الخشوع في الصلاة

67256a694-1

يجب أن نحاول إقناع أنفسنا بأننا نقف أمام جبار السموات و الأرض ، حتى نخشع قليلا أثناء الصلاة ، فإن الخشوع في الصلاة أمر مهم لا يدرك تمامه إلا الأنبياء و الأولياء عليهم السلام و أما نحن فعلينا أن نشعر أنفسنا بالوقوف أمام العظيم الجبار فترتعد فرائصنا و نتقبل بكل وجودنا على الله تعالى ،ولو أن الأمر صعب علينا نحن أهل الدنيا و لكن لا بد من الرياضة النفسية و المحاولة الجادّة و الطلب من الله تعالى أن ييسر لنا طريق الخضوع و الخشوع إن شاء الله .

قال العلامة الطباطبائي : قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ الخشوع تأثر خاص من المقهور قِِبال القاهر بحيث ينقطع عن غيره بالتوجه إليه والظاهر أنه من صفات القلب ثم ينسب إلى الجوارح أو غيرها بنوع من العناية كقوله صلى الله عليه وآله وسلم – على ما روي – فيمن يعبث بلحيته  في الصلاة : أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ، وقوله تعالى : ﴿ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ﴾.

والخشوع بهذا المعنى جامع لجميع المعاني التي فسر بها الخشوع في الآية ، كقول بعضهم : هو الخوف وسكون الجوارح ، وقول آخرين : غض البصر ، خفض الجناح ، أو تنكيس الرأس ، أو عدم الالتفات يمينا وشمالا أو إعظام المقام وجمع الاهتمام ، أو التذلل إلى غير ذلك . وهذه الآية إلى تمام ثماني آيات تذكر من أوصاف المؤمنين ما يلازم كون وصف الإيمان حيا فعالا يترتب عليه آثاره المطلوبة منه ليترتب عليه الغرض المطلوب منه وهو الفلاح فإن الصلاة توجه ممن ليس له إلا الفقر والذلة إلى ساحة العظمة والكبرياء ومنبع العزة والبهاء ولازمه أن يتأثر الإنسان الشاعر بالمقام فيستغرق في الذلة والهوان وينتزع قلبه عن كل ما يلهوه ويشغله عما يهمه ويواجهه ، فلو كان إيمانه إيمانا صادقا جعل همه حين التوجه إلى ربه هما واحدا وشغله الاشتغال به عن الالتفات إلى غيره فما ذا يفعل الفقير المحض إذا لقي غنى لا يقدر بقدر ؟ والذليل إذا واجه عزة مطلقة لا يشوبها ذله وهوان ؟ وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الحارثة بن النعمان المروي في الكافي وغيره : إن لكل حق حقيقة ولكل صواب نورا .

و أما أولياؤنا عليهم أفضل الصلاة و السلام فقد كانوا يقبلون بكل وجودهم على الصلاة فقد جاء في الأثر :

“كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة تربد وجهه خوفاً من اللَّه تعالى” ..

و عن الإمام الصادق عليه السلام :  “كان علي إذا قام إلى الصلاة فقال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض تغيّر لونه حتى يعرف ذلك في وجهه”.

و عن رسول الله صلى الله عليه و آله : “ “أما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.. متى قامت في محرابها بين يدي ربها جلّ حلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض يقول اللَّه عزّ وجلّ لملائكته: يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي وقد أقبلت بقلبها على عبادتي” .

و عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) أنه قال : “إن الحسن بن علي ( عليهما السلام ) كان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم “ .

كان الحسن ( عليه السلام ) . . . إذا فرغ من وضوئه تتغير لونه ، فقيل له في ذلك ، فقال :” حق على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن تتغير لونه “.

– في كتاب اللؤلؤيات : كان الحسن ( عليه السلام ) . . . إذا توضأ تغير لونه ، وارتعدت مفاصله ، فقيل له في ذلك ، فقال : “حق لمن وقف بين يدي ذي العرش أن يصفر لونه وترتعد مفاصله “.

وعن – محمد بن طاووس أنه قال : كان علي بن الحسين ( عليه السلام ) إذا شرع في الصلوات اصفر وجهه وظهر عليه الخوف .

و كان ( عليه السلام ) إذا توضأ للصلاة وأخذ في الدخول فيها اصفر وجهه وتغير لونه ، فقيل له مرة في ذلك ، فقال : “إني أريد الوقوف بين يدي ملك عظيم “.

وفي الصحيح عن الفضيل بن يسار ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : “ كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما إذا قام في الصلاة تغير لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى ينفض عرقا”.

وقال أبو أيوب : “ كان أبو جعفر وأبو عبد الله ( عليهما السلام ) إذا قاما إلى الصلاة تغيرت ألوانهما حمرة ومرة صفرة ، وكأنما يناجيان شيئا يريانه “.

و قد روى ثقة الإسلام الشيخ الكليني  في الحديث الصحيح عن زرارة قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : إذا قمت في الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك فإنما يحسب لك منها ما أقبلت عليه ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثاءب ولا تتمط ولا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس ولا تلثم ولا تحتفز [ ولا ] تفرج كما يتفرج البعير ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع أصابعك فإن ذلك كله نقصان من الصلاة ولا تقم إلى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا فإنها من خلال النفاق فإن الله سبحانه نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى يعنى سكر النوم وقال للمنافقين : ﴿ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾

وروى الصدوق هذا الحديث مفصلا في كتابيه من لا يحضره الفقيه و في العلل   عن الإمام الصادق  عليه السلام في حديث جاء فيه : “….. فإذا قمت إلى الصلاة فلا تأت بها شبعا  ولا متكاسلا ولا متناعسا ولا مستعجلا ، ولكن على سكون ووقار ، فإذا دخلت في صلاتك فعليك بالتخشع والإقبال على صلاتك فإن الله عز وجل يقول : ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ ويقول : ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ ” واستقبل القبلة بوجهك ، ولا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك ، وقم منتصبا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : “ من لم يقم صلبه فلا صلاة له “ . واخشع ببصرك ولا ترفعه إلى السماء ، وليكن نظرك إلى موضع سجودك ، واشغل قلبك بصلاتك فانه لا يقبل من صلاتك إلا ما أقبلت عليه منها بقلبك ، حتى أنه ربما قبل من صلاة العبد ربعها أو ثلثها أو نصفها ، ولكن الله عز وجل يتمها للمؤمنين بالنوافل ، وليكن قيامك في الصلاة قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ، واعلم أنك بين يدي من يراك ولا تراه ، وصل صلاة مودع كأنك لا تصلي بعدها أبدا ، ولا تعبث بلحيتك ولا برأسك ولا بيديك ، ولا تفرقع أصابعك ، ولا تقدم رجلا على رجل ، وزاوج بين قدميك واجعل بينهما قدر ثلاث أصابع إلى شبر ، ولا تتمطأ ولا تتثاءب ولا تضحك فان القهقهة تقطع الصلاة ، ولا تتورك فإن الله عز وجل قد عذب قوما على  التورك ، كان أحدهم يضع يديه على وركيه من ملالة الصلاة ، ولا تكفر فإنما يصنع ذلك المجوس ، وأرسل يديك وضعهما على فخذيك قبالة ركبتيك فإنه أحرى أن تهتم بصلاتك ، ولا تشغل عنها نفسك فإنك إذا حركتها كان ذلك يلهيك ، ولا تستند إلى جدار إلا أن تكون مريضا ، ولا تلتفت عن يمينك ولا عن يسارك ، فإن التفت حتى ترى من خلفك فقد وجب عليك إعادة الصلاة ، وإن العبد إذا التفت في صلاة ناداه الله عز وجل فقال : عبدي إلى من تلتفت إلى من هو خير لك مني ، فإن التفت ثلاث مرات صرف الله عز وجل عنه نظره فلم ينظر إليه بعد ذلك أبدا ، ولا تنفخ في موضع سجودك … ، ولا تبزق ولا تمخط ، فإن من حبس ريقه إجلالا لله تعالى في صلاته أورثه الله عز وجل صحة إلى الممات ، وارفع يديك بالتكبير إلى نحرك ولا تجاوز بكفيك أذنيك حيال خديك ثم ابسطهما بسطا وكبر ثلاث تكبيرات وقل :

” اللهم أنت الملك الحق المبين ، لا إله إلا أنت ، سبحانك وبحمدك ، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ” ، ثم كبر تكبيرتين في ترسل ترفع بهما يديك وقل :

” لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت ، عبدك وابن عبدك بين يديك ، منك وبك ولك وإليك ، لا ملجأ ولا منجا ولا مفر منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك وحنانيك [، سبحانك رب البيت الحرام ” ثم كبر تكبيرتين وقل :

” وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ، على ملة إبراهيم ودين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ومنهاج علي ، حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين …”

اللهم ارزقنا الخشوع و الخضوع في الصلاة و تقبل منا واغفر لنا أنت مولانا



التصنيفات :مقالات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: