علي .. جامع الأضداد

photo56-ali-1f099cd

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام شخصية متميزة و استثنائية من جميع الجوانب حيث لا تستطيع أن تحصل في العالم نظيرا له .

ولو نبدأ من بداية وجود أمير المؤمنين عليه السلام على الأرض فنراه قد وُلد في الكعبة حيث لم يولد قبله و لا بعده أحدٌ في وسط الكعبة و أما وفاته أو استشهاده فكان في وسط المسجد وأي مسجد ، مسجد الكوفة وهو من المساجد الأربعة المقدسة ، اي ان عليا ترتبط حياته من البداية الى الخاتمة ببيت الله و أقدس مكان على وجه الأرض.

و علي خلال هاتين النقطتين ، الكعبة و المسجد تنحصر حياته المباركة في الجهاد و الصبر لوجه الله و إعلاء كلمة الله و محاربة أعداء الله و تعليم الناس و تزكيتهم و الحركة في مسير رضا الله تبارك و تعالى حتى يصل الأمر الى أن يقول في حقه الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله : “ علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيثما دارو معنى ذلك أن الحق يدور حول علي لا أن عليا يدور مدار الحق و بعبارة أخرى كل عمل يعمله علي فهو حق و كل أمر لم يقبله علي فهو باطل . أي ان عليا ميزان الحق و الباطل و معيار الصواب من الخطأ ، فإذا أردت أن تعرف مواضع الحق فعليك باتباع علي و إذا أردت أن تعرف مواضع الباطل فانظر الى أعمال أعدائه و مناوئيه .

و في كلمة واحدة أستطيع أن أقول بأن عليا جامع الأضداد :

ففي الوقت الذي نراه يتسلط على كامل الأراضي الإسلامية الممتدة آنذاك من أقصى الشرق الى مصر و أفريقيا ، فإنه يعيش حياة زاهدة بسيطة مثل حياة أقل الناس معاشا و مالا .. يعيش في بيت صغير كالكوخ و على بساط خشن و يلبس ثيابا متواضعة بالرغم من أنها نظيفة و يقتنع بأكل أقراص من الشعير و يمتنع عن الملذات الدنيوية لأنه حاكم و يريد أن يكون في مستوى أبسط الناس و أفقرهم و هو يقول : “ و إنكم لا تقدرون على ذلكو في الوقت نفسه نراه في مصافّ المعركة مع الأعداء يضرب يمنة و يسرة ، لا يخاف الموت و لا يخشى من كثرة الأعداء و لا قوتهم لأنه يريد إقامة العدل و الحق بين العباد .. فعندما يطلب أشجع العرب مبارزا يبارزه يقوم هذا الرجل العظيم دون مبالاة بالموت و لا من قوة الطرف الآخر فيصارعه يقدرة كبيرة و يصرعه و يقضي عليه حتى يأتي النداء من جبرئيل عليه السلام : “ لا فتى إلا علي و لا سيف إلا ذو الفقارهذا السيف الذي يقطر دما من محاربة أعداء الله و رسوله. و هذا الشجاع البطل الذي يخشى من الإقتراب اليه أشجع شجعان العرب ، تراه يبكي في سواد الليل خشية من ربه العظيم .. لا ينام من الليل إلا قليلا و يمضي ساعاته الأخرى في الصلاة و الإستغفار و الدعاء و البكاء خشية الله و تقربا اليه جلت قدرته .

هذا الأسد المقدام عندما تتسارع خطاه في جنبات المعركة لمقاتلة أعداء الله ، عندما يسمع أن بنتا كتابية (نصرانية) قد خلع أحد جنود المسلمين خلخالا من رِجلها و سرقه يتمنى الموت و يقول حق أن يموت الإنسان و لا يسمع بمثل هذا الظلم على ذمية . هكذا يتبرأ الإمام من أن يظلم أحدٌ مسيحية تعيش بين المسلمين و لا يرضى بذلك أبدا ، فكيف بمن يقتل المسلمين و غير المسلمين لأنهم ليسوا على مذهبه أو لا يتبعون منهجه !

و هذا البطل الشجاع عندما يصبح حاكما يأتيه أخوه الضرير ( الأعمى ) عقيل و يطلب منه شيئا بسيطا أكثر من غيره من بيت مال المسلمين لأنه ذو عائلة كبيرة و لا يستطيع أن بعمل فهو لا يبصر .. و لكن عليا لم يرض من هذا الطلب فيحمي حديدة و يقربها من جسم أخيه ليئن و يصرخ ثم يقول له : “ يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه و تجرني الى نار سجّرها جبارها لغضبه ؟ أتئن من أذى و لا أئنّ من لظى “.

و أكثر من هذا أنه عندما يأتيه رجل يريد أن يتوسط اليه و هو الحاكم المطلق فيأتيه بطبق من الحلوى و يقول إنه هدية !! فيغضب عليٌّ بشدة و يقول له : “ أ عن دين الله أتيتني لتخدعني ؟ أ مختبطٌ (مجنون) أنت أم ذو جِنة أم تهجر ؟ و الله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها ، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جِلب (قشر) شعيرة ما فعلته . و إن دنياكم عندي أهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ما لعلي و لنعيم يفنى و لذة لا تبقى ؟!”

و الله يشعر الإنسان بالحقارة و الذل عندما يتتبع مسيرة حياة هذا الإنسان العظيم الذي لا يوجد له مثيل في العالم . حقا انه صورة مفردة لم ير لها الشرق و لا الغرب نظيرا و مثيلا .

و أما عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام فإنها أيضا منحصرة بشخصه الكريم حتى أن أحد أصحاب الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام يستغرب من كثرة عبادته و شدة بكائه في صلاته و تضرعه الى الله و خشيته و خضوعه فيرد عليه الإمام السجاد عليه السلام : “ و من یقدرُ علی عباده جدّی علیّ بن ابی طالبأي أن عبادتي لا تصل إلى درجة عبادة علي و قد قال في حقه الشاعر :
هو البكّاء في المحراب ليلا *** هو الضحاك إذا اشتد الضِّراب

أي أنه كثير البكاء في الليل عندما تنام الأعين و يضطجع الناس في أسرّتهم ليرتاحوا إلا أن عيون علي مفتحة باكية من خشية ربه ، يقضي ليله بالصلاة و القرآن و الذكر و هذا العابد الزاهد عندما يتوسط صفوف المعركة يستبشر و يضحك لأنه لا يخشى الأعداء مهما كثروا .يقول عليه السلام : “ والله لو اجتمعت العرب على قتالي لما وليت عنها مدبرالأنه لا يخاف الموت في سبيل الله . يقول : “ والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمهو لماذا يخاف الموت رجلٌ يعرف أن كل لحظة من حياته يقضيها في سبيل إعلاء كلمة الله و الدفاع عن المظلومين و النضال ضد الظالمين و المستكبرين . و حتى حين يضربه اشقى الأشقياء ابن ملجم لعنه الله يقول : “ فزت و رب الكعبة “.

و ربما يتخيل الى القارئ أن عليا متهور لا يخاف الموت ! أبدا ليس كذلك ، علي يغشى ميدان المعركة لكي يدعو الناس الى دين الله و الى نبذ الجاهلية و اتباع الحق . يقول : “ فو الله ما دفعت الحرب يوما إلا و أنا أرجو أن تهتدي بي طائفة و تعشو إلى ضوئي ( تهتدي الى نوري وضوئي مثلما تهتدي الفراشة الى نور الشمعة) و ذلك أحب إليّ أن أقاتلها على ضلالها و إن كانت تبوء بآثامهاو هكذا يتبين للمتتبع سيرة علي أنه يعمل كل ما في وسعه لهداية الناس الى الصراط المستقيم .. و نأمل أخيرا أن نهتدي الى سبيله و منهجه ليكون اتباعنا عن بصيرة و يرضى منا رب العالمين و السلام على من اتبع عليا و أهل بيته الكرام ، عليهم افضل الصلاة و السلام .



التصنيفات :مقالات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: