أصول الخير

314194_dreambox-sat.com

بسم الله الرحمن الرحيم
ورد عن الإمام الباقر (ع) انه قال:
أوحى الله تبارك وتعالى إلى آدم (ع) : يا آدم !.. إني أجمع لك الخير كلّه في أربع كلمات : واحدةٌ منهنّ لي ، وواحدةٌ لك ، وواحدةٌ فيما بيني وبينك ، وواحدةٌ فيما بينك وبين الناس :
فأما التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً .
وأما التي لك فأُجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه .
وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعليّ الإجابة .
وأما التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك

( أمالي الصدوق ص362 )

الحديث يحوي أصول الخير كله في أربع كلمات أوحاها الله لعبده و صفيه آدم عليه السلام .. فكلمة تخص الله وحده و أخرى لتحصيل الأجر و الثواب الأخروي أي فيما ينفع العبد من عمل صالح و الثالثة فيما يخص الرب و العبد و الرابعة أمر يخص بالعلاقة بين العبد و نظرائه من الخلق .
ففي الكلمة الأولى التي تخص الله وحده هي أن تكون العبادة لله وحده لا يشرك معه أحد . ربما يتصور البعض أن هذا الأمر ميسر لكل عباد الله فلا شك أن الإنسان المؤمن لا يريد أن يشرك مع الله أحدا في عبادته و لكن الأمر ليس بهذه السهولة بل ربما كان هذا الشرط و الذي يجب تحققه في العبادة حتى تُقبل ، أمرا في غاية الصعوبة .. ففي الوقت الذي لا تُقبل العبادة إلا بالإخلاص في النية ، فإن الإخلاص حقا أمر صعب المنال فالشرك في العبادة إن لم يكن جليا فربما كان خفيا بل و ما أكثره من شرك خفي ، لا ينتبه إليه المرء إلا قليلا . و كم من أمر يجب فيه الإخلاص و لكن الأهواء النفسية و الشهوات الباطنية و المظاهر الشيطانية تحوّله إلى عملٍ خالٍ من الإخلاص ، ظاهر فيه الرياء ، قيكون وزرا و وبالا على صاحبه بدلا من أن يكون خيرا له و العياذ بالله . لذلك علينا أن ننتبه دائما الى هذه النقطة الهامة و لن نسمح لشيطان الجن و شيطان النفس أن يبثا سموم الرياء في أعمالنا فيجعلانها هباء منثورا .

و الكلمة الثانية ما أحوجنا إليها .. يقول : ” وأما التي لك فأُجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه ” و في هذا الحديث الشريف يتعهد الرب الكريم بأن يجازينا بأعمالنا الصالحة في وقت نحن أحوج اليه من أي شيء آخر فعندما تقوم القيامة ينتظر الإنسان فضل ربه و كرمه لأنه لا يوجد متسع من الوقت للعمل ففي الدنيا عمل و لا جزاء و في الآخرة جزاء و لا عمل . عندئذ نحن نحتاج إلى أن يجزينا ربنا خيرا فيما عملناه و لو أن ما نعمله ، لا يسمن و لا يغني من جوع و لو أن الله إن يجزينا خيرا فليس بواجب عليه شيء منه و لا نستحق على الله شيئا من الجزاء ،بل إنه تفضل من الله و لطف بالعباد ليس غير . و الله بلطفه و كرمه يعطينا ما لا نستحقه أبدا بل و يضاعف الأجر – أحيانا – أضعافا مضاعفة و نحن إذ ذاك في أمسّ الحاجة إلى هذا اللطف العميم .
و الكلمة الثالثة هي التي بيننا و بين الله و هي أن ندعوه فيجيبنا و نطلب منه فلا يردنا . و قد قال في كتابه الكريم : ” أدعوني أستجب لكم ” ولو نظرنا إلى هذا امر بدقة لرأيناه غاية في اللطف . فالله تعالى يأمرنا أن ندعوه و نطلب منه ليستجيب لنا . ربما قال قائل إنني طلبت الكثير و لم يستجب لي ربي و الجواب أن علينا الدعاء و أن لا نملّ و لا نكل منه و لكن الإستجابة ليست كما نتصوره فربما لم يكن في صالحنا أن يستجيب لنا خاصة الأمور الدنيوية المحضة و ربما كان الأفضل – بل هذا هو الحق – أن لا يستجيب لنا ربنا ما نراه في مصلحتنا – حسب الظاهر – لأن نظرتنا إلى الأمور سطحية بسيطة و المصلحة فوق ما نتصوره و نتوهمه .. ثم إن الإستجابة ربما كانت في وقت آخر نحن أحوج إليه حقا فالحياة الدنيا بمرّها و صعبها ، و حلوها و لينها سوف تمر و تنتهي كلمح البصر . ولو صبرنا قليلا على ما تواجهنا فيها من مشاكل و صعوبات فالأجر يزداد غدا عندما تقوم الساعة و نحن – و الله – إلى ذلك الأجر و المثوبة أحوج . فلا يظنن أحد أن لو لم يستجب الله له دعاءه و طلبه في الدنيا فالله قد أهانه و العياذ بالله ، كما لا يتصور الإنسان الذي إذا دعا ربه فاستجاب له أن الله قد أكرمه حقا .. فالإستجابة تتبع المصلحة و الله أعرف بالمصلحة من العباد . و أكرر أخيرا أن واجبنا يقتضي الدعاء على كل حال في السراء و الضراء دون إنتظار الإجابة فلو استجاب لنا في الدنيا قلطف منه و ليس استحقاقا لنا ولو لم يستجب في الدنيا فالأجر عند الله محفوظ بإذنه و منّه .
و الأمر الرابع يخص حقوق إخواننا المؤمنين ذلك لأننا لا نعيش في معزل عنهم و لا يرضى لنا الله أن نعيش رهبانا بل علينا أن نعاشر المؤمنين و نعيش بينهم في محبة و إخاء . يقول الحديث :” أما التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك ” و جاء في رواية أخرى ” و أن تكره لهم ما تكره لنفسك ” و الواقع أن هذه الكلمة جمعت كل مايختص بحقوق الإخوان دون أن يتغاضى عن شيء . لماذا ؟ لأننا لا شك لا نريد لأنفسنا إلا غاية الخير و نهايته ، فلو أردنا لغيرنا ما أردناه لنفسنا ولو هيأنا لإخوتنا ما نهيئه لأنفسنا فسوف يعيش الجميع في محبة و وداد و وئام لا محالة . و إذا أنفق الأغنياء فضل أموالهم على إخوتهم الفقراء لما بقي فقير بينهم قط .. ولو عمل كل منا بهذه الكلمة الخالدة لعمّ الخير كل المؤمنين .. و لكن هيهات فالأمر لا يتعدى حبرا على ورق لا يعمل به إلا القليل القليل من المخلصين و سلام على عباد الله المخلصين .



التصنيفات :مقالات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: