بحث موجز في التوسل

large-التوسل-إلى-الله-وانتظار-فرجه-b8267التوسل بمعنى القرب لغويا والوسيلة اصطلاحيا ، و هو من صميم معتقدات الإمامية لا محيص عنه و لا مفرّ منه .

بادئ ذي بدء لابد من مقدمة مختصرة و هي أن طلب الحاجة من الآخرين أمرٌ مألوفٌ لدى الجميع . يقول الشاعر:

الناس للناس من بدوٍ و من حضر ** كلٌ لكلٌٍ و إن لم يشعروا خدمُ

فالجميع محتاجون لقضاء حوائجهم اليومية الى أصناف من البشر مثلهم فأنت عندما تريد أن تشتري خبزا لابد لك من مراجعة الخباز و الخباز لتهيئة الخبز يحتاج الى الطحين و صاحب الطحين محتاج الى الفلاح و هكذا تدور الدوائر و الواحد منا يقضي حوائجه يدا بيد . و قد شاءت السنة الإلهية أن تكون هذه الوسيلة جارية في الأمور المعنوية أيضا . و بالرغم من أن الشفاعة (وهي النتيجة الغائية للتوسل) لا تتحقق إلا برضاه سبحانه و لا يشفعون الا لمن ارتضى و لكن ربما لأجل عين ألف عين تُكرمُ . و ربما كان الهدف الأرفع هو رفع درجة المشفَّعين و تقديرا لخدماتهم الجليلة و لعبوديتهم المحضة و لعرفانهم و عبادتهم و خلوصهم و صفائهم .

و لتقريب الذهن لا بأس بالخروج من المجال المعنوي و الرجوع الى الدنيا التي نأنسها و نألفها فأنت يا عزيزي عندما تريد أن تطلب حاجة من شخصية كبيرة و مسئول مرموق ، تبحث عن وسيلة ( وما نسميه واسطة) حتى يشفع لك عنده و لا يردك المسئول خائبا . فكيف بك و تريد أن تطلب حاجة من الذي هو أكبر من أن يوصف و أعظم من كل عظيم ، الجبار المتكبر المتعالي . لا ضير من البحث عمن هو أقرب الناس اليه أو من أقربهم و أخلصهم حتى يشفع لك و تضمن رضوانه.

و كما أن هناك أياما مشهودة لها بالخصوصية مثل ليلة القدر و ليلة النصف من شعبان و ليلة الجمعة فهناك أشخاص مميزون اصطفاهم الله من دون خلقه و طهرهم تطهيرا . فإن كان الإستغفار أمرا محمودا و هو الذي يؤجل العقاب و يبدل السيئات حسنات ، فإن استغفر لك العبد المخلَص ، سوف يترتب عليه أمرا آخر و أثرا أحمد ، فالذي يتوجه الى رسول الله و الأئمة المعصومين عليهم السلام و يجعلهم شفعاءه و يتقرب اليهم و يتوسل بهم ، لأجل تلك المكانة الرفيعة و الدرجة العالية و المقام المحمود ، فقد أصاب كبد الحقيقة قطعا و هذا هو التوحيد بعينه خلافا لما يتهمنا العوام بأنه مساوق للشرك و العياذ بالله .

فالذي يطلب من الرسول أو الإمام بل و من الصلحاء و الشهداء و الصديقين يعرف تماما أنه مجرد وسيلة و واسطة و لكن وسيلة خاصة و انسان وجيه كريم و لا يطلب الحاجة منه دون الله لأن الله هو المؤثر الوحيد في الكون و لا يمكن لأحد مهما اعتلى شأنه أن يكون مؤثرا بالإستقلال و لذلك نراه سبحانه يؤكد لنا في مسألة معجزات المسيح عليه السلام بكلمة بإذني أو بإذنه و يكررها حتى لا يتفكر أحدنا أن المسيح بنفسه قادر على احياء الموتى أو شفاء المرضى.

و من هذا المنطلق يأتي الطلب من الرسول أو الإمام أمرا مرغوبا إيجابيا مقبولا . قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة و جاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون

و القرآن في هذه الآية يأمر المؤمن باتباع خطوات ثلاث حتى يصل الى الفوز و الفلاح :

١ أولها و أهمها التقوى .. فالتقوى باعثة على الكفّ عن المعاصي قدر الإمكان.

٢ ابتغاء الوسيلة للتقرب الى الله . و ان كانت التقوى بمعنى ايجاد المانع بين الله و عقابه ، فالله يأمرنا أيضا أن نجعل لهذا الغرض وسيلة بيننا و بينه . اذن فالأمر جائز و مشروع .

٣ و في المرحلة الأخيرة يأتي موضوع الجهاد . و الجهاد أعم من جهاد الكفار أو المبارزة مع النفس بل الثانية أهم . و بعدئذ يكون لنا الفلاح و الوصول الى مقام الرضا ان شاء الله .

يناء عليه نستنتج أننا نستطيع أن نجعل الصلحاء و الأنبياء و الأئمة وسطاء و وسائل بيننا و بين ربنا ، لا لأننا لا نستطيع الإستغفار مباشرة فذلك أمر آخر و الله أقرب الى الإنسان من حبل الوريد و لكن اضافة اليه لا بد من طلب الإستغفار من الصلحاء حتى يستجيب الله لنا اكراما لهم . و مثل ما طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم الله فنحن أيضا نطلب من نبينا أو إمامنا أن يستغفر لنا الله .

قال تعالى : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما نلاحظ أنه في هذه الآية جمع الله تعالى بين الإستغفار المباشر و الإستغفار الوسائطي فأنت تستغفر الله و تطلب من ارسول أيضا أن يستغفر لك حتى تجد أن الله قد تاب عليك فهو التواب الرحيم .

و ليس الرسول فحسب من يستغفر بل هناك الملائكة المقربون أيضا و يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة و علما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك و في آية أخرى : والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض..”

و هناك شبهة أخرى يتشبث بها القوم و هي أن التوسل صحيح إن كان الطرف الآخر من الأحياء و أما التوسل من الموتى فأمر منكر ؟!و لذلك يقبلون أن الخليفة الثاني توسل بعم الرسول في الإستسقاء لقربه من رسول الله و لكن في حياته ! ولم يقبلوا التوسل من الموتى.

عجيب أمرهم .. فهذا الذي يأمرنا القرآن أن نتوسل اليه هو الرسول .. فكيف يكون الرسول ميتا و الشهداء قد أكرمهم الله بالحياة البرزخي و جعلهم من المكرمين . بل و فوق هذا كله فإن الموت و الفناء للجسم و الروح باقية خالدة دائمة . و ليست فقط أرواح المعصومين و عباد الله المخلصين بل حتى أرواح الكفار و المشركين أيضا موجودة حيّة و لكن أولئك في نعيم و هؤلاء في جحيم (في عالم البرزخ)

فالإنسان لا يموت أصلا و لذلك نرى أن الشهداء يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أي أنهم ينتظرون المؤمنين و يبشرونهم (باستمرار) أي أن الشهداء يعلمون أحوال المؤمنين و أخبارهم .

و اني على يقين بأن الصالحين ممن تركونا و أصبحوا من الأحياء (في عالم البرزخ) لهم علاقات مع من في الدنيا بصورة أو بأخرى فالعلائق لن تنقطع تماما و تدل عليها الرؤى الصالحة التي تخبرنا بوضوح أن هناك ارتباطا وثيقا بينهم و بيننا. و قد رأيت بنفسي رؤيا صالحة لأحد أولياء الله من العلماء و قد استجاب طلبي لموضوع خاص .

النتيجة أن التوسل بأولياء الله للتقرب الى الذات المتعالية أمرٌ مستحسن بل و من الأمور المسلّمة القرآنية التي لا يمكن التغافل عنها أو إنكارها إلا من كان جاحدا والعياذ بالله و التوسل من منطق القرآن أمر صحيح و نحن يا أعزائي لكثرة ذنوبنا و معاصينا قد ابتعدنا عن المحبوب كثيرا (أستجير بالله) فكيف نستطيع المثول أمام الجبار العظيم بدون واسطة و وسيلة تشفع لنا عنده و تقربنا اليه و ترفع عنا حجب الظلمة ، ليكون الرب بنا رحيما و يغفر لنا ذنوبنا ان شاء الله .



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: