موسوعة صفات المؤمن

كثيرا ما يتساءل المرء : كيف يجب أن أكون ؟ و ما هي الصفات التي ان توافرت في انسان يكون مؤمنا حقا ؟

أئمتنا عليهم السلام أرشدونا بأحاديثهم المباركة الى الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمن ليكون مؤمنا حقا . و من هذه الأحاديث رأيت حديثا يستوعب كل الصفات الإيمانية للمؤمن الواقعي و أكاد أسميه موسوعة صفات المؤمن .

روي عن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السَّلام ) أنه قَالَ :

الْمُؤْمِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ ، وَ حَزْمٌ فِي لِينٍ ، وَ إِيمَانٌ فِي يَقِينٍ ، وَ حِرْصٌ فِي فِقْهٍ ، وَ نَشَاطٌ فِي هُدًى ، وَ بِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ ، وَ عِلْمٌ فِي حِلْمٍ ، وَ كَيْسٌ فِي رِفْقٍ ، وَ سَخَاءٌ فِي حَقٍّ ، وَ قَصْدٌ فِي غِنًى ، وَ تَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ ، وَ عَفْوٌ فِي قُدْرَةٍ ، وَ طَاعَةٌ لِلَّهِ فِي نَصِيحَةٍ ، وَ انْتِهَاءٌ فِي شَهْوَةٍ ، وَ وَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ ، وَ حِرْصٌ فِي جِهَادٍ ، وَ صَلاةٌ فِي شُغُلٍ ، وَ صَبْرٌ فِي شِدَّةٍ ، وَ فِي الْهَزَاهِزِ وَقُورٌ ، وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ ، وَ لا يَغْتَابُ ، وَ لا يَتَكَبَّرُ ، وَ لا يَقْطَعُ الرَّحِمَ ، وَ لَيْسَ بِوَاهِنٍ ، وَ لا فَظٍّ ، وَ لا غَلِيظٍ ، وَ لا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ ، وَ لا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ ، وَ لا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ ، وَ لا يَحْسُدُ النَّاسَ ، يُعَيَّرُ وَ لا يُعِيِّرُ ، وَ لا يُسْرِفُ ، يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ ، وَ يَرْحَمُ الْمِسْكِينَ ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، لا يَرْغَبُ فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَ لا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا ، لِلنَّاسِ هَمٌّ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَ لَهُ هَمٌّ قَدْ شَغَلَهُ ، لَا يُرَى فِي حُكْمِهِ نَقْصٌ وَ لا فِي رَأْيِهِ وَهْنٌ ، وَ لا فِي دِينِهِ ضَيَاعٌ ، يُرْشِدُ مَنِ اسْتَشَارَهُ ، وَ يُسَاعِدُ مَنْ سَاعَدَهُ ، وَ يَكِيعُ عَنِ الْخَنَا وَ الْجَهْلِ .

( الكافي 2/231)

الْمُؤْمِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ

الإيمان مصدرآمنو هو مشتقّ من الأمن ( ضد الخوف ) و الإيمان هو الإقرار و الإعتقاد و التصديق .

قال تعالى : ” و ما أنت بمؤمن لنا و لو كنا صادقينأي لست بمصدّق لنا .

و يتضمن لفظ الإيمان ، الأمانة .. فالأمانة تأتي من الإطمئنان .

و الإيمان إصطلاحاً : تصديق بالقلب و تلفظ باللسان و عملٌ بالأركان .

قال تعالى : ” إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوافالمرتابون هم الشكاكون و الذين يقولون ما لا يفعلون . ” يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهملذلك نطلق عليهم صفة المنافقين .. فحتى هؤلاء بعد ما شهدوا الشهادتين يكونوا مسلمين و لكن أنى لهم الإيمان

فالمؤمن أخصّ من المسلم و أعلى صفة و أكبر درجة منه . ” قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم “.

و لقد حصر الله تعالى المؤمنين بالذين يخشون ربهم أشد خشية كأنهم يرون النار و يسمعون حسيسها و يرون الجنة و يتلذذون بنعيمها من شدة يقينهم .

قال تعالى : ” إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا و على ربهم يتوكلون ” .

و يتضح من الآية أن الإيمان درجات و المؤمن كلما ازداد تكامله ازداد إيمانه .

المؤمن له قوة في دين

أول ما يتبادر الى الذهن أن الدين بسماحته و مرونته يتنافى مع القوة و الغلظة .. فالدين يدعو دائما الى التخلق بالأخلاق الحسنة و اللين في الخطاب و الإحسان في المجادلة و الرحمة بين المؤمنين و ينفي كل آثار الخشونة و الغلظة .

و لكن القوة شيء آخـر . القوة هي العــزة و العــزة هي الغلبــة و لعمري انها تنحصر في الله و رسوله و المؤمنين .(( و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين )) .

فالمؤمن ان كان متواضعـا لينـا في تعـامله مع المؤمنين .. عليه أن يكون قويا شديـدا في مجابهـة أعــداء الله ( أذلة على المؤمنين أعـزة على الكافرين ))

و المؤمن حتى لو كان في الأسر أو الحبس فلن يذلّ نفسه لأنه قوي و الإيمان هو الذي يدعــوه الى أن يكون قــويا . ” المؤمن القويّ خير و أحب الى الله من المؤمن الضعيف ” .

و هــذه القوة ليست قوة دافعــة فان من باب نشر العــدالة و الأمن في المجتمـتع لا بد من اظهـار القوة و الغلبة و ابرازهـا حتى تطمئنّ قلوب الناس .

(( يا أيها النبي جاهد الكفــار و المنافقين و اغلظ عليهم )) .

و حـزمٌ في ليــن

الحزم : بمعنى الشدة .. الحذر .. الإحتياط و الحيطة و شدة المراس

و يقال للحزام حزاما لأنه يشدّ الظهر . جمعه حيازيم و أحزمة .

جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام : ” اشدد حيازيمك للموت ** فإن الموت لاقيكا

الليْن و الليّن : ضد الخشونة . و بمعنى الملاطفة .. الدماثة .. السلاسة .. الهوادة .. الإغماض .

قال تعالى : ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضّوا من حولك

و جاء في حديث رسول الله (ص) : ” يتلُون كتاب الله لينايعني سهلا على ألسنتهم .

و ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله في ذكر المتقين : ” فباشروا روح اليقين و استلانوا ما استخشن المترفون

و يقال : فلانٌ لين العريكة أو لين الجانب أي سَمِحٌ سهل الأخلاق

المؤمن حازمٌ جازمٌ ، جادّ في أمره ، لا وَهِنٌ في رأيه و لا ضيّاعٌ في دينه و في نفس الوقت هَيّنٌ ليّنٌ هَشّ بَشٌّ يداري الناس و يماشيهم و يعاشرهم في أخلاق فاضلة و خصال حميدة و سجايا حسنة .

و خلاصة القول أن المؤمن على الرغم من دقته و شدته و حيطته فإنه لين الجانب ، سهل العريكة ، سبط الخليقة ، سلس الطبع ، مسامحٌ يتغاضى و يعفو و ليس بشَرسٍ جافٍّ غليظ الطبع عَسِر الخلق .

و هذه الفقرة تدلنا على أن نكون حازمين جازمين في مواقع تقرير المصير و في مراكز الدعوة الى الله والتبليغ الى دينه والدفاع عن المظلومين و محاربة الظلم و الفسق و الفقر والتجاوز ، و في نفس الوقت نجادل الآخرين و نتباحث معهم بالحكمة و الإحسان و اللطف والليونة والبشاشة و نعاشر الناس عامة بالأخلاق الحسنة و الخصال الحميدة و الهدوء و اللطافة والبشر كما كان دأب أوليائنا سلام الله عليهم.

و إيمان في يقين

اليقين أعلى مراتب القطع و الجزم و العلم . و ان كان العلم يرتبط بالعقل فاليقين مرتبط بالقلب و متعلق بالنفس .

يقول الإمام الخميني : ” اذا صدق القلب فعند ذلك يأتي اليقين ” .

و باعتقادي أن العلم بالقلب لا يأتي الا بعد رسوخ الشيء في العقل و ثباته و يحتاج الى تفكر و تأمل و علم و عمل و رياضة نفسية و جهد قلبي . فاذا وصل الإنسان الى الرسوخ و الثبات في القلوب فانه ترقى الى مرتبة اليقين ، أعلى مراتب العلم .

يقول تعالى : ” كلا لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم ثم لترونّهــا عين اليقين

علم اليقين و عين اليقين .. هذا ما يصبو اليه المؤمن المتقي .. فاذا عبد الله يعبده كأنه يراه و اذا خشي النار يخشاها كأنه يسمع شهيقها و زفيرها و اذا اشتاق الى الجنة يراها بقلبه حاضرة أمامه .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ” كفى باليقين غنىفلا ثروة أكبر من اليقين لأن باليقين يكتمل الإيمان و لذلك نرى أئمتنا عليهم السلام كانوا يسألون الله أن يرزقهم اليقين .

و ان مراتب اليقين أيضا تختلف و درجاته تتفاوت حتى يصل الى القمة .. إلى أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول :

لو كشف الغطاء ما ازددت يقينــا

مراتب اليقين :

اليقين له مراتب و درجات ثلاثة :

1- علم اليقين 2- عين اليقين 3- حق اليقين

و كما جاء في سورة التكاثر قوله تعالى : “كلا لو تعلمون علم اليقين * لترونّ الجحيم * ثم لترونّها عين اليقينفإن علم اليقين جسرٌ للوصول الى عين اليقين .

اذا تطور اليقين من مرحلة المعرفة الذهنية إلى المعرفة العينية ( الخارجية ) فإن الإنسان يرى و يشاهد ما كان يعرفه معرفةٌ ذهنية .

فإذا وصل الإنسان الى علم اليقين يستطيع أن يرى جهنم. أي أننا اذا ارتقينا الى مرحلة علم اليقين ، نملك عندئذ زاداً يصلنا الى عين اليقين .

اذن علم اليقين هو تصوير للأمر اليقيني فعندما نقرأ القرآن و نحن مؤمنين ، نعرف أن هناك جهنما و جنة و سقرا و نعيما و لكن اذا زادت مرتبة اليقين و ازدادت درجة التكامل فحينئذ عندما نقرأ آية فيها ذكر النار ، تقشعرّ جلودنا فكأننا نراها أمامنا و نسمع زفيرها و شهيقها و نرى الكفار و المنافقين يتعذبون فيها و عندما نقرأ آية فيها ذكر الجنة نشم رائحتها و نستمتع بنعيمها و نحن في هذه الدنيا . هذا هو عين اليقين .

أضرب لكم مثلا لتوضيح الأمر :

عندما يرى أحدهم في الخارطة دولة الكويت مثلا فإنه يثق بوجود هذا البلد ( علم اليقين )
و لكن عندما يرى التلفزيون ينقل  جوانب من البلدة بصورة مباشرة يتيقن باليقين العيني بوجود الكويت ( عين اليقين ).
و عندما يسافر الى الكويت لا يشك أبدا في وجود هذه البلدة ( حق اليقين ) .

اذن حق اليقين أعلى مراتب اليقين و لا يحصل للإنسان المؤمن الا اذا فني في الله و انقطع عن غيره فلا يرى شيئا الا و يرى الله قبله و بعده و فيه و له كأنه يرى الله

قال الإمام الحسين سلام الله عليه في دعاء يوم عرفة (حسب بعض الروايات) : (( عميت عينٌ لا تراك عليها رقيبا ))

فلا يوجد حجابٌ أمام أعين أولياء الله العارفين حق المعرفة لأنه ليس وراء الحق المطلق شيء يحجبه .

و علمٌ في حِــلم

الحلم بمعنى الأناة و الرصانة و الرزانة و الوداعة و الوقار و السكينة و الرفق و الدعة و ضبط النفس .

و مضاد الحلم : السفاهة و الخفّـة و الطيش و السخافة و العجلة و عدم الصبر و الإضطراب .

يقال للحليم : واسع الخلق ، رحب الصّدر ، بعيد الأناة ، وقور النفس ، راجح الحلم ، خافض الجناح ، رصين ، رزين ، وزين ، وادع ، حصيف .

و ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام كثيرا من صفات الحليم و ضرورة تقارن العلم بالحلم منها قوله :

لن يثمر العلم حتى يقارنه الحلم ” .

نعم وزير العلم الحلم

لا علم لمن لا حلم له ” .

فالعلم مرادفٌ و مقارنٌ بالحلم . و رب انسان قد بلغ مبلغا كبيرا من العلم و لكن ليس له سعة صدر ، فكأنه لا علم له لأن مثله لا يمكن الإنتفاع منه ، و اذ ذاك لا ينفعه علمه مهما بلغ شأنا رفيعا ، لا في الدنيا و لا في الآخرة ، فإن زكاة العلم نشره و لا يمكن نشره الا بسعة الصدر و الحلم و تحمل المتسائلين و المتعلمين .

و الحلم أثمن و أغلى رداءٍ يلبسه العالم المتواضع و بلغ من عظمته أن الله عندما يصف خليله ، يصفه بالحلم :

إن إبراهيم لحليمٌ أواه منيب ” . إن إبراهيم بطيء الغضب واسع الصدر، متذلل لربه خاشع له منقاد لأمره كثير الرجوع اليه.

و يصف ابنه اسماعيل أيضا بالحلم :

فبشرناه بغلامٍ حليمٍ ” . والعجيب أن الله يبشر ابراهيم بغلام أي طفل حليم و معنى ذلك أن هذا الطفل كان حليما و هذه صفة الكبار فهو كبير جليل القدر حتى في صغره و طفولته .و يا له من مقام .

فالعلم  لا بدّ أن يرافقه الحلم و التأني و الصبر على عثرات الجاهلين و شكوك المعترضين و هفوات السائلين حتى يتمكن العالم الحليم من هدايتهم الى صراط الله المستقيم و جرّهم الى الخير و إبعادهم عن مزالق الهوى .

و كيْسٌ في رفق

الكيْس : الفطنة .. الحصافة .. الرصانة .. الجزالة .. النبل

في مقابل : الحمق .. السخافة .. الخرف .. خفة العقل .. ضعف التمييز .. الرعونة .. الخبالة .. اختلاط العقل .

جاء في الحديث النبوي : ” المؤمن كيّسٌ فَطِنٌ

و الكيّس هو العاقل الرزين ، ذو اللب ، راجح الحصاة ، مستحكم العقل ، نافذ البصيرة ، داهية ، متوقد الذهن ، بعيد الدرك ، نيّر الفهم ، صافي الذهن .

جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه و آله : ” الكيّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ” .

و في حديثنا الذي نحن بصدد توضيحه رافق الإمام سلام الله عليه الكيس مع الرفق . فما علاقتهما ببعض ؟

الكيس هو الإنسان الفطن الذي يدرك ما لا يدركه الإنسان العادي الساذج ، فالمؤمن اذا كان كيّـسا فطنــا ( و لابدّ له أن يكون كذلك ) فعليه أن لا يتمادى في دهائه و فطنته لينقلب أمره الى داهية نكرة ، و مخادع متثعلب ، ذلك لأن الفطنة توحي الى الإنسان أن يخدع صديقه و يمكر عليه و لكن المؤمن بالرغم من كياسته و فطانته فإنه لا يتخطى حدوده المشروعة التي رسمها الله له .

و الأمر الآخر أن الإنسان اذا كان فطنا بعيد الدرك نافذ البصيرة فانه ربما ظن بأخيه المؤمن ظنّ السَّوء ، فعليه أن لا يجزم بما يظنّ طنا و أن يحمل عمل أخيه المؤمن على سبعين محمل ، و أن لا يُسرف في الحيطة حتى لا يقع في الوسواس المحذور .

و سخاء في حق

السخاء ، الجود ، الأريحية ، السماحة ، الكرم ، العطاء ، الفيض ، الندى ، البذل

و السخي هو الجواد ، المعطاء ، الأريحي ، سمح الكفين ، سَبْط البنـان ، رَحْب الجَنان ، طلق اليدين ، باسط الكف ، كثير النوال ، واسع العطاء .

و في مقابله : البخيل ، الشحيح ، الضنين ، اللئيم ، الممسك ، الجحد ، النكد ، جامد الكف ، ضيق الصدر ، مقفل اليدين ، ناضب الخير ، مقبوض اليد .

قال الإمام الصادق عليه السلام : ” السّخــاء من أخلاق الأنبياء ، و هو عماد الإيمان ، و لا يكون مؤمنا الا سخيا ، و لا يكون سخيا ذو يقين و همة عالية ، لأن السخاء شعاع نور اليقين .”

السخاء و الجود غايةٌ في الحسن فلا حسن للمرء و لا جمال لقلبه أجلى و أنقى و أصفى و أروع من السخاء حتى بات الشاب السخي المقترف للذنوب أحبّ الى الله من الشيخ العابد البخيل و ان خيار الناس سمحاؤهم و أسخياؤهم و شرار الناس بخلاؤهم كما جاء مكررا في روايات المعصومين عليهم السلام .

و هذه الصفة من أفضل الصفات و الملكات الإنسانية فقد حكم بحسنها العقل و مدحها الشرع أكثر مدح .

و المهمكما جاء في الحديثأن يكون السخاء في موارد صحيحة لا باطلة ، فرُبّ انسان يسخو بماله و يجود بحلاله في ما لا يقبله العقل أو لا يرتضيه الشرع فيكون سخاؤه وبالا عليه ، و لكن اذا كان السخاء بحق ( دون سرف ) و في حق ( في موارد معقولة ) فيكون أفضل رداء و أجمل لباس يتحلى به الإنسان و يرتديه المؤمن .

و لا شك أن السخاء يجب أن لا يتخطى حدوده فيصل الى درجة لا تحمد عقباه و لا يلوم المرء اذ ذاك الا نفسه . قال تعالى : ” لا تجعل يدك مغلولة الى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا

فالإقتصاد هو الطريق الصحيح و هو المعيار الحق للجود و السخاء .

و قصدٌ في غِنىً

القصد هو ما بين الإسراف و التقتير . و هو الإعتدال و الوسطية . جاء في الحديث : ” ما عال من اقتصد “. أي ما افتقر من اعتدل في معيشته .

قال تعالى : ” و لا تجعل يدك مغلولة الى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً

الغنى : هو اليَسـار و كثرة المال و عدم الحاجة الى الغير و هو ضد الفقر و العَسار .

قال الإمام الكاظم عليه السلام : ” من اقتصد و قنع ، بقيت عليه النعمة و من بذّر و أسرف ، زالت عنه النّعمة .”

النظام الإسلامي مبتنٍ أساساً على الإقتصاد في كل شيء حتى في العبادة فأئمتنا يحرضوننا على القصد و الإعتدال حتى في عبادتنا ، ذلك لأن كثرة العبادة ربما أدت الى الملل و التعب و الإرهاق الجسمي يتبعه الإرهاق الروحي ، لذلك فالإقتصاد مطلوب في كل شيء .

و المؤمن بطبيعة حاله يتبع القصد و العدالة في معيشته و انفاقه ولو كان كثير المال غنيا مترفا .. فكثرة المال لا تدعوه الى الإسراف و الخروج عن الحدود المتعارف عليها في النفقة على أهله و عائلته . ذلك لأن الإقتصاد بالإضافة الى أنه عامل دوام النعمة و بقائها ، فإنه من العلائم المميزة للمؤمن .

قال تعالى في خصائص المؤمنين في سورة الفرقان :

” … اذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما

 يروي الصدوق في خصاله (١٥٨) عن  العياشي حيث يقول : استأذنت الرضا (ع) النفقة على العيال ؟ فقال : بين المكروهين . قال فقلت : جعلت فداك لا و الله ما اعرف المكروهين ، فقال : بلى يرحمك الله أما تعرف ان الله تعالى كره الاسراف و كره الاقتار فقال : و الذين اذاانفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما . و ضرب الامام الصادق عليه السلام مثلا لذلك فأخذ قبضة من حصى و قبضه بيده فقال : هذا الاقتار الذي ذكره الله عز و جل في كتابه ثم قبض قبضة أخرى فأرخى كفه كلهــا ثم قــال : هذا الاسراف ثم أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها و امسك بعضها و قال : هذا القوام .

و رأيت في حديث عجيب عن مولاي رسول الرحمة صلوات الله عليه و آله ، أن رجلا جاء بلبن و عسل اليه ليشربهما الرسول ، فقال (ص) :

شرابان يُكتفى بأحدهما عن صاحبه .. لا أشربه و لا أحرّمه و لكني أتواضع لله .. ثم قال : و من اقتصد في معيشته رزقه الله .”

و تجمّلٌ في فاقة

التجمل هو التكلف في التجميل و يعطي معنى التعفف و المروءة .

المتعفف هو الذي يصون عِرضه من الدنس ، و هو كريم النفس ، أصيل الحسب ، يرضى بميسور عيشه ، و يقنع بالكفاف و لا يمد يديه الى الناس إلحافا ، بعيد من الخِسّة و الطمع و الدناءة و الوِضاعة .

و خلاصة القول أن التجمل هو الرضا و القناعة و التعفف .

و أما الفاقة فهي الفقر و العوز و الحاجة و الإملاق و الضائقة و الخَصاصة و الضنك و الضيق و العالة و العُسرة و المتربة و المسكنة .

و لا يوجد للفاقة فعل . و يقال رجل ذو فاقة أو إنه لمُفتاق .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله : ” ألا و من البلاء الفاقة .. و أشدّ من الفاقة مرض البدن ” .

و المؤمن مهما كان في عسر و فاقة و حرج فانه لا يمكن أن يحقر نفسه و يرميها بالدونية لمجرد الفقـر و الحاجـة ، فإن الصبر و تحمل الوضع الموجود الذي يرتضيه الله له ، جُنـةٌ واقية من الفاقة التي تذوي بكرامة النفس .

قال تعالى : ” يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف  تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافاالجاهل الذي لا يعرف حالهم ، اذا رآهم يعتقد بأنهم أغنياء لعدم إظهار الفقر و العوز أمام الناس ، ولكنك يا رسول الله تعرف الوضع المزري لهم في النظر الى وجوههم لأن وجوههم شاحبة مصفرة يبدو عليها الفقر و الحاجة ولو أنهم لتعففهم و كرامتهم لا يسألون الناس إلحافا أي الحاحا . واصرارا . أو انهم لا يسألون اصلا تعففا منهم لأنهم لو كانوا يسألون لم يظنهم الجاهل أغنياء ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين ولو كانوا يسألون ما احتاج العقلاء الى النظر بشدة و حدة في وجوههم لمعرفة حالهم ، لأن سؤالهم كان كافيا للتعرف على وضعهم المادي . و من هذا يتبين أن الإصرار في السؤال أمر مكروه مذموم غير محبب . بالإضافة الى أن المذكورين في الآية الشريفة لا يسألون الناس لا الحافا و لا غير الحاف ، فهم قانعون راضون بالوضع الذي ارتضاه ربهم لهم .

لابد من الإشارة الى أنه ليس معنى ذلك أن الإنسان لا يسعى في طلب المال لإعاشة نفسه و أهله بل السعي في طلب الرزق من أقرب القربات و لكن اذا جد و اجتهد و كانت الأبواب  موصدة أمامه بابتلاء من ربه ، فعليه إن كان مؤمنا متقيا أن يرضى بالفقر و لا يخرج عن طوره و لا يذهب بماء وجهه عند اللؤماء لأجل الحصول على بعض المال  وانه لعمري لأمرٌ صعبٌ.

أما الفاسق أو الكافر فلا يكون عادة عفيف النفس لأن نفسه شرهة حقيرة بعكس المؤمن الذي يقنع بالقليل و يزهد في الدنيا و ملذاتها و لا يستسلم أبدا للحرص و لا يفقد صبره عند فقره و فاقته .بل يتجلّد و يتعفف و لا يفقد توازنه و لا يذهب ببهاء وجهه .

جاء في الحديث : “العفاف زينة الفقــر

فطوبى للمؤمن المتعفف الوقور .

و عفوٌ قي قدرة

و ما أوضحها من جملة فالعفو عند المقدرة من شيم الكرام .

العفو هو الصفح و اغضاء الطّرف و التجاوز و المحو و المغفرة و إقالة العثرة .

يقال : رجلٌ عَـفُـوّ ، صفوح ، بعيد الأناة ، واسع الحلم ، رحب الصّدر .

في مقابل المؤاخذة و الإنتقام و العقاب و الإنتصاف .

و العَفُوّ من أسماء الله تعالى فهو الذي يتجاوز عن ذنوب العباد كما جاء في القرآن الكريم : ” و كان الله عَفُوا غفورا

قال الإمام الصادق عليه السلام :

العفو عند المقدرة من سنن المرسلين و المتقين و تفسير العفو أن لا تلزم صاحبك فيما أجرم ظاهرا و تنسى من الأصل ما أصبت منه باطنا و تزيد على الإختيارات إحسانا ، و لن يجد الى ذلك سبيلا الا من قد عفى الله عنه و غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر ، و زيّنه بكرامته ، و ألبسه من نور بهائه لأن العفو و الغفران صفتان من صفات الله عز و جل أودعهما في أسرار أصفيائه ليتخلقوا مع الخلق بأخلاق خالقهم و جعلهم كذلك ..”

و هل بعد هذا التوضيح ، توضيح .. سلام الله عليك مولاي

قال تعالى : ” و ليعفوا و ليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ” . و في كلمة و ليعفوا و أيضا وليصفحوا تأكيد و تحريضٌ على العفو و الصفح و مقابلة الإساءة بالإحسان .

ثم يأتي الإجابة من الله : أ لا تحبون أيها المؤمنون أن يغفر الله ذنوبكم بسبب عفوكم عن إخوانكم ؟وهذا من لطف الله علينا أن يغفر لنا و يصفح عنا إذا عفونا عمن ظلمنا و صفحنا عن أخطاء إخوتنا في الله . ذلك لأن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر عمن أخطأ في حقك ، فإن الله أيضا يغفر لك عن ذنوبك .

و جاء في الحديث النبوي : ” من عفا عن أخيه المسلم عفا الله عنه ” .

فمن لا يصفح عن البشر كيف يرجو عفو ربه ؟!

و طاعة لله في نصيحة

النصيحة هي الخلوص و الإخلاص . و الأصل في الكلمة نصح العسل أي تنقيته من الشمع و الشوائب ، يقال : نصحت العسل اذا خلصته من الشمع.

و قال أحدهم : “النصيحة كلمى يُعبّر بها عن جملة ، هي ارادة الخير للمنصوح له ، وليس يمكن أن يعبّر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها.

و هذه الكلمة يعبر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له . و تختلف المعنى حسب ورودها:

فالنصيحة لله : تعني الطاعة الخالصة لله و اخلاص النية في عبادته. وموالاة من أطاعه و معاداة من عصاه وأشرك به ولو أنه تعالى غني عن الإطاعة و العبادة ولكن نفعها تعود الى العباد أنفسهم .

و النصيحة للرسول : هي خلوص متابعته و اطاعته . و موالاة من طلب له الولاية على المسلمين و معادة من عاداهم . ومحبته و محبة قرابته و أهل بليته و عترته الطاهرة . والإلتزام بما أمر به و الإنتهاء عما نهى عنه دون أن يكون لهم الخيرة من أمرهم .

و أما النصيحة للمسلمين : فهي إرادة الخير لهم و دفع الظلم و الأذى عنهم . و أن يحب لهم ما يحب لنفسه و يكره لهم ما يكره لنفسه .

الإطاعة الخالصة لله تقتضي النظر في ابتغاء مرضاته دائما و إلغاء أي سلوك يتنافى مع ذلك . و يقتضي من المؤمن أن يسعى لنصرة الحق ببذل التضحيات بالأنفس و الأموال . و الإخلاص لله من لوازم العمل و العبادة في جميع المجالات .

قال تعالى : ” فاعبد الله مخلصا له الدين ” .

و قال : ” و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيّمــة ” .

و من هذه الآيات يتبين أن الإخلاص و النصح في العبادة من أهم الصفات الفاضلة بل هو روح العبادة ذلك لأن أي هدف غير الله فهو أبتر و لن يكون العمل مفيدا و مؤثرا و ذا أجر الا اذا كان فيه الإخلاص التام لله تعالى . . لا في خصوص العبادات بل في كل شيء ، و القصد لن يكون كاملا الا اذا كانت النية تقربا الى الله دون النظر الى العقاب و الثواب و هذا منتهى درجات الإخلاص .

قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك

و إنتهاء في شهوة

الإنتهاء هو الكفّ و المنع و الزجر و النهي و الصرف و القلع و المسك و التوقف و الوقف و العدول و الإعراض و النكوص و الزهد .

يقال لمن ينتهي عن أمر انه يضرب عنه صفحا و يطوي عنه كشحا ، و يستنزل عن رأيه و يصرف عن نيته ، و يثني عن مراده ، و يقلب عن وجهته ، و يحيل عن قصده ، و يقطع عن عزمه .

و في مقابله : العزم و الهمّ و القصد و الطلب و التوجه و عقد القلب و التصميم .

الشهوة هي الطلب و الرغبة و الإصرار على ما تشتهي النفس من رغبات . قال تعالى : ” و حيل بينهم و بين ما يشتهون ” .و في الإصطلاح فإن الشهوة يراد منها التمكين من الغرائز و بالأحرى الغريزة الجنسية ولو أن الشهوة بصورة عامة تأتي في كل ما يطمع الإنسان من رغبات و لذة من المأكل و المشرب و الترف و غيرها .قال تعالى : “ زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب . ففي هذه الآية جمع الله المشتهيات النفسية للإنسان و أعقبها بقوله : ذلك متاع الحياة الدنيا و بالرغم من أن متاع الدنيا قليل فإن الإنسان بطبعه ميّالٌ إليها راغب فيها .

و المؤمنكما يصفه الإمام عليه السلاميكفّ عن الشهوات كلها بالرغم من ميله اليها و يمتنع عنها و هو قادر عليها فليس الزاهد بمن لا يتمكن من التسليم لغرائزه و رغبات نفسه بل الزاهد هو الذي يكون في أوج قدرته و شهوته و لكنه يمتنع و يزهد و يعفّ عن مطامعه الدنيئة و يتكرم عن فعل القبيح و هو قادر عليها .

ذلك لأن المؤمن عفيف النفس نزيهٌ راغب عن الشهوات الا فيما أحل الله له . و لا ريب أنه لا يكف عن الشهوات الا من غلب هواه و أقبل على آخرته دون دنياه .

و نستدرك القول بأن المؤمن يحلّ له الإستمتاع بمباهج الحياة خلال الإطار الشرعي وليس عليه أن يكون كالرهبان والمتصوفة الذين حرموا على أنفسهم كل الشهوات و الغرائز فالإسلام يحل للمسلم الزواج و الأكل الطيب و التطييب ولبس الملابس الجميلة واقتناء المجوهرات للنساء (بمقدار معقول) و ركوب المركب المريح و غير ذلك بالإعتدال والوسطية . و المهم أن لا يكون شديد الميل اليها بحيث لو فقدها ، فقد توازنه والعياذ بالله .

و ورعٌ في رغبــة

الورع بمعنى التحرج و الكف عن المحارم  و هو الذي يعني الإنتهاء و الردع و المنع .

و يقال : إنسانٌ ورِع أي انسانٌ يتجنّب الآثام و يكف عن الموبقات و يرتدع عن الشهوات بل و الورع أتقى من اتقى ، فهو لا يتجنب المحرمات فحسب بل يتجنب الشبهات أيضا خوفا من الوقوع في المحرمات . فالورَع أعلى درجات التقوى و الفضيلة الخُلقية .

الرغبة هي الشوق و الميل و الشهية و الولع و الطمع و الحرص .

عندما يجعل المؤمن الله نصب عينيه فإنه و يرغب عن كل الشبهات و يحترز  كل المحرمات و هذا هو الورع بعينه . سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تعريف الورِع فقال :

الذي يتورع عن محارم الله عزّ و جلّ

فمن أحاط به تقواه فإنه يتورع في دينه . فالورع هو نوع راقٍ من التقوى و التقوى من الوقاية بمعنى التوقي من كل ما يشغل القلب عن الحق أو وقاية النفس من العقاب و الحذر و التوقي من غضب الله .

قال الإمام الباقر عليه السلام : ” ما تُنال ولايتنا إلا بالعمل و الورع

و يؤكد أئمتننا على الورع و أن نكون دعاة الناس بغير ألسنتنا حتى يروا منا الورع ، و يصل الأمر الى أن يعتبر الإمام الورع ركنا من أركان الإيمان و بدونه ينتفي الإيمان و الولاء . و هذا رد قاطع و حاسم على أولئك الذين ينسبون أنفسهم خطأً الى الأئمة و يصفون أنفسهم زورا الى التشيع فالتشيع لمجرد إظهار الكلمة دون العمل و الورع أمرٌ بلا معنى فأصل التشيع هو المتابعة و الموالاة الحقيقية ولا شك أنه لا توجد قرابة بين الله و بين أحد من خلقه مهما بلغوا الفضل و الكرامة و حتى الشفاعة في يوم القيامة لن تكون إلا لمن أطاع الله و سعى لكسب رضاه ، عندئذ يُأذن لكرام الناس صلوات الله عليهم أن يشفعوا له فإذا كانت الولاية محببة الى قلوبنا و أردنا أن يقبلنا أئمتنا شيعة و موالين لهم ، فعلينا أن نجتهد في طاعة الله لنكسب رضاه ؛ عندئذ يبقى الباب مفتوحا للشافعين العظام أن يشفعوا لنا .

قال الإمام الصادق عليه السلام : ” إنا لنعدّ الرجل مؤمناً حتى يكون لجميع أمرنا متّبعا مريدا ، ألا و إن من اتباع أمرنا و ارادته الورع ، فتزيّنوا به يرحمكم الله و كيدوا أعداءنا به ينعشكم الله “.

و في حديث آخر يسأل الراوي مولانا الإمام الصادق عليه السلام عن الذي يثبّت الإيمان في العبد ؟ فقال : ” الورعو الذي يخرجه منه ؟الطمع ” .

اذن نستنتج انه لا خير في عبادة لا ورع فيها . والورع هو الإتباع الصحيح لمسار أهل البيت عليهم السلام دون الإنحياز والإنحراف الى اليمين و اليسار .

و المؤمن بالرغم من أن له رغبة و شوق الى اللعب و اللهو و الملذات ، حاله كحال سائر الناس ، و لكنه يلجم رغباته بالورع و يكبح جماح شهواته بالتقوى ، فيترك الملذات و الشهوات النفسية ، لوجه الله و هذا المقصود من قوله سلام الله عليه : ورع في رغبة”.

و حرصٌ في جهــاد

الحرص : شدة الرغبـة و الطموح و التعلق و الطمع .

فهناك حرصٌ مذموم و حرصٌ محمودٌ فالذي يحرص على الملذات و اتباع الشهوات والأكل و الشرب بنهم و شراهة دون اعتبار الحلية و الحرمة فانه حريص دون تقوى . و أما الذي يطمع في ما يرضي ربه و يحرص على الجهاد و تزداد رغبته في إطاعة الله فإن هذا الحرص هو المحمود . و المؤمن يحرص أن يجاهد في سبيل ربه بالنفس و المال و ما أوتي من خيرات .

و الجهــاد مشتقّ من الجهــد و الطاقـة و المشقة .

و كل عمل شاقّ فهو جهـد و العــامل مجاهـد . و لكن يختلف من مجاهـد يجـاهد نفسه و يجهــدها في العبــادات و آخر يجهــد نفسه في الملذات . فهنـاك الكثير من الناس يجهــد و يتعـب لكي يرضي نفســه الأمــارة بالسّوء و يرضي رغباته و شهــواته و لكن المؤمن يجـتهد و يتعب لكي يرضي ربّــه و يلجم شهواته و يكبح جماح رغبـاته و ملذاته .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله : ” أفضل الأعمــال أحمــزهافكل ما كان العمـل في سبيل الله صعبـا شـاقـا فهو خيــر و أفضل من العمـل السهــل اليسير و في كليهمــا خير .

و إن كان الجهـاد الإصطلاحي بمعنى محاربة الأعــداء ، لأنه مبالغـة في صرف الطاقـة و القوى البدنيـة ، ذلك لأن الجهـد هو المبالغـة و الغـاية في العمـل . و مهمـا كان جهاد الأعــداء مهمـا فجهـاد النفس أهم لأنه هو الجهـاد الأكبر في منطق صاحب الرسالة صلى الله عليه و آله .

فالجهـاد اذن لا يختصّ بالحرب و بقتال الأعـداء بل كل عمـل شاقّ يرجو العبـد فيه رضـا ربّـه ، فهـو جهـادٌ و ربما كان غرض الإمـام في الحديث ( و حرص في جهـاد ) عموم معنى الجهـاد لا خصوص القتـال و محاربة الأعداء في ميادين الحرب . والله أعلم

و صلاةٌ في شغل

المؤمن ان كان له عمل و هو على عجل و لم يكن له متّسع من الوقت فإنه يفضّل الصلاة لوقتها على العمل .

سئل رسول الله صلى الله عليه و آله : أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال :

الصلاة لوقتهــا

ضعوا أمامكم هذه اللوحة الرائعة : أنت الآن على موعد مع عمل هام و حان وقت الصلاة ، هل تفضّل أن تستمرّ في عملك و تترك الصلاة لتصليها أواخر وقتها أم أنك تترك عملك و تتفرّغ للصلاة التي هي معراج المؤمن و عمود الدين و أساس العبادة و خلاصة الشريعة و أنموذج التقوى و مدار الإطاعة و منار الأحكام ؟

المشكلة أننا تربينا على عدم الإهتمام بالصلاة واتيانها في وقتها مع أنها رأس كل فضيلة و أساس التقوى وأصل الإيمان و أنموذج العبادة . و لذلك نرى أن الكثير من المسلمين يفضلون الخروج من المنزل مثلا وقت الغروب ، الوقت الذي ينشط فيه الشيطان لإغواء بني آدم ، و ينشغلوا يكل شغل دون أن يعيروا إهتماما بالصلاة مع أن المفروض أن يلتزموا بمواعيد الصلاة في أوقاتها و بعد أداء دينهم لله ، ينتشروا في الأرض و يبتغوا من فضل الله . جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال :

لكل صلاة وقتان : أول و آخر ، فأول الوقت أفضله وليس لأحد أن يتخذ آخر الوقتين وقتا الى من علّة . و إنما جُعل آخر الوقت للمريض و المعتل ولمن له عذر . وأول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله . و إن الرجل ليصلي في الوقت وإن ما فاته من الوقت خيرٌ له من أهله و ماله

و يا له من حديث عجيب حيث أن الإمام يعبر عن الصلاة في أول وقتها بأنها أفضل للإنسان من أهله و ماله لأن كل شيء زائل الا العمل و لا عمل أفضل من الصلاة في وقتها .

و أكثر من هذا فالإمام يعتبر الصلاة في أول الوقت دليل التشيع و من لا يهتم بهذا الأمر فإنه ليس من شيعة جعفر بن محمد عليه السلام .

قال الإمام الصادق عليه السلام : ” امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها و إلى أسرارنا كيف حفظهم لها عند عدوّنا و إلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ؟

هل تريد أيها الموالي المحب لآل محمد عليهم السلام أن يفتخر أعداء آل محمد بأدائهم الصلاة في وقتها و تكون أنت ممن تؤخر الصلاة ؟

أ لم تسمع أمير المؤمنين عليه السلام يوصي مالك الأشتر و يقول له : ” إجعل أفضل أوقاتك للصلاةأم تريد أن تكون من الغافلين لا سمح الله ؟!

قال الإمام الباقر عليه السلامأي مؤمن حافظ على الصلوات المفروضة فصلاها لوقتها فليس هذا من الغافلين

و أخيرا أهديك هذا الحديث الجميل لتعرف فرق أداء الصلاة في أول الوقت و آخره :

قال الإمام الصادق عليه السلام : ” فضل الوقت الأول على الآخِر كفضل الآخرة على الدنيا

فماذا تفضل يا أخي المؤمن و يا أختي المؤمنة : الآخرة أم الدنيا ؟!

و صبــرٌ في شدّة

الصبر و التصبر و الإصطبار هو التحمل و التجلّد و رباطة الجأش و الثبات و التماسك و التمالك والحِلم والروية و الأناة.

فالصابر رابط الجأش ، صلب العود ، لا تروعه النوائب ، و لا تنال من صبره الملمات ، و لا يلين جنبه لحادث ، و لا يتضعضع لريب الدهر ، و يسلم أمره لله ، و يتوكل عليـه ن و يتجمّل في مصائبــه .

و في المقابل ، الجزع والتبرّم والسأم والضجر . والرجل الذي تنفصم عرى صبره ، و تنهار جرف اصطباره ، و يرقّ جلده ، و يضعف احتماله ، و ينفد صبره ، و يهفو فؤاده جزعا ، و يطير قلبه شعاعا و تتساقط نفسـه حسرة فيكاد يُقضى عليه من الغمّ .

أما المؤمن فيصبر على الشدائد و يصطبر على المصائب و المحن و يتجلّد كالجبل الراسخ لا تضعضعه العواصف .. و كلّما ازدادت مصائبه ، يزداد شموخاً و تحملاً و تبصّرا و هدوءاً و جَلادة و أناةً و قوةً و عقلا . و خير مثال و أفضل قدوة ،الإمام الحسين سلام الله عليه يوم الطف فإنه كان أنموذج الصبر و أسوة التحمل والثبات و التماسك في سبيل المحبوب .

يقول عبدالله بن عمار : ” فو الله ما رأيت مكثورا قطّ ، قد قتل ولده و أهل بيته و أصحابه أربط جاشاً و لا أمضى جَنانا منه ..”

و هكذا كل العترة الطاهرة دون استثناء .يقول أمير المؤمنين عليه السلام :

ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، يُقتل آباؤنا و أبناؤنا و إخواننا و أعمامنا ، و لا يزيدنا ذلك إلا إيمانا و تسليما و مضيا على اللقم و صبرا على مضض الألم ”. اي على طريق الحق الواضح دون أن تعتريهم شبهة أو ريب أو شك . و مثل ذلك أيضا قول رسول الله صلى الله عليه و آله و هو القدوة الأول و الأنموذج الكامل ، حين توفي ابنه ابراهيم : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا .

و لابد لنا من اشارة خاطفة الى أن الصبر لا يعني الإستسلام و تحمل الظلم من الظالم أبدا بل هو المقاومة بعينها و الصبر بعدئذ على ما يتجرعه الصابر من مشاكل و مصائب تصيبه جراء مقاومته .

و كما يصبر الإنسان و يصمد في ميادين القتال و ساحات المشاكل العامة فإن عليه الصبر و الإستقامة في ميدان جهاد النفس و مبارزة الهوى فيصبّر نفسه على المعاصي و هذا من أروع مواطن الصبر .

(( ربنا أفرغ علينــا صبــرا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين ))

في الهـزاهـز وقـورٌ

الهزّ : تحريك الشيء كما تهز القناة فتضطرب . جاء في القرآن الكريم : ” و هزي إليكِ بجذع النّخـلةأي حركي . و جاء أيضافإذا أنزلنا عليها الماء اهتزتأي تحركت .

و الهزهزة : تحريك البلايا . و الهزاهـز : الفتن التي يهتز فيها الناس . و هي الشدائد و المصائب و المشاكل و النوازل و البلايا .

الوقور : الرزين ، المهيب ، الجليل ، عظيم الشأن ، كبير القدر ، جليل الخطر ، ظاهر الأبهة ، باهر الجلالة ، رفيع المنزلة .

الوقار : عظمة تتصاغر عندها الهمم و يخفض لها جناح الضعة و تملأ الصدور هيبة و إجلالا . قال تعالى : ” ما لكم لا ترجون لله وقاراأي لا تعلمون لله عظمة .أو مالكم لا ترون لله عظمة .

و يقال في ضده : الإحتقار ، الإستصغار ، الإزدراء ، الإستهانة ، الإستخفاف ، الإمتهان .

و انه رجل صغير القدر ، حقير الشأن ، ليس له وزن ، مهين و ساقط .

المؤمن لا يأبه بالشدائد مهما كبرت و بالمشاكل مهما ازدادت لأنه لا يرى شيئا الا بعين الله و محض إرادته ، فلا يمكن أن تخرجه الشدائد من طوره فهو كالطود الشامخ لا تقلقه العواصف و لا تضعضعه القواصف و لا تزلزله الرياح العاتية و لا تهزّه الفتن المدلهمّة . و لا يُستنزل عن حلمه و لا يُحفز عن رزانته . لا يستفزّه نَزَق و لا تستخفه نازلةٌ نزلت به و حادثةٌ حدثت له .

يستقبل المصائب برحابة صدر و براسخ ايمان و بشهامة واضحة و جَلَد بيّن .

جاء في كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام :

المؤمن وقور عند الهزاهز ، ثبوت عند المكاره ، صبور عند البلاء ، شكور عند الرخاء

كل ذلك لأن الإنسان المؤمن لا ييأس أبدا من روح الله و لا يقنط من واسع رحمته فلو أمطرت الشدائد عليه فلا يستغيث الا به و لا يلتجئ الا اليه ومن يستغيث به لا يخيب قطّ .

قال أمير المؤمنين سلام الله عليه :

و إن صبّت عليهم المصائب لجؤوا الى الإستجارة بك علما بأن أزمة الأمور بيدك و مصادرها عن قضائك “. ذلك لأن المؤمنين يرجون من الله ما لا يرجوه الكفار و المنافقون . و يعلم المؤمنون أن كل شيء بيد الله و بأمره و رهن مشيأته وهو أعلم فيما يقدره و يقضيه من الأحكام التكوينية و التشريعية فلا ملجأ و لا منجى منه إلا إليه .. و حسبنا الله و نعم الوكيل .

و في المكاره صبورٌ

المكاره جمع مَكرهة و هو ما يبغضه الإنسان و يشقّ عليه .

و الكره بمعنى المشقة و الإرغام و القهر و الجبر و القسر و الإحراج والإشمئزار والبغضاء والشقاق و الضغينة والكراهية والمقت و المعاداة و النفور

في مقابل الطوع و الرضى و الإختيار و الإيثار و الرفق و الهوادة و الملاطفة و الملاينة  والألفة والتعلق والحب والمسالمة و الصداقة والمودة والود والوئام .

الصبور هو المتحمل للنائبات و الجَلَد على النوازل و الرابط للجأش و المتحمل للمحن الذي يسلم أمره الى الله و يتوكل عليه.

قال تعالى : ” و استعينوا بالصبرأي بالثبات على ما أنتم عليه من الإيمان .

و لهذا سمي شهر رمضان بشهر الصبر لما فيه من حبس النفس عن الأكل و الشرب و الملذات .

المؤمنون يتلقون المكاره و المضار و الهموم و المصائب و الشدائد بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته و تخفيف ما يمكنهم تخفيفه و الصبر الجميل لما ليس لهم منه بدّ و بذلك يتأتى لهم من آثار المكاره و المقاومة و الحصول على التجارب المثمرة و القوة و القدرة و من الصبر واحتساب الأجر عند الله ، أمورٌ عظيمة تتصاغر أمامها المكاره و الآلام و الشقاء و تحلّ محلها الآمال والسعادة .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم :

عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خيرٌ ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له و ليس ذلك لأحد الا المؤمن ” .

صدق رسول الله صلى الله عليه و آله .. فالحياة مليئة بالشقاء و الغم و الحزن و ضيق الصدر و الظلم و المكاره والأمراض و البؤس والمصائب والمصاعب .. و كلها تهون أمام المؤمن الذي يتلقاها بقلب كبير و عزم راسخ و صبر فائق النظير بعكس الفاسق و الكافر فإنه يتلقاها بالقلق و الجزع و الخوف و الضرر و ما تنتج عنها من أمراض فكرية و عصبية و نفسية تنتهي بالجنون و الإنتحار .

و ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون

و قال تعالى :

و اصبروا إن الله مع الصابرين

أكرر مرة أخرى أن الصبر لا يعني أبدا الخنوع للأذى و الخضوع للظلم و التسليم لنواقص الحياة بل هو أوج التربية النفسية لتحمل الأذى في سبيل الله بعد الإصرار على مقاومة الظلم و الظالمين .

و في الرّخــاء شكورٌ

الرخاء هو النعمـة .. سعة العيش .. البسط .. السعة في الرزق .. الهناء .. الرفاهية .. الرغد .. حسن الحال

و يقابله : الفقر .. الشدة .. المسكنة .. المسغبة .. الحاجة .. الضر .. البأس

جاء في الكتاب الكريم : ” و قليل من عبادي الشكورو قال أيضا : ” إنه كان عبداً شكورا

يقال : فلان قام بأعباء صنيعته ، و أحسن جوار نعمته ، و أدى مفترض شكره ، و ملأ فاه بحمده ، و قدر نعمته حق قدرها ، و اعترف بمنته ، و نوّه بنعمته ، و أشاد بفضله و احسانه ، و أثنى على جميل صنعه ، فالشكر أداء النعمة.

و بما أننا لا نستطيع و لن نستطيع أبدا أن نؤدي حقّ نعمة من نعم الله و أفضاله الكثيرة علينا ( و ان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) فلا بد لنا أن نكون شاكرا لأنعمه ، حامدا له ، مرطبا ألسنتنا بذكره و ثنائه و حمده .

جاء في الحديث : حين رؤي رسول الله (ص) يجهد نفسه بالعبادة . قيل له يا رسول الله أتفعل هذا و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر ؟ قال صلى الله عليه و آله : ” أ فلا أكون عبداً شكوراً

فالشكور هو الذي يجتهد و يبالغ في شكر ربه بطاعته و أداء ما أوجب عليه ربه من أعمال و فرائض .

فالمؤمن لا بد أن يكون شاكرا لنعمائه تعالى في الرخاء و النعمة و رغد العيش ، بل عليه أن يشكر ربه في السراء و الضراء و حين البأس حتى يجزيه الله أجر الشاكرين .

وعندما يرفق الإمام الشكر بالرخاء لأن الإنسان عادة ما إذا أنعم الله عليه كثيرا و أصبح غنيا (ولا غني الا الله) و امتلك مالا و جاها و خدما و حشما و أراضٍ و ما الى ذلك من آثار الرخاء ، فإنه يبطر و يختال و يمرح و يتعجرف و يكفر بالنعمة و ينسى المتفضل عليه و يجحد نعماء الرازق و يُخيّل اليه أن ما رُزق فإنما من كسب يده و أتعابه مثل ما كان قارون حيث كفر بالنعم بعد أن كان من أتباع موسى عليه السلام و عندما نصحه قومه أن لا يفرح و يمرح و أن يشكر ربه لنعمه و أفضاله  قال : إنما أوتيته على علم عنديأي أنا لا أفتقر الى ما تقولون و قد كسبت كل هذا المال بكدّ يدي و ليس لأحد فضلٌ عليّ ، فخسفنا به و بداره الأرض و هكذا خسف الله به و بما يملكه من أموال و ذهب الى قعر الهاوية .

و لذلك على المؤمن أن يشكر نعم الله على كل حال و خاصّة في الرخاء و الغنى و بسط المال لأن الشيطان عادة ما يمنعه من الشكر في تلك الحالة.

رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن أعمل صالحا ترضاه و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين .. آمين رب العالمين .

لا يغتــاب

صفات ذميمة يذكرها الإمام سلام الله عليه و ينفيها قطعيا من المؤمن و في مقدمتها الغيبة .

و ما أشد و أعظم من الغيبة :قال تعالى : ” أيحب أحدكم أن يأكل لحـم أخيه ميتا فكرهتمــوهأنظروا الى تعبير القرآن الكريم و فكروا فيه .. فقد ضرب الله هذا المثل لشدة استقذار أكل لحم الميت ، ثم أن يكون الميت أخا لك! فكيف تستسيغ أكل لحمه والعياذ بالله ؛ و بهذا التعبير القرآني البليغ والإستعارة الأبلغ من التعبير يظهر مدى قبح هذا العمل وتنفر الإنسن و إنزجاره منه . تكفي هذه الآية الكريمة لتكون رادعا و مانعا للمؤمن أن لا يغتاب أحدا بسوء ولو أنا جعلناها في إطار و علقناها دائما أمام أعيننا لاستقبحنا فعلا هذا العمل الذميم و ابتعدنا عنه بُعد المشرقين .

الغيبة من الإغتياب و هو ان يتكلم أحدهم خلف انسان مستور غائب بسوء ، أو بما يغمّه و يحزنه لو سمعه و ان كان فيه ، فإن كان صادقا في قوله فهو غيبة و ان كان كاذباو العياذ باللهفهو بهتان .

والغيبة تأتي بمعنى التحريض ، السعاية ، الطعن ، القدح ، النميمة ، النيل من أحد ، الوشاية ، الإغتياب ، التعريض ، الذم والغمز . و أضدادها : الإكرام و الإطراء والمدح و التعظيم والتبجيل و التفخيم والتنويه والثناء و المدح .

قال تعالى : ” و لا يغتب بعضكم بعضا

غابه : اي عابه و ذكر منه ما يسوؤه و يؤلمه . قال رسول الله صلى الله عليه و آله في تفسير الغيبة : ” ذكرك أخاك بما يكره ” .

و تفصيل ذلك أن تذكر أخاك المؤمن بما يكرهه سواء في بدنه أو دينه أو دنياه أو خَلقه أو خُلقه أو وُلده أو حركته .. و كل ما يتعلق به سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة و الإيماء .

و العجيب أن بعض الناس عندما يريدون أن يغتابوا أحدهم يقدّمون كلامهم بقولهمان شاء الله ما في غيبة !!!” هل يكفي أن تقول كذا ثم تستطرد مساوئ أخيك المؤمن أو أختك المؤمنة دون رادع و لا وازغ ؟!

و من جملة ما يدخل في الغيبة الهمز بالفعل و اللمز بالقولويل لكل هـمزة لمـزة

و يقول تعالى أيضا : ” و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب

رأى الإمام زين العابدين عليه السلام رجلا يغتاب ، فقال له : ” إياك و الغيبة فإنها إدام كلاب أهل النار

و أما اذا ما استغاب أحدكم صديقه أو قريبه ، فلا داعي للإستحلال اللفظي لأن تبعاته كثيرة و خطيرة أحيانا. و ما عليك الا أن تستغفر له و تستغفر من ذنبك و الأفضل أن تقدم خيرا صدقة تشاركه في ثوابه . و مهما كان فالأحسن أن لا تستغيبه حتى لا تعتذر منه .

و لا يتكبّـــر

الكبر هو الجبروت .. العظمة .. العجرفة .. الغطرفة .. الغطرسة .. البذخ .. الخيلاء .. الغرور .. الصلف .. الزهو .. العُجب .. العُتوّ

في مقابل : الإذعان .. التذلل .. الخضوع .. التواضع .. الخشوع .. الإتضاع

و يقال : رجل متكبر .. مختال .. معجب بنفسه .. يتبختر زهوا .. يجرّ أذياله كبرا .. يجاري ظلّ رأسه .

في مقابل : المتواضع .. خافض الجناح .. المتجافي عن مقاعد الكبر و الذي لا يتهادى بين أذيال التيه .

الكبر من أكبر المعاصي و أشدها عذابا و عقابا و حسرة يوم القيامة .

يكفي في شدة قبحه أن يقول رسول الرحمة صلى الله عليه و آله عن المتكبر :

لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر

ولنتأتي للأبدية أي أنه لا يدخل الجنة أبدا ولو كان في قلبه ذرة من التكبر و الإستعلاء .

و لماذا الكبر ؟ أ لم يكن الإنسان بادئ ذي بدء نطفة قذرة ثم يؤول أمره الى جيفة نتنة ( كما في تعبير أمير المؤمنين عليه السلام ) فلماذا يتكبر على بني جلدته فالناس إما أخٌ له في الدين أو نظير له في الخلق كائنا من كان .

و التكبر يظهر على أفعال الإنسان و أدنى ما فيه أن يقطب جبينه ، أو يعبّس وجهه ، أو يصعر خده ، أو يتقدم على أقرانه في المجالس ، أو يظهر الإنكار على من قصّر في حقه . و الويل كل الويل للمتكبر اذا أظهر تكبره على لسانه و دعا غيره الى المباهاة و زكّى نفسه .

و كثيرا ما نرى هذه الصفة القبيحة في العلماءمع الأسففإنهم يُعجبون بأنفسهم و تأخذهم الخيلاء لبعض كلمات درسوها ( و ما أوتيتم من العلم الا قليلا ) و لا يعلمون أن العالم يجب أن يتواضع أكثر من غيره لعلمه .

قال تعالى : ” إنما يخشى الله من عباده العلماءفهؤلاء ان كانوا يخشون ربهم لما استكبروا على عباد الله .

رسول الله (ص) بعظمته و منزلته كان يأكل كما تأكل العبيد و يمشي كما يمشي العبيد و يقول : ” إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبيد

و لعمري أصل الكبر يرجع الى نقص و عيب يراه المتكبر في نفسه أو عقدة نفسية متعفنة فيها فيريد أن يبرزها ( نفسه ) اشباعا لعقدة متأصلة في كيانه و سترا لعيوبه .

قال الإمام الصادق عليه السلام : ” ما من رجل تكبّر أو تجبّر الا لذلّة وجدها في نفسهوقال أيضا : “ ما من أحد يتيه إلا من ذلة يجدها في نفسهو في المقابل يقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) : “ إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعةٌ ، فتواضعوا رحمكم الله

و معنى ذلك أن الذي يحقّر الآخرين إنما يحقرهم لحقارة في نفسه فإن لم يكن يشعر بالحقارة فلا يمكن أن يُصاب بالتكبر والعياذ بالله . بل و أكثر من ذلك فربما كان سبب الكبر نقصٌ في العقل . قال الإمام الباقر عليه السلام : ما دخل قلب امرئٍ شيءٌ من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك ، قلّ أو كثر . و ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضا قوله : إعجاب المرء بنفسه ، يدلّ على ضعف عقله .

أجل : الكبرياء والعظمة لله فقط لأنه هو الغني المطلق والكمال المطلق و الناس كلهم فقراء الى الله و حقا إن الكبرياء رداء الله فمن نازع الله رداءه ، فحقٌّ على الله أن يكبّه من منخريه في النار. اللهم إنا نعوذ بك من الكبر و العُجب والخيلاء .

و لا يقطع الرَّحِــم

قطيعة الرحم من الذنوب الكبيرة التي يستحق صاحبها النار ان لم يتب و يصل رحمه ، بل هو بمنزلة الفساد في الأرض و العياذ بالله . قال تعالى :

فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكمالفساد في الأرض والكفر ، مقترن بقطع الرحم . وربما كان الرحم في هذه الآية ، الغرض منه الدين والإيمان حيث سمى الإسلام المؤمنين بالإخوة فيكونوا أرحاما لإنتسابهم الى الإسلام وعندئذ يجب محبتهم و نصرتهم والقيام بخدمتهم . و ربما كان النقصود الرحم بصورة خاصة فيكون الأرحام ، الأقربون للمرء من إخوة و أخوات و عمات و أعمام وخالات و أخوال . و ربما قصد المعنيين والله العالم .

و كما يسأل الله عن الشرك به معاذ الله ، فانه يسأل عن قطع الرحم :

و اتقوا الله الذين تساءلون به و الأرحــام

و تقابلهاصلة الرحم ” . و الصلة أصلها الوصل و الوصل ضد الهجر و التواصل ضد التفاصل و التقارب ضد التصارم .

فالمؤمن لا يمكن أن يقطع الرحم الذي أكّد عليه الإسلام كثيرا .

و تتأدى الصلة بالإحسان و تقديم العون و الخير الى الأقارب  و الدفاع عنهم و النصيحة لهم و حسن الخلق معهم و مراعاة حقوقهم و نصرتهم و عيادة مرضاهم و تقديم كل خدمة مشروعة لهم . و أدنى الصلة : السلام عليهم و تفقد أحوالهم (ولو بالتلفون و الماسيج ! ) و الدعاء لهم حاضرين أو غائبين .

و بالتأكيد يُفضّل الأقربون على الأبعدين .. الأقرب فالأقرب.

و قطيعة الرحم حرام و إثم كبير حتى لو كان ذلك الرحم المسلم قاطعا للصلة ، تاركا للصلاة ، شاربا للخمر!، أو مستهينا ببعض الأحكام بشرط أن لا تكون تلك الصلة موجبة لتأييده على الحرام والعياذ بالله ، فعندئذ لا معنى للصلة . قال تعالى : انه ليس من أهلك.

قال رسول الله صلى الله عليه و آله : ” لا تقطع رحمك و إن قطعكبل و الأصل في الصلة أن تصل من قطعك . و العجيب أن رسول الله (ص) حين يُسأل : أيّ الصدقة أفضل ؟

يقول : ” على ذي الرحم الكاشح ” .. و الكاشح يعني الذي يضمر لك العداوة والبغضاء .

قال تعالى : ” و الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل و يخشون ربهم و يخافون سوء الحسابفالمؤمن هو الذي يخشى ربه و يخاف سوء الحساب ، لذلك فإنه أول من يصل الرحم دون منّة .

و الرحم عبارة عن كل من اشترك معك في رحم ، كالوالدين والإخوة و الأخوات والأعمام و الأخوال والعمات و الخالات وأولادهم  .

و ختاما ما نتيجة صلة الرحم ؟

قال أبوجعفر سلام الله عليه :

صلة الأرحام تزكي الأعمال و تنمي الأموال و تدفع البلوى و تيسّر الحساب و تنسئ في الأجل ( تطوّل في العمر )” .

والأهم من كل ذلك أنه واجب شرعي نأتي به تقربا الى الله و خالصا لوجه الله تبارك و تعالى .

و ليس بواهنٍ

يستمر الإمام سلام الله عليه في ذكر صفات المؤمن الواقعي فيقول : ” و ليس بواهن و لا فظ و لا غليظ

الواهن هو الإنسان الذليل ، العاجــز ، المهين ، الضعيف ، أجذم اليد ، مقصوص الجناح ، المغلوب ، المقهور ،المنهوك ، الهزيل ، الكليل ، المتقاعس ، الصاغر ، المتخاذل .

و قد وهن الرجل أي ذلّ ،و خشع ، و خضع ، و استكان ، و تصاغر ، و تخاذل ، و تصاغر ، و تضاءل ، و عفّر خده ، و لانت شوكته ، و ذلّت ناصيته ، و حمل الضيم ، و قبل المنّة ، و مالت دعائم عزه ، و تهاوت كواكب سعده ، و تقوضت سرادق مجده ، و ارتطم في حمأة الهوان ، فأصبح ذليلا ضارعا منكسرا متضعضعا .

فالمؤمن لا يذلّ عنقه ، و لا يعنّت وجهه ، و لا يحزم أنفه ، و لا يتقمّص الهوان مهما قسا الدهر عليه و تكالب الزمان على روحه .

و المؤمن لا يقبل الذل لأنه عزيز الجانب ، منيع الساحة ، حصين الناحية ، عزته لا تُقهر و عروته لا تُفصم .

قال تعالى : ” ولله العزة ولرسوله وللمؤمنينأي أن العزة و القوة و المنعة منحصرة في الله و رسوله و المؤمنين .

و قال الإمام زين العابدين عليه السلام :

ساعة ذل لا تفي بعزّ الدهر

و يا لها من كلمة صارمة فالمؤمن لا يمكن أن يدوس كرامته و يحطم شهامته لأجل الوصول الى مبتغاه و هواه من نعيم زائل و من جاه هباء .

و من القصائد الخالدة في التاريخ :

لنقل الصخر من قلل الجبال *** أحبّ اليّ من منن الرجال

يقول الناس لي في الكسب عارٌ *** فقلت : العار في ذلّ السؤال

بلوت الناس قرنا بعد قرن *** فلم أر مثل مختال بمال

و لم أر في الخطوب أشدّ هولا *** و أصعب من مقالات الرجال

و كما قيل فالمنية و لا الدنية و التقلل و لا التوسل و الجوع و لا الخضوع .

و لا فَــظٍّ و لا غليظ

المؤمن كما يصفه الإمام سلام الله عليه لم يكن قطّ فظا غليظ القلب ، جامدا ، سمجا ، ثقيلا ، عُتلا ، جلفا ، خشنـا ، جافيـا ، متوعرا ، قاسيــاً .

المؤمن هيّن ، ليّن ، هَشٌّ ، بَشٌّ ، ليس غليظ الطبع و لا سمج الأخلاق و لا ثقيل الوطأة و لا مظلم الهواء و لا سيء الخلق .

المؤمن لا توجد فيه غلاظة و لا فظاظة و لا سماجة و لا وخامة و لا عبامة و لا خشونة و لا جفـــاء.

انه لبقٌ .. لوذعيٌّ .. متوقد .. ذكيّ الفؤاد .. طيب النفس .. زكيّ القلب .. فَكِه الأخلاق .. حلو الشمائــل .. ظريف الطبـع .. لطيف الروح .. حلو المعاشرة .. عذب السجايا .

عند ما قال الإمام عليه السلام أن المؤمن ليس بواهن ، ربما يخيل الى السامع انه ان لم يكن واهنا يقبل الضيم و الذل فهو فظ خشن غبيظ القلب ، فاستدركه الإمام ليصف المؤمن بالإعتدال .. لا هين و لا فظ .. لا يقبل الذل و الهوان و ليس سيء الخلق خشن السيرة .

يقول الإمام الصادق عليه السلام في وصيته الخالدة لعبد الله بن جندب في حديث طويل :

.. و لا تكن فظا غليظاً يكره الناس قربك و لا تكن واهناً يحقرك من عرفك و لا تشار من فوقك و لا تسخر بمن هو دونك

انه يشرح حديثه بنفسه كي لا يضيع القارئ و السامع في متاهات الأوصاف و السجايا ( الحميدة منها و الرذيلة ) فيضلّ طريق الهدى دون وعي و ينحرف عن الجادة دون ادراك .

قال تعالى :

و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فظا غليظ القلب أي قاسيا غير ذي رحمة ولا رأفة . فالرسول صلى الله عليه و آله كان كما وصفه القرآن : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ.

و لا ريب أن أخلاق الرسول أكبر عامل للجذب .. و المؤمن يتبعه في كل خلق و سجية و لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة فعليه أن يكون لطيفا دمث الأخلاق متسامحا مع المؤمنين . و أصلا الدعوة الى الله و الى الحق لا يمكن أن تتأتى إلا بالخلق الحسن و الحوار اللطيف و التسامح و المجاملة . فحتى اهل الباطل نرى داعيتهم يحاول كسب الآخرين بأخلاقه و طيب نفسه حتى يؤثر فيهم و يجذبهم الى مبدئه و عقيدته و مذهبه و دينه . فلا يمكن بالخشونة و الشدة والرعب،الدعوة الى أي مذهب أو عقيدة فما بالك بالذي يريد أن يدعو الناس الى دين التسامح و اليُسر و مذهب الإحسان و اللطف . و لذلك فإننا نستنكر على الذين يدّعون أن الإمام المنتظر روحي فداه يحكم بالرعب و بالقتل والعياذ بالله فهو أيضا يسير بسيرة جده المصطفى صلى الله عليه و آله و لا يمكن أن يكون فظا غليظ القلب . ولنا في هذا القول بحث مستقل .

و لا يسبقه بصره .. و لا يفضحه بطنه .. و لا يغلبه فرجه

ثلاث صفات للمؤمن ، كل واحدة تتعلق بعضو من أعضاء الجسم .

المؤمن لا يسبقه بصره الى زينة الدنيا و زخارفها و أمتعتها الزائلة ليطمع فيها فيتأخر عن عبادته أو ينفق ماله على ما لا فائدة مرجوة منه .

المؤمن لا يسبقه بصره الى ما متع الله به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيـا فتغلبه شهوته و يطأطئ رأسه ذليلا أمام رغبات محرمة عليه .

المؤمن لا يسبقه بصره الا و فكره و عقله قد سبق بصره فيما تتلقاه عينه ، فيتحاشى الشبهات و يتجنب المحرمات و يبتعد هن المكروهات .

المؤمن لا يفضحه بطنه عندما يشتهي و يريد أن يأكل فاذا استشمّ طعاما شهيا فلا يستعجل للأكل الا اذا كان من حلال .

المؤمن يكتفي من نعم الله بما رزقه ربه فلا يسرف في الأكل و الشرب .

كلوا و اشربوا و لا تسرفوا

و ان مدت الأيدي الى المائدة لم يكن بأعجلهم جلوسا عليها اذ أجشع القوم أعجلهم . يتأنى المؤمن في الأكل و يأكل رويدا رويدا و لا يملأ بطنه من حلال فما بالك ان كان حراما و العياذ بالله .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله : ” ما ملأ آدميّ وعاء شرا من بطنه

و المؤمن لا يغلبه فرجه .. فلا يحكم غرائزه الشيطان و لا يطيع النفس الأمارة بالسوء ليصرف غريزته الجنسية فيما حرّم الله عليه .. بل يكبح جماح شهوته و لا يصرفها الا في الحلال .

قال تعالى في صفات المؤمنين :

و الذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين

و لا يحسـد النــاس

حسد بمعنى غار أو كره أو تمنى زوال نعمة شخص ما أو تمنى أن تتحول نعمة شخص آخر اليه .

الحسد من الصفات الذميمـتة القبيحــة جدا و انه يأكل الحسنــات كما تـأكل النــار الحطب مثلما جاء في الحديث المتواتر .

الحسود هو الذي يتمنى أن تتحوّل اليه نعمــة غيره أو فضيلتــه أو أن يسلبهــما هو فتكون له خـاصّـة .

نتائج الحسد وخيمـة و عواقبهــا أليمـة . و نعم ما قيل : المحسدة مفسدة . فربّ حسد دمّر بيتـا أو قتل بريئــا أو أزال نعمــة أو أفسد على جمـاعة لأنه ناتج من الحقد و الضغينـة و العياذ بالله .

قال تعــالى :

أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضــله

فكل انسان يرزقه الله من المال و العـلم و الجاه ما يشـاء ( يعز من يشاء و يذل من يشاء ) و انه من أقبح القبيح أن يحسد الإنسان رجلا فضّله الله عليه بمال أو نعمة أو علم أو شهرة . بل و ان الله ينهى حتى عن التمني فيما رزق الله غيره من النعم .

قال تعالى :

و لا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على البعض

ذلك لأن الفضل كله بيد الله و الله ذو الفضل العظيم . فعلى المفضول أن يطلب الفضل من الله تعالى لا أن ينافس أخاه و يضايقه فيما أعطاه الله و تفضل به عليه دونه .

و العجيب أن الضرر الذي يتلقاه الحاسد من حسده أكبر من الضرر الذي يتلقاه المحسود لأن الحاسد كلما رأى أخاه في نعمة و خير فانه يزداد غيظا و حقدا فيبقى طول عمره مهموما محزونا .. يتقلب على فراشه من الغيظ و يتألم من الحسد و أما المحسود فانه ينام قرير العين مسرورا .. ولو أن الحاسد بخبثه يحاول هتك حرمة المحسود و اتهامه بما ليس فيه ليحطّ من كرامته و يدنس شخصيته الشفافة .

و مهما عمل فان الحاسد يحاسب حسابا عسيرا لحسده يوم يعضّ الظالم على يديه .

و من الأضرار الأخرى التي يتلقاها المحسود هو النظر بإعجاب بقصد الإضرار و بواسطة النفس الخبيثة . و ربما كان للعين تأثيرا في الآخرين كما يُقال ولو أنه غير واضح حقيقة هذا التأثير ! و لكن ربما كان تأثير العين شديدا لدرجة قتل الطرف الآخر فبذلك يعتبر الحسود قاتلا أيضا .

اللهمّ آمنا من العين الحسودة و من حسد الحاسدين عامة و نعوذ بك من شر حاسد اذا حسد .

يُعـيَّرُ و لا يعــيِّر

المؤمن ليس من طبعه و خصاله أن يعيب أحداً ولو عُيّر أو عِيبَ من قبل الآخرين .

يعير : الكلمة مأخوذة من العار بمعنى : الشنآن .. الشنار .. الخزي .. العيب .. الشين .. الوصم .. السًّـبَّة .. الغضاضة .. المنقصة .. النقيصة .. الدنيئة .. المعرَّة .. الرذيلة .. السوءة .. المَثلب .. الشائبة.

و في المقابل : التقريظ .. الثناء .. المأثرة .. المكرمة .. الترفع .. التعظيم .. التفخيم .. المديح .. الفضيلة .. العزة .. الكرامة .. الفضل .. الشرف .. الإباء

و المؤمن لا يمكن أن يعيّر أحدا لأنه يرى ما فيه من العيوب و النقائص ، فلا يسمح لنفسه أن يعيب غيره لأنه ليس بمستهتر و لا يقارف العيوب و لا يغشى الدنايا و لا يبرز صفحات الآخرين للخزي و الفضيحة و هو يرجو أن يستر عيوبه ستار العيوب .

المؤمن في الوقت الذي هو منزه عن العيوب و عن التهكم و الإستهزاء بالآخرين ، يترفع عن النقيصة و يربأ بنفسه عن الدنايا و يكرمها عن اتيان المخازي .

المؤمن أطهر نفسا و أعلى قدرا و أنزه شأنا من أن يرمي أحدا بوصم أو يفضحه بعيب أو يكشف ستره بسر .. حتى ولو عابه غيره و أخدش كرامته و استهان بقدره .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم :

إذا أردت أن تذكر عيوب غيرك فاذكر عيوب نفسك

يا لها من كلمة قيّمة تصدر من أعظم انسان على وجه الأرض . أجل .. مادام كل منا يعرف خبايا نفسه ، فمن العيب أن يعيب غيره . و أكثر من ذلك أن المؤمن يتقبل من يعيبه ان كان فيه عيبا حقا و يشكره برحابة صدر إن أراه عيوبه ليحاول اصلاحها بل هو المنافق الذي يبغض من يبصره بعيوبه .

جاء في الحديث :

أحبّ إخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي

و بذلك يكون المؤمن راضيا إن أهدي اليه عيوبه بنية اصلاحه و ان عابه أحدٌ غيظا و حقدا فإنه يربأ بنفسه أن يرد عليه الا سلاما :

و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

و لا يُســرف

السرف و الإسراف مجاوزة القصد و الإقتصاد . والسرف هو الإفراط والشطط وحتى الغلو . و في المقابل : الإعتدال ، الإقتصاد ، و الإستقامة . و الإسراف في النفقة هو التبذير و وضع الشيء في غير موضعه و التقصير عن حقوق الله و الإنفاق في غير طاعة الله .

قال تعالى :

و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما

يدعونا الله الى الإقتصاد في الإنفاق و عدم مجاوزة القصد حتى في الإنفاق على المساكين و الفقراء حتى لا نكون فيما بعد كَلاّ على الغير . والقوام هو الإعتدال ، لا افراط و لا تفريط .

قال تعالى :

و لا تجعل يدك مغلولة الى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً

و انها القاعدة الإقتصادية المثلى في أجمل تعبير و ألطف بيان و أعذب استعارة . وانه مثل ظريف للمتنع من الإنفاق في الحقوق المفروضة عليه فيشبهه كالمشدودة يده الى عنقه الذي لا يقدر على الإخذ ولا على العطاء و في المقابل لا تبسطها كل البسط فتبقى لا شيء عندك فتلومك نفسك و تتحسر على ما كان عندك .

فالمؤمن لا يسرف في انفاقه على نفسه و أهله و غير ه بالفرض و النفل ، بل يقصد اقتصادا لأنه يعلم أن في حلاله حساب و في حرامه عقاب . ثم لا يمكن للعاقل الرزين أن ينفق كل ما في يده و لا يدّخر جزءا من نعم الله ولو يسيرا لليوم الأسود .

المؤمن لا يسرف لأن الإسراف خطأ .. تجاوز الحد .. افراط .. جهالة .. غفلة .. تبديد .. ظلم للنفس .. و تبذير في غير حاجة .

و القرآن يحارب الإسراف أشد محاربة حتى يجعل المسرف في زمرة الشياطين و اخوانهم .

قال تعالى :

إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين

و الإسراف منبوذٌ في كل شيء حتى جاء في الحديثاراقة فضل الماء إسراف ” .

و الإسراف في الأكل مذمومٌكلوا و اشربوا و لا تسرفوا ” . بل و لا يصحّ الإسراف حتى في النظافة و التطهير كي لا يؤول الى الوسوسة و هذا المرض من نتائج الإسراف و نهى عنه الشارع المقدس بشدة حتى أن أحدهم قال للإمام الصادق عليه السلام : فلانٌ رجلٌ عاقلٌ لكنه وسواسيّفردّ الإمام عليه بغضب :

أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان ” !!

و حتى في العقوبة فالإسلام نهى عن الإسراف بحزم : ” و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل

و خلاصة القول ان الإسراف مذموم قبيح عقلا و شرعا في جميع موارد الحياة دون استثناء و المؤمن بريءٌ عنه تماماً .

ينصر المظــلوم

و من كالمؤمن ينصر المظلوم و يفرج عن المهموم و ينفس عن المكروب و يهتم بأمور المحروم و يغيث الملهوف ؟

النصر هو الإغاثة و النصرة والإعانة والدعم في مقابل الإعتداء والتقاعس والتجاهل والترك والتخلي و الخذلان .

الله هو أول ناصر للمظلوم و هو الذي يغيث الملهوف و يردع الظالم الجائر .. وهكذا رسل الله و أولياؤه  و المؤمن يتخلق بأخلاق أولياء الله فلا بدّ له أن ينصر المظلوم أينما حلّ و سكن و من أيّ مذهب و دين كان ، فالناس إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق .. فانصر المظلومينأيها الإنسانفي جميع بقاع الأرض مهما كانت عقائدهم و مسالكهم فربك عند القلوب المنكسرة .. و ما أكثرها في عصرنا هذا .. عصر الجاهلية المتثقفة !! فالواجب الفرض على المؤمن الموالي أن ينتصر للمظلومين و يدافع عنهم و يحميهم و ينصرهم و يدفع عنهم إعتداء المعتدين و ظلم الجائرين و كيد الظالمين دون النظر الى النتيجة . فالواجب لا يحتمل المحاسبة الدقيقة! و التكليف الفرض لا ينظر الى العاقبة الدنيوية بقدر ما يهمه أداء الواجب و كسب رضا الخالق.

و الإسلام انما يدعو الإنسان الى نصرة المظلومين حتى يعتبر هذا العمل إحياء للناس جميعا و النفس الإنسانية (( و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )) سواء كان مسلما أم غير مسلم .. فإنها مصونة محترمة في الشريعة السمحاء و لا يجوز أن يُعتدى عليها الا اذا ارتكبت جريمة أو قامت بفعل شنيع جهاراً . و أصلا هذا هو الأصل الذي يتبناه أمير المؤمنين عليه السلام في قبول الخلافة حيث يقول في الخطبة الشقشقية :

أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لولا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر و ما أخذ الله على العلماء أن لا يُقارُّوا على كِظة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيتُ حبلها على غاربها .. ”

و عندما دخل عليه ابن عباس و هو يخصف نعله سأله : ما قيمة هذه النعل ؟ قال ابن عباس : لا قيمة له .

فقال عليه السلام : ” و الله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا ” .

و هذا هو الأساس المحض الذي دافع علي عنه ليكون أول مدافع حقيقي عن حقوق الإنسان دفاعا واقعيا لا شكليا . و بذلك لم يخش المظلومون و المحرومون أن يتعرضوا للظلم في عهد حكومة أمير المؤمنين العادلة . و يا لها من حكومة عدل لم يأت الزمان بمثلها .

و هكذا يكون المظلوم في عهد ابنه الإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداء تراب نعله حيث يقوم لإحقاق الحق و نصرة المظلوم و رفع شأو المستضعف المحروم و الإنتقام من الظالم المستبد حتى يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئتكما هي الآنظلما و جورا . و نحن بانتظار طلوع الشمس من جديد .

نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة

المؤمن دائم الحركة .. لا يتهرّب أبدا من ارهاق نفسه لإسعاد غيره .

هذه الروح الإيجابية هي التي تؤهل المؤمن ليكون انسانا فعّــالاً منتجا مفيدا لمجتمعــه ، يرضى عنـه ربـه و يرضى عن فِعاله عباد الله ..  و بذلك يصبح رمزا للحيويــة و النشــاط و يبقى الى آخر يوم من حيــاته قوّةً بنّـاءةً تساهم في رقيّ المجتمع و دفعه نحو التحرك الى الأفضــل . كل هـذا لأن الحيــاة في نظرة المؤمن عملٌ و بناءٌ و عطــاءٌ و تسابقٌ في الخيــرات .

لكلّ وجهــةٌ هو مولّيهــا فاستبقــوا الخيــرات

و قال أيضا :

و قل اعمــلوا فسيرى الله عملكــم و رسوله

و بذلك يصف أمير المؤمنين عليه السلام المتقين لهمــام في حديثه المشهـور قـائــلا :

نفسه منه في عنـاء و الناس منه في راحـة . أتعب نفسـه لآخــرته و أراح الناس من نفسه . بُعـده عمّن تبـاعد منـه زهدٌ و نــزاهــة و دنوّه لمن دنـا منـه لينٌ و رحمــةٌ

نعــم .. المؤمن لا يألو جهــدا في خدمـة عباد الله بمـا أوتي من قوة و نشــاط و قدرة ، يؤثر الآخـرين على نفسه دون أن يكون كالاّ و حِملا ثقيلا على غيره . حسن المعونــة خفيف المؤونــة . و بالرغم من ضعف في بدنــه و نحـافة في جسمــه غالبا فإنه قويٌّ في قلبــه محكمٌ في روحــه .. أشدّ كالجبــل الراسخ لا تزعزعــه العواصف و لا تزيــله القواصف و لا تضعضعــه الهموم و المشــاكل .

يرهق نفــسه لإسعــاد الآخـرين و يتعب جسمه لإحقـاق حق ضــائع أو نصرة مظلوم على من ظلمــه ، فهو كالنحــل دائم الحركة كثير النشــاط ، قليـل الراحـة ، حبه الخيــر ، و نيتــه العمــل لإرضاء الخالق جل و علا .

نفسه في عناء و مشقة لأنه يتعب لإسعاد الآخرين ولأنه يتعب في اقامة الفرائض والاحكام الشرعية . يكتفي بسويعات قليلة من النوم والراحة ثم يقوم في منتصف الليل وما بعده قائما و قاعدا يحذر الاخرة و يرجو رحمة ربه . وفي النهار يكدّ و يسعى لكسب الرزق الحلال بالاضافة الى همه الاول والاكبر في قضاء حوائج اخوته المؤمنين فهو دائم العناء و الناس منه في راحة و هناء . طوبى لمن كان همه العبادة وخدمة عباد الله المؤمنين وسلام على المؤمنين الصالحين.

لا يرغب في عزّ الدنيــا و لا يجـزع من ذلّهــا

لا شك أن كل انسان يبحث عن العزّ في حياته و لكن المؤمن يقيّد العزة بالتقوى .. فإن كانت العزة الدنيوية مساوقة لقبول الذل و الخزي أو مصاحبة للولوغ في مزالق الشهوات و مهاوي الذنوب و مهالك المعاصي .. فإنه يرفضها رفضا قاطعـا . و يستجبّ لنفسـه أن يعيش دون هذه العـزة الظاهـرية و يحتفظ بالعـزة الحقيقيّــة التي وهبهـا الله لـهو لله العزة و لرسوله و للمؤمنين

و مما وصى به أمير المؤمنين عليه السلام شيعته و أتباعه قوله :

” .. فلا تتنافسوا في عزّ الدنيا و فخرها و لا تعجبوا من زينتها و نعيمها و لا تجزعوا من ضـرائهـا و بؤسهـا ، فإن عـزهـا و فخــرها الى انقطـاع ، و إن زينتهـا الى زوال ، و إن ضرّهــا و بؤسهـا الى نفــاد ..”

و يا لهـا من كلمــات مضيئــة تضيء لنـا الدرب و تنيــر لنا السبيل .. فالمؤمن العـاقلكما يرى أولياء اللهلا يشتري عزا محدودا فانيـا مؤقتـا بعـز دائم أبديّ خـالد .

المؤمن يتقبـل الذل الظاهري في الدنيا دون أن يجزع و يتألم ، ما دام عمـله الذي أدى الى هـذا الذل عمل شرعي مطابق لعقيدته و فيه رضى ربه . بل و أكثر من ذلك فالمؤمن يتقبل برحابة صدر السجن و التعذيب و التشريد و المهـانة و القتل في سبيل الله و لا يرضى لنفسه قبول الظلم و الذل لأجل حياة سعيدةحسب الظاهرمشغوفة بالمال و الجاه و النعيم الفان .

و لنعـلم أن من يطيع أمر الله و يتبع سنة رسوله و يهتدي بهدي أئمة الهداة سلام الله عليهم فهو عزيز دون ريب ولو كان مهـانا من قبل الجائرين أو الجاهلين ، ذلك لأن العزة الواقعيـة منحصرة في الله و رسوله و المؤمنين . و خير مثال عليه قبول يوسف عليه السلام السجن ( رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه ) بدلا من عز زائل مشوب بالمعصية . و أكبر مثال قبول أمير المؤمنين عليه السلام أن يُقاد زورا الى المسجد لأخذ البيعة منه من أن يقبل ما لا ترتضيه له الولاية الإلهية التي كان حقا مفروضا لعلي و بنيه دون غيرهم .

للناس هَـمٌّ قد أقبلوا عليه و له هَــمّ قد شغله

يعيش المؤمن حياته بين همّين : همٌّ لما مضى و همّ لما سيأتي و هو بين هاتين الحالتين يحمل قلبا كسيرا حزيناً و كرباً ثقيلاً و لا تفارقه الهموم حتى يسلم الروح الى بارئها . ولو رأيت مؤمنا يبتسم و يضحك فإن قلبه مليءٌ بالهموم خوفاً و خشية من ربه و إشفاقا على ما سيؤول اليه مصيره . هذا بعكس كثير من الناس الذين لا يهمهم سوى الحصول على رفاهية و هناء و راحة دون عناء ، يتعبون طوال النهار لكسب مال أكثر و حياة أرغد ، يحبون المال حبا جما ، ويجمعونه قناطير مقنطرة .. هذا هو همهم و مطلبهم و منهجهم! وأما المؤمن فيعيش حياة زهيدة و يصرف جُلّ ماله لإسعاد الآخرين و بالرغم من أنه هشّ بشّ مرحٌ ، سمح ، منشرح الصدر ، طلق المحيّا ، فإن في قلبه همّاً وغمّاً و حزنا و ألما لا يعلمه إلا الله .

قال أمير المؤمنين عليه السلام :

المؤمن بشره في وجهه و حزنه في قلبه

المؤمن يعيش و هو يحمل همّ ذنوبه و معاصيه ، تؤرّقه في ليله و نهاره ، و له همّ آخر أكبر و أشدّ و هو الخاتمة و العاقبة و لحظات النهاية و ساعة الأفول فعندها يتوقف مصيره ، الى الجنة أم الى النار .

فهو في همّ دائم يشغل باله ، يخشى أن تزلّ له قدم فيصير الى مسير أسود ، بعكس المنافق الذي يعيش كالبهائم همه علفه . ” و ما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

المؤمن يرى الذنب أكبر و أشمل مما يراه من لم يعرف حقيقة الإيمان و يحسّ بوطأة الذنب حتى لو كان من اللمم و الصغائر و كأنها جبلٌ يوشك أن يقع عليه و ان لم يغفرها له ربه ليكوننّ من الخاسرين .

و نعم ما صوّر لنا رسول الرحمة (ص) حيث يقول :

المؤمن يرى معصيته كجبل يوشك أن يقع عليه و المنافق يرى معصيته كذباب وقع على أنفه

و ما أسهل الذنب و أهونه عند من يرى أن مثله مثل ذباب ليبعده عن نفسه بنفخة أو حركة بسيطة و أما الذي يرى الذنب كالجبل الجاثم فوق صدره فإنه يسعى بكل جهد أن يزيحه .

أجل .. ولولا الرجاء الذي أُمر به المؤمن جنبا الى جنب الخوف لما استقرت روحه في بدنه طرفة عين .

لا يُرى في حكمه نقصٌ و لا في رأيه وهنٌ و لا في دينه ضياعٌ

المؤمن لا ينطق الا بعد التروي و التفكر .. فإذا نطق و حكم بشيء فيكون حكمه راسخاً صحيحـا دون سقم و لا علة . و اذا اختاروه و استشاروه كان عاقلا مدبرا مديـرا لا يقول الا ما فيه المصلحة العامــة لأن المؤمن عاقلٌ كيّسٌ فَطِنٌ . وعندما يقوم بشعائر دينه لا يتّبع الا الصحيح و لا يضيع في متاهات البدع و السنن الغريبة عن الدين .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم :

إن خياركم أولي النّهــى

و مَن خير الناس و أفضلهم الا المؤمن العاقل ، الصائب في رأيه المتقن في عمله ، الصالح في حكمه .

جاء في الحديث أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام خطب خطبة قال فيهــا : ” أيها الناس أنا أخبركم عن أخٍ لي كان من أعظم الناس في عينيفلا يستحفّ له عقـله و لا رأيـه . كان خارجــا من سلطان الجهــالة فلا يمدّ يــده الا عـلى ثقة لمنفعــة .. و لايدلي بحجــة حتى يرى قاضيــا

أجـل .. ان عقل المؤمن راجــح و لبــه ناجـح .. لا ينطق الا صـدقا و لا يحكـم الا عــدلا . لا ضيـاع و لا وهن و لا عجــز و لا خسف و لا نقص و لا هـزل و لا ضعف في رأيــه .

لا يستبدّ برأيه و لكنه لا يعطي رأيـا الا بعد تفكير و تأمـل حتى لا يقول سدى و لا هبـاء و لا يخيّب أمل المستشير .

المؤمن لبيب ، أريب ، كيس ، عاقل ، نبيل ، أصيل ، حصيف ، رصينٌ ، وافر اللب ، مستحكم العقـل ، راجح الحصــاة . المؤمن من ذوي الألباب و أولي الأبصار و ذوي الأحلام الراجحة و الأفهـام النّـيـرة و الأذهـان الصافيـة . انه من أكمل الرجال عقلا و أسدّهـم رأيـا .

فإذا طبقنـا هذه الأوصـاف الرزينة و الخصال الثمينـة على من يدّعون الإيمـان و يتفوهـون بما لا يليق بأهل الإيمـان ، فلا يكاد يكون الا ثرثرة زائفة و حمقا بيّنـا . ألا إن الإيمــان بصفـاته الذهبيــة بعيد عن أمثال هؤلاء بُعد المشرق من المغرب . و لا شك أن المؤمنون الحقيقيون أقليـة كالكبريت الأحمــر . جعلنا الله منهم . آمين رب العالمين .

يرشد من استشاره و يساعد من ساعده و يكيع عن الخنـا و الجهــل

من استعان بالمؤمن و استشاره ، يرشده و يهديـه الى طريق الحق و سبيل الخيــر . و اذا ساعده أحدٌ في أمر ما فإنه سيسـاعده قطعـا و بتـا .. ذلك لأن المؤمن يساعـد كل من يطلب منه المعـونة دون مقـابل و دون منــة ولو لم يسـاعده و لم يـقدم له شيئـا لأنـه عندما يقدم المساعدة لإنسانكائنا من كانفإنـه يريد كسب رضــا الخــالق في خدمتـه للمخـلوق .. فما بالك اذا أراد أن يردّ الجميــل فإنه يردّ الصاع بصـاعين و الكيـل بكيليــن . و ان المؤمن يرى جميـل غيره دَينــا عليه فرضـا حتى يقضيـه و يجازيـه و يكافئـه وان لم يستطـع فلا ينسـاه من خـالص دعـائـه و طلب المغفـرة و الرحمـة له و لوالديـه .. و هذا خير و أفضل .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ” من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحــة ، سلبه الله لبــه ” .

يكيع عن الخــنا و الجهــل : كاع يكيــع بمعنى الجبن و الهـرب . الخنــا : الفحش و البذيء من القـول .

يأبى المؤمن أن يستخدم كلمات قبيحـة و يتفوه بالفحش من القول و كأنه يجبــن في ذلك . لقد استخـدم الإمام سلام الله عليــه كلمةيكيعللإستعـارة عن شدة ابتعــاد المؤمن عن الفحش و القول البذيء . و يصوره الإمــام في مثل هذه المواقف بصورة انسان جبـان بالرغم من شجــاعته و بســالته . جبـان في مقـابل الجهـل و السفــاهة و الكلام القبيح . انه قمـة في البراعـة اللفظيـة و الأسلوب الأدبي الراقي .

أجــل .. يتهرب من الفحش هروب الجبــان من ساحـة الوغى و يجبن عن السفــاهة و الجهــالة لأنه حكيم عاقل أريب .

قال الإمام الصادق عليه السلام :

” .. و استشر في أمورك الذين يخشون ربهــم

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..

انتهى شرح الحديث .



التصنيفات :كتب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: