ذكرياتي مع الإمام الخميني (٢)

Kds_13816618485644-600x477

ذكرت في ذكرياتي الأولى مع الإمام الراحل الخميني العظيم قدس الله روحه ، بعض المواقف السياسية للإمام و إهتمامه بها .
واليوم أريد أن أعصر الذاكرة مرة أخرى و نحن على أعتاب الذكرى السابعة والعشرين له رحمه الله ، تلبية لطلب أعزائي و أريد أن أركز على الجوانب الإجتماعية والخلقية و كيفية المعاشرة للإمام الخميني قدس سره :
١- عندما كان الإمام في باريس ، كنت أراه في حالة غير المعهودة .. ففي النجف الأشرف كان مهابا جادّا لا يمزح و لا يبتسم إلا قليلا .. و لكنه في باريس رأيته في حالة إجتماعية بشوشة غير ما كنا نعهده له .. كان كثير التبسم ، يمزح معنا أحيانا .. و يسمح للجميع بإلتقاط صور له .
و أما في النجف الأشرف فلم يسمح بتصويره إلا خفاء! و قد طلبنا منه مرة و هو في كربلاء جاء اليها زائرا ، طلبنا منه أن نصوره و نحن من المقربين لديه فسمح لنا و لكن في حدود .. و بعد أن صورناه و هو جالس على الكرسي في فناء الدار خصيصا للتصوير ، لم يسمح بالتكرار و قام على الفور .
و لكن في باريس كل شيء قد تغير فالإمام يسمح للجميع صغارا و كبارا أن يصوروه و أكثر من هذا أنه كان كثير التبسم . ربما لأنه كان واثقا بالنصر القريب فكان مستبشرا و لا يريد أن يبدو متجهما عبوسا .
مثلا في أحد الأيام ، وفي الصباح الباكر كان يمشي حول مزرعة صغيرة للورود في نوفل لوشاتو .. أسرعت اليه لأصوره بعض الصور . ابتسم في وجهي و قال مازحا : “هنا الجو لطيف و الورود كثيرة والطبيعة جميلة .. أحسن من جو النجف ، كله غبار و حرارة !!”
٢- في أحد الأيام – و كان يوم الأحد- و كالعادة يأتي الشباب من مدن و دول أوروبية أخرى للقاء الإمام في الويك إند .. فالمكان كان غاصّا بأهله و لا يوجد مكان بالقرب منه . و أنا من غير عادتي تأخرت ذاك اليوم و وصلت في حين كان الإمام يتكلم بحرارة و الشباب يصغون اليه ، فكنت مضطرا أن أرى لي مكانا في آخر الصف ! و لكن الإمام – و هو في حال التحدث – أشار الي أن أقترب منه ، فكان عنده المكان الوحيد الخالي من الناس .. و دون أن يقطع كلامه أشار الي فاقتربت منه و جلست عنده ملاصقا به ! بالرغم من هذا اللطف الذي لا يشمل إلا أقرب الناس ، و لكني كنت خجولا جدا أمام الشباب ، حيث رأوا هذه العاطفة من الإمام تجاه واحد منهم .
ربما يستغرب البعض أن الإمام في تلك الحالة الجادة ، لم ينس أحد المقربين اليه .. مع أنني ما كنت أتوقع منه هذا التقدير رحمة الله عليه .
أ لا ينبغي لي أن أذكره كل يوم في دعائي و حتى في قنوتي و نوافلي ؟
٣- من الأمور التي استغربت منه ، إصراره على تعليمنا بعض الأحكام عمليا خاصة التي كانت غريبة عنا نوعا ما و قد عشنا عمرا من قبله في مناطق و بيئات محافظة جدا . فمثلا كان يقول : “ الأصل في الأشياء الطهارة فما ليس لكم به علم و يقين من أنه تنجس فاعتبروه طاهرا “ و هذا الحكم كان مفيدا جدا لنا و نحن في دولة مسيحية . و بالرغم من أن الإمام كان لا يعتبر أهل الكتاب طاهرين و لكنه كان حساسا لما نتقيه من الأشياء و نعتبرها نجسة مثلا .
ففي أحد الأيام كنا بعد العشاء نتمشى مع الإمام خارج البيت فوضع أحد أقربائه (الشيخ الإشراقي صهر الإمام ) وضع يده على سور أحد المنازل ، فرفعها فورا !! قال الإمام : لماذا رفعت يدك ؟ قال : كانت الحديدة مرطوبة ! قال الإمام : و لتكن .. شنو المشكلة ؟ و هل أنت متيقن بنجاستها ؟ قال : لا . قال : إذن لا داعي لهذا الإحتياط .. هذا وسواس !
كان هذا درسا لي ولغيري ممن كانوا يسيرون معه .
و في أحد الأيام جاء شاب من الزائرين يبحث عن ماعون ليضع فيه بعض التفاح المقطوف من شجرة التفاحة الموجودة في فناء الدار . فأشار أحد رجال الدين الى ماعون في الرف و قال له : طهره !
فورا صاح الإمام به : لماذا يطهره ؟! اذا تريد أن تغسله ما في اشكال و لكن لا يكون بنية التطهير ! لماذا تعقدون الأمور ؟ هل رأيت اليد المبللة لأصحاب البيت المسيحيين تصل اليه و تلمسه ؟ قال : و لكن هذا ماعون و البيت لمسيحيين ! قال : “و ليكن .
لا يا ابني هذا الماعون طاهر “.
و ذات يوم جاء شخص وقت الغداء و اقترب منه و قال : سيدنا هذا الجبن الذي تعطيه لضيوفك ، أنا أعرف أنه ممزوج ببعض الدهون الحيوانية .. و كان الشباب (ضيوف الإمام) يأكلون غذاءهم المكون من خبز الباگيت و الجبن ( المثلثات) و أحيانا بعض البيض المفيوح .. و لم يزد الغذاء على هذا عادة . كان الشباب مشغولين بالأكل و لكنني كنت جالسا عند الإمام عندما جاء هذا الشخص وقال له ما قال .. فغضب الإمام و قال له : و من قال لك أن تبحث عن محتويات الجبن ؟ و من طلب منك ذلك ؟ قال : أنا أعلم مسبقا . فقال له الإمام : “إذا أنت متيقن من ذلك فلا يجوز لك الأكل و لكن ليس هناك من داع أن تنشر ما تعرفه بين الآخرين !! دع الضيوف يأكلون و يتمتعون بأكلهم و لا تؤذيهم !”
استغربت كثيرا و عرفت من ذلك الوضع أن الإمام يريد أن يعطينا دروسا في كثير من الأمور المغلوطة عندنا لكثرة إيجاد الشبهات المصطنعة !! ثم عرفت حينها أن الحياة ليست صعبة في البيئة النجسة إلا أننا نصعب الأمور لوجود رواسب ذهنية خاطئة عندنا ، تعلمناها ممن سبق دون أن نعلم حقيقة الأمر .
نعم .. كل حركة و سكون للإمام كانت لنا درسا نتعلم منها و نتثقف ثقافة غريبة علينا لأننا جبلنا على اعتبارات وهمية خاطئة تنجس كل شيء .. و كأن الإصالة للنجاسة و ليست للطهارة ، مع أننا ندرس في أول يوم من دروس الأصول إصالة الطهارة ، ولكننا عمليا لا نقبل هذا الأصل الشرعي !
٤- بعد أن رجع الإمام منتصرا الى ايران ، استقر به المقام في قم المقدسة بضعة اشهر و كنت كثيرا ما أزوره في بيته المتواضع و أستمتع في النظر الى وجهه المبارك .. و أ ليس النظر الى وجه العالم عبادة ؟!
ذات يوم جئت الى البيت و رأيت كثيرا من الناس ملتفين حول الإمام .. فقلت لأحد مقربيه ، الشيخ الفردوسي رحمه الله : غدا مسافر الى الكويت و لابد أن أسأل الإمام بعض المسائل . دبّر لي مكانا عنده إذا أمكن . فاقترب الشيخ و همس في أذن أحد الجالسين عند الإمام ، فقام الرجل من مكانه و فسح لي المجال . جلست عنده و قلت : مولاي عندي بعض الأسئلة الخاصة ، فقرّب اليّ أذنه حتى لا يسمع الجالسون شيئا . صدقوني كنت أريد أن أقبّل أذن الإمام و هو يقربها من فمي لكي أهمس فيها و أقول ما أريد قوله بكل راحة .

سلام الله عليك سيدي يا روح الله
كل يوم يمضي من معرفتي إياك ، أزداد فيه حبا و شوقا اليك و أزداد معرفة و علما بالبحث في مسيرة حياتك المعطاء .



التصنيفات :خواطر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: