ذكرياتي مع الإمام الخميني

IMG_0111

لا يمكن للكلمات مهما بلغت وللتعابير مهما ارتقت أن تصف الإمام وصفا يبلغ معشار ما ارتقى إليه من فضـل و كمال و سؤدد. يكفي أن نعبر عنه بالإمام فهو إمام في كل شيء: في حركاته وسكناته وقيامه وأفعاله وأعماله؛ إمامٌ يُقتدى به في السرّاء والضرّاء، في الفعل والقول، في السجايا والملكات. الإمام أنموذج حقيقي لأجداده الطاهرين، فعلينا أن نهتدي بهديه ونقتدي بنهجه ونتبع خطاه فلا نضلّ ولا نشقى.

قصاصات الجرائد

في أوائل السبعينات كلما قرأت جريدة واستوقفني خبر هام يتعلق بأمور المسلمين في أداني الأرض و أقاصيها، أستقطع ذلك الجزء من الجريدة لتتجمع كومة من قصاصات الورق التي تحوي أنباء وتحليلات سياسية هامة، فأرسلها في ظرف بريدي إلى سماحة الإمام قدس سره ، عندما كان يسكن النجف الأشرف .
ودأبت على هذا الأمر فترة من الزمن وذلك بعد أن عرفت اهتمام الإمام البالغ بقراءة مثل هذه الأخبار والتحليلات العالمية والتي قلّما وجد منها مثيل في النجف الأشرف آنذاك، وبعد مضي بضعة أشهر تقترب من العام، سافرت كعادتي لزيارة المراقد المطهرة والعتبات المقدسة ولزيارة شخصه الكريم، لما كنت ألاقى من التشرف في خدمته والجلوس في حضرته، همّة وعزما في إدامة المسير وتقوية في الإرادة وتصميما في المنهج.
وصلت النجف الأشرف ونزلت ضيفا على إخواني، طلاب العلوم الدينية، ولم يعرف بوصولي سوى بعض المقرّبين.
وفي ظهر اليوم الثاني ذهبت مع أخي إلى مسجد الشيخ الأنصاري حيث كان الإمام يصلي الظهرين جماعة واقتدينا بحضرته وبعد أن أتممنا الصلاة، لقيت كثيراً من المؤمنين والطلبة الذين أعرفهم فبدأت أسلم على هذا وذاك وأكلم الواحد بعد الآخر دون أن ألتفت إلى الإمام وهو يتوجه نحو الباب ليخرج وفي ساحة المسجد سلّم عليه أخي فاستوقفه الإمام قائلاً:
سمعت أن أخاك قادم من الكويت.”
فاستغرب شقيقي وألقى بنظرة إلي الجمع الذي كنت معهم لينـادي بأعلى صوته: السيد يسأل عنك؟! فتركت الجمع وهرولت نحو الإمام لأسلم عليه وأقبّل يديه، فابتسـم في وجهي وقال:
وفقك الله “.
لم يزد الإمام على ذلك بكلمة أو عبارة أخرى، ولكنّي عرفت ماذا يقصده ولماذا استوقف أخي واستفسر عني وكأنه يريد أن يشكرني على ما أرسل إليه من قصاصات الجرائد والمجلات. وكم كان لهذا الدعاء أثرٌ ظاهري ومعنويّ علي، وكم شجعني إلى إدامة المسير الذي يرتضاه لي ربي، خاصة وبعد أن أبلغني الأخ العزيز الشيخ الفردوسي رحمه الله بأنه لأول مرة يرى الإمام يقف في الطريق ليستفسر عن شخص ما. فالإمام ليس من عادته أن يقف أو يتكلم مع أحد بعد إتمام الصلاة، بل يسير مباشرة بخطاه الثابتة دائماً نحو منزله، وليس لوقوفه مغزىً سوى اهتمامه البالغ بتشويق أحد مريديه وتحريضه على المضي في عمله الخالص لوجه الله.

الموقف من الجناحين
الاختلافات في التفكير والتنوع في الآراء ظاهرة طبيعية في جميع المجتمعات، بل إنها ظاهرة تدل على التقدم والارتقاء، ولا عيب فيه إلا إذا أدّى إلى التفرقة والتنابذ والتنابز وتبادل الشتائم والنفاق وربما أدى إلى المعارك والنزاعات التي لا تحمد عقباها.
الإمام كان يقدّر تنوع الأفكار واختلاف العقائد ويشجع أتباعه على ذلك ولكن يحذّرهم دائماً من أن يكون هذا الأمر باعثاً على الاختلافات المصيرية ولا سمح الله أو الاختلاف للوصول إلى كرسي الحكم والإدارة، وبالتالي كان يغدق على الجناحين هبات وعطايا بالتساوي ودون أن يفرق بينهما.
وفي النجف الأشرف أيضاً، كان الأتباع منقسمين إلى قسمين (روحانيّون مبارز) و (روحانيان مبارز) ولكل وجهة نظر ورأي في كيفية النضال ضدّ الحكم البهلوي والإمام يؤيد الطرفين مبدئيّاً ما داما لم يفترقا في الأصول ولم يصل الأمر بينهما إلى التنازع غير المحمود.
كنت آنذاك أسافر بين آنٍ وآن إلى النجف الأشرف وأستمع إلى الطرفين وأعمل مع أيٍّ منهما أقرب إلى خط الإمامحسب تفكيريدون أن أعارض الطرف الآخر ما دام الكل يشملهم عطف الإمام ويستظلون بظله المبارك.
في أواسط السبعينات رأيت أن الأمر لا يعدو كونه اختلافاً في الآراء ، بل بدا لي أن كل طرف يريد تحميل الآخرين برأيه ضارباً عرض الحائط الوجهة الوحدوية المقدسّة التي طالما وصّاهم بها الإمام، ورأيت أن الأمر تعدّى إلى تفسيق البعض الطرف الآخر، فلم أصبر على هذا الوضع المتردّي وخفت أن يصل إلى الفشل في المبارزة ضد الجائر المستبد {..وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..}(الأنفال/46). وأسرعت إلى النجف في زيارة خاصة لأُعلم الإمام بالأمر.
وعندما وصلت، رأيت من الصعوبة بمكان أن أقابل سماحته وجهاً لوجه وأعترض على مريديه وأتباعه اعتراضا لاذعا لا مجاملة فيه (وهكذا علّمنا الإمام أن نكون) ورأيت أن الكتابة في مثل هذه الظروف أجدر وأحسن، فبادرت بالكتابة وكتبت كتاباً مستفيضاً شرحت فيه وضع الطرفين (أو الجناحين) والتمست من الإمام وضع حد لهذه التفرقة. (لا بد هنا من ذكر نقطة هامة وهي أن الأقلية من الطرفين كانت خارجة عن نطاق خط الإمام والأغلب كانت تحوطهم الوحدة وتكتنفهم التقوى).
وفي ختام كتابي ذكرت للإمام أني مسافر اليوم أو غدا وعندما ذهبت إلى المسجد وصلينا الظهرين خلف سماحته، سلّمته المكتوب وودّعته ورجعت إلى منزل شقيقي سيد مرتضى حفظه الله حيث كنت أقطن هناك.
بعد ساعة ونصف تقريباً رأيت الباب يدقّ، فخرجت لأرى الشيخ الفرقاني رحمه الله، يتصبب عرقاً في ذلك اليوم الحار. قلت له: ماذا دهاك؟ ولم خرجت في هذا الوقت (الساعة الثانية بعد الظهر تقريبا)؟ قال: سلّمني الإمام كتاباً لك وقال: خذ الكتاب إليه الآن لأنه ربما يريد السفر اليوم ولا بدّ أن يصل إليه جواب رسالته. فما كان لي إلاّ أن أخرج في هذا الوقت وأصل إليك، فأمر الإمام مطاع.
استغربت كثيراً من شدة اهتمام الإمام، وقرأت المكتوب وإذا به يشكرني على هذه النقطة الهامة التي تطرقت إليها ويوصيني ببعض الوصايا. فقبّلت الكتاب، وبدأت دموعي تنهار دون وعي. مَن هو هذا الرجل العظيم الذي يقبل الاعتراض من أصغر أتباعه، بل ويشكره على ذلك أكثر من شكره للذين يقتنعون بتقبيل الأيدي وتقبل الوضع الموجود دون اعتراض أو اقتراح.
لم يقدّر الله أن أرجع إلى وطني ذلك اليوم ولا يوم غده بل تأخرت بضعة أيام خارجاً عن إرادتي. وفي اليوم الثاني قابلني سماحة الشيخ الفردوسي رحمه الله والذي كنت أكنّ له بأكبر قدر من الاحترام والتبجيل، وقال لي:
وقد طلب منا البارحة السيد مصطفى الخميني (رحمة الله عليه وقدس سره الشريف ) أن نجتمع اليوم في أمرٍ هام، وفي اليوم الثاني قال لي بأن السيد مصطفى اجتمع بنا (جميع اتباع الإمام من النهجين ومن المحايدين) وقال: لقد كتب أحد المؤمنين الملتزمين كتاباً إلى الإمام ووضح فيه مدى خطورة الاختلاف بين الجناحين المواليين للإمام ولقد تأثر الإمام كثيراً لهذه الظاهرة المؤسفة وأمرني أن أجتمع بكم وأوضّح لكم أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه فإنه مصر لإعلان عدم رضاه من الجناحين بدون مسامحة!
إنها كلمة كبيرة، يا ليت بعض أفراد الجناحين في عصرنا هذا يتأثرون بهذه الجملة المؤلمة للإمام والتي تـثبت أنه لم و لن يرض أبدا من استمرار النـزاع العابث بين الجناحين المنـتسبين إليه.
اللطيف في القصة أن الشيخ الفردوسي كان يكلمني بكل تأثر ولوعة ولا يدري أنني أنا المتسبب لتلك الواقعة. ولا شك أن أثرها كان واضحا على الفريقين آنذاك حيث سادهما الوحدة والأخوّة وغمرهما ألطاف الإمام ومحبته.

اسألني مباشرة


سألته رضوان الله عليه يوماً: أنا بعيد عنكم ولا أستطيع السفر لكل صغيرة وكبيرة، وهناك الكثير من الفضلاء المرتبطين بكم يأتون إلينا وخاصة في أشهر المحرم وصفر ورمضان المبارك، فمن ترجّح من هؤلاء، لأسأله مسائل تتعلق بشؤون الحركة والقيام ضد الشاه، وعن كيفية الإعلام ومقاومة النظام الجائر، فرد علي:
في عموم المسائل السياسية، يجب عليك أن تسألني مباشرة وأما في المسائل والأحكام الشرعية فالأمر هين.”
قلت: و كيف أكتب إليكم، وكيف تردون الجواب ولا تستطيعون التصريح بكل شيء، فالبريد العراقي غير مضمون وهناك مسائل لا تريدون الإجابة عليها بالتفصيل لكي لا يكون وثيقة بيد الأعداء.
أجاب:
أنت أكتب أسئلتك بالتفصيل ورقّمها وأما أنا فأردّ عليكعلى نفس الأرقامبحيث لو وصل الكتاب بيد المعاندين، لا يستطيعون أن يعرفوا شيئاً وأما أنت فاحتفظ بأسئلتك لترى الجواب حسب ترتيب الأسئلة، وتعرفها أنت ولا غيرك!
يا لسعة تفكير الإمام ويا لشدة اهتمامه بأصول السرية.

ليسوا مني و لست منهم


في إحدى زياراتي للنجف الأشرف، ذهبت للقاء الإمام. قابلني الأخ السيد محمود دعائي في ديوان الإمام. وبعد أن تعانقنا سألته إن كان الإمام يوافق لمنح المناضلين المسلّحين الذين يحاربون الشاه ويحملون السلاح، أموالاً من سهم الإمام عليه السلام، وأصلاً هل يؤيد الإمام حركتهم المسلحة أم يتحفظ عليه؟
فقال لي السيد محمود: لقد تعبت وأنا أطلب منه إصدار بيان بتأييد هؤلاء ولم يوافق وفي آخر مرة نهرني بشدة!! ثم طلب مني السيد الدعائي أن أطلب هذا الطلب من الإمام، ذلك لأني قليلا ما أزوره ولا ينهرني إن طلبت منه طلبا، فقلت له: أنا لا أطلب شيئاً لا يرتضيه الإمام ولكنني أستفسر عنه عن سبب عدم تأييده لهم. وبالتالي فأنا مقلده ومطيعه على كل حال.
وبعد قليل أُذن لي أن أقابل سماحته، فذهبت وكلّي شوق ولهفة إلى لقياه. سلمت عليه ولثّمت أنامله الطاهرة فرحّب بي. ثم سألته قائلاً: هل ترضون بإعطاء سهم الإمام لهؤلاء الذين يحملون السلاح ويحاربون الشاه؟ فقال الإمام: لا! فقلت: لماذا؟ فقال:
لأن وظيفتنا الدعوة والتبليغ ليس إلاّ.
قلت: هؤلاء يدّعون أنهم منكم!
فقال:
لا، إنهم ليسوا مني وأنا لا أؤيدهم. لقد جاؤني واستفتوني في الحركة المسلحة ولم أوافق على ذلك وقلت لهم: التكليف الشرعي منحصرٌ في التبليغ والإعلام عن مفاسد السلطة الغاشمة وتحذير الناس من التمايل إليهم. ولكنهم لم يرضوا بقولي وأصرّوا على رأيهم الخاطئ ولذلك فإنني طردتهم.
اطمأنّ قلبي، ولكن بقي شيء أردت سؤاله! فرأيتهوقد عرف ما يجول بخاطـريينظر إليّ مبتسما وكأنه يسمح لي بطرح السؤال الآخر عليه، فعندئذ قلت : إن كنتم لا تؤيدونهم فلماذا لا تصدرون أوامركم للأمة بعدم التعامل مع هؤلاء وطردهم نهائيا من الساحة ؟
فقال:
اذا أصدرت مثل هذا البيان فانه يكون مستمسكاً بيد السلطة لضرب جميع المؤمنين والعلماء المناضلين بحجة أنهم من المجاهدين والخميني بنفسه متبرئ منهم، وبالتالي تزجّ الحكومة كل الصالحين والطالحين ممن يحاربونه في السجون ويعذبهم أشد تعذيب ولا حول لهم ولا قوة. لذلك أنا لا أردّ عليهم علنا ولا أؤيدهم و المؤمنون يعرفون كيف يتصرّفون إذا رأوهم لوحدهم في الساحة ورأوا تعليماتي مناهضة لأعمالهم.
استغربت من شدة حنكة الإمام وحذاقتهولا غرابة في ذلكفإن هذه الورقة من تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.
خرجت من عند الإمام وقلت للسيد محمود و سائر الإخوان: أنا عرفت تكليفي وأنتم أيضا عليكم أن تتبعوا الإمام في كل صغيرة وكبيرة فهو مؤيَّد من عند الله.
نعم ! لم تمض أيام من انتصار الثورة إلاّ وعرف الناس ماهية وحقيقة هؤلاء المجاهدين الكاذبين وحقا كانوا منافقين ولو لم يعرفهم سوى الإمام و بعض المقربين إليه.

في باريس :


كنت مع أخي في خدمته أكثر من عشرة أيام في باريس . و في أحد الأيام طلب منا حاجة فاستبشرنا خيرا و ذهبت مع أخي في تلبية طلب الإمام و لم أرجع الا اليوم الثاني , و ما أن اقتربت من غرفة لقاءات الإمام حتى قابلني الشيخ الفردوسي و السيد المحتشمي و قالا بأن الأمام افتقدك أمس و سأل عنك اليوم . فتأثرت و في ذات الوقت فرحت أن يسأل الإمام بعظمته عني . و لاأصدق نفسي ذلك فاندفعت دون استئذان الى غرفته و بدأت أقبل يديه في شغف ظاهر . فابتسم في وجهي و سألني أين كنت ؟ فأخبرته بأننا كنا في تلبية طلبه فتأثر قائلا : لو كنت أعرف مدى التكلف عليكما لم أطلب منكما ذلك .
أنظر الى عظمة الرجل و مدى عاطفته تجاه أبنائه و مريديه و حتى خاطبنا بقوله اخواني ، و هذا أيضا يدلنا على سعة و حسن أخلاقه .

و هناك الكثير الذي لم أقله ، و أرجأته الى حين آخر ان شاء الله

سلام عليك أيها الإمام الخميني يوم ولدت ويوم متّ ويوم تبعث حيا



التصنيفات :مقالات

2 replies

  1. بسم الله الرحمن الرحيم

    اللهم صلّ على محمد وال محمد الطيبين الاخيار

    لا ادري اشعر وكان قرات هذه الذكريات باأحد المنتديات وكان لكم الموضوع لكن لم يكن بهذ التفصيل او لأني لا اتذكر
    لي عودة لقرآءة هذه الذكريات مع روح الله القائد الذي هو نور من الله .
    استمتع في قرآئتها ..هنيئنا لكم هذه الذكريات ..

    • نعم .. يا ابنتي .. لقد نشرت فيما سبق بعض ذكرياتي مع الإمام في منتدى العترة
      و صحيح ما تتذكرينه
      أتمنى أن يوفقني الله لإتمام هذه الذكريات مع الإمام
      و ألتمس الدعاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: