من يدخل الجنة ؟

thumb2014_103tqu4

سألني أحدهم في رسالة مفصلة أختصرها :

أنتم تعتقدون بأنه فقط ٢٪ من البشر يدخلون الجنة والباقي كلهم في النار ! و تعتقدون بأن من لا يعترف بأئمتكم (رضي الله عنهم) فإنهم من أصحاب النار !

اذن لماذا خلق الله الجنة التي عرضها كعرض السموات و الأرض ؟! ما في داعي لكل هذه المساحة وعدد الواردين اليها قليل جدا ؟!!

أجبته :

أولا : من قال ان ٢٪ فقط من الناس يدخلون الجنة و الباقي كلهم في النار. والقرآن يقول عن لسان الرسول ليقول للناس : لا أدري ما يُفعل بي ولا بكم . فكيف حسبت هذا المقدار الضئيل للدخول في الجنة ؟ هذا الحساب غير صحيح و باطل .

ثانيا : لا أحد يعرف من يدخل الجنة ومن يدخل النار و الله يحاسب كل انسان حسب عقله و بيئته و مقدار استيعابه و تلقيه للشرع فهناك الكثيرون من البشر يُعتبرون من المستضعفين الذين لم يصل اليهم شيئا من الإسلام أو أن المحيط الذي كانوا فيه لم يجعلهم يقتربوا من الدين أو أن عندهم قصورٌ معرفيّ و بالتالي ان كان هؤلاء لم يظلموا أحدا و عملوا بما أمرتهم فطرتهم ، فإنهم  من أهل الجنة .

ثالثا : نحن أيضا عندنا في أحاديثنا انه من كان مسلما ولم تكن في قلبه ذرة من بغض  آل محمد عليهم السلام ولم يظلم أحدا  فإنه يدخل الجنة .

فقد ورد في خصال الصدوق عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال : « إن للجنة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منه شيعتنا ومحبونا، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت.» ويجب التركيز على هذه الذرة .. فالذي يبغض أهل البيت ولو بمقدار ذرة فلن يشمّ ريح الجنة .

رابعا : هناك المرجون لأمر الله  والذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و كثيرون كذلك .. و كل هؤلاء من الذين يرحمهم الله و يغفر لهم و يدخلهم الجنة . طبعا الجنة لها درجات و مراتب تختلف باختلاف الأفراد وأعمالهم في الدنيا .

جاء في الحديث الصحيح في الكافي الشريف عن زرارة قال: دخلت أنا وحمران (أو بكير) على أبي جعفر (الباقر) عليه السلام قلت له: إنّما نمدُّ المطمار، قال عليه السلام: ما المطمار؟ قلت الترّ، فمن وافقنا من علويٍّ أو غيره تولّينا، ومن خالفنا من علويٍّ أو غيره برئنا منه، فقال لي: 

« يا زرارة، قول الله أصدق من قولك ، فأين الذين قال الله عزَّ وجلَّ: إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً؟! أين المرجون لأمر الله؟! أين الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًّا؟! أين أصحاب الأعراف؟! أين المولَّفة قلوبهم؟»!

و زاد حَمَّاد في الحديثِ قال: فارْتفعَ صوتُ أَبِي جعفرٍ عليه السَّلام و صوتي حتَّى كان يسمعه مَن على باب الدَّار . و زاد فيه جَميلٌ عن زُرارَةَ : فلمَّا كَثُرَ الكلامُ بيني و بينهُ قال لي : « يا زُرارةُ حقّاً على الله أن لا يُدخِلَ الضُّلاَّلَ الجنَّةَ . » والضُّلال هم الذي يتعمدون الضلال و يعاندون الإسلام و يخالفون الشرع فهم في النار قطعا و بتّا.

(المطمار :خَيْطُ القِيَاسَاتِ ، الخيط الذي يَّمَدُّ على البناءِ فيُبنى عليه.

التّر : خيط البنَّاء الذي يُبْنَى بحذائه .)

ومن هذا الحديث يتبين بوضوح رفض أهل البيت عليهم السلام للمنطق الضيّق لرحمة الله تعالى و رضوانه . ونلاحظ أن الإمام روحي فداه يرتفع صوته غاضبا لمقولة أن هناك خط فاصل بين الشيعة و بين كل البشر فالشيعة فقط دون غيرهم يدخلون الجنة !! وللأسف الشديد فإن كثيرا من المؤمنين يعتقدون بمثل هذه العقيدة و كأنهم يقسمون رحمة الرب الرؤوف فيما بينهم دون أن يكون لغيرهم أي نصيب منها والعياذ بالله .

وهناك كبار العلماء العظام ، من يعذّرون القاصرين . يقول الإمام الخميني قدس سره :”إنّ أكثرهم (أي الكافرين) إلاّ ما قلّ وندر جهّال قاصرون لا مقصِّرون، أمّا عوامُّهم فظاهر، لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحّة مذهبهم، وبطلان ساير المذاهب، نظير عوامّ المسلمين، فكما أنّ عوامّنا عالمون بصحّة مذهبهم، وبطلان ساير المذاهب من غير انقداح خلاف في أذهانهم، لأجل التلقين والنشوء في محيط الإسلام، كذلك عوامّهم من غير فرق بينهما من هذه الجهة. والقاطع معذور في متابعة قطعه، ولا يكون عاصيًا وآثمًا، ولا تصحّ عقوبته في متابعته. وأمّا غير عوامّهم، فالغالب فيهم أنّه، بواسطة التلقينات من أوّل الطفوليّة والنشوء في محيط الكفر، صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة بحيث كلّ ما ورد على خلافه ردّوها بعقولهم المجبولة على خلاف الحقّ من بدو نشوئهم، فالعالم اليهوديّ والنصرانيّ كالعالم المسلم لا يرى حجّةَ الغيرِ صحيحةً، وصار بطلانُها كالضروريّ له، لكون صحّة مذهبه ضروريّة لديه لا يحتمل خلافه.

نعم، فيهم من يكون مقصِّرًا لو احتمل خلاف مذهبه، وترك النظر إلى حجّته عنادًا أو تعصّبًا، كما كان في بدو الإسلام في علماء اليهود والنصارى من كان كذلك، وبالجملة إنَّ الكفار، كجهَّال المسلمين، منهم قاصر، وهم الغالب، ومنهم مقصِّر، والتكاليف أصولاً وفروعًا مشتركة بين جميع المكلّفين، عالمهم وجاهلهم، قاصرهم ومقصِّرهم، والكفّار معاقبون على الأصول والفروع لكن مع قيام الحجّة عليهم لا مطلقًا، فكما أنّ كون المسلمين معاقبين على الفروع ليس معناه أنّهم معاقبون عليها، سواء كانوا قاصرين أم مقصّرين، كذلك الكفّار طابق النعل بالنعل بحكم العقل وأصول العدليّة. (انتهى كلام الإمام الخميني المكاسب المحرمة ١١٣٣)

و يقول آية الله العظمى السيد الخوئي قدس سره : المعروف بينهم أنَّ الجاهل القاصر غير مستحقّ للعقاب، وهو الصحيح، إذ العقل مستقلّ بقبح العقاب على أمر غير مقدور، وإنَّه من أوضح مصاديق الظلم، فالجاهل القاصر معذور غير معاقب على عدم معرفة الحقّ بحكم العقل إذا لم يكن يعانده، بل كان منقادًا له على إجماله.(مصباح الأصول ٢٢٣٧)

و يقول الآخوند الخراساني رضوان الله عليه في الكفاية : لا يجوز الاكتفاء بالظنّ فيما يجب معرفته عقلاً أو شرعًا، حيث إنّه ليس بمعرفة قطعًا، فلا بدَّ من تحصيل العلم لو أمكن، ومع العجز عنه كان معذورًا إنْ كان عن قصور، لغفلته، أو لغموضة المطلب مع قلّة الاستعداد، كما هو الشاهد في كثير من النساء، بل الرجال، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد، ولو لأجل حبّ طريقة الآباء والأجداد، واتباع سيرة السلف.

خامسا : و إن سلمنا جدلا أن هناك الأقلية من الناس من يدخل الجنة فلو تحسب خلال آلاف السنين ، عمر الحياة فإن العدد يكون كبيرا و بالتالي الجنة وضعها يختلف عن وضع النار ففي النار لا يحتاج الإنسان الى مكان و غرفة نوم و خدم و حشم بل حفرة كبيرة مثلا و يدخلهم الله في هذه الحفرة ليتلقون العذاب و أما الجنة فكل إنسان حسب مقامه و أجره فهناك من له عشرات بل و مئات القصور و الحدائق و الخدم و الحور العين و غير ذلك و بالتالي لابد من مساحة واسعة عرضها كعرض السموات و الأرض .. أين المشكلة ؟

سادسا : و الأهم أنه لو يكفر كل من في الأرض فلا يهمه الله أن يدخلهم كلهم في النار و يخصص الجنة للقليل القليل من أوليائه و أنبيائه .

إذن النعيم الأبدي موجود والله لا يريد لنا الكفر و الضلال بل يريدنا جميعا أن نصل الى النعيم والى جنة الرضوان . قال تعالى : إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور .  وان كان هناك من تقصير فالتقصير منا طبعا و علينا أن نسعى لنصل الى النعيم الموعود بإذن الله و أن تثقل موازيننا فنكون في عيشة راضية وهذا الأمر لا يختص بالشيعي الموالي و غيره فلا قرابة بين الله و بين أحد ، إن كنا حقا نتبع الرسول و ولاة الأمر الذين أمرنا الله بولايتهم فنكون ممن سيُغفر لنا إن شاء الله و إن خفت الموازين لا سمح الله فالويل لنا و لغيرنا .. أعاذنا الله و إياكم منهم .

636831409774416848



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: