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال : ”عبادالله، سلوا الله اليقين، فإن اليقين رأس الدين وارغبوا اليه في العافية فإن أعظم النعمة العافية فاغتنموها للدنيا والآخرة .“ وهنا يؤكد سلام الله عليه أن العافية هي أعظم النعم . ويأمرنا أن نطلب من الله العافية دائما . و ورد في حديث لطيف عن رسول الله صلى الله عليه و آله حيث يأمر أصحابه بقوله : ”سلوا ربّكم العافية ، فإنكم لستم من أصحاب البلاء .“ أي أن الذين يصبرون على البلاء و على الأمراض هم الخواص و أنتم لا تقدرون على ذلك ، بناء عليه أطلبوا من ربكم العافية حتى لا يبليكم بالأمراض و الأسقام ولا تتمكنوا من أداء حق ربكم و الصبر عليها .
القوة في البدن : الإنسان يحتاج الى قوة البدن ليتمكن من اتيان الواجبات على أكمل وجه فالإنسان العاجز أو الضعيف لا يستطيع أداء الفرائض بسهولة و يُسر ، فما بالك بالمستحبات و النوافل . والمؤمن يحتاج الى قوة في البدن لعبادة أفضل و خدمة أحسن . قال أميرالمؤمنين عليه السلام – كما ورد في دعاء كميل – : ” قوّ على خدمتك جوارحي ” فمجموعة الجوارح هي البدن . و عندما يطلب الإمام أن يقويه ربه لكي يخدمه أي يقوم بأعماله الفردية و الإحتماعية على أحسن وجه ، فإن خدمة ربه ليست مقتصرة على الصلاة و الصيام بل و على خدمة خلق الله و عباده . و هنا أيضا يطلب الإمام السجاد عليه السلام من ربه قوة في البدن حتى يتمكن من أداء فرائضه و خدمة خلقه تعالى .
السلامة في الدين : وهذا أهم مقطع في الدعاء فالسلامة في الجسم أمر ضروري و مفيد و لكن الأهم منه السلامة في الدين . جاء في وصية لأمير المؤمنين عليه السلام : ” اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة، فإذا حضرت بليّة فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم ، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم ، فاعلموا أنّ الهالك من هلك دينه.“ ونلاحظ أن الإمام يوصي بصرف المال لسلامة الجسم و أما اذا كان الدين في خطر فليجاهد بنفسه وحياته في سبيل إبقاء الدين والعقيدة ، لأن الهلاك ، هلاك الدين وليس الجسم .
واللطيف أن الإمام عليه السلام بعد طلب السلامة في الجسم ، يطلب من ربه أن يعينه في سلامة دينه لأن كثيرا من الناس -كالعادة- يتخبطون يمينا و شمالا إذا انحرفت صحتهم و ضعفت قواهم حتي يكادوا يفقدوا دينهم . ولذلك يستدرك الإمام هذا الموقف ليعلن أن الأصل سلامة الدين . والمشكلة أن كثيرا من الناس ، و أنا منهم ! لا نهتم بسلامة ديننا بل تهمنا في المقام الأول سلامة دنيانا مع الأسف فاليوم مثلا و نحن نمر في هذه الجائحة الصعبة و الوباء الموحش ، نرى الناس مضطربين كثيرا – ولهم الحق – و يحاولون بشتى الطرق الحفاظ على أجسامهم من التعرض للوباء لا سمح الله و لكن قلّ من يفكر في آخرته و يعمل لسلامة دينه شيئا . قال رسول الله صلى الله عليه و آله : ” يأتِي على النّاس زمانٌ لا يُبالِي الرَّجلُ ما تَلِفَ من دينه إِذا سَلِمَت له دُنياهُ .“ اللهم سلمنا في ديننا و دنيانا . ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .



التصنيفات :مقالات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: