هل طلب الماء للرضيع منقصة للإمام ؟

heyhaat

سمعت أحد الخطباء يدعي بأن الإمام الحسين عليه السلام لم يطلب الماء لعبدالله الرضيع لأن هذا العمل يعتبر في حد ذاته مذلة و منقصة !!
و في الجواب أقول :
أولا : لا يمكن أن نرى في كل مواقف ملحمة عاشوراء أثرا من الذلة و المهانة ، ليس في سيد الشهداء عليه السلام بل و حتى في أصحابه الكرام .. ففي حين ينادي الإمام بأعلى صوته : “ هيهات منا الذلة “ نرى أن الأصحاب و فيهم أبناء أبي طالب عليهم السلام ضربوا أروع الأمثلة للكرامة و الشهامة و الشجاعة و العظمة . فلا يمكن أن نرى شيئا يسيرا من الذلة في كل المواقف العاشورائية العظيمة . و إن كان الإمام طلب الماء للطفل الرضيع ( وبفرض صحة الحديث)  فلأجل أن يحاول عن هذا الطريق هدايتهم و الأخذ بيدهم الى جادة الصواب . فلربما تأثروا بهذه الحالة فأبصروا بعد العمى و أفاقوا بعد السكر . وحتى لو كان يعلم الإمام مسبقا أن النتيجة لا تكون إلا بشهادة الطفل الرضيع فمن باب مقدمة هدايتهم ، لا بد من إراءة الطريق لهم عبر إظهار عطش الطفل ، لعلهم يرشدون.
ثانيا : الإمام يريد إتمام الحجة على الأعداء حتى لا يكون لأحدهم عذرا يوم الحساب . و بذلك يغلق أمامهم كل أبواب الرحمة بعد أن كان يريد قطعا هدايتهم و الأخذ بيدهم . ففي جميع الأحوال كان الإمام لا يتوانى عن الموعظة و النصيحة عبر خطبه البليغة أو حتى عبر الكلمات المتداولة بينه و بين الأعداء هنا و هناك .
ثالثا : يريد الإمام بخلق هذه الأجواء ، أن يبين للعالم – فيما بعد – مدى خشونة و قساوة القوم الذين لم يرحموا حتى الطفل الصغير الذي ليس له أي ذنب و لا يوجد في منهاج الحروب ، التعرض للأطفال و النساء . و لكن هؤلاء الذين أعمى الله أبصارهم و جعل عليها غشاوة فقد أظهروا قساوةً لا يمكن أن نرى مثيلا لها في الحروب الدامية طوال التاريخ .
رابعا : الإمام كان بإمكانه أن يخلق الماء في طرفة عين و لكنه لم يعمل بالإعجاز و جعل كل شيء يأخذ مسيره الطبيعي حتى لا يكون لدفاعه عن مبادئه أثرا سيئا في أفكار و قلوب الآخرين . و ربما طلبت الملائكة منه أن يوافق على مساعدتهم له و لكنه يرفض قطعا إن صحت الروايات الدالة على طلبهم منه تقديم العون . لأن كل شيء طبيعي و الإمام لم يظهر أي معجزة و لا كرامة حتى لا يُساء الى تضحيته المباركة .
خامسا : عندما تطلب النساء منه أن يحاول طلب جرعة ماء للطفل ، فلا يمكن للإمام أن يضرب عن طلبهم صفحا و يتغاضى عن محاولة ايجاد ماء يرطب به فم الطفل الناشف من شدة العطش ، و حتى لو يعلم بالنتيجة فلا يرد طلبهن في أمرٍ لا يمكن لأحد أن يرى فيه منقصة أو مهانة . و فوق هذا كله فلا يُعقل أن لا يجيب القوم الى هذا الطلب البسيط رحمة بطفل ظمآن . و لكن أثبتوا أن الرحمة منزوعة من قلوبهم تماما . لا رحمهم الله أبدا .
سادسا : الماء و الكلاء حق مشروع لكل البشر ، فلا يستطيع أحد أن يمنع إنسانا من التزود بمياه الأنهار و البحار لأنها ليست ملكا لأحد فإذا منعوا الحق الطبيعي عنه ، فيحق له مطالبتهم بذلك و ليست فيه منقصة و لا ذلة أبدا .
سابعا : يدعي البعض أن الإمام الباقر عليه السلام لم يقل أن الإمام طلب الماء للرضيع و لكنه عندما تطرّق الى هذا الموضوع قال بأن الإمام حمل الطفل على يديه و جاء به الى المعسكر فما كان منهم إلا أن قتلوه على يدي أبيه . وإن كان الحديث هذا صحيحا ، فلماذا أتى به الإمام ؟ هل كان عليه أن يدافع عن أبيه ؟ طبعا لا . و لكن الواضح أن الإمام أتى به لطلب الماء له بعد أن ألحّت النساء عليه . و أما الإمام الباقر عليه السلام وإن لم يتطرق الى حيثيات القصة ، فليس ذلك دليلا على عدمها.

والله أعلم
و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: