العبادة ، أمرٌ فطري

522

بسم الله الرحمن الرحيم

العبادة ليست إبداعا من الأنبياء و الرسل بل إنها أمر فطري ملازم للإنسان من البدو الى الختم .

فكل إنسان يولد ، مفطور على الخروج من بوتقة النفس المحدودة و الوصول الى شيء ( ليس كمثله شيء) لا يعتريه الجهل و لا النقص و لا الفناء ولا الموت ( وهو الحي الذي لا يموت ) و ليس هذا مجرد نظرية .. فالواقع الملموس و المحسوس للبشر ينبؤنا عن هذا الأمر .. لذلك نرى كل إنسان يتقرب و يطلب القرب من معبوده حسب أوهامه و خيالاته . فمنهم من صنع لنفسه صنما ليعبده و يخضع أمامه لوجود حالة فطرية في كينونة نفسه ، و لكنه قطعا اعتمد طريق خاطئا للوصول الى المعبود ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) و هناك من يعبد الملائكة بإعتبار أنهم خلق أكثر تكاملا من الإنسان ، و ينسون أن الله أخضع الملائكة لهذا البشر و أسجدهم لأبيهم آدم ، حتى تكون الأولوية لخلق يتباهى به الرب العظيم أمام سائر خلقه فيقول : “ تبارك الله أحسن الخالقين “

و لم يقل سبحانه هذا القول حتى في خلق السماوات و الأرض بعظمتها .. و لكنه قال عند خلق الإنسان : “ تبارك الله “ ثم اضاف الى نفسه “ أحسن الخالقين “ لأن ما خلقه هو أحسن الخلق و أكثره تعقيدا و غموضا .. و لم لا ، فقد نفخ فيه من روحه بل و تتعاظم خلقة الإنسان عندما يخاطب الرب ، إبليس بقوله : “  قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين “ و عجيب هذا التعبير : “ خلقت بيديّ “ و ليس ذلك إلا دليلا على عظمة هذا الخلق .

و ما دام الرب ينفخ فيه من روحه ، فلا بد أن يكون في طبعه تقديس لخالقه و تنزيه له ، لذلك نراه يحاول التقرب اليه و لكنه يضل عادة الطريق ، و يأتي عندئذ دور الأنبياء و الرسل ليرشدونه و يأخذون بيده نحو خالقه و معبوده الحقيقي الذي طالما بحث عنه في زوايا مخيلته و صنع أحجارا و تماثيل لعلها تقربه اليه زلفى .

بناء عليه فإن العبادة في حد ذاتها أمر غريزي فطري توجد في النفس البشرية منذ الخلقة و كأنه يحس بأنه حقير أمام من صنعه و يشعر بأن ما وراء الطبيعة عوالم أخرى تدعوه ليستعين بها في الوصول الى معبوده .

و هذا ما يعبر عنه الشيخ البهائي العاملي (رحمه الله) في قصيدته الفارسية : “ مقصود من از كعبه و بتخانه توئي تو ** مقصود توئي ، كعبه و بتخانه بهانه “

أي أنني عندما أزور الكعبة أو أطوف بالأصنام ، فالغرض هو أنت لا غيرك ولكن الكعبة (للموحدين) والمعبد (لعبّاد الأصنام) مجرد وسيلة للوصول اليك . و معنى ذلك أن الجميع يريدون الوصول الى المحبوب الحقيقي و يبحثون عن المعبود في كل مكان ، لأن العبادة ضالّتهم المنشودة و لكن منهم من يسير في المسير الصحيح و منهم من ينحرف إلى المسير الخطأ ولكن الغرض دائما أنت ، يا محبوب الجميع .

و بالإضافة الى أن العبادة أمر فطري لا يستغني عنه أحد للوصول الى الذات المقدسة الكاملة التي ليس فيها عيب أو نقص و لا يعتريها نوم أو غفلة أو موت ، فإنها أيضا سر الوجود . قال تعالى : “ و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون” فالعبودية هو العهد الذي حمله الإنسان حتى ولو كان ظلوما و جهولا .. عهد و ميثاق بينه و بين ربه . “ أ لم أعد اليكم يا بني آدم ألا تعبدو الشيطان انه لكم عدو مبين “ و جاء الأنبياء ليعلموه طريق الوصول الى العبادة الخالصة “و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين “ . “ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين “ أي عبادة خالصة لله وحده لا شريك له ، لا يعتريها شك ولا يخالطه شرك ، قاصدين بعبادتهم وجهه ، لا ينحرفون عنه الى غيره .. و هذا هو دين الإستقامة الذي طالما بلّغ به الرسل و أذاعوه بين البشر. اللهم اهدنا الى دين القيّمة ، الدين الخالص و الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين .

image_gallery



التصنيفات :مقالات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: