النبي عيسى حي أم ميت ؟

alnisaa158_159

قال تعالى : “ إذ قال الله يا عيسى اني متوفيك “ مصدر التوفي أخذ الشيء بصورة تامة و كاملة و لذلك ربما استعمل في الموت من هذا الباب ، من باب قبض الروح كاملة . “ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم “ وقال أيضا : “ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها “ نلاحظ أن التوفي هنا فقط بمعنى الأخذ و ليس بمعنى الموت .

جاء في مجمع البحرين وهذا كتاب لغوي أن معنى متوفيك يعني مستوف أجلك و معناه إني عاصمك (حافظك) من أن تصلك الكفار و مؤخرك إلى أجل أكتبه لك و مميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم و رافعك إلى سمائي “ و السماء بمعنى العلو و المقام الشامخ .

واصلا لو نلاحظ بدقة في القرآن فإن التوفي لم تأت بمعنى الموت إنما جاءت بمعنى الأخذ قال تعالى : “ وهو الذي يتوفاكم بالليل و يعلم ما جرحتم بالنهار ..” أي أن الله يقبض و يأخذ أرواحكم بالليل حين منامكم . و لذلك إن لم يكن التوفي بهذا المعنى فالقرآن يستعمل كلمة الموت . قال تعالى : “ و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم “  وقال تعالى : “ لا يقضى عليهم فيموتوا “ و حتى بمناسبة الحديث عن عيسى بن مريم قال : “ و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت ويوم أبعث حيا “

و قال : “ و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته “ إذن نلاحظ أن التوفي ليس لها تصريح في الموت في المنطق القرآني.

اضافة الى ذلك فإن الله ردّ ادعاء اليهود بأنهم قتلوا عيسى و قال : “ وما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم” ثم يؤكد على عدم قتلهم لعيسى مرة أخرى في نفس الآية بقوله : “ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه “

و في آخر الآية دليل آخر على أن عيسى حي يرزق حيث يقول : “ و إن من أهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته ..” حيث يعتقد الشيعة أنه عليه السلام يأتي بعد ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه و يصلي خلفه و بذالك يؤمن به أهل الكتاب و كل ذلك قبل موته عليه السلام . وبناء عليه فإن معنى التوفي كما قلنا في الآية الأولى من بحثنا ، ليس معناه إماتة عيسى بل أخذه من اليهود ذلك أن التوفي بمعنى الأخذ كما أسلفنا .

اضافة الى ما ذكرنا فهناك أحاديث كثيرة لدى السنة و الشيعة بأن عيسى عليه السلام حي لم يمت .

جاء قي تفسير القرآن العظيم لإبن أبي حاتم : قال رسول الله (ص) للیهود: “أن عیسى لم یمت و أنه راجع إلیکم قبل یوم القیامة” .

و في أحاديث كثيرة للشيعة تصرح بأن عيسى يأتي و يصلي خلف الإمام المهدي . قال رسول الله (ص): “… و من ذریتی المهدی إذا خرج نزل عیسى بن مریم لنصرته فقدمه و صلى خلفه” ( أمالي الشيخ الصدوق) . والله العالم .

عودا الى البحث أقول :

هناك من يدعي بأنه لا يمكن أن يكون النبي عيسى عليه السلام حيا الى اليوم و ذلك لأن الله تعالى يقول : “ و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ، أفإن متّ فهم الخالدون” فلا يمكن أن يكون عيسى مخلدا .

و نرد عليهم : و من قال أن عيسى مخلد فهناك يوم لا يبقى من البشر أحد “ كل شيء هالك إلا وجهه” و لكن لا يعني ذلك أن يكون له عمرٌ كسائر الناس فهو من أصله لم يكن مثل سائر البشر فقد كانت خلقته كخلقة آدم ، خلقه من دون أب ، فلا يبعد أن تكون حياته أيضا استتثنائية .

و يقولون : ان الله يقول عنه : “والسلام علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا “ أو قوله تعالى : “ و سلام عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا “ أجل .. سوف يموت عيسى كغيره من البشر و لكن لا يعلم أحد متى يموت . وليست هذه الآية دالة على موته الآن أو قبل ألف سنة مثلا !

أو يقولون ان عيسى يعترف بأنه:فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم “ و معنى ذلك أنه قد مات ! أرد عليه أولا أن الوفاة كما ذكرنا ليس دائما بمعنى الموت بل و في القرآن لا تأتي بمعنى الإماتة إلا إذا كانت مقرونة بقبض الروح فالتوفي هو القبض قبضا كاملا و ليس مرادفا للموت و الإماتة في لغة القرآن .. ثم إن هذه الآية دلالة على كلام عيسى في يوم القيامة و ليس في الدنيا !

و بعد كل ذلك فإن الرفع اليه تعالى يعني أن الله رفع اليه عيسى حيا و نجاه من القتل و الصلب و لكن كيف تكون كيفية الرفع اليه ، لا نعلم ذلك مثلما لا نعلم كثيرا من الحقائق و عدم معرفتنا ليس دليلا على عدم الوقوع .

و قد جاء في تفسير الخازن : معنى “التوفّى” أخذ الشيء وافياً، ولما علم الله تعالى إنّ من الناس من يخطر بباله أنّ الذي رفعه الله إليه هو روحه دون جسده كما زعمت النصارى إنّ المسيح رفع لاهوته يعني روحه وبقي في الاَرض ناسوته يعنى جسده فرد الله عليهم بقوله: “إنّي متوفّيك ورافعك إلىّ “فأخبر الله أنّه رفعه بتمامه إلى السماء بروحه وجسده جميعاً إلى السماء .

و يقول الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله : (( انّ مقتضى الاضراب في الآية “بل رفعه الله إليه “هو تعلّق الرفع ببدنه الحي وشخصه الماثل، حتى يصح كونه رداً على زعم اليهود: “إنّهم صلبوه وقتلوه”، لاَنّ القتل والصلب إنّما يتعلّقان بالبدن ولو فسّـر بإعلاء المقام لا يكون رداً لدعوى القتل والصلب، ويكون جملة منقطعة الصلة عن زعم اليهود، فلا تكون الحكاية عن إعلاء المقام رداً على الخصم، إلاّ إذا فسر برفع المسيح بشخصيته الخارجية الحيّة حتى يكون تكذيباً لمقالة اليهود وادّعائهم. أضف إلى ذلك أنّ رفع روحه أو إعلاء درجته، وإبقاء جسده بين الاَعداء، نوع تسليط لهم عليه، لا إنجاء له من أيديهم، وهذا لا يوافق سياق الآية لاَنّه بصدد بيان أنّه سبحانه أنجاه وخلّصه من أيديهم، وعند ذلك يتطابق مفاد هذه الآية مع مفاد الآية السابقة القائلة: (إنّي متوفّيك ورافعك إلى )لما عرفت أنّ “التوفّى” هناك ليس بمعنى الاِماتة، بل بمعنى الاَخذ ويكون مفاده مطابقاً لما يستفاد من هذه الآية بأنّ المسيح رفع بشخصيته الخارجية. نعم الآية تدلّ على رفعه حياً وأمّا بقاوَه كذلك لحد الآن فلا يستفاد من الآية بل لابد من التماس دليل آخر.))

اذن يلزم القول أن الله رفع عيسى اليه حيا لا ميتا و لكن هل بقي عيسى الى يومنا هذا أم انه مات ؟

قلنا أنه يستفاد من الآية الكريمة “ وان من أهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا “ انه ما زال حيا .

واضح أن عيسى ينزل من السماء ببدنه و روحه قبل يوم القيامة و قد جاء في الروايات أنه يأتي عند ظهور المهدي عليه السلام و ليس هذا القول منحصرا بالشيعة بل السنة أيضا يقولون في كتبهم ذلك

وللمفسرين في هذه الآية رأيان : ((الاَوّل: أنّ الضميرين في (به )و (موته )يرجعان إلى “عيسى” وأنّ جميع أهل الكتاب المتواجدين في يوم “نزول عيسى” لقتل الدجال، يصدّقون به فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الاِسلام. قال ابن جرير: فعن ابن عباس في تفسير الآية: قال: قبل موت عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ. وقال أبو مالك: ذلك، عند نزول المسيح، وقبل موت عيسى بن امريم لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلاّ آمن به. وعن الحسن: إنّه لحىّ الآن عند الله ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، إنّ الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً يوَمن به البرّ والفاجر. قال ابن جرير: وهذا أولى الاَقوال، وهو أنّه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ـ عليه السلام ـ إلاّ آمن به قبل موت عيسى . الثاني: الضمير الاَوّل (به )لعيسى والثاني (موته )للكتابى، فالمعنى على هذا: إلاّ ليوَمنن بعيسى قبل أن يموت هذا الكتابي إذا عاين وميّز الحقّ عن الباطل، لاَنّ كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحقّ من الباطل عن دينه. وروي عن ابن عباس ما يصح أنّ يوَيد هذا المعنى قال: لا يموت يهودي حتى يوَمن بعيسى. وعن مجاهد: كل صاحب كتاب يوَمن بعيسى قبل موت صاحب الكتاب. ويوَيد هذا التفسير القراءة المنسوبة إلى أُبّي: “إلاّ ليوَمننّ به قبل موتهم”. ))

و الأقوال كثيرة في تفسير الآية و لكن المتبادر الى الذهن من أول وهلة أن عيسى حي و سوف يظهر للناس و يؤمن به أهل الكتاب ، و هذه ليست رجعة بعد الموت لأن الله تعالى في آية أخرى يؤكد أن قصة عيسى غير بقية الأنبياء يقول تعالى : “ و إنه لعلم للساعة فلا تمترن بها” أي أنه عليه السلام سبب للعلم بالساعة و علامة تدلّ على وقوع القيامة قطعا فلو أضفنا الى هذه الآية الروايات المتواترة بظهور و نزول عيسى في زمن ما ، فيكون وجوده و حياته قطعية ان شاء الله و لا بدّ من الإعتراف به .

قال ابن كثير : ((وقد تواترت الاَحاديث عن رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” أنّه أخبر بنزول عيسى ـ عليه السلام ـ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا))

بناء على كل ما ذكرنا يتبين مما لا يدع مجالا للشك أن عيسى عليه السلام حي يرزق ، فمن سمع كل هذه الآيات البينات و انكرها فإنما إثمه على الذين يبدلونه . والله العالم



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: