مقدمة الى معرفة النفس

777b23516792e28d8403a5391013a530

نقرأ كثيرا في الأحاديث أن معرفة النفس مقدمة لمعرفة الرب ( من عرف نفسه فقد عرف ربه)

فإن كنا نعرف ما في نفوسنا و الإنسان بالطبع محيط بنفسه أكثر من كل شيء ، ولا يختلف الحال بين مؤمن و فاسق فالجميع يستطيعون التصرف في النفس (لا الجسد) باعتبار تسلطهم عليها ، فكيف تكون النفس مقدمة لمعرفة الرب ؟

صحيح أن الإنسان يعرف ما في نفسه بل ولا يمكن له  تصديق أي شيء من المعارف الغيبية بمقدار تصديق نفسه التي بين جنبيه ، وإذا كنا نؤمن بالغيب بإعتبار إيماننا بالله واعتقادنا بأن ما في الكتاب العزيز هو من عند الله و ثم باعتبار آثار تدل عليها ، و أما معرفة الإنسان لنفسه فتكون صريحة واضحة . و لكن ليس القصد مجرد الإحاطة الحسية بالنفس بل وان معرفة النفس تخضع لأشياء أخرى ، لابد من الإشارة اليها إشارة عابرة .

الإنسان حاله كحال الحيوانات له حاستان يشترك فيهما مع سائر الدواب ، وهما الشهوة و الغضب . فإن استطاع إخضاعهما لميزان التقوى ، فإنه يخرج من كونه حيوانا إلى ملاكٍ .. و كلما هذّب نفسه و أبعدها أكثر عن الشهوات فإنه يقترب إلى المعنوية والملكوتية أكثر و أكثر حتى ينسى نفسه الأمارة بالسوء تماما فيصبح حينئذ إلهيا ويرتفع إلى أعلى مدارج الكمال.

و بناء عليه فإن الإنسان الذي ينغمس في الملذات و الشهوات و ينسى نفسه أي ينسى أن الله خلقه للعبادة و ليس للتشبه بالحيوانات في حياتها المادية المحضة ، فإنه لا يعرف نفسه حق المعرفة ، لأن معرفة النفس ليست الإحاطة بها و إحساسها بل الوصول إلى سبب خلقتها و أصل وجودها ، فالأصل كما وضحه الله لعباده هو العبادة ( وما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون) والعبادة تشمل المعرفة بل هي المعرفة بعينها . بالطبع لا أريد أن أقول بأننا يجب أن نتعبد طوال اليوم دون أن ننجز أعمالا دنيوية لكسب العيش الحلال ، فالوقت قسمه أولياؤنا الى ثلاثة أقسام قسم لربك و قسم لراحتك و قسم لدنياك . وهذا الأمر مفروغ عنه ، و لكن العبادة أن تكون دائما مسلطا على قواك الحسية والمادية فلا تخرج من دائرة الطاعة الى حضيض الشهوة المحرمة أو الغضب المدمر ، في جميع الحالات.

و للوصول الى مبتغانا لابد أن نتوسل بربنا و نستعين به ليعيننا في حربنا الدائمة مع النفس الأمارة بالسوء . قال تعالى على لسان يوسف الصديق (ع) : و ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ولا أشك أن الإنسان إذا نوى التقرب اليه سبحانه و لجم شهواته ما أمكن و أدى ما عليه من الفرائض ، فإن الله الرحيم الودود ، يعينه على التدرج في مدارج الكمال بلطفه و رحمته .

إذن عليك أن تلجم النفس بالتقوى و تجرها بحبال الرجاء نحو حياة عالية فضلى و تضربها ضربات الخوف و الخشية حتى تسجنها في سجن التقوى والورع و تبعدها عن شيطنة شياطين الإنس و الجن بُعد المشرقين بإذن الله ثم تصل إلى الكمال المطلوب ، وكل هذا يحتاج الى جد و جهد فمن جدّ وجد و من زرع حصد . آمنكم الله و إيانا من شرور أنفسنا بحق محمد و آله الأصفياء المخلَصين .

4ef173f0-fe52-42b8-a40f-b04559096072



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: