مذكرات المدرسة .. حوار عقائدي بين التلميذ و المعلم

conversation

مذكّرات المدرسة

     حوار عقايدي بين التلميذ والمعلم

            بقلم  :  الاستاذ سيد محمد جواد المُهري

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

في أحد الأيام سألني صديقي الفاضل في الشارع: يا فلان ما بالك صرت من اتباع الولاية إلى هذا الحد؟! فكل ما تكتبه أو تترجمه انّما يدور حول مواضيع الولاية و الخلافة! ألا توجد في المجتمع الاسلامي مواضيع أهم من هذه يبحثها الكتّاب الملتزمون ويوعون الناس بشأنها؟

كان يتحدّث بحساسية فائقة، ويبدو متأثّراً إلى حد بعيد. كرر الموضوع عدّة مرات بعبارات مختلفة، ومبدياً مشاعر الود تجاهي، ومعترضاً على طريقة اختياري للمواضيع في مجال التأليف أو الترجمة.

ولكن حقاً لماذا يصدر مثل هذا الكلام من انسان ملتزم ومثقف في مجتمعنا الولائي الذي ينتمي إلى ولي العصر عجّل الله تعالى فرجه، وبين أناس يفتخرون باتّباع أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام؟

لماذا لا ينبغي له ان يفهم هو وامثاله ان لا شيء أهم من الولاية، واذا صلحت الولاية صلحت سائر المسائل، واذا خبى بريقها، او اذا سلبت لا سمح الله من الانسان –الذي اودعت الولاية في اعماقه بالفطرة- لا تقبل منه عبادة أبدا وهذا أصل تقوم عليه عقيدتنا ولا شك فيه.

إذن لماذا اذا شاء أحد البحث في هذا الموضوع او التاكيد عليه، او عرض امور جديدة بشأنه، يُتهم باتباع “الولاية”؟ ويوصف تابع الولاية بأنه شخص رجعي؟

أليست الولاية من أولى اُصول واُسس المذهب ؟! أ لم تكن الولاية ،العلامة المفترقة بين الحق و الباطل ؟!

اذن ما هذه الصورة الخاطئة التي رسمت في الأذهان عن الولاية؟ وهل ثمّة شيء أسمى من الولاية أساساً؟ ألم يبلغنا من الأحاديث المتواترة: “ان الاسلام بني على خمس: الصلاة والزكاة والصيام والحج والولاية”.  وجاء في تكملة هذا الحديث عن الامام الباقر عليه السلام انه قال: “وما نودي بشيء مثلما نودي بالولاية”.

وجاء في راوية اخرى بنفس المضمون ان زرارة سأل الامام الباقر عليه السلام: أي اصول الدين افضل؟ فقال عليه السلام: “الولاية افضل لأنّها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن”.

أليس كل عمل من أعمال الانسان لا يقبل إلاّ بالولاية؟

نقل محب الدين الطبري في المجلد الثاني من الرياض النضرة ان رسول الله صلى الله عليه (وأله ) و سلم قال :” اذا جمع الله الأوّلين والأخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنّم لم يجزها أحد إلاّ من كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب”

وجاء في ذخائر العقبى، ومناقب الخوارزمي، والصواعق المحرقة عن عمر بن الخطاب وقد جاءه اعرابيان يختصمان فقال لعلي: اقضِ بينهما يا اَبا الحسن، فقضى عليٌّ بينهما.  فقال احدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب اِليه عمر واخذ بتلبيبه وقال: “ويحك ما تدري من هذا، هذا مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن”.

وقال الحافظ الواحدي بعد روايته لحديث الغدير: “هذه الولاية التي اثبتها النبي صلى الله عليه ( وآله)  لعلي مسؤول عنها يوم القيامة”.

ونقل عنه ايضاً في تفسير قوله تعالى : ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون﴾.

انه قال: هي ولاية علي بن ابي طالب، انهم يُسألون هل والوه حق الموالاة كما أوصاهم به رسول الله صلى الله عليه وأله.

وذكر المفسر الكبير الآلوسي في تفسيره، بعد الآية الشريفة: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ أقوالاً مختلفة وقال: “وأولى هذه الأقوال ان السؤال عن العقائد والاعمال ورأس ذلك لا اله الا الله ، ومن أجلّه ولاية علي كرم الله وجهه”.

أجل! الولاية هي “الدين الحنيف” الذي يعتبر جزءاً من الفطرة:

﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾.

والولاية هي “الطريقة” في قوله تعالى:

﴿ وألّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً﴾.

والولاية هي “الحسنة” في قوله تعالى:

﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها﴾.

والولاية هي “النبأ العظيم” في قوله تعالى:

﴿عمَّ يتساؤلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون﴾.

والولاية هي “التواصي بالحق” في قوله تعالى”

﴿والعصر ان الانسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.

والولاية هي “الخيرات” في قوله تعالى:

﴿ولكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات﴾.

والولاية هي “النعيم” في قوله تعالى:

﴿ثم لتسألُن يومئذ عن النعيم﴾.

وأخيراً، الولاية هي “النور” الذي له اشراق خاص في سيماء المؤمن، في قوله تعالى:

﴿أو مَنْ كان ميتأ فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمَنْ مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾.

إذن لما كانت الولاية هي “فطرة الله” فيجب احياء هذه الفطرة الالهية في الاشخاص الميّتين، وازالة غشاوة الغفلة والنسيان عن أبصارهم، وإرشادهم إلى الصراط المستقيم لكي يعملوا على عودة ذلك النورإلى سيماهمو يهتدوا إلى الدين الحنيف، ويستقيموا على هذه “الطريقة”، ويتّجهوا إلى هذه “الخيرات”، لأن هذه النعمة هي النعمة الوحيدة التي يُسأل عنها المرء ولا يقبل منه إلاّ بجواز من “الولاية”.

وهذه هي الولاية التي كمل بها الدين وتمّت بها النعمة في قوله تعالى:

﴿اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً﴾.

وهذا لا نقول به نحن الشيعة فحسب، بل يقرّه ويذعن له كبار محدّثي ومفسّري أبناء السنّة، ويفسرونه بولاية علي بن أبي طالب.

ويكفي أن يطالع القارئ العزيز الكتاب ، برؤية منصفة ، بعيداً عن التعصّب والأهواء النفسية حتّى يدرك هذه الحقيقة الخفية، ويعرف “ان عملاً لا يقبل بغير الولاية”.  واذا كانت هناك رخصة في العبادات واحكام الدين كالصلاة والزكاة والحج والصيام، فالولاية لا رخصة فيها.  اي ان الولاية يجب ان تظلل الانسان على الدوام والانسان المؤمن يؤدي اعماله في ظلّها لتكون مقبولة عند الله عزّ وجلّ.

والكتاب الذي بين يديك لا يبغي سوى ارساء معنى الولاية كما ارادها الله ورسوله، – اي هذا الكتاب- يستدلّ بالكتب المعتبرة عند الاخوة السنّة.  وهو ما توصّل إليه مؤلفه قبل حوالي 25سنة حين كان طالباً في ثانوية الكويت عبر نقاش وحوار مطوّل مع معلمه، وما اجدركم انتم اليوم بالتوصّل إلى هذه النتيجة المستقاة من رياض الكتاب والسنّة، والتمسّك بها لتكون اعمالكم مقبولة عندالله وتحشرون يوم القيامة مبيضّة وجوهكم.

تجدر الاشارة هنا إلى ان اللقاءات المرتّبة التي عقدت حينذاك، كانت أوسع ممّا ورد في هذا الكتاب ويعود سبب حذف بعضها امّا إلى أنّ مواضيعها كانت مكرّرة، واما الى كونها لا تنسجم مع مفهوم الوحدة كما يعتقد بعض العلماء! لذلك أعرضنا عن ذكرها ونستميحكم العذر.

النقطة الاخرى هي ان بعض المواضيع عرضت في الكتاب بشكل أوسع ممّا دار في الحوار مع الاستاذ، ومن البديهي ان سند الروايات ومضامينها جاءت بشكل أدق، إلاّ أنّها على كلّ حال لا تخلو من الأخطاء، آملين ان يتغاضى عنها القارئ الكريم بلطفه ويصفح عن المؤلف.

سيد محمد جواد المهري

بداية الحديث

المواجهة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

في عام 1968 للميلاد كنت في المرحلة الثانية في احدى المدارس الثانوية الحكومية في الكويت واسمها “ثانوية الدعيّة”.  وكنت قبل ذلك انهيت دراستي الابتدائية والمتوسطة في مدرسة أهلية انشأها شيعة الكويت وكان يديرها رجل ملتزم ومتفان اسمه “سيد محمد حسن الموسوي رحمه الله”.  وبما ان جميع طلاب تلك المدرسة وأكثر معلميها كانوا من الشيعة، والمعلمون السنة لم يكونوا يتدخلون في الشؤون الدينية على الاطلاق، لهذا السبب لم تكن لي لقاءات مع الاخوة السنّة إلى ان وطأت قدمي أرض الثانوية وواجهت هناك جواً آخر، فقد كان معظم الطلاب والمعلمين من السنّة إلاّ قليلاً منهم، وهذا ما فرض عليّ مقابلتهم بالشكل المناسب.

بما ن والدي المرحوم آية الله  سيد عبّاس المُهري كان يتولّى مهمة هداية وارشاد الناس في الكويت، فقد كان يؤدّي هذا الواجب المهم تجاه أولاده على أفضل وجه، وكان يحثّنا دوماً على تعلّم المسائل العقائدية من خلال مطالعة الكتب الضرورية لنتسلّح بسلاح البرهان والاستدلال، وكان هو ايضاً يعّلمنا بين الحين والآخر سواء بشكل جماعي أم بصورة فردية.

لا اَنسى ابداً حينما لم اكن قد تجاوزت الثانية عشر من عمري ان بادرت بتوجيه منه (رحمه الله) إلى مطالعة كتاب “الغدير” الذي يعدّ موسوعة في الامامة والولاية، وطالعته برّمته تقريباً خلال فترة وجيزة، وحفظت كثيراً من معلوماته في ذهني.  ولهذا السبب وجدت نفسي حين مواجهتي للاخوة في المدرسة الحكومية اني مستعد تمام الاستعداد في الجانب العقائدي ولم اكن اتورّع عن الدخول في أي بحث أو نقاش.

في الصف الأول الثانوي كانت لي نقاشات مع معلم مادّة الدين، ولكن بما انني كنت قد دخلت ذلك الجو توّاً اضافة إلى كون المعلم شيخاً حاد الطباع لم تتمخّض عن نقاشاتنا المتفرقة أية نتيجة ايجابية ناهيك عن امتناعه عن الخوض في المواضيع المثيرة للاختلاف بعد التفاته إلى وجودي.  ومع هذا كانت لي معه أحياناً نقاشات غلبته فيها.

مثلا سأله احد التلاميذ يوماً: لماذا تأخذ الماء في كفك عن الوضوء وتسكبه من الرسغ إلى المرفق بينما يسكبه اتباع احد المذاهب الاسلامية من المرفق إلى الاسفل؟

نفخ الاستاذ لغديه متظاهراً انه صاحب الحق وقال: الأيدي عادة مليئة بالشعر وإذا سكب الماء من الأعلى إلى الأسفل قد لا يصل إلى ما تحت الشعر، ولكن إذا سكب من الرسغ إلى الأعلى فالماء يصل إلى ما تحت الشعر قطعاً، وهذا أقرب إلى الاحتياط.

نهضت على الفور وقلت: اسمح لي يا سيدي! اذن إذا اردت الغسل وجب وضع الرأس على الأرض ورفع الارجل في الهواء، لأن جسم الانسان مليء بالشعر، واستناداً إلى الرأي الذي عرضته يجب ان يصل الماء إلى تحت الشعر!!

ارتفع فجأة صوت ضحكات الطلاب، فقال الاستاذ الذي وجد نفسه في وضع محرج للغاية بلهجة عنيفة: لا تناقش عبثاً!! فأنت لا زلت اصغر من ان تعطي رأيك في القضايا الفقهية!!  واجلسني بكلامه هذا! إلاّ ان الطلاب لم يقنعوا أبداً.

وعلى كل حال انقضت السنة الاولى من الثانوية ودخلت في السنة الثانية.  كان سني قد ازدادت ومطالعتي قد كثرت في هذا المجال خلال العطلة الصيفية، فأصبحت اكثر استعداداً للمواجهة.  ومن حسن الصدف ان مدرّس مادّة الدين كان شاباً إلى حد ما وحسن الاخلاق.

كنّا في أول درس من مادّة الدين حين دخل الاستاذ وكان شاباً يدعى “عمر الشريف” .

وبدأ الحديث عن موضوع الهداية في الاسلام.  وضمن حديثه تطرق الى تفسير الآية الشريفة: ﴿انك لا تهدي من أحببت﴾، وقال : ان هذه الآية نزلت في أبي طالب عم الرسول حيث حضر عند رأسه وهو في اللحظات الاخيرة من حياته وكلّما طلب منه التلفّظ بالشهادتين، اَبى حتّى مات كافراً!! فتأثر النبي لأن عمّه الذي يحبّه يموت كافراً، لكن الله تعالى اوحى اليه هذه الأية ليسلّي عنه. الهداية هبة اِلهية يمنحها الله لمن يشاء ويسلبها ممّن يشاء، فلا تحاول هداية عمّك!

اضطرم الغضب في نفسي وما عادت لي طاقة على الصبر، فنهضت بغضب وبدون استئذان وصحت:

استاذ! لابد وانكم تعتبرون ابا طالب، هذا الرجل المؤمن، كافراً وتأولون بشأنه هذه الأية لانّه والد علي ليس إلا.  ليس من الانصاف اتهام شخص قضى عمره في خدمة الاسلام وقدّم كل هذا العون للنبي وللمسلمين ، اتهامه بمثل هذه التهمةواعتباره كافراً مع كونه موحّداً حقيقياً وانساناً كاملاً و مؤمناً تقيّاً .  فمن ذا الذي دافع عن النبي صلى الله عليه وأله يوم هب جميع كفار قريش لمحاربته ومحاصرته اقتصادياً، غير ابي طالب؟

ابتسم الاستاذ قائلاً:

أولاً: ليس من الصحيح اتهامنا بمثل هذه التهمة، فنحن نرى علياً من أفضل الناس وأخلصهم ونعتبره على كل حال أحد خلفاء الرسول صلى الله عليه (وأله) ، فنحن اذن لا عداوة لنا معه حتّى نعتبر أباه كافراً.  ثم انه كان شخصاً عطوفاً وكثير المحّبة لمحمد صلى الله عليه وأله، ولهذا السبب كان يدافع عنه حتّى وان لم يؤمن بدينه.  وهذا الطرح لا ينطوي على اية مشكلة.

قلت: بل ينطوي على مشكلة كبرى، فالرسول اساساً لا يمكنه التعويل على كافر، او ان يحظى بحمايته على ذلك النطاق الواسع.  ألم تقرأوا قوله تعالى في القرآن الكريم:

﴿يا ايها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فانَّه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.

قال: هذه الآية تعني اليهود والنصارى.

قلت: الواقع ان اليهود والنصارى أهل كتاب.  فان لم يكن تعالى قد أباح له موالاة اهل الكتاب والاستعانة بهم، فهو لا يجيز قطعاً اتخاذ مشركي قريش حماة لنا.  فضلاً عن هذا فقد جاءت في القرآن آية اخرى تنهى عن هذه العلاقات العائلية، وتحذر من موالاة الآباء والاخوة – فما بالك بالاعمام – اذا كانوا كفاراً، او ايجاد صلات وثيقة معهم:

﴿يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم واخوانكم أولياء ان استحبوا الكفر على

الايمان ومن يتولّهم منكم فاولئك هم الظالمون﴾.

بل ان الله عزّ وجل قد نهى المسلمين في ما يربو على الثلاثين مورد عن ايجاد علاقات مع الكفار، فما بالك باتخاذهم حماة وانصاراً.  هل يجوز ان يعصي الرسول – وهو مبلغ آيات الله – اوضح احكام الله ويعصي ربه جهاراً؟

إيمان أبي طالب

واذا ما تجاوزنا هذا فثمّة أدلّة جمّة على ايمان ابي طالب، ولعلّى لا استطيع الآن احصاءها باجمعها ولكن حسبنا ما جاء في الكثير من أشعاره التي يقرّ فيها برسول الله ونبّوته، ويصّرح بايمانه بالله على الرغم من انه كان يعيش في وضع لا يسمح له بالتجاهر برأيه إلى هذا الحد.

دهش الاستاذ من هذه الآيات القرآنية التي بدا وكأنها لم تطرق سمعه من قبل وتقلّب لون وجهه من حال إلى حال وقال:

إذا كنت تبغي النقاش فالصف ليس موضعاً للنقاش، والصف لا يختص بك حتّى تكون انت المتحدّث الوحيد فيه وتستحوذ على وقت نيّف وثلاثين من الطلاب! تعال إلى غرفتنا (غرفة المعلمين) للمناظرة في وقت الفرصة.

قلت: لا ينبغي هذا! فامّا أن لا تتحدّث في القضايا التي تثير الاختلاف، وامّا انك إذا تحدّثت بها، ينبغي ان تتوقّع ردّاً عليها.  فأنا اليوم ان لم اُدافع عن أبي طالب، هذا الانسان الموحّد الطاهر، فسيعتقد هؤلاء الطلاب فيه كعقيدتك فيه، وسأخزى يوم القيامة امام الله ورسوله.

انني مستعد لمناظرتك حيثما شئت وفي أي موضوع من المواضيع العقائدية ولكن اذا سمح لي الطلاب اليوم بقراءة بيتين من الشعر لأبي طالب

لكي لا تهتز عقيدتهم فيه.

وفي الحال اَيدني الطلاب وقالوا:

يا استاذ! الحق معه، دعه يدافع عما يعتقد به.

اضطر الاستاذ للصمت وبقي ينتظر.

كنت متجهاً بكل مشاعري إلى أبي طالب فاستعنت به وبربّه لأكون قادراً على أداء حق سيّد مكّة ومولاها في اول اجتماع عام وبحضور الكثير من المستمعين، وليتسنّى لي الدفاع عن هذه الشخصية المفترى عليها في تاريخ الرسالة.

فقلت: يا استاذي! ويا اَصدقائي! لم يكن أبو طالب بالذي يعتريه أدنى شك بنبوّة الرسول؛ إذ أن له قصائد كثيرة يمدح فيها الرسول ويشهد برسالته فهو بعد ان اخبر قريش بأنَّ صحيفتكم قد اكلتها الديدان ولم يبق منها سوى اسم الله، وهذا ما اخبرني به ابن اخي محمد، وإذا لم تصدقوا فاذهبوا واستخرجوها من داخل الكعبة فان كان قول محمد هذا صحيحاً عودوا إلى رشدكم وآمنوا له، وان يك كاذباً اسلمته لكم فان شئتم عاقبتموه او قتلتموه.

قالوا: رضينا بهذا! فذهبوا وجاءوا بالصحيفة ووجدوا كلام رسول الله صدق.  لكن من ختم الله على قلبه وألقى على بصره وعلى سمعه غشاوة لا يعي الحق، ومن الطبيعي ان يتجاهل هذه المعجزة الكبرى.  ومن هنا قالوا لابي طالب: هذا أيضاً سحر أخر مما يأتيه ابن اخيك.  وهكذا انغمسوا في ضلالهم.

دنا ابو طالب من بيت الله وتعلّق باستار الكعبة وقال: “اللهم انصرنا على القوم الظالمين فقد قطعوا رحمنا وانتهكوا حرمتنا”.

ثم أنشد قصيدة طويلة غراء لا استظهر منها حالياً –وللأسف- سوى بيتين، وانصح الاخوة بالذهاب إلى مكتبة المدرسة بعد انتهاء هذا الدرس واستخراجها من كتب التاريخ ومطالعتها

نهض احدهم قائلاً: في اي كتاب وردت مثل هذه القصّة؟

قلت: قصّة الصحيفة معروفة وذكرتها كل كتب التاريخ ويمكنك مراجعة تاريخ اليعقوبي، وسيرة ابن هشام، وتاريخ ابن كثير، وطبقات ابن سعد، وعيون الأخبار لابن قتيبة وهي بأجمعها من الكتب المعتبرة عند ابناء السنة.  وعلى كل حال فقد قال أبو طالب في تلك القصيدة الغرّاء:

ألا انّ خير الناس نفساً ووالداً إذا عُدَّ سادات البرية أحمــد

نبيّ الاله والكـــريم بأصـــله واخلاقه وهو الرشيد المؤيّد

ألا يكفي ان أبا طالب يعتبر الرسول “نبي الإله”؟ آليست هذه شهادة برسالة ونبوّة محمد صلى الله عليه وآله؟ هذا فضلاً عن بيتين من الشعر يصرّح فيهما بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وقد أوردهما البخاري في “التاريخ الصغير”، وابن عساكر في تاريخه، وابن حجر في “الاصابة” وفيهما يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله بالقول:

لقـــد أكــــرم الله النبي محمداً فاكرم خلق الله في الناس احمد

وشــقّ له مــن اســـمه ليــجلّه فذو العرش محمود وهذا محمّدُ

ظاهر هذين البيتين وباطنهما واضح وصريح، وفيهما دلالة على عظمة شأن ابي طالب ووفرة علمه وعلو منزلته.

قال الاستاذ: هذا البيت يُنسب لحسان بن ثابت.

قلت: انه اخذ هذا البيت عن أبي طالب وضمّنه في قصيدته في مدح الرسول.  واذا ما تجاوزنا كل هذا، هناك أيضاً قصة استسقاء أبي طالب وعبدالمطلب واستعانتهما بالرسول وهو لازال طفلاً، وهي قصة مشهورة.

وهذا دليل واضح على ايمانهما له بالنبوّة والرسالة الخاتمة من قبل ان تّعرض قضية رسالته. فهما كانا يعلمان منذ اليوم الاول ما لهذا الطفل من منزلة وقرب عندالله.  كانت قد مرّت على الناس سنتان لا ينزل عليهم الغيث، وأتت عليهم مجاعة، فأخذ أبو طالب هذا الطفل وتوجّه به إلى الكعبة وقسم على الله به وقال: “اللهم بحق هذا الطفل انزل علينا غيث رحمتك”.

لم تمض ساعة إلاّ وغمامة سوداء قد غطّت سماء مكّة وأمطرت عليهم مطراً غزيراً حتّى خافوا ان يجرف السيل بيت الله.

لما تذكّر ابو طالب هذه القصّة، قال في مدح الرسول:

وأبــيض يســتسقى الغــمام بـوجهه

ثــمال اليــتامى عــصمة للأرامــل

يــلوذ بــه الهلاّك مــن آل هــاشم

فــهم عــنده فــي نــعمة وفواضــل

ومــيزان عــدل لا يــخيس شعيرة

ووزان صــدق وزنــه غــير هــائل

لم اكن قد اتممت كلامي حتّى وجدت الصف كله مصغياً لأشعار ابي طالب ذات المغزى العميق، وهناك رن الجرس فجأة معلناً انتهاء الدرس، وتنفّس المدرس الصعداء.  ومع هذا فحينما خرجت من الصف التفت اِليَّ باحترام وقال:

انني لأشعر بالارتياح لوجود طالب مثلك بين طلابي له مثل هذه المعرفة بمواضيع العقيدة والتاريخ ويستدلّ بهذه الطريقة الحسنة، واني لافتخر بطالب مثلك.  ولكن اعلم لجميع هذا الكلام ردود.

قلت: اني على استعداد لمواجهة أي رد أو انتقاد، ولدي جواب على جميع الاعتراضات، واذا لم تقنع ، فاني مستعد للكلام معك مرة ثانية.

قال: طبعاً كلامك عن أبي طالب شيّق جداً وينطوي على امور جديدة بالنسبة لي ولكن نفس اولئك الذين نقلت عنهم تلك الابيات لأبي طالب يعتبرونه كافراً!

قلت: ان كان هناك من يرى الحق ويدوس عليه فلا يعني هذا انك تتبعه على باطله.

قال: تريد ان تقول ان هؤلاء جميعاً حاربوا الحق، وانتم وحدكم دافعتهم عنه؟ ما هذا الكلام يا عزيزي!

قلت: يا استاذ! انّ قول الحقّ مرّ، وليس بامكان كل واحد تحمّل هذه المرارة.  ثم انني لا شأن لي بما في كلامهم من تناقضات. بل كنت ابغي فقط الاستشهاد من كتبكم على ايمان أبي طالب ليتضّح انه كان مؤمناً تمام الايمان، واذا بقي هناك من ينكر ايمانه ، يتبيّن أيضاً انه مخدوع!!

قال: تقول ان فيها تناقضات.  هل يمكنك البرهنة على ذلك؟

قلت: الأدلّة على ذلك كثيرة! وهذا الدليل كافٍ بحد ذاته.  فانت تلاحظ مع كثرة الاشعار التي ينقلونها عن أبي طالب في مدح الرسول، يعتقدون ـ وبكل جرأة ـ ان هذا الرجل الالهي كافر.  أليس هذا تناقضاً؟

قال: انت تعلم طبعاً انّ أبا طالب كان يحب محمدً كثيراً، وكان يدافع عنه طوال مدّة حياته معه.  فما هو المانع في ان يبعث البهجة في نفس ابن اخيه بالاشعار ليقلل إلى حد ما من ألم المصائب التي كانت تترى عليه؟

قلت: يا استاذ ان المدح والثناء شي آخر غير الشهادة بالنبوّة فهو هنا لا يثْني عليه فحسب وانما يشهد له بالنبوّة ايضاً في مواقف مختلفة، وليس ثمّة مجال للكناية والتورية.  وفضلاً عن هذا ألم يعلن النبي حرمة زواج المسلمات بالكفار؟  والكل يعلم ان فاطمة بنت اسد كانت من اوائل المسلمات، ومع هذا بقيت مع ابي طالب حتّى النهاية ولم يفرّقها الرسول عن زوجها.

قال: ان لديك اطلاعاً واسعاً، ولديَّ عدّة قضايا أودّ معرفة رأيك فيها، لكن الوقت لا يسمح الآن.  ارجو ان يكون لنا من بعد هذا لقاءات منفصلة نتباحث فيها بشكل مفصّل، إلى اللقاء.

في امان الله.

انقضى ذلك اليوم وعدت إلى البيت وحدثت والدي المرحوم بما جرى، فابتهج ودعا لي ثم قال:

يا بني ان ايمان ابي طالب كإيمان مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم ايمانه في عهد النبي موسى عليه السلام .

ابو طالب كان قد آمن بالرسول منذ البداية وإلاّ لم يكن ليدافع عنه إلى هذا الحد.  بيد ان الرسول ما كان مباحاً له، وفقاً لامر الله باتخاذه نصيراً له، ولا حتّى ان يلقي اليه بالمحبّة إن كان كافرا والعياذ بالله .

أمّا أشعار أبي طالب في مدح الرسول صراحة واعترافه بنبوّته فكثيرة وهي منقولة في كتب السنّة.  ويمكنك مراجعة كتاب “ابو طالب مؤمن قريش” تأليف عبدالله الخنيزي واكتب شيئاّ من تلك الاشعار وخذها إلى استاذك.  ويكفي أبا طالب انّه كان يذبّ عن الرسول علانية في جميع المواقف والمراحل منذ بداية الدعوة حين جمع الرسول اَقرباءه ﴿وانـذر عشيرتك الاقربين﴾ وحتّى آخر حياته، وكان يقف بوجه كفّار قريش ويحامي عن الرسول بكل ما اُوتي من قوّة.  فان لم يكن قد آمن برسالة الرسول فما كان الدافع من وراء حمايته له بهذه الصورة؟ اَلم يكن ابولهب عم الرسول وكان يحاربه؟ ومنذ الاجتماع الاول الذي جمع فيه الرسول اقاربه ودعاهم ـ بعد تناول الطعام- إلى الاسلام، نهض ابو لهب مستنكراً دعوته فصاح به أبو طالب غاضباً: “اسكت يا أعور ما انت وهذا ثم قال لا يقومنّ أحد.  قال فجلسوا ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله : قم يا سيدي فتكلم بما تحب، وبلغ رسالة ربك، فإنك الصادق المصدق”.

أي كافر هذا الذي يدافع عن الاسلام بكل ما أوتي من قوّة وينبري للذود عن ابن اخيه بيده ولسانه ويحميه من قرابته الكافر حتّى يبلغ رسالة ربّه بسهولة.  وناصره في شِعبه هو وكل اتباعه يوم كانت كل قريش تحاربه؟! فان كان شخص كهذا كافراً فأنا ايضاً كافر.

شكرت أبي وذهبت لمطالعة كتاب “ابو طالب مؤمن قريش” ووجدت ان المؤلف قد بذل جهداً شاقاً ودافع عن ابي طالب حق الدفاع.  ولكن العلاّمة الاميني كان قد سبَقه إلى البحث في سيرة ومواقف ابي طالب على امتداد سبعين صفحة من المجلد السابع من كتابه “الغدير”، وهو بحث شيّق وثمين.

وعلى كل حال لا بأس بذكر عدّة ابيات شعرية اُخرى له لغرض اكمال هذه المقالة إلى حد ما، ولكي لا تبقى لدى القارئ ادنى شبهة وليبلغ كل ذي حقّ حقّه.

نقل الحاكم في “المستدرك” ان ابا طالب بعث ابياتاً من الشعر للنجاشي حاكم الحبشة يدعوه فيها إلى الاحسان إلى مهاجري الحبشة، وجاء فيها:

ليعلم خـيار النـاس ان مـحمداً وزير لموسى والمسيح بن مريم

أتانا بالهــدى مثل مــا اَتيا بـه فـكلٌّ بأمر الله يـهدي ويـعصم

وجاء في ابيات اخرى يخاطب بها رسول الله صلى الله عليه واله:

والله لن يـــــــصلوا إليك بجمعهم

حـــتّى أُوسَّــد فــي التــراب دفــينا

فــاصدع بأمرك ما عليك غضاضة

وابشـــر بــذاك وقـــرَّ مـــنك عيونا

ودعـــوتني وعــلمت انك نــاصحي

ولقـــد دعـــوت وكــنت ثــم امـــينا

ولقــــد عــــلمت بـأنّ ديــن مـــحمد

مـــن خـــير أديــان البـــريّة ديـــنا

وله أيضاً قصيدة لامية طويلة في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله يقرّ في عدّة أبيات منها بنبوّته ورسالته، نقل منها ابن هشام أربعة وتسعين بيتاً، وابن كثير اثنين وتسعين بيتاً.  وصيغت هذه القصيدة على غرار المعلقات السبعة وهي في غاية البلاغة والفصاحة ونظمها في وقت هبّت فيه قريش كلّها لمحاربة الرسول وكانوا يطردون عنه المسلمين بقوّة الحراب.

وقد أشاد القسطلاني بفصاحة وبلاغة هذه القصيدة وذكر انها تضم مائة وعشرة أبيات.  ولو لم يكن منهجنا الاختصار لنقلنا هذه القصيدة هنا ولكن تكفي الاشارة إليها ليرتدع أصحاب الآراء المنحرفة الباطلة عن انتهاك قدسية هذه الشخصية الجليلة، ولكي لا يتّهموا هذا المؤمن الطاهر السريرة واول المدافعين عن الاسلام بالكفر، وان يتوبوا إلى الله من سوء القول فيه.

أجل .. كان أبو طالب سبّاقاً في ميدان الجهاد والإستقامة في عهد الجاهلية الأسود وفي ظلمات ابناء قريش.

كان ابو طالب كوكباً زاهراً يقتبس نوره الساطع من الشمس المحمدية المتألّقة، وكان صوته المدوي في البطحاء صدى لصيحة النبي في نداء “لا اِله الا الله محمد رسول الله”.

كان ابو طالب شخصية انطلقت عقيدة الاسلام التحررية تحت ظل بريق سيفه البتار وصدى أشعاره المثيرة ودفاعه المتواصل، فأضاء ظلمة مكّة بنوره الباهر.

كان ابو طالب تابعاً مطيعاً لمحمد صلى الله عليه وأله، وكان حبّه لصاحب الرسالة يسري في اعماق روحه وجسده وظل يسير في طريق المحبّة حتّى اللحظة التي بلغ فيها مرحلة اليقين ورفعته يد الغيب الالهية إلى اعلى عليين، فقال رسول الله باكياً في رثائه: “يا عم ربيت صغيراً وكفلت يتيما ونصرت كبيراً فجزاك الله عني خيراً”.

قال اليعقوبي في تاريخه: ” ولما قيل لرسول الله إن ابا طالب قد مات ،عظم ذلك في قلبه واشتد له جزعه ثم دخل فمسح جبينه الايمن اربع مرات وجبينه الايسر ثلاث مرات” ثم دعا له بالخير. وعظم موت ابي طالب على ابن اخيه حتى سمى ذلك العام عام الحزن.

فهل يبكي الرسول هكذا على موت كافر ـ والعياذ بالله-؟

وهل يعطف رسول الله على كافر ويبدي له المحبّة أكثر من سائرالمؤمنين ويجزع على فقده مع ما أمر به من الغلظة مع الكفّار والرأفة بالمؤمنين؟

اعيدوا كتابة التاريخ وامحوا هذه البقع المخزية من صفحاته.  كفى انسياقاً وراء الاسلاف الأراذل الذين دفعهم بغض وصي رسول الله إلى اتهام أبيه الجليل بتهمة الإلحاد فها هو تاريخ الاسلام حافل بنداءاته الاسلامية، وانه كان ناصراً مخلصاً للرسول سلام الله وصلواته عليه وعلى محبّيه، واللعن الدائم على اعدائه إلاّ من انساقوا في هذا الطريق جهلاً واذا ادركوا الحق اتّبعوه وعوّضوا عما سلف منهم بالتوبة والإنابة إلى سبيل الهداية وإلى الصراط المستقيم.

بداية اللقاءات العلنية

مرت عّدة ايام على أول نقاش مع الاستاذ حول ايمان أبي طالب، وخلال تلك الأيام، كنا نتحدث في الفرص القصيرة بين الدروس قليلاً أو كثيراً، ولكن بما ان تلك الحوارات كانت مشتّتة، لذلك كانت المواضيع التي تعرض فيها تبقى ناقصة وغير مثمرة إلى ان اقترح عليَّ الأستاذ في احد الأيام ان نلتقي ونتباحث يومي الأحد والأربعاء اثناء فرصة الإستراحة التي تعقب الدرس الخامس والتي تستغرق خمسين دقيقة تخصص لتناول طعام الغداء او للأعمال اليدوية وللإستراحة، على ان يكون اللقاء في غرفة المعلمين.

وافقت على اقتراحه، وعلى الرغم من الرهبة التي شعرت بها خشية أن يكون هناك أساتذة اكثر اطلاعاً مني ولعلي لا استطيع مواجهتهم بسبب قلّة معلوماتي في هذا المجال، ولكني لم أخف لأني كنت ارى نفسي على الحق، وكنت مسلّحاً إلى حد ما بسلاح الاستدلال واتكلت على الله، وبدأت من وقتها لقاءاتنا العلنية.

             

اللقاء الأول

الأحد 8 /10/1968

تفسير آية الولاية

بدأ اول لقاء بيني وبين الاستاذ عمر الشريف يوم الاحد الثامن من اكتوبر 1968 ميلادية في غرفة المعلمين.

تابع الاستاذ حديثنا السابق بالقول:

انت تعتقد ان لعلمائنا الكبار تناقضات في كتبهم.  هل يمكنك بيان كلامك بشكل اوضح واكثر استدلالاً؟ وارجو ان يكون بيانك مقصوراً على الصحاح الستة التي نعوّل عليها.

قلت: في اي مجال تحب ان تتحدث؟ أليس من الأفضل ان نتحدث عن خلافة علي عليه السلام التي هي اساس الاختلاف بيننا وبينكم؟

قال: هذا هو مرادي.

قلت: انتم ترون ان النبي لم يعّين وصياً له وتوفي بلا وصية، فيما تتحدث كتب التاريخ والحديث لديكم عن ضرورة الوصية ـ طبقاً للكتاب والسنّة- فكيف تنفذ الوصية في الأموال بل وتعتبر واجبة ويترك الرسول –وهو الذي شرع الوصية- المسلمين لشأنهم، ولا يوصي في اهم الامور واكثرها التصاقا بمصيرهم، كي لا يؤدي الى الهرج والمرج ولا تفرض بيعة ابي بكر على الناس بقوة الحراب، وكم من الدماء اريقت بغير ذنب، ومدى الفساد الذي حل في العالم الاسلامي حتى اليوم؟ اَليس هذا تناقضاً؟!

وهل هناك تناقض أكبر مما ورد في احد كتبكم ان الرسول صلى الله عليه وآله قال:

“اني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي اهل بيتي، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابداً”.

بينما ورد في موضع آخر: “كتاب الله وسنّتي”.

وفي الكتب الجديدة نُسيت كلمة “وعترتي” بالمرة وازيحت جانباً ثم تقول ان كتبنا الصحيحة خالية من التناقضات.

قال: ارجو عدم الهتاف، اذ لابد من البرهنة على كل جملة تقولها.  والا فمن غير المقبول ان تحكم على الحديث من جانب واحد.

قلت: الحق معك.  فانا مستعد للبرهنة على كل هتاف قلته بأدلة من كتبكم، وابرهن لك ان ولاية علي ثابتة وقد صرّح بها الرسول مرات ومرات، ونقلتها صحاحكم ومسانيدكم التي تعولون عليها.

قال: يرى جميع السنة عدم وجود اي نص عن رسول الله في خلافة علي، وان الخلافة تحدد استناداً الى الآية القرآنية:

﴿وامرهم شورى بينهم﴾.

ولا تتحقق إلاّ بالشورى، وان خلافة ابي بكر قد أقرّها وأمضاها كبار الصحابة.

قلت: اذن انتم ترون ان ابا بكر والصحابة كانوا يعتقدون بالشورى والرسول لا يعتقد بها.  فضلاً عن هذا نحن نرى ان الرسول لم يشاور احداً قط في موضوع القيادة بل ابلغ الناس فقط بالنص الذي لم يأتِ به من عنده وانما اوحي اليه من ربّه. ألم يصفه الباري تعالى بقوله:

﴿وما ينطق عن الهوى، ان هو إلاّ وحي يوحى، علّمه شديد القوى﴾.

ثم اساساً مالنا والسنّة حينما يصرّح الله تعالى في القرآن الكريم بولاية علي، ويحصر الولاية بذاته جلّ شأنه وبالرسول وبعلي.

قال: وقعت ثانية في الهتاف، اين اسم علي في القرآن؟

قلت: ليس من الضروري ذكر اسمه.  فالصفات التي ذكرها الله تنطبق عليه. اترغب في سماعها؟

قال: نعم!

قلت: قال تعالى في قرآنه الكريم:

﴿انّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾.

فانت تعلم ان “انّما” تفيد الحصر؛ أي ان الولاية في هذه الآية محصورة بالله ورسوله والمؤمنين الذين يقيمون الصلاة وينفقون الزكاة وهم راكعون ولم تنزل هذه الآية إلا بعد تصدّق علي بخاتمه وهو راكع.

قال الاستاذ: الذين امنوا…وردت بصيغة الجمع فكيف تطلقها على المفرد؟

قلت: امثال هذا ورد كثيراً في القرآن.  فثمة آية وردت بصيغة الجمع إلاّ ان شأن نزولها كان مفرداً.  ومثال ذلك الآية الكريمة:

﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن اغنياء﴾.

قال الحسن البصري وعكرمة وآخرون انها نزلت في رجل يدعي حيي بن اخطب.

ناهيك عن ان تصدّق عليّ بالخاتم وهو راكع قصّتها معروفة حتّى بلغت حد التواتر، ونقلها لاصحابة أبوذر، وأنس، وجابر، وابو رافع، وعبدالله بن عباس، وعمّار، وعمرو بن العاص، وآخرون غيرهم. ونقل التابعون اسنادهم عن الصحابة.  وكتب الفريقين السنة والشيعة زاخرة بنقل هذه القصة وخاصة التفاسير.

قال الاستاذ: كيف توجد قصة بلغت حد التواتر –حسب قولك- ونحن لم نسمع بها؟

قلت :انكم -مع الاعتذار- غير مطلعين على الكثير من القضايا.  ولكن ارجو ان تطلع في الايام القادمة على الكثير من القضايا التي وردت في كتبكم وتجاهلها المتأخرون ولم يوصلها اليكم ، حتّى تعرفوا مدى المؤامرة التي نفذت منذ وفاة الرسول إلى يومنا هذا، فحجبت قضايا اساسية ومهمة خلف ستار من التعتيم وحلّت محلها روايات كاذبة ومزيّفة.

الاستاذ – لو لم اكن واثقا من عمق اطلاعك وسعة معلوماتك في هذه القضايا لاعتبرت هذه التهمة كافية لترك النقاش، ولكني اصبر حتى ينجلي الحق، او اقف على ادنى الاحتمالات، على خفاياكم؟

اعتذر لانفلات زمام ذاتي مرة اخرى واستميحك العذر.  واؤكد عدم وجود خفايا لدينا، بل كل معتقداتنا واضحة، ودونت منذ سنوات متمادية من قبل علمائنا في كتب وكراريس وهي في متناول ايدي الجميع.  ولعل هذه تهمة تُنسب إلى الشيعة.

الاستاذ: تجول في خاطري تساؤلات عدّة لكنكم تلتزمون التقيّة ازاءها، وانا لا اعرضها للبحث حالياً إلى ان تتضح لي الآية التي ذكرتها والاشكال الذي طرأ في ذهني الآن هو ان الآية تقول: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾.  وقد ذكرت انها نزلت بشان علي بن ابي طالب –كرم الله وجهه- الذي تصدق بخاتمه إلى السائل وهو راكع.

والظاهر من سياق الآية ان المراد من الزكاة هي الزكاة الواجبة، لا الصدقة.  والزكاة الواجبة لا تطلق على الخاتم أساساً.

المراد من الزكاة

قلت: تطلق كلمة الزكاة على الواجب والمستحب.  واذا جاءت كلمة الزكاة في بعض الايات بمعنى الفرض والواجب فلا يعني هذا ان المراد هو الزكاة الواجبة في جميع الموارد، بل انها تطلق على عموم الانفاق في سبيل الله سواء الواجب أم المستحب.

يقول القرطبي وهو من أكبر مفسّري السنّة في تفسيره المعروف “الجامع لاحكام القرآن”:

يقول الله تعالى : ﴿ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ يدل على ان صدقة التطوع تسمى زكاة، فان عليا تصدّق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فاولئك هم المضعفون﴾.

وقد انتظم الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة شاملاً للفرض والنفل، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الامرين.

ويستدل “العلاّمة الطباطبائي” المفسر الشيعي الكبير في تفسيره “الميزان” على الآيات التي وردت فيها كلمة الزكاة ونسبت إلى الانبياء السابقين، كقوله عيسى عليه السلام:

﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت خيّاً﴾.

هذا في وقت لم تكن فيه الزكاة قد شرعت في الديانات السابقة بمعناها الاصطلاحي الحالي.  وعلى كل حال فالزكاة كالصدقة، تطلق على الواجب والمستحب ولا مؤاخذة في هذا.

الاستاذ: اشرت إلى ان الكثير من الصحابة المعروفين قالوا ان هذه الآية نزلت بشأن علي، لكنك لم تذكر اي كتب أهل السنة المعتبرة نقلت هذا او اشارت اليه بين دّفتيها.

– سبق وان نقلت جملة من القرطبي، وهناك اكثر من سبعين مورداً نقل فيها المفسرون والحفّاظ هذه الآية بحق علي عليه السلام، من جملتهم الزمخشري في الكشاف، والطبري في تفسيره، وابن كثير، والحسكاني، والسيوطي وغيرهم.

وفي كل الاحوال نستنتج من هذه الآية ان ولاية المسلمين محصورة بالله ورسوله والمؤمن الذي دفع الصدقة او الزكاة وهو راكع وانه لم يكن –باجماع كبار المفسّرين- سوى علي بن ابي طالب. وعلى هذا الأساس، فهذه الآية تدل بشكل مباشر ،لا لبس فيه ،على امامة علي بن ابي طالب لا غير.

الاستاذ: طبقاً للوصف الذي ذكرته فان جميع الخلفاء لا نصيب لهم في ولاية المسلمين إلاّ علي بين ابي طالب.  وان صحّ هذا، فالامام هو علي فقط، وحتى ابناءه الذين تعتقدون بولايتهم وامامتهم، لا يدخلون ضمن هذه الآية.

– اذا احرزت امامة علي، تحرز امامة سائر ائمة الشيعة بوصية علي ووصية كل واحد منهم للآخر. والعقدة انما هي حول الامام الاول وخليفة الرسول إذ اننا نعتقد –بنصّ القرآن والسنّة التي يتّفق حولها الفريقان السنّي والشيعي- انّ أول خليفة وامام هو علي عليه السلام، وهذا حق مسلّم لعلي منحه اياه الله واكد عليه الرسول (ص) في مواقف متعددة لا يبقى معها مجال للشورى والسقيفة وما شابه ذلك.

في هذه الاثناء دق جرس الدرس.  وودعت الاستاذ، وتقرر مواصلة النقاش يوم الاربعاء 11/10/1968.

اللقاء الثاني

الاربعاء 11/10/1968

هزيمة المهاجمين

دخلت غرفة المعلمين في ساعة محددة ووجدت ان الوضع قد اختلف هذه المرّة؛ فقد كان ثلاثة من مدرسي الدين واللغة العربية جالسين إلى جانب مدرسنا.  وقد أضفت الوجوه العابسة والملامح الغاضبة صمتاً مطلقاً زاد من الرهبة التي تسود جو الغرفة.

دخلت الغرفة متوكّلاً على الله وواثقاً بنصرة أهل البيت عليهم السلام.

قدم لي الاستاذ سائر المدرسين وابتسم قائلاً:

لقد اطلعتهم على قضية نقاشنا، ورأوا من المصلحة المشاركة في هذا اللقاء.

واصلت حديث الاسبوع الماضي بتقديم مسرد يتضمن أسماء التفاسير والمفسرين الذين ذكروا ان الآية المذكورة نزلت بشأن علي عليه السلام.

فجأة صاح احد المدرسين بحدّة وقد بدا الغضب ظاهراً عليه: لكن العلامة الكبير ابن تيميّة لا يقر بمثل هذا التفسير للآية على الاطلاق، وهو يخطئ الشيعة!

قلت: ان لم تكن له نوايا سيئة ولا يضمر العداء لاهل البيت عليهم السلام، فهو مخطئ في هذا المجال قطعاً.  فهل من الممكن ان يكون جميع العلماء الكبار والمحققون المتعمقون واكابر مفسري القرآن الكريم الذين يجمعون كلهم على قضية واحدة مخطئين، وابن تيمية وحده على صواب؟ ثم اننا نرد على كل اعتراض من خلال الاستدلال بالقرآن والسنّة.  وانتم ايضاً اعرضوا مؤاخذاتكم فان عجزت عن الاجابة عليها يحق لكم حينئذ ادخال ابن تيمية في الحديث، فما معنى ان تحشره في الحديث بدون اي مقدمات؟ دهش من شدّة جرأتي، والتفت إلى استاذنا وهو مضطرب وقال: انا اتعجب منك كيف تصغي لكلام طفل؟! وتجعل اعتقادك العوبة بيد الشيعة؟

احب ان انبهك إلى ان هؤلاء لديهم مصحف خاص اسمه “مصحف فاطمة”، وهم لا يعترفون بالخلفاء، وحتى ان لهم رأي آخر في الرسول نفسه، فهم يعتقدون ان جبرائيل اخطأ –والعياذ بالله- حين نزل على الرسول وانما كان يجب ان ينزل على علي.  وهم يرفعون علياً إلى مرتبة الالوهية، وهم… واخذ ينسب التهم والاكاذيب والافتراءات إلى الشيعة.

أيد الشخصان الآخران كلامه، وأخذا يرددان اقواله باسلوب أهدأ.

لم يداخلني اي ذعر من هذا الموقف، لانهم لم يكونوا قادرين على ابداء اي رد فعل سوى الكلام.  وشعرت من جانب آخر بالبهجة لأنهم لم يدخلوا في النقاش بالمنطق والاستدلال، وانما انتهجوا اسلوب العربدة والصياح للتغلب عليَّ.  ولهذا اصغيت لثرثرته وكلامه الفارغ، وبقيت اتربص الفرصة لأهجم.

كان استاذنا في غاية الاستياء والقلق كما يبدو على ظاهره، والتفت اليهم قائلاً: لم تخبروني انكم تبغون العراك والا لما دعوتكم.  فما الداعي للصياح؟ انظروا ولاحظوا كيف ان هذا الطفل، وهو في نظري استاذ، كيف يرد عليكم؟ فلماذا تريدون اسكاته بالاهانة والاستخفاف؟ هذا الأسلوب غير صائب للبحث والنقاش.  كان من المقرر ان تدخلوا هذا اللقاء بمودّة وان تناقشوا برزانة وبرهان، ولكن مع الاسف هاجمتموه بشراسة، وتريدون الاستيلاء على زمام الموقف بدون استثمار الوقت.

قلت: يا استاذ دعهم يتحدثون فإني أراهم محقّين في بعض اقوالهم.

اخذتهم الدهشة بغته وظلّوا يترقبون مني مواصلة الحديث.

استأنفت حديثي قائلاً: الحق معه، فإن الهنا غير الهكم!! ونبيّنا غير نبيّكم!! وقرآننا غير قرآنكمّ!! وامامنا وخليفتنا غير خليفتكم!!

التفت المعلم –الذي لم اكن اعرف اسمه وقد بان على وجهه الغضب- إلى استاذنا وقال: ألم أقل لكم أن لهؤلاء ديناً آخر، وحتى عقيدتهم بالله تختلف عن عقيدتنا!! ها هو قد اعترف بلسانه.

هؤلاء –وبطيبعة الحال- لا يزيلون اللثام عن واقع معتقداتهم بهذه السهولة بل يتمسّكون بالتقية.  ولكن يبدون انه قد وضع التقية جانباً.

قلت: نلتزم التقية في المواطن التي تتعرض فيها النفس للخطر، وهي أمر مرغوب فيه من وجهة نظر القرآن والعقل والنقل، وليس الآن مجال الخوض فيها، ولكنني سأبرهن لكم في محلّه انّ التقية حكم اسلامي صحيح تماماً ويتطابق مع موازين القرآن والسنّة والعقل.  ولكننا الآن بصدد موضوع آخر.

قال لي الاستاذ: واصل حديثك الأصلي، ماذا تقول في الله والقرآن والرسول؟

عقيدتنا في الله

قلت: ربّنا الله الذي ﴿ليس كمثله شيء﴾، وليس له شبيه، ولا هو بجسم، ولا تدركه الابصار ﴿لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار﴾ ونعتقد انه لا يراه احد لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لا هيئة له ولا شكل.

قال موسى عليه السلام: “ربّ ارني انظر اليك، ﴿قال لن تراني﴾. و”لن” هنا تفيد التأبيد، ثم اوحى اليه: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾.

فدك الجبل لما تجلى ربه، وخر موسى على الارض صعقاً.  إننا نعتقد انه لا يتسنى لاحد الوقوف على حقيقة الله حتى وان جمع علوم الاولين والآخرين، وان الله تعالى لا يحده شي فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأن كل من يبغي ادراكه –تعالى- بوهمه وخياله، فهو لا يدرك سواهما شيء.

عقيدة أبناء السنّة في الله

اما انتم الاخوة الاعزاء من ابناء السنّة؛ فعقيدتكم في هذا المجال تغاير نص القرآن تماماً.  لأنه تعالى ينفي امكان رؤيته بالمرّة، ولكنكم تعتقدون انه يكشف عن ساقه للمؤمنين يوم القيامة، وأن فيها علامة خاصّة.

انتم تصورتم أن الله جسم، وأي جسم! يضحك ويشم، وله يدان ورجلان!! وينزل كل ليلة من السماء إلى الدنيا!! وفي يوم القيامة حين تطلب جهنم من الله ملأها؛ لأنَّ فيها متّسعاً من المكان، يضع رجله فيها فتمتلئ وتقول: قط قط قط”.

بالله عليكم ما هذه الجرأة على الله، وما بذاك تريدون؟ فهل تجوز مثل هذه السخرية بالله جلّت عظمته؟!

ما الذي يدفعكم إلى وصف الله بأنه جسم متحرك له عواطف ذاتية وصفات مادية؟!

فان كان هذا تصوركم عن الله، سوف لا يكون رأيكم بالرسول والقرآن أحسن حالاً مما وصفتم به الله تعالى.

وخلاصة القول: هو اني واصلت الحديث وبكل جرأة واقدام، حتى أني تعجبت لذلك فيما بعد وأيقنت أن ذلك كان بإلهام وتسديد من الله تعالى.

وفجأة قطع أحد الحاضرين من هؤلاء كلامي وكان قد بهت قائلاً لي: هل انت تمزح عندنا تنسب ذلك الينا؟

قلت: عذراً، ان كل ما ذكرته مسطور في صحيح البخاري، وهو الكتاب الذي ترون له المنزلة بعد القرآن، ولا يأتيه الخطأ والباطل وتحسبونه سند السنّة، وتأخذون عنه الأحكام، وتعتقدون ان كل ما بين دفّتيه صحيح مائة بالمائة بلا زيادة او نقصان! وانا الآن لا استحضر ارقام تلك الصفحات، ولكني سأتيكم غداً بتفاصيل ذلك مع ارقام صفحاتها.

قال آخر: كيف لنا ان نعلم بأن كلامك ينطبق على ما في صحيح البخاري؟ فرّبما انك لم تستوعب ما فيه بنحو صحيح، او لعلك تسخر منا!

قال الاستاذ: كونوا على ثقة بأن كلامه صحيح من غير شك، وأن ما قاله موجود قطعاً في صحيح البخاري، لقد كان كلامه حتّى الآن قائماً على الاستدلال والمنطق، وهو اليوم لا يقول هذا اعتباطاً.

قلت: يا استاذ، ارجو السماح لي بمواصلة كلامي لاجل استثمار الوقت على افضل ما يكون.

قال: تفضل تكلم.

قلت: لقد تحدثت عن الله تعالى باشارة اجمالية، والا فكل واحدة من هذه النقاط وردت في رواية مفصّلة وطويلة في صحيح البخاري، مما لا يحضرني الآن رواية جميعها، لكن اشير إلى رواية واحدة منها فقط على سبيل المثال، وليعلم الاخوة انني لم آت بهذا الكلام من عندي، بل ورد كل ما اقوله في صحيح البخاري والصحاح الاخرى عند ابناء السنّة.

نقل ابو سعيد الخدري رواية طويلة عن رسول الله صلى الله عليه واله يقول فيها:

“…سمعنا منادياً ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وانما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها اول مرة فيقول انا ربكم فيقولون انت ربنا فلا يكلمه إلاّ الانبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آيه تعرفونه! فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن”.

أليس هذا هو الله الذي يصفه ذاته في القرآن الكريم بالقول:

﴿وما كان لبشر ان يكلّمه الله الاّ وحياً او من وراء حجاب﴾.

كلا، قسماً بالله هذا اِله غير، صاغته اوهام وتصورات الرواة الكاذبين، ولا يمت إلى الحقيقة بصلة.

وفي صحيح البخاري رواية منكرة منقولة عن ابي هريرة، تثير الدهشة والسخرية حقاً، ولا ادري كيف تعولون على صحيح البخاري مع وجود هذه الروايات فيه؟ ينقل بشأن النبي موسى رواية عجيبة فيها اهانه له بل وفيها اكبر استهانة بالله عز شأنه.

يقول ابو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه واله: “كانت بنو اسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا والله ما يمنع موسى ان يغتسل معنا إلاّ أنه آدر(مَن يصيبهُ فَتْقٌ في إحدَى خصْيَتيه) فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في اثره، يقول ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! حتى نظرت بنو اسرائيل إلى موسى فقال: والله ما بموسى من بأس وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضرباً، فقال ابو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجرة”.

وانا هنا لا آبغي التعليق على هذا الخبر ولكن ايها السادة المحترمون! هل حقاً ان هذا الكتاب هو الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه؟ وعلى كل حال فان المواضيع في هذا المجال كثيرة، وبما ان الوقت لا يسمح، فاني اود تناول موضوعين او ثلاثة مواضيع اخرى.

هذه عقيدتنا بالله تعالى، ولا بأس بعقد مقارنة بين نبيّنا ونبيّكم في الفصل اللاحق!.

عقيدتنا في النبي صلى الله عليه وآله

نبينا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله افضل واسمى واكمل انسان خلقه الله تعالى.

هو خير الانباء وسيّدهم، وقدوة الاولين والآخرين، واشرف الخلائق والكائنات أجمعين.

فهو العبد الذي اصطفاه الله وخلق لأجله جميع الكائنات، وقال عنه كما ورد في الحديث القدسي” “لولاك لما خلقت الافلاك”.

وهو الذي بلغ مرتبة ﴿دنا فتدلّى فكان قاب قوسين او ادنى﴾.  وهي المرتبة التي لم يبلغها نبي مرسل ولا ملك مقرّب، وهي المرتبة التي تركه جبرئيل الامين مع علو منزلته في هذا “الدنو” لوحده ولم يستطع مرافقته، وقال انه لو اقترب قيد أنملة لاحترق.

وهو من وصفه الله بأنّه ﴿رحمة للعالمين﴾، وقال فيه: ﴿وانك لعلى خلق عظيمً﴾.

هو النور الساطع في عالم الوجود الذي ارسل بشيراً للصالحين ونذيراً للمفسدين: ﴿يا ايها النبي انا ارسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياّ إلى الله باذنه وسراجاً منيراً﴾.

ونحن نذهب إلى أبعد من ذلك حيث نعتقد بأنه النبي الذي جعلت له النبوة من يوم خلقة آدم، بل اول ما خلق الله نوره، وأنه كان نبياً في وقت كان فيه آدم بين الماء والطين.  فقد ورد عنه صلوات الله عليه وآله أنه قال:

“كنت نبياً وآدم بين الماء والطين”

وهو معصوم من جميع الاخطاء والذنوب صغيرها وكبيرها، ومن الزلل والنسيان، ومن ينسب اليه الهذيان والنسيان خصمه القرآن، وقوله مخالف لكلام الله الذي وصف به الرسول:

﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى﴾.

واذا اعتبرناه كسائر من يخطأ وينسى من الناس ، نكون قد أسأنا اليه أيّما إساءة، إذ لم نعرفه حق معرفته، وإن اعتبرنا أنفسنا اتباعاً له.  فهل يمكن أن يكون مبعوثاُ عن الله ثم يسهو أو يهذي، نعوذ بالله؟

إن الحديث عن رسول الله ليس بالأمر اليسير، وهو الذي خضعت له رقاب الملائكة المقرّبين، وباهى خالقُ الكون بخُلقه العظيم، فإن كل ما نقوله في وصفه ليس الاّ بمثابة القطرة في البحر، واننا لم نعرفه قط كما ينبغي.

قال علي عليه السلام في وصف هذا الانسان الفذ، وصفوة الوجود، ووسيط رب العالمين:

“ان الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل ان يخلق السموات والارض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار، وقبل ان يخلق آدم ونوحاً وابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان… وقبل ان يخلق الانبياء كلهم”.

عقيدة السنة في النبي

هذه هي عقيدتنا بالنبي الكريم، وأما عقيدة البعض فهي الهبوط به إلى ادنى من مستوى الانسان العادي، والاستهانة به ونسبة الكذب واللهو والنسيان والهذيان اليه، وهذا والله لا ينطبق على نبيّنا، الذي: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾، والذي وجوده رحمة إلهية ممتدة ظلالها على الخلائق إلى يوم الحشر.

قال احد الحاضرين –وكان شخصاً هادئاً نسبياً- بلهجة تنم عن الشكوى والتذمّر: نحن ايضاً نعتقد بمثل هذه الصفات للرسول، ولا نقول في وصفه بهذا الهراء أبداً، ولكن هل لك أن تخبرنا من أين جئت بهذا الكلام؟ فمن ذا الذي يصف الرسول –والعياذ بالله- بالجهل؟

قلت: من المؤسف أن الوقت ضيّق، وليس أمامي سوى الاشارة إلى بعض الموارد، إن نبيكم يأتيه النسيان أثناء الصلاة فيصلي ركعتين بدل الأربع! وينام في المسجد، وبعد الاستيقاط يصلّي بلا وضوء.

ويسب شخصاً من غير ذنب أو جريرة ارتكبها.  ويُجنب في شهر رمضان ويقضي صلاة الفجر.  وأن النسيان يستولي عليه إلى حد ينسى حتّى القرآن، وأنه سمع في أحد الأيام رجلاً يقرأ القرآن في المسجد، فيقول: رحمه الله ذكرني بآيات كنت قد حذفتها من هذه السورة وتلك!!

ونبيكم يهذي من شدّة المرض إلى حد يقول فيه عمر بن الخطاب:

انه يهجر، فقد قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ائتوني بالكتف والدواة اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده ابداً، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يهجر”.

والا كثر من هذا انكم تصفون النبي بأنه شخص لا يمنعه الحياء من أن يقول لرجل سأله عمن يجامع ثم يكسل هل عليهما الغسل؟

“اِني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل”.

قسماً بالله نحن لا نرتضي لمثل الرسول أن يكون إنساناً عادياً فما بالك بتلك المرتبة الرفيعة.

فجأة تعالت صيحات الإحتجاج: ما هذا الكلام الذي تقول؟ ومتى كانت لنا مثل هذه المعتقدات؟ إنك بقولك هذا تسئ إلى الرسول و…؟

قلت: إهدأوا، فاني لا أسيء إلى الرسول، بل ان عمر بن الخطاب خليفة المسلمين هو الذي وصفه بالهجر، أن صحيحي مسلم والبخاري هما اللذان يتحدثان عنه بمثل هذا الكلام، فأمامكم خياران إما التخلي عن صحاحكم وإما الاعتراف بسوء موقفكم أزاء الرسول.

أليس هذا البخاري هو الذي نقل عن عائشة أنها قالت:

“ان أبابكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وآله متغش بثوبه فانتهرهما أبوبكر فكشف النبي صلى الله عليه وآله عن وجهه وقال: دعهما يا أبابكر فانها أيام عيد….”

انتم تصفون الرسول –والعياذ بالله- بعدم الحياء، فقد ورد عن عائشة أنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتي كاشفاً عن فخذيه او ساقيه فاستأذن أبوبكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسى ثيابه، فلما خرج قالت عائشة دخل أبوبكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة”.

وكتبكم حافلة بمثل هذه الافتراءات على الرسول! فهل تريدون دعوة الناس إلى الاسلام وإلى القرآن بمثل هذا الرسول؟ أي تفكير هذا؟ وما هذا السلوك الخاطئ حيال أكمل انسان على وجه الارض؟

دق جرس الدرس –وللأسف- قبل أن أنهي كلامي، وقد رأيتهم بهتوا والكلمات قد جفّت على شفاههم فصاروا يتمنون من الله أن ينتهي كلامي بأي نحو ممكن وينفضّ اللقاء، ولكن بقي في نفسي شيء إلى اليوم وهو أنني لم استطع التنفيس أكثر عمّا في قلبي.

اللقاء الثالث

الاحد 15 / 10 / 1968

نص الرسول على ولاية علي

صادفني الاستاذ صباح اليوم قبل أن نبدأ لقاءنا حينما كان يهم بدخول الصف، واعتذر كثيراً لما وقع في ذلك اليوم، وقال: لابد أن تأتي اليوم إلى غرفتنا في الوقت المحدد لمواصلة بحثنا، وكن على ثقة بعدم تكرار مثل ذلك الموقف.

قلت له: لم أنزعج أبداً من مجيء اولئك الأشخاص وإحتدام النقاش، بل أرجو من الله أن يشارك في اجتماعنا أشخاص أكثر لمناقشة المواضيع بشكل أفضل، والحصول على فائدة أكثر من هذا الاجتماع، لكنني أمقت الزعيق والكلام الأهوج، ولعل مشاركة نفس اولئك السادة وخاصة ذلك السيد الذي كان زعيقه أكثر من الآخرين –بشرط أن لا يبدر منه أي سلوك مغاير لاصول الحوار- في لقاء هذا اليوم تبدو أفضل؛ لأنني ومع شديد الأسف لم اكمل كلامي يومذاك، وهذا ما أثّر في نفسي.

قال الاستاذ متبسماً: يبدو أنك شديد الثقة بنفسك، وهذا مدعاة للفخر حقّاً، ولكنني على كل حال طلبت منهم عدم المشاركة في لقائنا.

دخلنا الصف، وبدأ الدرس، وبعد ثلاثة دروس اخرى حان موعد الاجتماع فذهبت إلى هناك ووجدت الاستاذ هناك وبيده تفسير القرطبي وهو يطالع فيه الآية الشريفة ﴿انما وليكم الله…﴾ وسررت لأنّني وجدته يبحث عن الحقيقه؛ فقلت له:

هل وجدت هذا التفسير فقط في المكتبة؟

قال: لا، كتب التفسير كثيرة، لكنني أتيت بهذا التفسير لكونه أكثرها أهمية وفائدة، لأرى ما يقول في هذه الآية.

حقاً كيف يفسر جميع المفسّرين أو اشهرهم –على أدنى التقادير- هذه الآية بحق علي كرم الله وجهه، وأنا باعتباري معلماً لدرس الدين أجهلها، فضلاً عن وجوب دراستي لمثل هذا الموضوع في الجامعة على أقل الاحتمالات؟ وكن على ثقة أنني لست وحدي، بل الكثير من علماء السنة لا يعرفون التفسير الصحيح لها.

قلت: أنتم اجيبوا عن هذا السؤال، حقّاً ماذا كان يحصل لو درّسوكم هذه الفضيلة لأمير المؤمنين؟

كيف تتذاكرون جميع هذه الروايات الضعيفة التي لا ينسجم اكثرها حتّى مع العقل بحق سائر الصحابة خاصة المعروفين منهم، ولكن قلما تذكرون اسم علي عليه السلام، مع أن كتبكم حافلة بمناقبه ومآثره وفضائله؟ ولو اننا لم نشأ الاستدلال بالقرآن وتمسكنا بالسنّة فقط، فثمة روايات جمّة في كتبكم تثبت أن رسول الله نصب علياً عليه السلام خليفة له في نصوص صريحة وفي موارد متعددة، هذا فضلاً عن الآيات الكثيرة التي أوّلت بشانه وسنشير اليها لاحقاً بإذن الله تعالى.

قال: اذا أردت تأويل الآيات فلا فائدة من ذلك؛ لأنه مثلما تأوّلوها انتم بالشكل الذي يحلو لكم، فالأخرون يأولونها على نحو مغاير. وهذا لا يحظى بأية قيمة علمية، ولكن إذا كانت هناك حقاً روايات –لا في كتبكم فقط وانما في الكتب المعتبرة وصحاح السنّة- فيها دلالة قطعية على خلافة علي كرم الله وجهه، فلا بأس بالاشارة اليها.

قلت: الروايات في هذا المضمار كثيرة، ولكن من الأفضل أن يقتصر بحثنا على كلمة الولاية، فإني دونت الروايات التي خاطب فيها الرسول علياً بهذه الكلمة، او اشار اليها بها، وها هي الروايات نقرؤها سوية:

نقل احمد بن حنبل في مسنده عن ابن بريدة أنه قال:

“بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله في سرية، قال: لما قدمنا قال صلى الله عليه وآله: كيف رأيتم صحابة صاحبكم؛ قال فإما شكوته أو شكاه غيري، قال فرفعت رأسي… فإذا النبي صلى الله عليه وآله قد احمر وجهه وهو يقول: “من كنت وليّهُ، فعلي وليّه”.

وفي لفظ قال :غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتغير فقال:” يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين قلت بلى قال من كنت مولاه فعلي مولاه “.

وأورد الترمذي في صحيحه خبراً مشابهاً لهذا ولكن بتفصيل اكثر، ذكر في ذيله ما يلي:

فأقبل اليه رسول الله صلى الله عليه وآله والغضب يعرف في وجهه فقال: “ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، ما تريدون من علي؟ إن عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن من بعدي”.

حديث غدير خم.

وخلاصته كما يلي:

سار رسول الله في السنة العاشرة للهجرة إلى بيت الله الحرام لاداء الحجة التي سميت بحجة الوداع، لأنها آخر حجة أداها رسول الله، ذكر بعضهم أن الحاج كانوا تسعين ألفاً، وقال آخرون انهم كانوا مائة وعشرين.

ولما أدى الرسول مناسك الحج وعزم على العودة إلى المدينة، وصل في يوم الخميس 18 من ذي الحجة إلى موضع يسمى “غدير خم” والمثير هنا أن هذا الموضوع كان يمر به جميع الحجاج السائرون نحو المدينة ومصر والعراق، ومنه تتفرع الطرق.

وفي هذا الموضوع نزل جبرئيل الأمين على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية الشريفة:

﴿يا ايها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾،

وأمره أن يقيم علياً علماً للناس ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد وكان اوائل القوم قريباً من الجحفه، فأمر رسول الله أن يرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، حتى اذا نودي بالصلاة ( صلاة الظهر) صلى بالناس، وكان يوماً هاجراً (حارا) ، وظلل رسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فلما انصرف صلى الله عليه وآله من صلاته ، قام خطيباً وسط القوم فقال:

“ايها الناس أنبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله، وإني أوشك أن أُدعى فأُجيب، وإني مسؤول وأنتم مسوؤلون فماذا أنتم قائلون؟ قال: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً، قال: ألستم تشهدون أن لا اله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنّته حق وناره حق وان الموت حق وأن الساعه آتيه لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أيها الناس ألا تسمعون؟ قالوا: نعم.

قال: فإني فرطٌ على الحوض وأنتم واردون عليّ الحوض… فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين، فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الثقل الاكبر كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر عترتي، وأن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون، فقال:

أيها الناس من اولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا اولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات (وفي لفظ أحمد امام الحنابلة أربع مرات) ثم قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه وأحبّ من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل في خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغايب ثم لم يتفرقوا حتى نزل امين وحي الله بقوله تعالى:

﴿اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: “الله اكبر على إكمال الدين واتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي”.

فأقبل القوم على علي عليه السلام يهنئوه، يقدمهم الشيخان أبا بكر وعمر وهما يقولان: “بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنه”.

فاستأذنه حسان بن ثابت الشاعر المعروف لالقاء قصيدة، فقال له:

قل على بركة الله:

فأنشد حسان قصيدته الشهيرة:

يــناديهم يــوم الغــدير نـبيّهم بخـم فـاسمع بـالرسول مـنادياً

فـقال فـمن مـولاكـم ونــبيّكم فقالوا ولم يــبدو هـناك التعاميا

الهك مـــولانا وانت نـــــبيّنا ولم تلق منا في الولاية عـاصياً

فـقال له قــم يـا عـلي فــاننّي رضيتك من بعدي اماماً وهادياً

فـمن كنت مـولاه فـهذا وليّهُ فكونوا له اتباع صــدق مــواليا

هــناك دعــا: اللهم وال وليّه                                 وكــن للذي عـادى علياً معـادياً

هذه خلاصة قصة غدير خم حيث نزلت –يومذاك- آيتان بشأن علي عليه السلام، وقد ذكره رسول الله صلى الله عليه واله بهذه المواصفات.  لاحظوا إن الرسول جمع الناس في حجة الوداع في ذاك اليوم الحار، وامر باعادة من ذهب واستشهد الناس على ولاية ووصاية علي، ولم يكتف بهذا بل وطلب من الناس ايضاً –كما جاء في رواية- تهنئته، فتوارد عليه الناس فوجاً فوجاً يهنئونه، وكان في مقدمتهم ابوبكر وعمر.

الاستاذ: من المؤكد ورود هذه الرواية بمثل هذا التفصيل في كتب الشيعة؟

قلت: لو إنني نقلت لك من كتب الشيعة، لما كانت لها اهمية بالنسبة لك.  ولكن ما يسترعي الانتباه هو أن رواية الغدير نقلها 110 صحابياً و84 تابعياً، وأوردها 360 من ائمة الحديث والتفسير في كتبهم.

اخذته الدهشة من هذه الارقام، فضرب بيده على رأسه وقال: اذن فكيف يتعرضون للقضايا الاخلاقية فقط في حجة الوداع، ولا يشيرون إلى هذه القضية لا من قريب ولا من بعيد؟ لا أدري هل أنتم الصادقون أم نحن؟ أحقاً تقول: أن أبابكر وعمر هنّئا علياً في ذلك اليوم، وهل لك أن تذكر لي المصادر؟

قلت: مصادر رواية الغدير هي كالآتي:

مسند احمد بن حنبل 4: 281.

الملل والنحل، للشهرستاني.

مناقب الخوارزمي: 94.

التفسير الكبير، فخر الدين الرازي 3: 636.

النهاية، ابن الاثير 4: 246.

تفسير الطبري 3: 428.

الخطيب البغدادي: 232 (نقلاً عن ابي هريرة).

سر العالمين، حجة الاسلام الغزالي: 9.

كفاية الطالب، كنجي الشافعي: 16.

10.     تذكرة الخواص، ابن الجوزي: 18.

اما المواضيع الأخلاقية التي أشرت اليها، فقد وردت في خطبة حجة الوداع لكن لا في غدير خم، وانما في يوم عرفة.  حيث لم تكن وصاياه صلى الله عليه وآله وصايا جديدة، بل هي نفس الوصايا الدائمة لرسول الله صلى الله عليه وآله التي صّرح بها في مواقف مختلفه، وأكّد عليها في ذلك اليوم.

الاستاذ: هل قصة الغدير التي ذكرتها كلها في المصادر السنية، أم نقلتمن مصادر اخرى ايضاً؟

قلت: كان هدفي نقل قصة الغدير وهذه القصة وردت طبعاً في كتب الحديث والتفاسير المختلفة، ونقلت عن رواة مختلفين، لكن بعضهم أوردها تفصيلياً، فيما نقل البعض الآخر قسماً منها.  وعلى كل حال فإن جميع ما اشرت اليه ورد في الكتب المعتبرة عند اهل السنة.

واشير هنا إلى ثلاثة موارد فقط جئت بمصادرها معي، وهي:

نقل الامام النسائي في خصائصة عن زيد بن ارقم، ما يلي:

“لما رجع النبي “ص” من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثم قال: كأني دعيت فأجبت واني تارك فيكم الثقلين احدهما اكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فأنظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم إنه أخذ بيد علي فقال: من كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فقلت –أبو الطفيل- لزيد: سمعته من رسول الله “ص”؟ فقال: وإنه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأذنيه”.

نقل الامام احمد بن حنبل في مسنده عن زيد بن ارقم:

“نزلنا مع رسول الله “ص” بواد يقال له وادي خم فأمر بالصلاة، فصلاها بهجير، قال: فخطبنا وظلل لرسول الله “ص” بثوب على شجرة سمرة من الشمس فقال: ألستم تعلمون أولستم تشهدون اني اولى بكل مؤمن من نفسه، قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فان علياً مولاه، اللهم عاد من عاداه ووال من والاه”.

نقل الطبراني في معجمه الكبير عن جرير قال:

“شهدنا الموسم في حجة مع رسول الله صلى الله عليه واله وهي حجة الوداع، فبلغنا مكاناً يقال له غديرخم، فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والأنصار، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسطنا فقال: يا ايها الناس بم تشهدون؟ قالوا: نشهد ان لا اله إلاّ الله، قال: ثم مَهْ؟ قالوا: وان محمداً عبده ورسوله، قال: فمن وليكم؟ قالوا: الله ورسوله مولانا، قال: من وليّكم؟ ثم ضرب بيده على عضد علي رضي الله عنه فأقامه فنزع عضده فأخذ بذراعيه فقال: من يكن الله ورسوله مولياه فإن هذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، اللهم من أحبّه من الناس فكن حبيبه ومن أبغضه فكن له مبغضاً”.

قال الاستاذ: خطر الآن على ذهني سؤال، وهو أن الإمام علي إذا كان يعلم أن الحق له، وأن الخلافة –على قولكم- تنصيب من الله لا من الناس، وأن الرسول اكد عليها في مواقف شتى، فلماذا بايع أبابكر وتغاضى عن حقّه مادام يرى نفسه هو الأفضل؟ ومن المؤكد أنه بتلك الشجاعة التي كان يتحدث بها القاصي والداني حيث لم يكن يخشى أحداً إلاّ الله، فما الذي منعه من الذود عن حقّه؟

دق جرس الدرس في هذه اللحظة، وأوكل الجواب إلى اللقاء التالي.

اللقاء الرابع

الاربعاء 18 /10 / 1968

لماذا لم يدافع علي عن حقه؟

بعد نهاية لقاء ذلك اليوم ، ذهبت إلى المنزل وكنت افكر في جواب لهذا السؤال وهو: انه لماذا لم يدافع علي عن حقّه؟ ولماذا لم يقاتل من أنكروا خلافته؟ مع أنه كان أشجع الشجعان، وهو الذي يقول: “والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت اليها”.

وبذلك وجدت الجواب في كلام الامام عليه السلام.

بدأ الآن لقاء الاربعاء 18 /10 / 1968 بعد تبادل التحية والسلام وتذاكر مناقشة الاسبوع المنصرم، أجبت عن سؤال الاستاذ بالقول:

لقد قلتَ: لِمَ لم يدافع عليّ عن حقّه وهو يعلم أنّ الخلافة حقّه الذي لامراء فيه، وهذا الحقّ –على حدّ قولكم- منحه الله إياه ولم يأته بذلاً أو هبة من أحد حتّى يبذله أو يهبه لغيره؟ وأقول في معرض الاجابة عن سؤالكم هذا: إنّ عليّاً لم يتغاض عن حقّه قطّ، بل كان يذود عنه حتّى اليوم الأخير، ولكنه إن لم يكن قد نهض فقد كانت له أسبابه.  ولابد من إلقاء نظرة على طبيعة الأوضاع السياسية يومذاك لأجل الوقوف على حقيقة الأمر.

من الواضح أن علياً لم يكن طالب زعامة، ولم يكن همّه نيل الرئاسة

لعّدة أيام، ولا كان متعطّشاً للسلطة، وحتى حينما آلت إليه الخلافة قال لعبدالله بن عباس عندما دخل عليه وهو يخصف نعله: “ما قيمة هذا النعل؟ فقال ابن عباس: لا قيمة لها، فقال: والله لهي أحب اليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقّاً او أدفع باطلاً” اذن فهو لم يكن متلهفاً للخلافة، ولم يكن ليغضب أو يثير ضجّه أو يحدث فتنة، بل كانت غايته الوحيدة خدمة الدين وأهله.  ولو كان يعلم أن في هذه النهضة خدمة للدين اكثر لما أبطأ عنها.  ولكن لو لم يتحقق الغرض الذي يرمى اليه –لا سمح الله- عبر اسلوب النهضة، فليس من شك أن مثل هذه النهضة لا أهمية لها عنده.

2.اذا كان المراد هو معارضة الحكم آنذاك وعدم مبايعته، فهذا هو ما فعله علي؛ فهو قد رفع لواء المعارضة وأعلن جهاراً أن الخليفة غاصب لهذا المنصب، هذا في وقت كان فيه عمر بن الخطاب حاملاً السوط في يده ويهدد المعارضين، ولكن علياً ما كان يخشى السوط، بل ولا حتّى القتل في سبيل الحق، لهذا أعلن عن معارضته، وإنه لم يقف هذا الموقف وحده، وإنما وقف إلى جانبه رؤساء المهاجرين والأنصار وكبار الصحابة وأتباع الحق أيضاً.

قال الاستاذ: هل لك أن تخبرني مَن هم الذين عارضوا غير علي وأهل بيته؟

معارضة الصحابة للسقيفة

من جملة الصحابة الذين عارضوا السقيفة: العباس بن عبدالمطلب، وأبوذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والمقداد بن الأسود الكندي، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وخزيمة ذو الشهادتين، وعبادة بن الصامت، وأبوهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وأخوه عثمان بن حنيف، وأبو ايوب الأنصاري وغيرهم ممّن لا تحضرني أسماؤهم في الوقت الحاضر.  ومن الطبيعي أن هذا العدد من أكابر قريش والصحابة يكفي لإلقاء الشكوك والشبهات، وهؤلاء –على كل حال- قد سمعوا رسول الله مرّات عديدة يوصي بالخلافة لعلي من بعده.

وقف سهل بن حنيف بكل جرأة أمام أبي بكر وعمر وسائر الصحابة وقال:

“يا معاشر قريش اشهدوا على اني اشهد على رسول الله صلى الله عليه وأله وقد رايته في هذا المكان –يعني الروضة- وهو آخذ بيد علي بن ابي طالب عليه السلام وهو يقول: ايها الناس هذا علي امامكم من بعدي، ووصيي في حياتي وبعد وفاتي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي، وأول من يصافحني على حوضي، فطوبى لمن تبعه ونصره، والويل لمن تخلف عنه وخذله”.

ثم قام ابو ايوب الانصاري فقال: “اتقوا الله عبادالله في اهل بيت نبيكم وردوا اليهم حقهم الذي جعله الله لهم…”.

وأيضاً وكما جاء في كتب التاريخ أن سلمان وأباذر ومقداد وعمّار تحدّث كل واحد منهم وأعلن بكل شجاعة وقوفه إلى جانب علي، ولكن للأسف كان العدد قليلاً جداً، ولم يكن باستطاعة علي النهوض بهذا العدد، ولذلك بقي جليس داره ثلاثة أشهر أو ستة أشهر احتجاجاً على الوضع القائم آنذاك واختار العزلة إلى أن توفيت الزهراء سلام الله عليها؛ وبعد ذلك طرأت أوضاع جديدة وأخذ عليه السلام يماشي الحكومة حفاظاً على مصالح الاسلام.

3. كان هدفه عليه السلام من المعارضة هو بقاء القضية محصورة في نطاق عاصمة المسلمين وعدم سريانها إلى سائر الامصار.  فإن طالب بحقه في الخلافة فانما يطالب لأجل السير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن لا تنحرف المسيرة عن النهج الذي اختطّه الرسول، لكنه لما رأى المعارضة امتدت خارج نطاق العاصمة وسرت خارج المدينة، وان البعض قد انبرى للمعارضة لا مِن أجل الدين ولكن بهدف القضاء على الإسلام والقرآن، وأن الحكومة الاسلامية تسير نحو الضعف، ورأى من جهه اخرى أن المنافقين والمرتدين يتربصون للقضاء على الإسلام ويخرجون كل يوم بنغمة جديدة؛ أدرك ضرورة الكفّ عن المعارضة فتغاضى عن حقّه وآثر الصمت، وهذا الإيثار غير مستبعد من علي عليه السلام وهو أنبل من آثر في سبيل الله.

ادرك علي عليه السلام أنه إذا واصل معارضته ، فثمة احتمال كبير بإرتداد الناس عن الدين وزوال الحكومة الاسلامية، وهذا ما دفعه إلى اختيار الصمت ازاء حقّه، وليس هذا فحسب بل وقف هذه المرّة إلى جانب أبي بكر في صراعه ضد أعداء الإسلام، وألحق بهم الهزيمة.

الاستاذ: من هم الذين رفعوا لواء المعارضة لأجل اهوائهم الخاصّة؟

هم مسليمة الكذاب وقومه في اليمامة، وطليحة بن خويلد، وقبيلة بني غطفان، وقبيلة طي، وكنانة، والكثير من الأعراب الذين شعروا بضعف الحكومة الاسلامية فأعلنوا عن تمرّدهم.

ولا يخفى أن بعض المؤمنين مثل مالك بن نويرة وقبيلته امتنعوا عن دفع الزكاة لعمال أبي بكر لعلمهم بمعارضة علي لحكومته، اي أن موقفهم المناصر للحق ولعلي دعاهم إلى عدم دفع الزكاة لأبي بكر، وأنهم في الحقيقة لم يرتدوا كما جاء في بعض المصادر التاريخية، وهذا ما يمكن بحثه في موضعه المناسب، ونحن الآن لسنا بصدد بحثه.

وعلى كل حال فإن الامام علي عليه السلام الذي ليس لديه شيء أعز وأغلى من الإسلام، عارض الحكومة آنذاك من اجل الإسلام.

ثم إنه سايرها لأجل الإسلام ولصيانة البلد الاسلامي، ووقف إلى جانبها في صراعها المباشر وغير المباشر ضد المرتدّين والمعارضين من امثال مسليمة وطليحة والقبائل الاخرى، قال عليه السلام في هذا المضمار:

“… فلما مضى صلى الله عليه وآله تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلق في روعي، ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده –صلى الله عليه وآله- عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنَحّوه عني من بعده! فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن ارى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ اُعظم من فوت ولا يتكم التي إنما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه”.

لاحظت اذن ان الإمام علي عليه السلام كفّ عن المطالبة بحقّه حفاظاً على اساس الدين، وليس لأنه لم يكن يبغي الثورة، أو أنه كان يخشاها.

لقد وجد الإمام نفسه تحت ضغوط شديدة نتيجة الهجمة الاعلامية الموسّعة التي شنّوها ضد معارضة النظام القائم، أي إنه إذا كان يريد المطالبة بحقّه –الذي هو حق الهي لا يجوز السكوت عنه- لقالوا أن علياً يطمع في الحكومة، ولو أنه اختار الصمت لقيل أن علياً يخشى الموت، ولهذا لم يجد أمامه مناصاً سوى السكوت والصبر كصبر من في حلقه شجى وفي عينه قذى.

قال في الخطبة الثالثة من خطب نهج البلاغة وهي الخطبة المعروفة بالشقشقية متحدثاُ عن ذلك:

“أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحّافة، وإنّه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل ولا يرقى اليّ الطّير، فسدّلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً، وطّفقت أرتئي بين أن اصول بيد جذّاء أو أصبر على طخيّة عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهباً، حتّى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده. ثم تمثل بقول الأعشى:

شتّان ما يومى على كورها ويوم حـيّان أخـي جـابر

فيا عجباً، بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشّدما تشطّرا ضرعيها فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها والإعتذار منها.  فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خَرَم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس –لعمر الله- بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة”.

اجل! لقد أدرك علي عليه السلام منذ اليوم الأول الذي واجه فيه ضغطاً من عمر بن الخطاب لمبايعة أبي بكر، كنه دوافعهما؛ فالتفت إلى عمر وقال:

“احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً”.

الاستاذ: هل قولك أن عمر بن الخطاب ضغط على علي لأجل أن يبايع مستقى من مصادر تاريخية أم أنك تذكر ذلك من باب الاحتمال؟

-لا اُريد التحدّث كثيراً في هذا الموضوع، لأن الأحداث التي وقعت تثير في الانسان مشاعر الحزن والأسى، ولعل الوقت لازال مبكراً للخوض في مثل هذه القضايا، أو لعلك غير قادر –مع شديد الاعتذار- على تحمل الكثير من هذه الحقائق؛ لأننا إذا راجعنا التاريخ المظلم لوقفنا على مدى الظلم والجور الذي جرى على علي والزهراء وربّما لم يشهد عليّ طوال حياته مثل هذه المحنة العصيبة، خاصة بعد ما لزم داره فأمرابن الخطاب بإضرام النار في الباب ليحترق من فيها، أو يأتون ويبايعون أبابكر، ولما قيل لعمر أن في الدار فاطمة، قال: “وإن” ومع الغض عن الأحداث التاريخية فإنَّ عليّاً نفسه قد صرّح بهذا الأمر، إذ قال في ردّه على كتاب معاوية:

“… وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى اُبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه ولا مرتبكاً بيقينه”.

نعم! إن علياً مع ما عرف به من شجاعة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، لم يذهب بنفسه إلى المسجد للبيعة من أجل إبراز مظلوميته وإعلان معارضته للسلطة الحاكمة آنذاك، إلى أن اقتادوه بالإكراه وأرغموه على البيعة.  بل أغلق على نفسه باب داره ولم يحضر محافلهم إلى أن أحسّ بالخطر يهدد الاسلام، فبرز حينها إلى الميدان وجنّد نفسه –كما هو شانه دائماً- للدفاع عن دين الله، فأبدى هذه المرة مزيداً من الاستعداد لحل المشكلات والمعضلات العلمية التي كان يتوقّف عندها الخلفاء، ويعجزون عن رد الشبهات، فكان يذبّ عن حياض الاسلام، ويعلّم الناس الأحكام وينشر نداء الدين الاسلامي الحنيف، ويدوّن الأحاديث عن طريقها الصحيح ومصدرها الأصيل، ويجمع القرآن ويفسّره.

وإن كان الناس قد تجاهلوا الروايات –التي لا يحصى عددها- الواردة عن الرسول في ولاية علي، فهم لم يكونوا قادرين على تجاهل علمه، ولهذا كانوا يلتجئون إليه ويعرضون عليه مسائلهم، وما كان الخلفاء يشعرون بأي خطر من هذه الناحية ،لأن علياً كان منهمكاً بالقضاء والفتوى، ولا شأن له بالسياسة، وهذا ما جعل عمر يقول في مواقف شتّى: “لولا علي لهلك عمر”.

وأعلن عدّة مرات:

“لا يفتي أحدكم وعلي حاضر”.

الاستاذ: هل بالامكان ذكر حالة أو حالتين من رجوع الخلفاء إلى علي؟

لولا علي لهلك عمر

أتى عمر بن الخطاب بإمرأة حامل اعترفت بالفجور، فأمر برجمها، فتلقّاها علي عليه السلام فقال: ما بال هذه؟

قالوا: امر عمر برجمها.

فردّها علي وقال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها ولعلك انتهرتها او أخفتها؟

قال عمر: قد كان ذلك.

قال: أو ما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا حدَّ على معترف بعد بلاء، انّه من قُيّد أو حبس أو تهدد فلا إقرار له.

فخلّى سبليها، وقال:

“عجزت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب؛ لولا علي لهلك عمر”.

وجاءت في مصدر اخر قصّة اخرى مفادها:

أن علياً عليه السلام دخل على عمر وإذا بإمرأة حبلى تقاد للرجم، فقال: ما شأن هذه؟

قالت: يذهبون بي ليرجموني.

فالتفت علي لعمر وقال: لأي شي ترجم؟ اذا كان لك سلطان عليها، فما لك سلطان على ما في بطنها.

قال عمر: كل أحد أفقه منّي، قالها ثلاث مرات.

فضمنها عليّ حتّى ولدت غلاماً ثم ذهب بها إليه فرجمها.

تلاحظون هنا أن حكم الرجم قد صدر لأنها اعترفت بذنبها من غير ضغط أو تعذيب، ولكن بما أنها كانت حاملاً، فقد أرجئ الحكم إلى أن وضعت حملها.

روي ان عمر اراد رجم المرأة التي ولدت لستة اشهر.

فقال له علي ان الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾.

وقال تعالى: ﴿وفصاله في عامين﴾.

فالحمل ستة اشهر، والفصال عامين.

فترك عمر رجمها وقال: “لولا علي لهلك عمر”.

وحسب رواية ابن الجوزي ان ابن الخطاب قال:

“لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن”.

لا بقيت بعد علي

روي ان رجلين أتيا امرأة من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا لها: لا تدفعيها إلى أحد منّا دون صاحبه حتّى نجتمع.

فلبثا حولاً ثم جاء أحدهما إليها، وقال: ان صاحبي قد مات، ادفعي لي الدنانير، فأبت. فثقل عليها باهلها فلم يزالوا بها حتّى دفعتها اِليه، ثم لبث حولاً آخر، فجاء الآخر فقال: ادفعي اليَّ الدنانير.  فقالت: ان صاحبك جاءني وزعم انك قد مُتَّ فدفعتها اِليه.

فاختصما إلى عمر فاراد ان يقضي عليها.

فقالت: انشدك الله ان لا تقضي بيننا وارفعنا إلى علي بن ابي طالب.

فرفعها إلى علي فعرف انهما قد مكرا بها.

فقال: اَليس قلتما لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه؟

قال: بلى.

قال: فان مالك عندنا فاذهب فجئ بصاحبك حتى ندفعه اليكما.

فذهب الرجل ولم يعد.

ولما علم عمر بقضاء علي بينهما قال:

“لا ابقاني الله بعد ابن ابي طالب”.

لا أبقاني الله لشدّة ليست لها

عن ابن عباس قال: وردت على عمر بن الخطاب واردة قام منها وقعد، وتغيّر وتربّد، وجمع لها اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فعرضها عليهم وقال: اشيروا عليّ، فقالوا جميعاً: يا أمير المؤمنين أنت المفزع، وأنت المنزع، فغضب عمر وقال: اتقوا الله، وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم، فقالوا يا أمير المؤمنين ما عندنا مما تسأل عنه شيء، فقال: أما والله إني لأعرف أبا بجدتها وابن بجدتها وأين مفزعها وأين منزعها، فقالوا: كأنك تعني ابن أبي طالب، فقال عمر: لله هو، وهل طفحت حرة بمثله، وأبرعته، إنهضوا بنا اليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين أتصير اليه يأتيك، فقال: هيهات هناك شجنة من بني هاشم، وشجنة من الرسول وإثرة من علم يؤتى لها ولا يأتي، في بيته الحكم، فاعطفوا نحوه، فألفوه في حائط له وهو يقرأ: ﴿أيحسب الانسان أن يترك سدى﴾ ويردها ويبكي، فقال عمر لشريح: حدّث أبا حسن بالذي حدثتنا به، فقال شريح: كنت في مجلس الحكم فأتي هذا الرجل فذكر أن رجلاً أودعه امرأتين، حرّة ومهيرة وام ولد، فقال له: أنفق عليهما حتى اقدم فلما كان في هذه الليلة وضعتا جميعاً، احداهما ابناً والاخرى بنتاً، وكلتاهما تدّعي إلابن وتنتفي البنت من أجل الميراث، فقال له: بم قضيت بينهما؟ فقال شريح: لو كان عندي ما أقضي به بينهما لم آتك بهما فأخذ علي تبنة من الارض فرفعها، فقال:

ان القضاء في هذا أيسر من هذه، ثم دعا بقدح فقال: لاحدى المرأتين: إحلبى فحلبت، فوزنه ثم قال للاخرى إحلبي: فحلبت، فوزنه فوجده على النصف من لبن الاولى، فقال لها: خذي أنت ابنتك، وقال للاخرى: خذي أنت ابنك، ثم قال لشريح: أما علمت أن لبن الجارية على النصف من لبن الغلام: وأن ميراثها نصف ميراثه، وأن عقلها نصف عقله، وأن شهادتها نصف شهادته، وأن ديتها نصف ديته، وهي على النصف في كل شيء، فأعجب به عمر إعجاباً شديداً، ثم قال: أبا حسن لا أبقاني الله لشدة لست لها، ولا في بلد لست فيه.

لولا علي لهلك عثمان

نقل الحافظ العاصمي في كتابه “زين الفتى” عن أبي بكر محمد بن إسحاق ان رجلاً أتى عثمان وهو خليفة وبيده جمجمة إنسان ميّت فقال: انكم تزعمون النار يعرض على هذا وانه يعذب في القبر، وانا قد وضعت عليها يدي فلا احسّ منها حرارة النار. فسكت عنه عثمان وارسل إلى علي بن ابي طالب المرتضى يستحضره.  فلما أتاه وهو في ملأ من اصحابه قال للرجل: اعد المسألة.  فاعادها ثم قال عثمان بن عفان: اجب الرجل عنها يا أبا الحسن.  فقال علي: ايتوني بزند وحجر.  والرجل السائل والناس ينظرون اِليه.  فأتي بهما فأخذهما وقدح منهما النار.  ثم قال للرجل: ضع يدك على الحجر، فوضعها عليه.  ثم قال: ضع يدك على الزند، فوضعها عليه.  فقال: هل احسست منها حرارة النار.  فبهت الرجل.

فقال عثمان: لولا علي لهلك عثمان.

لا أبقاني الله في قوم لست فيهم

عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: حججنا مع عمر بن الخطاب فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال اني اعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قبلك ما قبلتك، ثم قبّله، فقال له علي بن ابي طالب: بلى يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع، ثم قال: قال الله عزّ وجلّ:

﴿واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾.

خلق الله آدم  ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب وأنهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال له: افتح فاك، ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة واني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يؤتى بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد فهو يا امير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: اعوذ بالله أن اعيش في قوم ليست فيهم يا أبا الحسن”.

الرجل الذي يحب الفتنة ويبغض الحق

لقي حذيفة بن اليمان عمر بن الخطاب، فقال له عمر:

كيف اصبحت يا ابن اليمان؟

قال: كيف تريدني اصبح، اصبحت والله اكره الحق واحب الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير المخلوق، واصلي على غير وضوء، ولي في الارض ما ليس لله في السماء، فغضب عمر لقوله، وانصرف من فوره، وقد أعجله أمر وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك، فبينما هو في ذلك الطريق إذ مرّ بعلي بن ابي طالب، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر؟ فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته كيف أصبحت، فقال: اكره الحق، فقال: صدق، يكره الموت وهو حق، فقال: يقول: وأحب الفتنة، فقال: صدق، يحب المال والولد، وقد قال الله تعالى ﴿انما اموالكم واولادكم فتنة﴾، فقال: يا علي يقول وأشهد بما لم أره، فقال: صدق يشهد لله بالوحدانية والموت والبعث والقيامة والجنة والنار والصراط ولم ير ذلك كله، فقال: يا علي وقد قال: انني احفظ غير المخلوق، قال: صدق، يحفظ كتاب الله تعالى القرآن وهو غير مخلوق، قال: ويقول: اصلي على غير وضوء، فقال: صدق يصلي على ابن عمّي رسول الله صلى الله عليه وآله على غير وضوء، والصلاة عليه جائزة، فقال: يا أبا الحسن قد قال اكبر من ذلك، فقال: وماهو؟ قال: قال: إن لي في الارض ما ليس لله في السماء، قال: صدق، له زوجه وتعالى الله عن الزوجة والولد، فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن ابي طالب.

ردوا الجهالات إلى السنّة

أتي عمر بامرأة قد نكحت في عدّتها، ففرق بينهما وجعل مهرها في بيت المال، وقال لا يجتمعان ابداً.

فبلغ علياً فقال: ان كان جهلا، فلها المهر بما استحل من فرجها ويفرق بينهما فاذا انقضت عدّتها فهو خاطب من الخطاب.

فخطب عمر وقال: ردوا الجهالات إلى السنّة.  فرجع إلى قول علي.

نلاحظ هنا ان عمر بعد ما ارتكب خطأًً فادحاً واخذ مهر تلك المرأة وجعله في بيت المال وعاقبهما بالجلد، اعترف بوجوب استقاء الاحكام من المصدر الأصيل لسنّة رسول الله، واخذ الحكم عن علي.

يا علي! أغث الاسلام

لما ولى عمر بن الخطاب الخلافة ، اتاه قوم من أحبار اليهود فقالوا له: يا عمر أنت ولي الأمر بعد محمد صلى الله عليه وآله وصاحبه واننا نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها علمنا أن الاسلام حق وأن محمدا كان نبياً وان لم تخبرنا به ،علمنا أن الاسلام باطل وأن محمدا لم يكن نبيا.

فقال: سلوا عما بدالكم.

قالوا: أخبرنا عن أقفال السموات ما هي؟ وأخبرنا عن مفاتيح السموات ما هي؟

وأخبرنا عن قبر صار بصاحبه؟ وأخبرنا عمن أنذر قومه لا هو من الجن ولا هو من الأنس؟ وأخبرنا عن خمسة أشياء مشوا على وجه الأرض ولم يخلقوا في الارحام؟

قال فنكس عمر رأسه في الأرض.

ثم قال لا عيب بعمر إذا سئل عما لا يعلم ان يقول لا أعلم وأن يسأل عما

لا يعلم.

فوثب اليهود وقالوا نشهد أن محمداً لم يكن نبيا وأن الاسلام باطل!!

فوثب سلمان الفارسي وقال لليهود قفوا قليلا ثم توجه نحو علي بن أبي طالب عليه السلام حتى دخل عليه فقال يا أبا الحسن أغث الاسلام فقال وما ذاك فأخبره الخبر فأقبل يرفل في بردة رسول الله صلى الله عليه وآله فلما نظر اليه عمر وثب قائما فاعتنقه.

وقال: يا أبا الحسن أنت لكل معضلة وشدة.

فدعا علي اليهود فقال سلوا عما بدا لكم فان النبي صلى الله عليه وآله علمني الف باب من العلم فتشعب لي من كل باب الف باب .

فسألوا عنها.

فقال علي عليه السلام: ان لي عليكم شريطة إذا أخبرتكم كما في توراتكم دخلتم في ديننا وآمنتم فقالوا نعم.

فقال: سلوا عن خصلة خصلة.

قالوا: أخبرنا عن أقفال السموات ما هي؟

قال: أقفال السموات الشرك بالله لان العبد والامة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما عمل.

قالوا: فأخبرنا عن مفاتيح السموات ما هي؟

قال: الشهادة ان لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويقولون :صدق الفتى.

قالوا: فأخبرنا عن قبر صار بصاحبه؟

فقال: ذلك الحوت الذي التقم يونس بن متى، فسار به في البحار السبع.

فقالوا: أخبرنا عمن أنذر قومه لا هو من الجن ولا هو من الإنس؟

قال: هي نملة سليمان بن داود قالت يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون.

قالوا: فأخبرنا عن خمسة مشوا على الارض ولم يخلقوا في الارحام؟

قال: ذلكم آدم وحواء وناقة صالح وكبش ابراهيم وعصى موسى.

وان اليهود أظهروا الشهادتين باللسان، واعترفوا بأن علي أعلم جميع الامة.

ونظير هذه القصة، قصص كثيرة أُخرى وقعت في عهد عمر، اذ كثيراً ما أوقعه اليهود والنصارى في مواقف محرجة مثل هذه الاسئلة المحيّرة.  وقد انبرى علي بن ابي طالب عليه السلام في جميع المواقف المذكورة للذبَّ عن الاسلام والقرآن والرسول وقدّم لهم الاجابات الوافية بحيث أسلم على أثرها اكثرهم.  وامثال هذه القصص وردت في كتب مختلفة مثل “مناقب الخوارزمي” وكتاب “زين الفتى” للحافظ العاصمي. الا اننا نكتفي هنا بهذا القدر منها.

اللقاء الخامس

          الاحد 22 /10 / 1968

العلاقة بين العلم وولاية الأمر

عقّب الاستاذ اليوم في بداية اللقاء على حديث الاسبوع الماضي قائلاً:

إن ما نقلته في الاسبوع الماضي عن علم وحكمة علي، موضع اجماع السنّة والشيعة ولا أحد ينكر غزارة علم علي، ولكن غزارة العلم لا توجب تصديه لمنصب الخلافة ليكون الآخرون تبعاً له.

ألم تقل أن الخلفاء كانوا يرجعون اِليه في المعضلات، واعترف عمر في موارد متعددة بغزارة علم علي، وكان يستنجد به في بعض المواقف، فإن هذا وحده كاف لصيانة الحكومة الاسلامية في الشدائد، فما هي الضرورة الداعية لأن يكون خليفة المسلمين عالماً بجميع الأحكام والمسائل؟

إن المطلوب من الخليفة إدارة امور البلاد على أفضل نحو ممكن، وقد أدى عمر أيضاً هذه المهمة بنجاح.

ومن الطبيعي أن صفة العلم التي كان يتمتع بها علي، كان تعد فضيلة كبرى له من غير شك، إلاّ أنها لا تمثل دليلاً على أحقّيته بخلافة المسلمين.

قلت:

أولاً: إن فضائل علي لا تقتصر على العلم، إذ كان متمّيزاً ومتفوقاّ على الآخرين في جميع الصفات والكمالات، ولم يكن قد حاز قصب السبق في علمه حسب، بل في سائر صفاته من قبيل شجاعته، وزهده، وورعه، وتقواه، وحبه للخير، وسخائه، وشهامته، وايثاره بل وكان يتّصف بالكمال في جميع الصفات التي كانت لدى الآخرين جزءا منها .

وهو من لم يعرفه إلاّ الله ورسوله. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم :

“ يا علي لا يعرف الله إلا أنا و أنت و لا يعرفني إلا الله و أنت ، ولا يعرفك إلا الله و أنا”

ثانياً: حينما يثبت أن شخصاً ما بلغ أسمى وأرفع مراحل الكمالات والاخلاق والصفات الانسانية الأخرى؛ من المؤكّد أن سياسته وإدارته للأمور تكون أفضل من الآخرين أيضاً.  فهو وارث علم رسول الله، وهو باب مدينة علم رسول الله، ونور عين رسول الله وأخوه، وهو الذي نصَّ رسول الله في مواقف متعددة على ولايته ووصايته وخلافته، وهو من غير شك أولى من الآخرين بهذا الامر.

ثالثاً: إن العقل يحكم فيما لو كان بين الناس رجل أفضل من الآخرين من كل جانب، سيما إذا كان من الوجهة العلمية مقدّم على سائر أبناء الامّة، فهو الذي يجب أن يتصدّى للحكومة وولاية الامر.

أقول: لو لم يأت عن الرسول نصّ في الولاية لعلي، لكانت غزارة علمه لوحدها كافية لدفع كبار القوم لتسليم زمام الامور بيده؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم:

﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾.

رابعاً: جاء في نص القرآن الكريم أن مَن له مِن العلم ما يستطيع به أن يهدي الناس، ويوجههم إلى طريق الحق ويخرجهم من متاهات الجهالة، أحق أن يتّبع ويطاع ممن يهدى، أو من هو في المستوى العادي من حيث العلم ومعرفة الحق.

قال تعالى في محكم كتابه:

﴿أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبع أمّن لا يهدِّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون﴾.

إذن يتعيّن على الناس التوجه إلى علي والانقياد له، لا إلى من يدعى العلم وهو لا يعلم حكم “الكلالة”.  أو حينما يسأل عن ﴿فاكهة وأبّاً﴾ لا يعلم معنى “أبّاً”. او من ينادي على الدوام: “لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها انت يا علي”، “كل أحد افقه من عمر”.

اذن عِلم أهل البيت مقتبس من علم الرسول، وهو بالنتيجة مستمد من عِلم الله، لتصريحهم بان لهم علم بجميع الامور والمسائل، وهذا العِلم دليل على أفضليتهم على غيرهم في جميع النواحي، والعقل يحكم بوجوب الطاعة لهم.

من ذا الذي يضاهي علياً وهو باب مدينة علم رسول الله؟

هل ينبغي أن يبقى علي جليس داره وهو بإعتراف جميع الصحابة واكابر القوم كان أعلمهم بالكتاب والسنّة، ويحكُمُ الآخرون وهم لم يؤتوا من العلم إلاّ قليلاً؟

اي عاقل يرتضى أمراً كهذا؟

وفضلاً عن هذا، فإن عمر قد اعترف بنفسه بأن علياً أقضاهم. أي انه لا يعترف بعلم علي فحسب، بل ويقر أيضاً بصحّة حكمه وأفضليته في القضاء، ألم يكن هناك من يعترض على عمر ويقول له: إن كان هناك من هو أفضل منك قضاءً، فلماذا تبّوأت مقعد الحكم القضاء؟ هل يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم؟

خامساً: قد يدور البحث تارة حول الحكومات الوضعية، وقد يدور حول الحكومة إلالهية وخلافة الرسول تارة اخرى، وهنا لا يجوز أن يكون خليفة الرسول أياً كان: بل لابد وأن يكون أفضل الناس علماً، لتتسَنّى له الغلبة على المعضلات والشدائد حين بروزها، ويملاً مكان رسول الله حقاً.  ولا شك أن من يجلس في موضع رسول الله لا يأمن أن يعرض عنه ابناء الأمة ولا يسأل ثانية عن الكتاب والسنّة، فعليّ ليس حاضراً على الدوام في المجلس حتّى يردّ المعترضين ويجيب السائلين، ويغيث الاسلام من المخاطر.

سادساً: إن علم علي عليه السلام من أسمى فضائله، فنحن نعتقد أن هذا العلم مستمد من مصدر إلهي لا يتناهي، لأنه يستقى من المصدر الاساسي، وحينما تكون الامة على اجماع –بلا استثناء- في افضلية علي على من سواه، فمن يكون أحق منه بالخلاقة؟ جاء في رواية من طرق مختلفة في كتب السنّة، أن رسول الله بعد أن اعتبر علياً وارثه، سأله علي عليه السلام:

وما أرث عنك يا رسول الله؟

قال: ” ما ورث الانبياء من قبلي”.

قال: “وما ورث الانبياء من قبلك؟”.

قال رسول الله: “كتاب الله وسنّة نبيّهم”.

ومن هذا تتضح مدى صحة قول علي عليه السلام حين قال:

“والله اني لأخوه ووليه وابن عمّه ووارث علمه، فمن أحق به منّي”.

سابعاً: هنالك حديث معروف ومتواتر، وهو:

“أنا مدينة العلم وعلي بابها”.

وهذا أكبر دليل على أعلمية علي من الجميع، اضافة إلى انه دليل ساطع على وجوب الانقياد لعلي دون غيره، خصوصاً بعد ما جاء في متن ذلك الحديث:

“فمن اراد المدينة فليأتها من بابها”.

أي أن الوصول اليَّ لا يتيسر إلاّ بواسطة علي، وقد ورد هذا الحديث في رواية اخرى بصيغة الخطاب، وأنه صلوات الله عليه وآله، قال له:

“أنا مدينة العلم وأنت بابها. كذب من زعم أنه يدخل المدينة بغير الباب، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وأتوا البيوت من ابوابها﴾.

وردت هذه الرواية عن طريق الكثير من الصحابة منهم: ابن عباس، وحذيفة، وسعيد بن جبير، وجابر بن عبدالله.  ووردت في اكثر من مائة موضع في الكتب المعتبرة عند اهل السنة، ولا مجال للشك فيها. ومن جملة من ذكروا هذا الحديث مرات ومرات: احمد بن حنبل في المناقب، والحاكم في المستدرك، والترمذي في الجامع الصحيح، والطبري في تهذيب الآثار، والطبراني في المعجم الكبير، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن الاثير في اسد الغابة، وابن الجوزي في تذكرة الخواص، والكنجي الشافعي في الكفاية، والهيثمي في مجمع الزوائد، وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ولسان الميزان، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهّمة، وجلال الدين السيوطي في الجامع الصغير وفي الكثير من مؤلفاته الاخرى.

ثامناً: وردت روايات كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله يؤكد فيها على وجوب تقديم العالم على غير العالم، وأن للأعلم بين الناس أفضلية عليهم، حيث قال صلى الله عليه وآله:

” من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه، لم ينظر الله اليه يوم القيامة”.

وورد في رواية اخرى:

“ما مِن والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاشٍّ لهم، الاّ حرم الله عليه الجنّة”.

وبإجماع آراء كل الصحابة ومنهم الشيخين وسائر كبار الصحابة أن علياً كان أعلم من الكل، وحتى عائشة التي كانت تجاهر بعدائه اكثر من الآخرين، جاء في رواية أنها قالت:

“علي اعلم الناس بالسنّة”.

وقال المفسّر ابن عباس:

“والله لقد أعطى علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر”.

وجاءت مثل هذه الكلمات من جميع الصحابة في مواقف مختلفة من امثال ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعدي بن حاتم وغيرهم.

ويمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، فإني قرأت في موضع –لا يحضرني ذكر مصدره- أن علياً بعدما استشهد، لم يستطع معاوية –مع شدّة بغضه لآل الرسول سيما الامام علي- كتمان هذه الحقيقة، فقال: “ذهب العلم من الدنيا بموت ابن ابي طالب”.

تاسعاً: جاء في الآية 247 من سورة البقرة أن بني اسرائيل لما اعترضوا على نبيّهم بجعله طالوت ملكاً عليهم، بين لهم في جوابه أولاً: انني لم اجعله ملكا عليكم، بل إن الله هو الذي عيّنه عليكم، ليتّضح أن حاكم المسلمين ينصب من قبل الله تعالى.

ثانياً: إن لطالوت أفضلية عليكم لأنه اكثر منكم علماً وشجاعة، ولأجل هاتين الصفتين جعل الله السلطة له عليكم.

﴿وقال لهم نبيّهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم﴾.

تلاحظون أن اعتراضهم على طالوت هو انه لا يملك المال، وأنه لا يحظى بشخصية اجتماعية مرموقة، إذن فهو غير مؤهل للحكومة، فرد عليهم النبي أن الله اصطفاه بسبب ما وهبه من العلم والشجاعة، ومعنى هذا أن الدليل على حاكمية طالوت، هو علمه قبل أي اعتبار آخر.

إن سلاح العلم أمضى سلاح، لأن ذا العلم قادر على ادارة دفّة البلاد، وهو أعلم بما يصلح المجتمع مما يفسده، وهو عالم بالنتيجة بما يؤدي بالمجتمع إلى بلوغ طريق السعادة وهو لا يستوي مع من لا علم له ومن يحكم الناس بقوّة الحراب.

فالحاكم إذن يجب تنصيبه من قبل الله لا من قبل الناس، فما بالك بأن يجتمع شخصان أو ثلاثة أمّروا رجلاً على الناس ثم أخذوا له البيعة منهم قهراً!!

الاستاذ: لا ارغب في قطع كلامك لأنك تتناول مواضيع مثيرة حقّاً، إلا أنك أشرت إلى نقطة وجدت نفسي مرغماً على الاعتراض بشأنها، وهي أنه من الواضح أن مرادك واقعة السقيفة التي حضرها بنو ساعدة وكبار المهاجرين والأنصار، وأجمعوا على قبول خلافة أبي بكر.

الموضوع هنا لا يخص أعلمية أو أفضلية أبي بكر من حيث العلم وصواب الرأي، فهو يتّصف قطعاً بخصال متميّزة من أهمّها الأسبقية في الاسلام، ومرافقة الرسول في الغار، وربّما قضايا اُخرى اِرتآها المجتمعون في السقيفة، وجعلته أحقّ بهذا الأمر من غيره.  ولا يستبعد أيضاً لو أن علياً حضر ذلك الاجتماع لوقع الاختيار عليه، فما أدرانا؟!

وبقي اعتراض الاستاذ معلقاً بعد أن دق جرس الدرس.  إلا أنه أثار موضوعاً يجعل النقاش في اللقاء المقبل اكثر حرارة وأعمق مغزى.

اللقاء السادس

       

                                                        الاربعاء 25 / 10 / 1968

ماذا حصل في السقيفة؟

كنت قد أعددت نفسي كاملاً لهذا اللقاء، وسارعت مسبقاً إلى مطالعة الكتب في هذا المجال وخاصة كتاب “الغدير” للمرحوم العلامة الأميني رضوان الله عليه، وحضرت الإجتماع وأنا على أتم الاستعداد، متوكلاً في ذلك على الله، فبدأت الحديث بالقول:

أشرت في اعتراضك الذي لم يكتمل، إلى عدّة نقاط تشكل كل واحدة منها موضوعاً مستقلاً بذاته، ومن جملتها اشارتك إلى فضائل أبي بكر وتقدمه على من سواه في قضية الخلافة، والنقطة الاخرى هي اجتماع الشورى التي عقدت لإختيار أبي بكر، ثم إن علياً لم يحضر ذلك الاجتماع، وإلاّ لأمكن أن يقع اختيارهم عليه!!

اولاً: إن لم يحضر علي في الشورى، فأين كان إذن؟ هل تعلم ماذا كان يفعل آنذاك؟ ألم تعقد الشورى في السقيفة ولم يكن قد مضى على وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بضع ساعات؟

ألم تكن جنازة أشرف الخلق ملقاة على الارض بانتظار الغسل والتجهيز والصلاة والدفن؟ فكيف تركوا جنازة الرسول، وسارعوا إلى سقيفة بني ساعدة؟

هل كان باستطاعة علي بشخصيته الفاضلة النبيلة ترك جسد أخيه وابن عمّه وافضل خلق الله، والذهاب معهم إلى السقيفة، والتنازع في امر الخلافة؟

وهل كان الحزن الذي خيّم على عليّ وآل بيته ، أمراً سهلاً يطاق؟

وهل شارك علي في المؤامرة ليذهب الآن ويقطف الثمار؟

ثانياً: لاشكّ أن مؤامرة السقيفة كانت قد وضعت خطتها من قبل، بل وكان واضحاً منذ يوم الخميس ذاك –يوم المصيبة الكبرى- حين حضر عمر مجلس الرسول برفقة بعض الصحابة، ولما طلب الرسول اعطاءه كتفاً ودواة ليكتب لهم مالا يضلوا بعده ابداً، وقال عمر: دعوا الرجل أنه يهجر!!! حسبنا كتاب الله، أي ان اجتماعات طارئة كانت تعقد خفية وتتخذ فيها القرارات، ولكن لما كان عمر اكثرهم جرأة على الكلام، فوضوا اِليه اتخاذ القرارات.

وعلى كل حال، فنحن الآن لسنا بصدد دراسة السقيفة من الوجهة التاريخية، فإني اتجنّب على الدوام –في حواري معك أو مع غيرك- حذف الشخصيات الأخرى، فلعلي ولأهل البيت من المناقب والفضائل والصفات الكثيرة التي ملأت الكتاب والسنّة ، ما يدعو الناس إلى التوجه إليهم والاقرار لهم بالإمامة والقيادة، ولا حاجة لنفي وجود الأخرين، إلاّ أن سياق البحث هو الذي قادنا إلى هذا الموضوع؛ أي موضوع السقيفة، وما ادراك ما السقيفة؟! موئل الفتنة وموطن المؤامرة، فيها انفلقت بذرة النفاق والفرقة بين المسلمين إلى يوم القيامة، والله يشهد أن كل أسباب الفرقة والاختلاف والعداء بين الفرق الاسلامية وخاصّة الشيعة والسنة إنما نشأت من السقيفة والمجتمعين فيها؛ وذلك لأنهم تجاهلوا جميع النصوص القطعية والمتواترة والمتكررة من الرسول بالوصية لإبن عمّه واخيه، ووضعوا الخطط واتبعوا الأساليب الخاصّة التي من خلالها أعدّوا الخلافة لأبي بكر.

إن من المثير للسخرية أن أبا بكر وعمر كانا في السقيفة يتقاذفان أمر الخلافة بينهما قبل الاستماع إلى آراء سائر الحاضرين الذين كانوا من طراز واحد، حيث كان يطمع كل واحد منهم في نيل هذا المنصب.

وكان أبو بكر وعمر آنذاك يقول احدهما للآخر: أنت يجب أن تكون خليفة المسلمين لأن لك سابقة في الاسلام إضافة إلى مالك من اعتبارات اخرى، فيقول الآخر: انت أجدر بها، فإني غير قادر على إدارتها.

ويبدو أن هناك اجتماعاً عقد قبل ذلك بين هذين الرجلين وربّما بالاضافة إلى أبي عبيدة، تداولوا فيه دراسة الأوضاع والقضايا، ثم اجتمعوا تحت سقف السقيفة على خطّة مبيّتة.

وعلى أي حال فقد كان هذان يتداولان الأمر بينهما فيما كان أبو عبيدة الجراح يدعو الناس اليهما.  وفي الجانب الآخر كان علي وعدد من بني هاشم غارقين في الحزن على فقد سيد الانبياء وأشرف الكائنات وكانوا منهمكين في تجهيزه وتكفينه.

وطوال تلك الايام الثلاثة لم يأت الشيخان ولا مرّة واحدة إلى دار آل الرسول ولم يحضروا تكفينه وتجهيزه والصلاة عليه.

في ذلك الاجتماع عارض جماعة من الانصار والقرشيين إلاّ أنهم اسكتوا بعضهم بالإغراء والبعض الآخر بالتهديد، وجابهوا البعض الآخر الذي أعلن معارضته بعد انتهاء الاجتماع بغلظة وعنف، فالمقداد مثلاً حينما هبّ لكشف الحقائق للناس ضربوه على صدره بشدّة ومنعوه من مواصلة الكلام، وكسروا أنف خباب بن المنذر، والأسوء من كل ذلك هجومهم على دار فاطمة، وهي الدار التي كان رسول الله يمرّ عليها قبل وقت الصلاة ويطرق بابها، ويخاطب أهلها بالقول:

“﴿انّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾، قوموا للصلاة يرحمكم الله”.

جاؤا إلى الدار التي كانت موضع هبوط الملائكة المقرّبين، وليس فيها إلاّ البنت الوحيدة المتبقية عن رسول الله، وهددوا أهلها بإحراق الدار وطلبوا ممن فيها الخروج فوراً ومبايعة الخليفة!

من الجدير بالذكر ان ابا بكر هو الذي ارسل عمر إلى هناك وأمره بقتالهم إن هم رفضوا البيعة.

دعا عمر بالحطب وأراد إحراق الدار، وقال: لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له: يا عمر، إن في الدار فاطمة.

فقال: وإن.

ولما واجهته بنت رسول الله وقالت:

“يا ابن الخطاب أجئت تحرق دارنا؟”.

قال: نعم، أو تشهدوا مع الامة بيعتها.

وهناك انطلقت من فم فاطمة صيحة الحزن والأسى: “يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن ابي قحافة”.

قال الاستاذ: أنت تقول أن الناس في غدير خم، وفي موارد كثيرة اخرى سمعوا وصية الرسول لعلي، وأن الرسول كان يكرر القول بأن علياً وارثي ووصيي فأين هؤلاء الناس؟ ولماذا لم يتّخذوا أي موقف؟

قلت: لقد ذكرت لك أن بعضهم اعترض في ذلك الاجتماع، وآخرون احتجوا في اجتماعات لاحقه، واعتصموا، وامتنعوا عن البيعة ولكن أخذ عمر يهدد بقتل كل من يختلف عن البيعة، فأضرم النار في دار فاطمة، وقاد علي بن ابي طالب عنوة وهو مكتوف اليدين إلى المسجد ليبايع، وهو يقول لهم: “إن أنا لم افعل فمه؟”.

فقالوا له: “إذن والله الذي لا اِله إلاّ هو نضرب عنقك!”.

قال لهم علي: “اذن تقتلون عبدالله وأخا رسوله!!”.

حينها تعرضت شخصيات كبيرة مثل المقداد، وسهل بن حنيف، وأبي أيّوب الانصاري، والحباب بن المنذر للضرب والتهديد بالقتل، فلم يجهر الناس بصوت الرفض إذ لا يرون مجالاً للاعتراض.

كان عمر يتصّرف باضطراب، حتّى انه بعد مضي فترة من الزمن على أحداث السقيفة، كان يقول:

“إنها كانت فلتة وقى الله شرّها”.

وأعلن في موقف آخر استنكاره لذلك الفعل وقال: “فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه”.

وجاء في تاريخ الطبري عن عمر في وصف تلك البيعة: “كانت فلتة كفلتات الجاهلية”.

فكيف تدّعون أن الأمر كان شورى مع وجود هذا العدد من المعارضين وخاصة من كبار الصحابة؟ فسعد بن عبادة لم يبايع أبداً، وحيما دعي إلى بيعة أبي بكر قال: “وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى اعرض على ربي”.

ثم إنه وحتّى طلحه والزبير اللذين تعتبرونهما من العشرة المبشّرة لم يبايعوا.  وأعلنوا مع أبي ذر وسلمان وعمار والمقداد وخالد بن سعيد وغيرهم من المهاجرين أنهم لا يرون للخلافة إلاّ علياً.

ثم هل الشورى –على تقدير كونها شورى حقّاً- صحيحة في إزاء النصّ؟ ألم تثبت ولاية علي عبر تأويل وتفسير الآيات، خصوصاً بعد نصّ الرسول عليه مرات كثيرة، فلو لم يكن الرسول هو الذي نصبه بل كان ذلك امراً من الله أبلغه الرسول للناس، كما مر بنا في قضية غدير خم.  فماذا تعني الشورى في أزاء النص؟ وما هو معنى التآمر؟

والطريف في الامر أن الأنصار لما أعلنوا معارضتهم، احتج عليهم مدبّرو امر السقيفة بأنه لا يجوز منكم امير لأننا رهط الرسول وعشيرته! اذن فنحن اولى بهذا الأمر منكم، وهذا هو نفس ما احتج به علي على أبي بكر وعمر.

ذكر ابن قتيبة في “الامامة والسياسة”:

“ثم إن علياً كرم الله وجهه أُتي به إلى ابي بكر وهو يقول: أنا عبدالله وأخو رسوله فقيل له بايع أبابكر.  فقال: “أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتهم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً؟

ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة وسلّموا اليكم الإمارة.  وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن اولى برسول الله حياً وميّتاً فانصفونا إن كنتم تؤمنون وإلاّ فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون”.

فقال له عمر: إنك لست متروكاً حتّى تبايَع.

فقال له علي: “احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً”.

إلى هنا نكتفي بالبحث حول السقيفة.

أما بشأن اعتراضك الآخر فيمكن القول: أن أبا بكر لم يدّع شيئاً، ويعترف بنفسه أنه لا يفضل غيره بشيء، بل ويصرّح في احدى المرّات أنه لا يستطيع السير بسيرة رسول الله؛ فيقول: ولئن أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من الوحي، ما كان ذلك عندي، وما أنا إلا كأحدكم واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني أحياناً، فإن استقمت فاتبّعوني، وإن زغت فقوّموني.

وقال في موضع آخر: “إني وليّت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على الحق فأعينوني، وإن رأيتموني على الباطل فسدّدوني”.

الاستاذ: هذا دليل على تواضع أبي بكر ليس إلاّ؛ فهو يريد بهذا الكلام اجتذاب القلوب، ويعتبر نفسه ادنى منهم تعبيراً عن تواضعه، وهذا ليس دليلاً على جهله.

قلت: ماهذا الذي تقوله؟ وهل يصحّ أن يحكم الناس من يعتبر نفسه في مرتبة أدنى منهم، ثم يطلب منهم تقويم زيغه؟ هذا ليس تواضعاً، بل هي الحقيقة جاءت على لسان الخليفة، لأن الخليفة الذي يتبّوأ مقعد الرسول لابد وأن يكون وارثاً لعلمه حقاً وحاملاً للوائه، ويجب أن يكون مستوعباً لأحكام القرآن، عارفاً بالسنّة، لا أن يقرّ بضعفه قائلاً: اذا رأيتموني على الحق أعينوني وإن رأيتموني على الباطل فسددوني.

الاستاذ: اريد أن أقول أننا إذا افترضنا أن الخليفة لا يبغي التواضع –وكانت هذه هي الحقيقة- وأنه اعتبر نفسه أدنى من سائر الصحابة علماً، فلماذا الاعتراض على ذلك؟ صحيح أن الخليفة إذا كان أعلم وأفضل من الآخرين ، كان بإمكانه أن يحكم ويقضي بشكل أفضل، فما المانع من أن يكون علمه أدنى من علم علي ومن علم الآخرين، ومن ثم يستعين بهم في المسائل الشرعية؟ بل ما هي الضرورة لأن يحكم الأعلم والأفضل؟ إنه اذا انتخب الشعب رئيساً للجمهورية، هل يجب ان تتوفر فيه جميع الشروط لوحده؟ كلاّ، لا يجب هذا مطلقاً، وانما يمكنه الاستعانة بالمستشارين في القضايا المختلفة، وأداء مهامّهه على افضل وجه ممكن.

قلت: إنك تارة تتحدث عن رئيس الجمهورية أو الملك، واخرى عن خليفة رسول الله، إن الخلافة تختلف عن رئاسة الناس فإنا نعتقد أن الخلافة منصوص عليها من الله، والناس لا دور لهم في تعيين أو نصب الخليفة، وأن الرسول منفّذ لأمر الله فقط، وذلك عندما جمع المسلمين في غدير خم في تلك الظروف ونصب علياً خليفة له بامر الله، ولا حاجة لتكرار الحديث السالف فإنه ممل، لأننا كنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، لكني لا أدري أنه عندما يصل بنا الحديث إلى موضوع الخلافة، لماذا يتكرر الكلام نفسه؟ وعلى كل تقدير فإن من يجلس في مقام الرسول ، لابد وأن يكون عالماً بالكتاب والسنّة ليستطيع اجراء حكم الله، لا اَن يجري الحكم حسب رأيه ثم يقول في ما بعد: إن كان مطابقاً لحكم الله فبها، وإلاّ فإنّي استغفر الله.

اننا نعارض اساساً مبدأ تعيين الناس لخليفة رسول الله بالشورى، ذلك أن الناس العادّيين في كل الأحوال غير معصومين من الخطأ، ويختاروا شخصاً مثلهم، لكن الله تعالى يختار لهم الشخص الصالح ليحذو حذو الرسول، ويكون مثله معصوماً من الخطأ والنسيان.

الاستاذ: إذن فأنتم تعتقدون أن علياً كان معصوماً من الخطأ أيضاً؟

قلت: نعم نحن نعتقد بعصمة علي، وأن الشخص الوحيد اللائق والمناسب لولاية الأمر هو علي عليه السلام، وقد ارتضاه الله لهذا المنصب الرفيع، وإذا ثبت أن الله خصَّ علياً بهذا الأمر، لا يحق للناس اتخاذ قرار جماعي وتعيين شخص ليس له معرفة واسعة بالأحكام.

قال تعالى في كتابه الكريم:

﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امراً أن يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً﴾.

ولو لم يكن علي معصوماً، لما أمر الله بطاعته؛ لأن الله لا يأمر بطاعة من يحتمل فيه الخطأ، قال تعالى: ﴿اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم﴾.

وحينما تقترن طاعة اولي الأمر بطاعة الله ورسوله، لابد أن يكون ولي الأمر معصوماً من الخطأ والزلل وإلاّ فهو غير قادر على تطبيق شريعة الله، وبسببه يظهر الفساد وتغرق الامة الاسلامية في الحيرة والضياع، ويقول تعالى في موضع آخر: ﴿أفمن يهدي إلى الحق احق ان يُتّبع أمّن لا يهِدّي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون﴾.

هذا جواب قاطع وصريح لجميع الإخوة السنّة الذين يعتقدون بأرجحية المفضول على الفاضل، وتقديم الجاهل على العالم، ومن يستلزم الهداية والتوجيه على من يهدي ويوجّه وينادي: “سلوني قبل أن تفقدوني”.

الاستاذ: حديثك عن علم علي كاف وواف، ولا أحد ينكر هذه الفضائل، ولكن هذا لا يبرر انكار فضائل الخلفاء الآخرين، فقد وردت في الكتاب والسنة آيات وروايات تنص على فضائل أبي بكر، ويبدو ان الكثير من العلماء يقولون بأفضلية أبي بكر على عليًّ، لسبقه في الاسلام ولمرافقته الرسول في الغار ونزول الآية الشريفة التالية بحقّه: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾.

فهل تشكون في أن هذه الآية نزلت بحق أبي بكر؟

قلت: أبداً لا أحد يشكّ في انّها نزلت بشأن الرسول وأبي بكر.

إلاّ أنها وللأسف لا تنطوي على أيّة فضيلة لأبي بكر، ولا بأس بقراءتها بدقّة، ليتّضح لك الأمر لأنني لا أرغب في التحدّث بشكل سلبي جداً، ومن الأفضل بدل الحديث في هذه الآية، تذاكر الآيات والروايات الواردة بشأن علي واهل بيته عليهم السلام.

الاستاذ: لا، لا تدع الموضوع مبتوراً، فأنت قلت أن هذه الآية لا فضيلة لأبي بكر فيها، ولابد من البرهنة على صحة كلامك؟

قلت: إن كنت ترى فيها فضيلة برهن على ذلك، فأني لا أرى فيها مثلما ترى.

الاستاذ: فيها بيّن الله صراحة صحبة ونصرة أبي بكر لرسول الله، واعتبره صاحبه.

قلت: إن الصحبة لا دلالة فيها على الفضيلة فإنه كثيراً ما يكون للمرء جليس أو رفيق غير مسلم وغير مؤمن ولكن يعبر عنه بكلمة “الصاحب” وصفة الصاحب لا فضيلة فيها.  فإن الصحبة إنما تكون ذات قيمة، فيما إذا تضمنت المشاركة في الحزن، والصاحب الذي يتميز بالفضل على سائر الصحابة هو من يؤثر صاحبه على نفسه ويضحّي من أجله، فقد بات علي في فراش النبي تلك الليلة وعرّض نفسه لخطر القتل على يد الكفار لكي ينجو رسول الله، وهذا الايثار هو ما يستبطن التفاخر والمباهاة لا أن يكون رفيقاً له في السفر، هذا مضافاَ الى أن كلمة “الصاحب” لا تطلق على الصالحين فقط، بل تطلق أيضاً على غير المسلمين والمشركين .. ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب﴾.

فهنا يخاطب المؤمن صاحبه الكافر، عذراً فقد وصف الله ذلك الكافر بأنه صاحب لذلك المؤمن، إذن كلمة الصاحب والصحبة بحد ذاتيهما، لا فضيلة فيها ولا ميزة لهما.

ثم إنني أسألك: على مَ كان حزن أبي بكر؟ ولماذا يحزن وهو إلى جانب الرسول؟ هل كان خائفاً على نفسه؟

الاستاذ: ما هذا الكلام؛ كان خوفه على الرسول، لئلاّ يناله الكفار بالأذى.

قلت: هل كان حزنه في ما يوجب رضا الله أم سخطه؟

الاستاذ: من الواضح أنه في ما يوجب رضا الله.

قلت: إذن فلماذا ينهى الرسول عمّا فيه رضا الله؟ فهل يصح أن ينهى الرسول عمّا يوجب رضا الله؟

الاستاذ: ماذا تقصد؟

قلت: جاء في الآية أن رسول الله قال لصاحبه: “لاتحزن”، وهذا نهي عن الحزن، بينما لو كان فيه رضا الله ، لما كان للرسول أن ينهى عنه.

وهناك امور اخرى في هذه الآية منها “السكينة” التي انزلها الله على الرسول فقط، وهو قوله عزّ من قائل:

﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾.

ومن الواضح أن الضمير في هذه الآية يعود على الرسول، ألم يكن من الأفضل أن تأتي الآية بكلمة “عليهما” بدل كلمة “عليه”؟ ولماذا جاء الضمير بالإفراد مع أنهما كانا اثنين؟ ألم يكن صاحب الغار جديراً بهذه السكينة الإلهية؟

الاستاذ: هنالك قضايا وحالات خاصة بالرسول لا يشاركه فيها أحد، ونزول السكينة هنا يختص به دون غيره.

قلت: لكن الله تعالى أشار في موضع آخر من القرآن أن السكينة لا تخص الرسول، بل سائر المؤمنين، وهو قوله:

﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم ولّيتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾.

في هذا الموقف بقي إلى جانب الرسول عدد قليل من المؤمنين لا يتجاوزون عدد الأصابع، وكان بينهم علي وجماعة من بني هاشم، ومن الصحابة عمار وسلمان على ما أتذكر، فأنزل الله سكينته عليهم، ولكن في آية صاحب الغار، فالسكينة نزلت على رسول الله فقط، فهل هو أفضل ام هؤلاء الصحابة؟ وهل هو أفضل أم علي الذي بات في فراش الرسول، وضحّى بنفسه لإنقاذ حياة رسول الله؟

تعال بنا نتحدث عن علي الذي ورد فضله في القرآن والسنة بكثرة، واعلم أنه كان موضع رعاية الله ولطفه، ولم ينصبه الله خليفة لرسوله من غير سبب أو مرجّح، سواء شئنا أنا وأنت والآخرون أم أبينا، فإن الشمس لا تكف عن السطوع سواء أغمضت عيني أم فتحتهما.

أطرق الاستاذ في تفكير عميق وطويل إلى أن دق الجرس فأخرجه من تفكيره، وياليت مثل هذا التفكير يدور في أذهان كل المسلمين، ويطول حتّى يصل بهم إلى الحق ويسوقهم للإنضمام إلى الفرقة الناجية، فإلى متى نغضي عن الحق تقليداً لما كان عليه الأسلاف؟

هذا السبيل، وهذا الصراط المستقيم أمام أبصارنا، وسلوك الطريق المنحرف لا يؤدي سوى إلى الضلالة والبوار، تعالوا نضع أيدينا بأيدي بعضنا ونوجه المسلمين إلى صراط الحق إلالهي، ونكف عن الفرقة والخلاف.

اللقاء السابع

الاحد 29 / 10 / 1968

دراسة في حديث الثقلين

بعد تبادل التحية والسلام مع الاستاذ، بدأت الحديث بالشكل التالي:

يا حضرة الاستاذ، كنّا قد اتفقنا على مطالعة ودراسة الآيات النازلة في ولاية علي وأهل بيته عليهم السلام، وقد بحثنا في ما سبق آية منها وهي آية الولاية، واريد الآن أن أنقل لك حديثاُ مشهوراُ ومتواتراً جداً، يكفي لوحده لإثبات خلافة عليّ عليه السلام بلا منازع.

هذا الحديث الشريف هو الذي أشرنا اِليه في ما سبق مرة أو مرتين أثناء حوارنا ويعرف بحديث الثقلين، وهو موضع اجماع العلماء والأكابر من السنة والشيعة، ونقله أكابر السنة في صحاحهم ومسانيدهم.  قال ابن حجر في الصواعق المحرقة: “ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابيا”.

ونقل احمد بن حنبل في مسنده ما يلي:

“قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني اوشك أن اُدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله عز وجل وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروني بم تخلفوني فيهما”.

وأورده مسلم أيضاً في صحيحه.

دهش الاستاذ وقطع حديثي بغتة وقال: تمّهل! هذه الرواية التي تقول أنها مشهورة ومتواترة جداً لم نسمع بها بهذه الصورة، بل سمعنا أنه قال: “كتاب الله وسنّتي”. نعم، هذه الرواية مشهورة بكلمة “سنّتي” لا “عترتي”!.

قلت: يا أستاذ، وهل لديك مايثبت صحّة هذا الكلام أو لا؟ فأنا كنت أترقب مثل هذا الإعتراض، لأن هذه الرواية:

أولاً: جاءت في المسانيد والصحاح المختلفة –كما ذكرت آنفاً- بعبارة “عترتي اهل بيتي”، إلاّ أن الأيدي الخفية برزت هنا مرّة أخرى وحرفت هذه الرواية، ووضعت كلمة السنّة بدل أهل البيت، ولا أدري هل هذا عداء لأهل البيت أو هو شيء آخرلا أفقه إسمه ولا أدري ما اُسمّيه!؟ هَب أن شخصاً أو شخصين أو عشرة اشخاص نقلوا هذه الرواية بكلمة “سنّتي” ولكن ماذا عساها أن تكون في قبالة سيل الروايات التي جاءت بصيغة عترتي اهل بيتي”؟

ولو أنك صبرت حتّى أنقل لك نصّ الرواية مع عدد من الأسانيد الصحيحة والقطعية لكان أفضل، وأنا اُعطيك الحقّ في هذا لأنك لم تنقل هذه الرواية من المسانيد الأصلية ، بل من الكتب المطبوعة حديثاً والتي تدرس حتّى في المدارس، فإن رأيت هذا الاعتراض في موضعه فمن الأفضل –مع فائق الاعتذار- بحث الروايات المختلفة لكتبكم من مصادرها الأصلية حتى تقف على هذه التحريفات.

وقد سمعت أن الجامع الازهر استحدث مؤخراً قسماً خصصه لدراسة التحريف والتلاعب في المصادر الأصلية للحديث والسنة، ولعلهم يتوقعون التحريف حتى في صحيحي البخاري ومسلم مع مالهما من شهرة.

الاستاذ: لا علم لي بالقسم المذكور في الجامع الأزهر، ولعل هذا نوع من الافتراء والتهمة لا اكثر، هذا مع أنّا لا نحهل كتبنا إلى هذا الحد الذي تقوله، فإن هذه الرواية منقولة في مستدرك الحاكم وقد نصّت صراحة على “كتاب الله وسنّتي”، وأنت تعلم أن كتاب المستدرك للحاكم من الكتب الصحيحة والمعتبرة عند السنة، وإن نقل الآخرون، فإنما نقلوا عنه، لا بمعنى أنهم حرّفوا.

قلت: أعتذر إن كنت قد أغضبتك، فقضية جامع الأزهر مثلما ذكرتها لك سماعية، وليس لدي معلومات دقيقة عنها، طبعاً أحد علماء الأزهر واسمه “محمود أبو ريّه” هو من كبار علماء السنة في مصر، وله كتب تحقيقية كثيرة، وهو الذي ذكر هذا الموضوع لأحد أقاربي، وأرجو أن لا يكون صحيحاً وإنه لمن دواعي السرور أن تعرف سند هذه الرواية.

طبعاً أنا ادرك سعة معلوماتك وعمق معرفتك ومن الطبيعي اننا ننقّب في الكتب السنية أكثر منكم بحثاً عن الروايات، لأننا مضطرون لأجل مناظرة أهل السنّة للبحث في كتبهم، ولكننا مع هذا نعتقد بوجوب بذلكم المزيد من الدراسة والدقّة في كتبكم، فالرواية التي نتحدث عنها قد رأيت سندها في المستدرك بلفظة “سنتي”، ووردت في صحيح مسلم الذي يعد أكثر اعتباراً وأهمية من مستدرك الحاكم بعبارة “اهل بيتي”، وهذه العبارة وردت في مصادر اخرى أيضاً.  ولم ترد كلمة “سنتي” إلاّ في مستدرك الحاكم، إذن فالأجماع على “اهل بيتي” وهذه الرواية يجب أن تذكر وتطبع في الكتب بدلاً من الرواية التي وردت فيها كلمة سنّتي.

اُؤكد هنا ثانية أن بعض الأيدي تستهدف حذف الروايات المتعلقة بأهل البيت عليهم السلام ولكنها لم تحقّق هدفها طبعاً، لأن العصر عصر التقدم والدراسة ولا يمكن ارغام الناس على اتباع هذا الدين أو ذلك المذهب: ﴿لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي﴾.

نعود إلى ذكر الرواية وسندها القطعي في الكتب المعتبرة جهد الامكان:

جاء في صحيح مسلم –كما ذكرنا- عن زيد بن أرقم أنه قال:

“قام رسول الله صلى الله عليه وآله فينا خطيباً بماء يدعى خُمّاً بين مكّة ومدينة، فحمدلله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد، ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فاجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي”.

وجاء في سنن الترمذي بسنده الصحيح عن جابر بن عبدالله انه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: “يا ايها الناس اني تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي”.

ونقل الترمذي بعد هذه الرواية عن زيد بن أرقم رواية بالنصّ التالي:

“إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروني كيف تخلفوني فيهما “ .

وفي الصواعق المحرقة لابن حجر أضيفت الجملة التالية:

“فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم اعلم منكم”.

ونقل الحاكم في الجزء الثالث من المستدرك هذه الرواية نفسها بمزيد من التفصيل وقال في ختامها أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ثلاث مرّات:

“أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟” قالوا: نعم، يا رسول الله.

قال: “فمن كنت مولاه فعلي مولاه”.

وجاءت أيضاً في كنز العمال نقلاً عن ابن جرير وبسنده عن ابي الطفيل.

ونقل النسائي في خصائصه هذا الحديث نفسه ضمن حديث غدير خم عن زيد بن ارقم.

كانت هذه بعض الأسانيد المعروفة لهذا الحديث الذي ورد أيضاً في مواضع متعددة من كتب الحديث الاخرى التى ليس الآن وقت بحثها.  وعلى العموم بلغت هذه الرواية حد التواتر عند السنّة والشيعة.  وأعتقد أن هذا الحديث كافٍ وحده لإثبات أحقّيه أهل البيت، ويضيء كالشمس الساطعة في ظلمة العالم المعاصر ويفتح سبيل الهداية أمام الباحثين عن الحقيقة، ويجلي الحق ويظهره.

تعالوا وانظروا إلى هذه الرواية بقلب نقي، على أن تحرروا أنفسكم مسبقاً من كل ألوان التعصب المذهبي وغير المذهبي، وتغاضوا عن معتقدات الآباء والأجداد ولا تأخذوها بنظر الاعتبار في ازاء الحق، وتأملوا هذا الحديث المقدّس بنظرة عميقة وفكروا فيه، حتّى تصلوا إلى النتيجة التي تخرجكم من التيه والضياع، وترشدكم إلى الطريق الذي اختاره لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وأمركم به.

لم يشأ رسول الله الذي شملت رأفته ورحمته الأمة أن يرحل عنها إلاّ وقد هداها إلى سبيل الحق، وكيف له أن يتركهم بلا وصية، وبدون تعيين الخليفة والوصي؟

أراد الرسول في هذه الوصية أن يبّين لأصحابه أنهم إذا شاءوا مواصلة السير على طريق الهداية فعليهم بالتمسّك بميراثيه وهما القرآن والعترة لكي لا يضلّوا بعده أبداً.  وأراد أن يوضّح للإجيال القادمة أن الحق لا يمكن بلوغه إلاّ عبر هذين الثقلين.

فاذا شئتم النجاة في منعطفات هذه الحياة الحافلة بالفتن، فاعتصموا بهذه التركة التي خلّفها لكم الرسول وهي القرآن والعترة، واذا أردتم إرتقاء البناء الشامخ للحق والحقيقة، وصعود قمة الإيمان، فلابد لكم ومن غير شك بسلًّمٍ متين يمكن التعويل عليه، وإلاّ فسوف تزل أقدامكم في الخطوة الاولى وتسقطون في وادي الهلكة وهاوية الضلالة.

نعم، إذا أردتم معرفة الأحكام إلالهية بكل اطمئنان، وإدراك معاني القرآن فاستعينوا بمفسرّيه الحقيقيين، وبأهل الذكر، وبالخلفاء الحقيقيين للرسول، وتمسّكوا بهم، ولا تسلكوا وديان الضلالة من غير دليل.

وإذا أردتم أن تبقوا إلى الأبد في مأمن من إلانحراف والزيغ، فعليكم بمعرفة كنه كتاب الله، وتوجهوا إلى من لديهم علم الكتاب وهم سفينة النجاة، وإياكم والإعراض عنهم أو التقدم عليهم أو الإنفصال عنهم، فهم عدل القرآن والمعصومون عن الخطأ والنسيان.

ألم يذكرهم الرسول إلى جانب القرآن؟ ألم يطهّرهم الرحمن من كل رجس ونجس؟ آليسوا هم أجر الرسول قبال مشقة إبلاغ الرسالة؟ ألم يعلن الرسول إلى الناس ما جاء من الوحي بحقّهم، وهو قوله تعالى:

﴿قل لا أسألكم أجراً إلاّ المودّة في القربى﴾؟

وهل تصدق المودة بمجرد إلادعاء؟ وهل المودّة إلا إلاتباع الصادق؟ ولم لا؟ وهل هناك ثقل ثابت؟

إذن ليس من خليفة للرسول إلاّ القرآن وأهل البيت.  ولو تمسّكنا بهما فهو الفلاح، وإلاّ فانّ أي طريق آخر لا يقود سوى إلى الهاوية.

الكتاب والعترة محك التمييز بين الأنصار الأوفياء والمنافقين.

ولم يكن اعتباطاً قول الرسول لعلي:

“ما يحبك إلاّ مؤمن وما يبغضك إلاّ منافق”.

الكتاب والعترة مع بعضهما مفتاح الفلاح؛ لأن العترة هم اللسان الناطق للقرآن، وأنّى لنا لولاها من ادراك معاني القرآن العميقة وتشخيص محكمه من متشابهه، ومعرفة الناسخ والمنسوخ؟

إن الكتاب والعترة يستطيعان سوية انقاذنا من الضلالة في هذا العالم المتلاطم الذي يعرض كل شخص فيه رأياً واجتهاداً، ويعتبر نفسه مبيّناً للقرآن، وهم في ما بينهم مختلفون، وكل هؤلاء الأئمة الذين ناصروا خلفاء الجور من بني اُمية وبني العباس لأجل أهوائهم ونزواتهم، ودسوا كل هذه الروايات الكاذبة وإلاسرائيليات في السنة النبوية المطهرة إرضاءً للحكام، كيف يمكن التعويل عليهم؟ فحينما يكون علياً كيف يمكن الانقياد لمعاوية؟ وعندما يكون هناك حق، كيف يجوز التمسّك بالباطل؟

كفى غفلة! وكفى غياباً عن الذات! وكفى تجاهلاً لوصية الرسول! كيف ندّعي اتباع الرسول محمد صلى الله عليه وآله ونحن نتبع أهواءنا النفسية الباطلة ؟ فنقبل بعض الأحكام وننكر بعضها، عسى الله أن لا يشملنا بمفاد الآية الشريفة التي تقول: ﴿إنّ الّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً * أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً﴾.

فالكفار كانوا يفرقون بين الرسل، ونحن نفرق بين أقوال رسولنا، ومع أن الله ورسوله إذا أرادا أمراً، فلا مجال للتأخير والتأويل، بل تجب الطاعة التامة ولا ينبغي أن نأتي برأي من عندنا، ولكن مع كل الأسف نلاحظ أن كلام الرسول يعارض أحياناً إلى حد إتهامه بانه يهجر.

دقّقوا النظر في هذه الرواية التي نتحدّث عنها، فقد وردت في اكثر المصادر عبارة “وعترتي أهل بيتي”، ومع هذا لا نجد اليوم في كتب السنة سوى “وسنّتي”.  وهذا ليس تناقضاً بل تحريفاً، وهذه معارضة واضحة وصريحة من أهل السنّة لإجماع علماء الحديث.

غطّ الاستاذ في تفكير عميق، ثم رفع رأسه وقال:

مع كل هذه المصادر التي ذكرتها لا يبقى ثمة مجال للتأويل، فالواضح أن هناك غرضاً وراء استبدال كلمة “عترتي” بكلمة “سنتي”.  وربّما يكون هناك شخص اقترف مثل هذا العمل عمداً أو جهلاً.  ثم تابعه آلاف الناس على ذلك.

وعلى كل حال فالحقّ معك، ولكن يتبادر هنا سؤال إلى الذهن وهو: من هم أهل بيت الرسول؟ هل هم الأئمة الذين تعتقدون بهم، أم يشمل هذا المفهوم آخرين غيرهم؟ ولا يفوتني التذكير هنا بأن آلاية الشريفة:

﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ قد وردت بين الآيات التي تتحدث عن نساء النبي.  فهل نساء النبي من أهل البيت أم لا؟ أوكلت الاجابة عن هذه الأسئلة إلى اللقاء التالي بسبب تأخرّ الوقت.

اللقاء الثامن

الاحد 5 / 11 / 1968

من هم أهل البيت؟

لم يعقد لقاء يوم الاربعاء بسبب غيابي في ذلك اليوم، وفي يوم الأحد وبعد اسبوع من ذلك البحث المثير في موضوع الثقلين، بدأنا لقاءنا بذكر اسم الله تعالى.

قلت: يا استاذ، اريد التحدّث اليوم عن أهل البيت ومعرفتهم، أَوَتعلم أن معرفة أهل البيت تنجي الانسان من نار جهنّم وأنّ محبتهم جواز على الصراط.

نقل الحافظ الحمويني عن رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الرواية التي يقول فيها:

“معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب”.

يا استاذي الكريم، آل محمد شجرة النبوة، ومهبط الرحمة على الأمة، وموضع نزول الملائكة.  أهل البيت هم الشجرة المباركة التي ﴿اصلها ثابت وفرعها في السماء﴾.

نقل السيوطي في الدرّ المنثور بعد ذكرة لآية التطهير، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “نحن أهل البيت الذين طهّرهم الله، نحن شجرة النبوّة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وبيت الرحمة ومعدن العلم”.

وجاء أيضاً نظير هذا الكلام على لسان علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة: حيث يقول: “نحن شجرة النبوة ومحطّ الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحكم، ناصرنا ومحبّنا ينتظر الرحمة، وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السطوة”.

وجاء عنه في خطبة اُخرى:

“عترته خير العتر، واُسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر”.

يا استاذ، أهل البيت هم الذين تذكرهم في جميع الصلوات الواجبة بعد ذكر اسم الرسول، وتصلّي عليهم، الا تقول في تشهد الصلاة:

“الله صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على ابراهيم وآل ابراهيم”.

والبخاري مع كل ما يبديه من عداء وبغض لأهل بيت العصمة والطهارة، ينقل بعد تفسيره للآية: ﴿إن الله وملائكته يصلّون على النبي…﴾ أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال صلّوا عليَّ هكذا:

“اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد”.

وهم الذين نظم بحقهم الشافعي –زعيم أحد المذاهب السنية- أشعاراً كثيرة ومن جملتها البيتين المشهورين التاليين :

يا آل بيت رسـول الله حـبّكم فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القــدر أنكم من لم يصلّ عليكم لا صلاة له

قال الاستاذ: جاء في الشعر الذي نسبته إلى الشافعي أنّ محبّة أهل البيت وجبت في القرآن، ففي أية آية جاءت؟

قلت: هذان البيتان من الشعر مشهوران ومعروفان جداً، ومن جملة من نقلهما الامام أحمد بن حنبل في مسنده.  واما الآية التي ورد فيها ذلك، فهي قوله تعالى:

﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى﴾.

الاستاذ: ومن هم قرابة الرسول؟ فإن الآية جاءت مطلقة ولابد أنها تشمل أزواج الرسول أيضاً؟!

قلت: أبداً! لأن الرسول(ص) وهو مفسّر القرآن ومُبيّن أحكامه، قد حصرهم في أربعة اشخاص، فقد نقل ال طبراني، وابن مردويه، والثعلبي، وأحمد بن حنبل، وأبو نعيم، وابن المغازلي وكثيرون غيرهم عن ابن عباس أنه قال: “لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

فقال: علي وفاطمة وابناهما”.

بل ويمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك فقد روى الحافظ الكنجي في الكفاية عن الحافظ أبي نعيم ر واية مثيرة؛ وهي:

“قال جابر بن عبدالله: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد اعرض عليًّ الاسلام، فقال صلى الله عليه وآله: تشهد أن لا اِله الا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، قال: تسألني عليه اجراً؟ قال: لا، إلاّ المودّة في القربى.  قال: قرابتي أو قرابتك؟ قال: قرابتي.  قال: هات أبايعك، فعلى من لا يحبّك ولا يحب قرابتك لعنة الله.  فقال النبي صلى الله عليه وآله آمين!”.

وللفخر الرازي في تفسيره بيان لطيف يقول فيه:

“وانا اقول آل محمد صلى الله عليه وآله هم الذين يؤول أمرهم اليه فكل من كان امرهم اليه أشد واكمل كانوا هم الآل، ولا شك ان فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله اشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب ان يكونوا هم الآل”.

ونذهب إلى أبعد من ذلك فنقول انهم صراط الله المستقيم الذي ندعو الله في سورة الحمد ليهدينا اليه ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.

وجاء في ذخائر العقبى عن رسول الله أنه قال:

“أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة وأغصانها في الدنيا فمن تمسك بنا اتخذ إلى ربّه سبيلاً”.

ونقل الثعلبي في “الكشف والبيان” عند تفسيره لمعنى ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ عن مسلم بن حيان أنه قال: سمعت عن أبي بريدة أنه كان يقول: “هو صراط محمد وآل محمد”.

ونذهب إلى أبعد من هذا؛ فقد نقل الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن عدّة طرق عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:

“إن الله خلق الانبياء من اشجار شتّى وخلقني من شجرة واحدة؛ فأنا أصلها وعلي فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، فمن تعلق بغصن من اغصانها نجا، ومن زاغ عنها هوى، ولو أن عبداً عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام ثم لم يدرك صحبتنا، أكبه الله على منخريه في النار، ثم تلا: ﴿قل لا أسالكم عليه اجراً إلاّ المودّة في القربى﴾.

يا استاذ، نقل الطبراني في تفسيره الأوسط عن الامام الحسين عليه السلام، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:

“الزموا مودّتنا أهل البيت، فإنه من لقي الله عزّ وجل وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا”.

ونقل الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:

“لو أن رجلاً  صفن بين الركن والمقام، صلّى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل البيت محمد دخل النار”.

يا استاذ، أهل البيت هم الذين من تمسك بهم نجا، ومن تخلف عنهم ولم يؤمن بولايتهم هلك، فقد نقل الحاكم في المستدرك بسنده عن حنش الكناني، قال: رأيت أباذر متعلقا بباب الكعبة وهو ينادي: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبوذر، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

“مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق”.

وقال الحاكم في ختاك هذا الحديث: سند هذه الرواية صحيح.

ونقل الحاكم أيضاً عن ابن عبّاس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:

“النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الإختلاف، فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس”.

يا استاذ، أهل البيت هم الذين اصطفاهم الله وقال فيهم:

﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾.

ويستفاد من هذه الآية المباركة أن أهل البيت معصومون من الخطأ والمعصية لأن الله اصطفاهم من بين عباده وطهرّهم تطهيراً.

الاستاذ: هذه الآية لا يفهم من ظاهرها الاختصاص بمن ذكرت؛ لأنها وردت بين الآيات التي تتحدث عن نساء النبي ولو لاحظت ما قبل وما بعد هذه الآية، لاتّضح لك أن جميع تلك الآيات تتحدث عن أزواج الرسول صلى الله عليه وآله، وهذه الآية وردت في سياقها.

قلت: حينما كان الحديث عن أزواج الرسول جاءت الآية بصيغة الجمع المؤنت مثل: “إن اتقيتن، فلا تخضعن، ولا تبرّجن، وأقمن الصلاة، وآتين الزكاة”.

ولكن هنا اختلفت صيغة الخطاب وجاء بصيغة الجمع المذكر.  وأمثال هذه الموارد كثيرة في القرآن وهذا المورد ليس أمراً استثنائياً، ويكفيك مراجعة آية اكمال الدين –التي اشرنا اليها أيضاَ في ما سبق- لترى أن آية بمثل هذه الأهمية وردت بين آيات تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، انظر الآية الثالثة من سورة المائدة حيث يقول تعالى:

﴿حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهلّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السَّبُعُ إلاّ ما ذكّيتم وما ذُبِحَ على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً) فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فانّ الله غفور رحيم﴾.

يبدون أن هذا الموضوع المهم جداً جملة اعتراضية لا صلة له بأول الآية وآخرها، وكأن الله أخفى هذا الموضوع المهم بين هذه الآيات ، ليلفت اِليه الأنظار بعد الدراسة والدقّة الكافية.

وفضلاً عن هذا، فقد أزال رسول الله هذا الابهام، حتّى لا يحمل الناس ما في هذا الأمر على ما قبله وما بعده، حيث استمر النبي صلى الله عليه وآله بعد نزول هذه الآية –التي لها قصة مثيرة وطويلة- يمر على دار علي وفاطمة مدّة ستّة أشهر قبل ذهابه إلى الصلاة ويخاطبهما بقوله تعلى:

﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ الصلاة يرحمكم الله.

واذا كنت تتذكر أننا نقلنا في البحث السالف عن صحيح مسلم أن الراوي سأل زيد بن أرقم فقال:

من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال : “ لا وأيم الله ان المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها ، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته: أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده”.

ناهيك عن هذا، فإنك لو نظرت إلى مبحث آية التيمم في صحيحي البخاري ومسلم لثبت لك ان عائشة –احدى زوجات الرسول- من اسرة أبي بكر لا من أهل بيت الرسول.

يا استاذ، أهل بيت الرسول هم الذين قال فيهم صلوات الله عليه وآله:

“من سّره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً من بعدي وليوال وليّه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من امّتي القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي”.

يا اُستاذ، هذه الرواية وحدها والله كافية لإبلاغنا بوجوب موالاة اهل البيت ، فلماذا يحاول البعض تجاهل هذه الحقيقة والتغافل عن كل هذه الفضيلة؟ ألا يرغب هؤلاء بنيل شفاعة محمد صلى الله عليه وآله؟ وهل من الممكن أن يؤدي المرء بعض الواجبات ويذر بعضها الآخر كما يروق له ثم يأمل دخول جنان الخلد؟

يا استاذ، أهل البيت هم الذين من يأتي بابهم لا يرد خائباً، وكل ما يقال في مدحهم لا مبالغة فيه، وهم نفس رسول الله وروحه، وهم الذين من أنكر حقّهم، فكأنما –والله- أنكر حقّ الله، وكل من أبغضهم جزاؤه جهنم له فيها عذاب أليم.

فهم صلوات الله عليهم في ظلمة الليل الحالك كالأقمار المنيرة والشموس الساطعة بنورهم يهتدي الضالون.  وهم الذين لا تحجب فضائلهم وان كاد الكائدون.

وهم الذين مدحوا على لسان الوحي، ومعين وجودهم استمد قبسه من شخصية رسول الله، وفيهم تجسّدت المفاخر والمناقب المعنوية والروحية لكلا العالمين، ومن وجوههم النيّرة تضيء الشمس الساطعة.

منهم تنبعث رائحة المسك، ويفوح عطر الازهار فيعبق في الجو وهذا العطر الفواح متواصل من الأزل إلى الأبد.

أهل البيت علمهم لدني منحه لهم الله، ومنزلة مراتبهم تجاوزت السماوات والأفلاك العلوية، وأبّهة جلالهم غمرت العالم.

هم اناس أطهار لا نظير لهم في الفضل والعظمة والمجد والكرامة، فقد عطّر فطاحل الدهر أفواههم بذكر قدرهم وعظمتهم وعزّهم.

ولو أن شبح الضلالة خيم يوماً على العالم بأسره، لخرق حجبه نور هدايتهم بإشراقة واحدة، لكي يهتدي الحائر في ضوء هذا النور المحمدي السبيل، ويتجنب مواطن الانحراف، باللّوذ بمعقل آل محمد الذين هم آل الله.

والله إن قلوب اهل المحبّة السائرين على طريق الله لمشغوفة بحبّهم، والسائلون إن توسلوا بولائهم تقضى حاجاتهم.

إن المؤمنين والصالحين ينضوون تحت رايتهم، ويبصرون في ضوء مشعل هدايتهم طريق المسير إلى الله.

يا استاذ، إن المسلم الذي يوقن بأهل البيت، ويضمر محبتهم في قلبه، لماذا يسير في طريق الآخرين، ويتّبع من لا يقبله جميع المسلمين ولا يرتضون زعامته؟ فلماذا لا نتوجه إلى أهل بيت الرسول بقلب واحد لتسود السعادة دنيانا وآخرتنا ولننال سعادة الدنيا والآخرة.

ولماذا انقسمنا إلى اثنين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا الفرقة الناجية وهي الفرقة الموالية لأهل البيت؟

لماذا لا نرتشف من غيث الرحمة هذا جرعة ليزول زيغ ورين القلوب ويكون صفاء وهداية، لكي لا نظمأ أبداً، ولنشرب يوم القيامة من ذلك الكأس من حوض الكوثر لتكون أفواهنا على الدوام ريّة روية.

لماذا لا نضع نحن المسلمين شيعة وسنة أيدينا بأيدي البعض ونقضي على أسباب الخلاف والفرقة، ونتخلص من كل هذه الآراء والمذاهب المنحرفة والأفكار الدخيلة من خلال التمسك بمذهب أهل البيت؟

ألسنا نعتبر أنفسنا جميعاً أتباع رسول الله؟ ألم يأمرنا الله بأن:

﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ إذن فلماذا نعتبر أنفسنا أتباعاً له قولاً ونبتعد عن شريعته عملاً ؟

لماذا لا نُقدّم أجر الرسالة ولا نعمل بمودّة ذوي القربى التي هي جوهر الفوز والسعادة في الدارين؟

ليت جذوة من هذا النور السرمدي تنير قلوبنا فنحظى بالهداية الدائمة على طريق أهل البيت. آمين رب العالمين.

اللقاء التاسع

               الاربعاء 8 /11 / 1968

الائمة الاثني عشر في الحديث

قبل أن يبدأ لقاء اليوم لمتابعة الموضوع الشيق لولاية اهل البيت، جاء شخص إلى الصف ودعاني باسمي قائلاً: اذهب بعد انتهاء الدرس إلى غرفة السيد المدير، فهو يطلبك لأمر ما!

أخذتني الدهشة، وبقيت قلق البال حتّى نهاية الدرس أفكر في سبب ذلك.  ولماذا دعيت إلى غرفة المدير؟ أيكون قد شكاني اِليه أحد؟ وإن كانت ثمة شكوى، فعن ماذا هي؟ فإني لم أفعل ما يوجب تعكير صفو المدرسة واستقرارها، مضافاً إلى أني كنت مجدّاً في دروسي، فما الذي حصل إذن؟

وبقيت الأفكار تتقاذفني على هذا المنوال حتّى انتهى الدرس الثاني، وذهبت في الحال إلى غرفة السيد المدير، وكان اسمه “حسن زغلول” وهو مصري، وله كفاءة قل نظيرها في ادارة المدرسة.

كان مدير المدرسة هذا قد جاء إلى صفّنا عدّة مرات في اول السنة الدراسية وأعطانا دروس بدل مدرس الرياضيات –الذي لم يكن يأتي حينها- لأنه كان في ما مضى مدرساً لمادة الرياضيات، وله مهارة فائقة حقاً في التدريس –ومع أن معالم وجهي لم تكن غريبةً عليه، قال لي بعد أن دخلت الغرفة وسلّمت عليه:

– عجيب جداً! لقد أخبروني انك تثير المشاكل في المدرسة وتتحدث بكلام يؤدي إلى إثارة الفرقة، ولكن مع سابق معرفتي عنك، يبدو لي أنهم قد بالغوا في الأمر الى حدٍ ما، وعلى كل حال فمن الأفضل تجنّب ما ارتكبته من اعمال غير مرضية دفعت ببعض المعلمين للشكوى منك؟!!

احتملت أن يكون المعلم الذي حضر في بداية لقاءاتنا (في اللقاء الثاني) والذي تحدث بغطرسة –بعيداً عن الانصاف- هو الذي شكاني سيما وأنه لم يكن يعقل ما يقوله، وليس لديه سوى الزعيق الفارغ، وعلى كل حال، قلت للمدير مبتسماً وكأن شيئاً لم يكن:

﴿يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينّوا أن تصيبوا قوماً بجهالة…﴾.

يا حضرة المدير المحترم: يبدو أن التقرير المقدم اليك ضدي عارٍ عن الصحّة إلى حدٍ بعيد، ولعلّه قول مغرض، وعلى كل حال فإنني على استعداد للدفاع عن نفسي إن كنت مخطئاً أو مذنباً.

يبدو أن مدير المدرسة قد تأثر من كلامي، هناك التفت اليَّ وقال بلين:

يا ابني إن المدرسة ليست مكاناً مناسباً لعرض المذاهب، فإن الكل أحرار في اختيار مذهبهم، لا يحق لأحد فرض مذهبه على الآخرين، فقد بلغني أنك فتحت مع بعض المعلمين جدالاً يثير الفرقة، وأن هذه المناقشات متواصلة حتّى في داخل الصف، وأنك تهدر وقت الدرس لقضايا تبعث على الاختلاف.

قلت: يا سيدي المدير، أنا أقل من أن افرض مذهباً على الآخرين –خاصة المعلمين الذين هم اكبر مني سنّاً وأكثر علماً وتجربة في الحياة- ولو كانت لي مثل هذه النيّة لما اَصغى اليَّ أحد، ثم إنه هل يمكن فرض المذهب؟ لكن هذا الاعتراض يصدق على بعض المعلمين، فأنا شيعي وليس من حق أحد أن يرغمني على قبول آراء المذهب الشافعي او المالكي مثلاً، فهل هناك ضرورة لأن يفرض علينا معلم الدين مذهبه؟

المدير: لقد أجبت على سؤالك بنفسك؛ المذهب لا يمكن فرضه، ولكن على كل حال فالكتب الدراسية دونت وفق آراء المذاهب السنية، وعليك أن تقرأها وتؤدي الامتحان بها، ولا يجب عليك اعتناقها.

قلت: ألا يجوز لي الدفاع عن حقّي في الحالات التي يساء فيها إلى مذهبي او يستهان فيها بشخصيات مذهبي؟

المدير: لقد أبلغت جميع المدرسين منذ اليوم الأول أن صفوف المدرسة تضم اتباع مختلف المذاهب الاسلامية، وأنه لابد من مراعاة هذا الجانب، ولكن إذا شاهدت عدم مراعاة ذلك بشكل أو آخر، لا يحق لك أخذ وقت الدرس لغرض الرد أو الدفاع، بل يمكنك مناقشة أساتذتك في اوقات اخرى وحل المسألة.

قلت: إنه لم يحصل في الواقع سوى ذلك؛ ولهذا السبب قلت إن المعلومات الواصلة إليك غير صحيحة، ولم يحصل نقاش في الصف إلا في اليوم الاول وبعد الاستئذان من جميع الطلاب وبعد ذلك صرت أنا والاستاذ نلتقي مرتين اسبوعياً لغرض المناقشة، وأنت تعلم أن مثل هذه النقاشات كلما ازدادت، أدت إلى ازالة الغموض عن الكثير من المسائل، ليصبح الحق اكثر وضوحاً وجلاءً.  لعلّي اكون مخطئاً في انتمائي إلى مذهبي، فلماذا لا اناقش مدرس الدين أو أية شخصية اخرى لتتضح لي الحقائق وأهتدي؟

وهكذا الحال في طرف الحوار الآخر، فقد يكون الاستاذ –الذي هو أفضل من الطالب غالباً- مخطئاً في اختيار الطريق، فما أحراه بنقاش وحوار ايجابي وبنّاء يعود عليه بالفائدة.

لماذا يخشى بعض المعلمين سماع كلمة الحقّ.

يا سيادة المدير، إنني على استعداد لمناقشة أي شخص في هذا المجال، ومن المؤكد انني لا اريد ان يذهب وقت جميع الطلبة لأمثال هذه المناقشات، وكن على ثقة أن هذه المناقشات ليس مغلوطة ولا تقود إلى الانحراف، بل تطرح فيها مواضيع قيّمة، ولو أتتك معلومات تامّة عمّا نبحثه  لعلك تشارك في هذه اللقاءات أو تتأكد على أدنى الإحتمالات بأنها لا تثير الفرقة على الإطلاق، وإننا نسعى دائماً لتوطيد أواصر الوحدة والإنسجام ، لا الفرقة والاختلاف.

المدير: لا رغبة لي في النقاش، ولا وقت لديَّ لسماع كلامك وكلام الآخرين، أنت طالب وعليك الإلتزام بنظام المدرسة، وإذا كان لديك اندفاع شديد للتبليغ ، يمكنك عقد مجالس وعظ وارشاد في المساجد ليلاً!! أما واجبك في المدرسة فهو الدراسة، دراسة الدروس التي اُعدت لك ولبقية الطلبة كي تنجح في إلامتحان النهائي.

(قلت في نفسي: كيف يهتمون لإمتحان الدنيا إلى هذا الحد، ولا يهتمون لإمتحان الآخرة الذي يقبل فيه المرء أو يرفض في المدرسة الالهية).

وعل كل حال اعتذرت من المدير وخرجت من غرفته متألّماً حقّاً ما الذي يجعل البعض ينهزم من الحقّ خوفاً من معرفته، أليس هو افضل من الباطل؟ أليست النجاة في إدراك الحق؟ وألسنا مكلفون بمعرفة الحق واتّباعه؟ ولماذا لا نبحث عنه؟ ولماذا لا نخرج الباطل من ميدان حياتنا؟ لماذا لا نتوجّه إلى الحق؟ ولماذا عندما يثبت الحق، نحاول التهرب منه؟

وأنت أيها القارئ الكريم هل ترى الجواب النهائي والقاطع لسيادة المدير صحيحاً؟ وهل قوله بوجوب عدم مناقشة امور الدين والمذهب في المدرسة صحيح؟ هل ينبغي حصر الدين بين جدران المسجد الأربعة؟ وهل التبليغ للدين يجب أن ينحصر في اطار المسجد والمعبد، أليست المدرسة أفضل مكان لدراسة علوم الدين؟

هذه جملة من الأسئلة نترك الإجابة عنها اليكم.

بعد بعض ساعات وعندما حان وقت لقائنا، دخلت غرفة المعلمين بهلع وحذر، فلما وجدت الاستاذ في مكانه كالمعتاد شعرت بالإرتياح، وبعد ما حييته رد الجواب وحدثته بما دار بيني وبين المدير، فبدأ عليه الإستياء والضجر، وقال بدهشة وحيرة:

كنت راغباً بالحوار والحديث اكثر من هذا، وأود معرفة رأيكم بشأن عدة قضايا فقهية مختلف فيها، واريد معرفة آراء علماء وفقهاء الشيعة في ما يخص التقية، ومصحف فاطمة، والسجود على التربة، والجمع بين الصلاتين والكثير من المواضيع الاخرى.  ولكن من الأفضل في ظل هذا الوضع الذي استجد أن نطوي ملف المواضيع السابقة، إلى حين توفر الفرصة المناسبة في المستقبل لنواصل الحوار الممتع بإذن الله، وإلا فأنني آمل إلاطلاع على آراء الشيعة بشأن القضايا المختلفة من خلال التحقيق في كتبهم.

عبّرت له عن أسفي عمّا حصل ووعدته عقد لقاء أو لقائين آخرين لمواصلة حوارنا من أجل إنهاء موضوع الخلافة وأوصياء الرسول: فوافق على هذا الرأي.  واصلت بحثنا السابق على الرغم من استيائنا لما حصل، فقلت:

كان موضوعنا يدور حول اهل البيت الذي أوصى بهم الرسول في مواقف شتى وأمر أمته بالرجوع اليهم واتباعهم وطاعتهم وأن لا يتخلفوا عنهم فيهلكوا، وتبيّن أن اهل البيت هم علي وفاطمة والحسنين عليهم السلام، وليس المراد زوجات الرسول ولا غيرهم، وهنا سأل الاستاذ:

اليس سائر آئمتكم من اهل البيت؟

قلت: انهم ليسوا سوى اهل البيت، هم آل الرسول وأوصياؤه وخلفاؤه بالحق، لهم الحكومة والامامة على اُمّة محمد إلى يوم القيامة، وهم وإن كانوا في الظاهر تحت كبت الحكومات الغاصبة الجائرة في عهودهم، إلاّ أنهم كانوا أئمة عصرهم وخلفاءه، وكان يجب على الناس –استناداً إلى أمر الرسول- طاعتهم واتباعهم والإنصياع لأوامرهم كالإنصياع لأمر رسول الله، وقد كان لهم بطبيعة الحال اتباع أوفياء في كل عصر، لم يتخلفوا عنهم لحظة تحت أسوء الظروف السياسية ويتمسكون بأوامرهم الشرعية والأخلاقية وإلاجتماعية والسياسية.

وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وآله اهل بيته بعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام لأن هؤلاء فقط هم الذين كانوا في زمنه، وإلا فإن اهل البيت أو آل محمد يشمل جميع الأئمة الذين يفتخر الشيعة بالإنتماء اليهم، ولم يتخلفوا لحظة عن اتباعهم، امتثالاً لأمر الرسول فيهم.

ومثلما أوصى الرسول لعلي، فقد اوصى لأبناء علي أيضاً، وهذا ما لم يشر اليه أبناء العامة في هذه الروايات بالكامل إلا بعض المنصفين منهم، مثل مؤلف كتاب “ينابيع المودّة” رحمه الله.  لقد حدد الرسول الأئمّة والأوصياء بعده بإثني عشر خليفة وإماماً، وهذا ما بلغ حدّ التواتر في كتب الفريقين، فإن فكرة الأئمة أو الخلفاء الاثنى عشر لا تنطبق إلاّ على عقيدة الشيعة الذين يعتقدون بإثنى عشر إماماً.

الاستاذ: هل يمكنك ذكر الروايات التي تصفها بالمتواترة؟

قلت: لقد دونت بعض هذه الروايات احتياطاً مع اختلافها في الألفاظ وجلبتها معي؛ لأني كنت اعلم أن بحثنا سيتناول أوصياء الرسول، وهي كالتالي:

1. “الأئمة من بعدي إثنا عشر، من أهل بيتي”.

تلاحظ في هذا الحديث ان الرسول جاء بكلمة “الأئمة” وبعبارة “أهل بيتي”.  حيث يتبيّن أن الأئمة من بعده هم أهل بيته، وأهل بيته كما ثبت لدينا هم علي وفاطمة وابناهما.و بالتالي فإن سائر الأئمة عليهم السلام يجب أن يكونوا من أبناء هؤلاء لا غير .

2. “يملك هذه الأمّة اثنا عشر كعّدة نقباء بني اسرائيل”.

وردت أكثر روايات السنة في هذا الموضوع تحت عنوان: “نقباء بني اسرائيل”، ووردت في بعضها عبارة “عدة اصحاب موسى”، وهي اشارة إلى الآية الشريفة:

﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً﴾.

ويفهم من هذه الآية –كما تلاحظون- أن الله هو الذي بعث النقباء الإثنا عشر إلى بني اسرائيل، ومن الطبيعي أن اُولئك النقباء كانوا أنبياءً ولكن بما أن نبيّنا هو خاتم الأنبياء، لهذا فإن النقباء –الأئمة- من بعده ليسوا أنبياء وان كانوا في مصاف الأنبياء بل ويفوقونهم من حيث الفضيلة والعصمة ووجوب الاتباع.

الاستاذ: في الحقيقة كنت أرغب خوض البحث في قضية الغلو والمبالغة عندكم أنتم الشيعة بشأن علي وأبنائه، فكيف تعتبرون أئمتكم افضل من الأنبياء؟

قلت: لو أنك قرأت الروايات الواردة عن الرسول بحقّهم واعتقدت بهم لوصلت إلى النتيجة نفسها.  فثمة موارد يعتبر فيها الرسول علماء أُمته أفضل من أنبياء بني اسرائيل، ولاشكّ أن الأئمة المعصومين الذين اصطفاهم الله لخلافة الرسول، أفضل من العلماء.

3. “لا يزال اُمتي على الحقّ ظاهرين حتّى يكون عليهم اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش”.

4.  “لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة”.

وقد وردت نظير هذه العبارات التي سقناها في اكثر من أربعين سنداً معتبراً في كتب السنة، وهي تدلل في جميع الأحوال على امتداد خط النبوة على يد اثني عشر إماماً من قريش إلى يوم القيامة، وهذا الإمتداد في خط النبوة والامامة باقٍ إلى يوم القيامة، ولا ينطبق مطلقاً إلا على عقيدة الشيعة.

وورد في كتاب “ينابيع المودة” صراحة أن هؤلاء الخلفاء الاثنى عشر هم من بني هاشم، “بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من بني هاشم”.

وجاءت في بعض المصادر كما نقل، عبارة “من اهل بيتي”.

روى الحافظ ابراهيم الحمويني عن ابن عباس أن الرسول الكريم صلى الله عليه (وآله ) و سلم قال:

“إن أوليائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر اولهم أخي وآخرهم ولدي.

قيل: يا رسول الله، من أخوك؟

قال: علي بن أبي طالب.

قيل: فمن ولدك؟

قال: المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً”.

ومن جهة أخرى نقل الخطيب الخوارزمي عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) و سلم  انه قال:

“من أحب أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويدخل الجنة التي وعدني ربّي، فليتولّ علي بن أبي طالب وذريّته الطاهرين وأئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة”.

وجاء في روايات كثيرة في كتب السنة أن الرسول صلى الله عليه وآله وصف وبيّن الأئمة بعد علي بن أبي طالب بصفة “خلفائي” أو “اوصياني” أو “سادات امّتي” أو “حجج الله على خلقه بعدي” أو “الأئمة الراشدين من ذريتي” وتدل بأجمعها على إمامة وخلافة هؤلاء الإثنى عشر الذين أولهم علي وآخرهم المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

الاستاذ: ذكرت مصادر الروايات التي تبيّن عدد خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله ولم يأت ذكر لصحيح البخاري وصحيح مسلم، فهل يحتوي هذان الكتابان على مثل هذه الروايات أو لا؟

عدد خلفاء الرسول في الصحيحين

قلت: أولاً: ليس من الضروري أن تكون جميع الروايات في هذين الكتابين، ألا تكفي كل كتب الحديث والتفسير التي ذكرت؟ ثم إنه قد يكون للشك في مثل هذه الرواية –إذا كانت في كتاب أو كتابين ولها سند واحد أو سندان لا أكثر –مجال، لكنها وردت في كتب كثيرة وبأكثر من أربعين سنداً، ونقلت بعبارات مختلفة، فهي إذن في حدّ التواتر وفي الحدّ القطعي، ولا يبقى مجال للشكّ فيها.

ثانياً: إن هذه الروايات وردت أيضاً في صحيحي البخاري ومسلم، وقد دونتها وسأشير اليها الآن، ويبدو أن سؤالك قد جاء في محلّه.

نقل البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: “يكون اثنا عشر أميراً”.

يقول الراوي: ثم قال الرسول جملة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: “كلهم من قريش”.

وجاءت في صحيح مسلم، كتاب الإمارة، روايتان بهذا المضمون:

“لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثني عشر خليفة كلهم من قريش”.

“لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثني عشر رجلاً”.

الاستاذ: لم يأت شيء في هذين الكتابين يشير إلى أنهم من أهل البيت أو من أبناء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فمن أين تستدلّ على أنّهم هم أئمّة الشيعة الاثني عشر لا غيرهم؟

قلت: إذن مَنْ يكونوا؟

الاستاذ: لا أدري ماذا قال علماء السنّة الكبار في هذه الآية، فهل تعاملوا معها كتعاملهم مع سائر الأحاديث الاخرى التي نقلوها بأنفسهم ومرّوا عليها مرور الكرام، أم أنهم عرضوا رأيهم فيها؟ وعلى كل حال فبعد الخلفاء الراشدين، والحسن والحسين، عرف بعض خلفاء بني اُمية كعمر بن عبدالعزيز وبعض خلفاء بني العباس بالعدالة، فلعلّهم هم المقصودون.

قلت: أولاً: إن كان الأمر كما ذكرت لانقطع تسلسل الخلفاء؛ فهل يمكن احتساب شخصين من البداية، وشخصين من الوسط، وشخصين من النهاية، واهمال الآخرين؟ ثم إنه بإستثناء عمر بن عبدالعزيز الذي كان افضل نسبياً من سائر خلفاء بني امية، ماذا يمكن أن يشاهد في هؤلاء الخلفاء سوى الظلم والجور على عبادالله، والتبذير في بيت المال، وارتكاب المحرمات، وشرب الخمر، والمجاهرة بالفساد؟

والتاريخ حافل بشتى صور الظلم والاضطها والقتل والتعذيب والفساد الذي ارتكبه خلفاء بني اُمية وبني العباس، ويؤسفني أن الوقت لا يسمح بالحديث عن هذا الموضوع اكثر، وإلاّ فإنَّ أمثلة ظلمهم وجورهم بحدٍ من الكثرة بحيث سوّدت صفحات كتب السنّة كما سوّدت صفحات التاريخ.

ثانياً: من الجدير بالذكر أن الكثير من علماء السنّة الذين أوردوا هذه الروايات سعوا إلى جعلها تتطابق بشكل أو بآخر على حكام بني امية وبني العباس، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك حتّى جعلوها تنطبق على السلاطين العثمانيين، فأصبحت عارية عن الحقيقة، بل وتثير السخرية والإستهزاء.

ويكفي أن نشير على سبيل المثال إلى ما قاله المفكر السني الكبير جلال الدين السيوطي في هذا الصدد:

“وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الاربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبدالعزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل ان يضم اليهم المهتدي من العباسيين لأنه فيهم كعمر بن عبدالعزيز في بني اُميّة، وكذلك الظاهر لما اوتيه من العدل، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي أنه من آل بيت محمد صلى الله عليه وآله”.

هل يمكن العثور على تحليل يثير السخرية اكثر من هذا؟ وكيف ذكر الحسن ولم يذكر الحسين؟ ثم كيف ان الرسول يجعل علياً خليفه له، ويجعل العدو اللدود –أعني معاوية- في قبال علي، ومعاوية هو الذي أراق كل تلك الدماء ظلماً وارتكب كل تلك الجرائم، خليفة له؟

معاوية مظهر الفساد والإنحراف

لا ينقضي تعجبي من السيوطي مع سعة علمه كيف يعتبر معاوية من خلفاء الرسول، ويتجاهل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله مع علو مقامه ومرتبته؟

وكيف يعد معاوية من الخلفاء وهو الذي فرض سبّ علي علناً وقتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الأوفياء ونصب ابنه شارب الخمر خليفة على المسلمين، ولا يعد الحسين بن علي خليفة وهو الذي قال الرسول عنه وعن اخيه: “الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنّة”، “الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا”؟

ويكون معاوية الذي لعنه الرسول صلى الله عليه وآله عدّة مرات علانية وامر بقتله خليفة، ولا يحسب لأبناء علي الذين أذعن العالم بأسره لعظمتهم وايمانهم وتقواهم ومكانتهم وأرغموا الصديق والعدو على تقديرهم واجلالهم، أي حساب!

الاستاذ: ومتى أمر الرسول بقتل معاوية؟

قلت: في قوله صلى الله عليه وآله:

“اذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه”.

يا استاذ، إن مساوئ ومثالب ومفاسد معاوية بحدٍ من الكثرة بحيث لا تستلزم البيان، ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رآه مقبلاً هو وعمرو بن العاص رفع يديه إلى السماء وقال: “اللهم اركسهما ركساً ودعهما إلى النار دعاً”.

هذا مضافاً إلى ما أشار الرسول اليه في بعض المواقف إلى الفتن التي ستقوم بعده وأمر الناس صراحة في مثل هذه الموارد بالتمسّك بعلي وأبنائه.

علي صدّيق الاُمّة وفاروقها

قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

“ستكون من بعدي فتنة، فاذا كان ذلك فالزموا علي بن ابي طالب فانّه أول من يراني وأول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وفاروق هذه الاُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل”.

واستجابة لأمر الرسول فقد تمسّكنا في جميع الفتن بعلي وآل علي، ونحن على ثقة ان النجاة والفلاح لأتباع علي و شيعته .  لكن الذين تخلفوا عنه، ولم يرجعوا اليه –وهو فاروق الاُمّة بالنصّ الصريح الوارد عن رسول الله –ماذا سيكون جوابهم غداً أمام الله؟

ان من يعتبر معاوية خليفة لابد وان يطيعه، ومن يطيعه يسبّ علياً بالنتيجة، وهو من قال عنه الرسول: “من سبَّ علياً فقد سبني ومن سبّني فقد سبَّ الله”.

فكيف يوالي إخواننا السنّة معاوية، ويدّعون في الوقت نفسه موالاة علي؟ أليس من المحال الجمع بين النقيضين؟

واذا ما تجاوزنا هذا، فما هو قولكم في سائر الخلفاء الاثني عشر؟ كيف يمكن تحديد الخلفاء الحقيقيين الاثني عشر للرسول من بين كل هؤلاء الذين هم في الظاهر خلفاء للرسول؟ وهنا يجب الرجوع إلى صديق الأمة الأكبر وفاروق الحق من الباطل ألا وهو علي عليه السلام.

وعلى كل حال فإذا كانت الكتب الروائيه السنية قد ذكرت عدد الأئمة فقط، أو نقلت في بعض الموارد أسماءهم بالتفصيل أو بالايجاز، فان كتبنا نحن الشيعة قد ذكرت الأسماء المباركة للائمة الاثني عشر نقلاً عن لسان الرسول صلى الله عليه وآله وعن لسان المؤمنين عليهم السلام، وهو ممّا لا شك فيه.

أنا آسف لأن الوقت قد انتهى وآلاّ لقرأت لك آية من القرآن تبيّن الأئمة الاثني عشر، ولكن نتركها إلى اللقاء القادم الذي سيكون آخر لقاء بيننا.

الاستاذ: تقول آية من القرآن؟!

قلت: نعم، وهل هذا أمر عجيب؟

الاستاذ: لابد انك تقصد قرآن الشيعة، لا القرآن المتداول؟

قلت: يا استاذ، نحن لا نقبل بغير القرىن الموجود الذي: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾.  ومثل هذه القضايا لم تأت في القرآن بوضوح وصراحة، وتستلزم مزيداً من الدراسة الجادة والدقيقة.  وكن على ثقة حتى لو ان اسماء الأئمة الاثني عشر وردت في القرآن صراحة لتجاهلوها ولأنكروها كما فعلوا مع سنّة الرسول.

الاستاذ: إذن فأنتم تأولونه؟

قلت: بل هو تصريح أوضح من التأويل، انتظر هنيهة ليتّضح لك ذلك في اللقاء القادم بإذن الله.

الاستاذ: إلى اللقاء.

قلت: في امان الله حتّى اللقاء القادم.

اللقاء العاشر

               الاربعاء 15 / 11 / 1968

الأئمة المعصومون في القرآن الكريم

صادف اليوم 13 شعبان وبقي يومان لحلول يوم 15 شعبان المبارك، حيث دخلت إلى ذلك اللقاء بعد الاستعانة بولي العصر أرواحنا فداه، وفي نفسي شي من الخوف، كنا نخشى أن ينتهي الوقت قبل اشباع هذه الموضوعات بالبحث والدراسة، ولكن مّر كل شيء على ما يرام.

اما الاستاذ فقد دخل بمزيد من الشوق والاندفاع، وبدأنا بحثنا بتلاوة الآية الكريمة:

﴿إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والارض، منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهم انفسكم﴾.

وهذه الآية دلالة مباشرة على الائمة المعصومين الاثني عشر.

قطع الاستاذ كلامي فجأة وقال: لقد كنت أفكر في هذه الأيّام ولكن لم أعثر على ما يدلّ على ائمة الشيعة.  والآن تأتي بعد كل هذه الأيام وتتلو آية الاشهر، وتؤوّل الاشهر بالأئمة الاثني عشر! وتقول انها ذات دلالة مباشرة؟!

قلت: تمهل يا استاذ ولا تعجل، سأبيّن لك أمراً، وستوافقني بعدها على رأيي في انّ لهذه الآية دلالة على الأئمة.

الاُستاذ: هذه الدلالة الضمنية والتأويل ينفعكم انتم دون أبناء السنّة

معنى كلمة الشهر

قلت: يا استاذي المبجّل، ان الخطأ يكمن في انكم لا تعرفون معنى “الشهور”!! فكلمة الشهور جمع لكلمة الشهر، ولكن لا بمعنى المدّة الزمنية المتعارفة بل بمعنى العالِم.

كلمة الشهر بمعنى المدّة الزمنية جمعها “أشهر”,  وقد وردت هذه الكلمة في القرآن في ستّة مواضع وكلها بمعنى المدّة الزمنية المؤلفة من ثلاثين يوماً تقريباً. أما كلمة “أشهر” فقد جاءت في هذه الآية موضع بحثنا فقط.

ذكر الفيروز آبادي، وهو أكبر علماء اللغة عند العرب، بشكل قاطع ان الشهور جمع لكلمة الشهر بمعنى العالم.  والاشهر جمع شهر بمعنى المدّة الزمنية.  وفي “اقرب الموارد” جاءت ايضاً كلمة الشهر بمعنى العالِم.

وقال ابن منظور المصري في كتاب “لسان العرب” وهو من أشهر معاجم العربية واكثرها اعتباراً، قال في هذا المضمار: الشهور: العلماء، الواحد شهر، ثم يستشهد بشعر لأبي طالب عليه السلام ويقول:

“وفي شعر ابي طالب يمدح سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله:

فــاني والضـوايح كل يوم وما تتلو السّفاسره الشهور

تلاحظون في هذا الشعر أن أبا طالب استخدم الشهور بمعنى العلماء المتبحرين، وفي القرآن أيضاً حيثما شاء استعمال الشهر بمعنى المدّة المتعارفة يقول اشهر، نظير قوله : ﴿فاذا انسلخ الاشهر الحرم﴾ او ﴿الحج اشهر معلومات﴾.

ولكن في هذا الموضع فقط استخدم كلمة الشهور لا الاشهر. اذن فلو أنه تعالى اراد معنى المدّة الزمنية لقال اشهر، ولم يقل شهور بمعنى العلماء.

الشهور دين الله القيم

هذا مضافاً إلى أنّا لو نظرنا إلى الآية بمزيد من الدقّة للاحظنا مدى الأهمية التي أولاها الله لهؤلاء “الشهور” بحيث أنه جعلهم في كتابه يوم خلق السماوات والارض، واضافة إلى هذا فهو يعتبرهم الدين القيم، في حين نجد أن سائر المذاهب والأديان والمدارس المادية المنحرفة تقرّ بهذه الأشهر وتعمل على وفقها، ولا يشك فيها أحدٌ، فكيف يمكن ان تكون الأشهر الإثناعشر دين الله القيّم في حين يعتقد بها جميع الأمم والشعوب وحتّى عبدة الاوثان واعداء الاسلام؟

اذن من المؤكد ان دين الله القيم شيء آخر لا ينبغي ظلم النفس فيه.

هل من الصحيح ان تقسيم السنة إلى اثني عشر شهراً له صلة بدين الله القيّم؟ وهل من الصحيح ان الله تعالى اعتبر هذا التقسيم مهماً إلى هذا الحد بحيث جعله في كتابه يوم خلق الخلق، وأمرنا ان لا نظلم انفسنا فيهن، وألزمنا بالاعتقاد بهن؟ قطعاً كلا، اذ من الواضح ان هذا التقسيم الذى يحظى بهذا القدر من الأهمية ولا ينبغي أن يزداد او ينقص، يتعلق بأمر مصيري بالنسبة للمسلمين بحيث انهم اذا لم يعتقدوا به ،يصابون بمنقصة في دينهم.

اذن لابد وان يتعلق الأمر بعدد الأئمة الذي اشارت اِليه روايات كثيرة وردت على لسان النبي صلى الله عليه وآله –كما ذكرنا من قبل- واذا اردنا ان نصون ديننا، يتعيّن علينا اتباع هؤلاء العلماء او الشهور الاثني عشر، فهؤلاء هم الهداة إلى الصراط المستقيم، وحلقة الوصل بين المسلم من جهة والقرآن والسنة من جهة اخرى، وهم الأمان من الزلل والانحراف.

حرمة الشهور الاربعة

وجاء في سياق هذه الآية: “منها اربعة حرم” اي ان أربعة من هؤلاء الشهور لهم حرمة أكبر، وهي اشارة إلى الأئمة الاربعة الذين اسمهم علي، وهذا لا يعني ان هؤلاء الأئمة لهم افضلية على الأئمة الآحرين، بل لمجرد ان اسمهم المبارك مشتق من الله: “علي اشتق من العلي”. قال تعالى : “ وهو العلي العظيم “.

انت تعلم ان احد اسماء الله “العلي”.  وهذا الإسم بحد ذاته مقدس ومبارك ويتميّز على سائر الاسماء بأنه اسم الله، ومن البديهي أن بعض اسماء الله غير موقوفة عليه تعالى ويجوز اطلاقها على الاشخاص، إلا أن بعض الاسماء موقوفة له نظير اسم الجلالة “الله” او “الاحد” أو “الرحمن”، والتي لا يجوز ان يتسمى بها الاشخاص بغير اضافة سابقة أو لاحقه، وبعض الأسماء الاخرى يجوز تسمية الأشخاص بها مثل الإسم المبارك “علي”.

ولهذا الاسم حرمة خاصة بسبب اشتقاقه من اسم الله، وهذا الاسم تسمّى به أربعة من أئمتنا. اذن “فالأربعة الحرم” تعود إلى هذه الأسماء الأربعة المقدسة.

اتضح اذن ان هذه الآية ذات دلالة مباشرة على الأئمة الاثنى عشر، لا مجرد دلالة تأويلية.

ولكن لماذا عرض الله هذه الحقيقة بصورة شبه رمزية؟ لأنه تعالى لم يشأ ذكر عدد الأئمة واسمائهم المباركة بشكل مباشر، وذلك ينطوي على ظرافة أدبية، ولو انه بيّنها بكل وضوح، لتعرض القرآن للتحريف من قبل خصوم الائمة، والله أعلم بما كان سيحل بالإسلام والمسلمين على اثر ذلك.

تفسير الآية على لسان الأئمة

واذا اردنا الاستدلال على تفسير هذه الآية بكلام الأئمة انفسهم، نشيرالى رواية في بحار الانوار، ونورد في ما يلي مقطعاً منها، ليتجلى لنا الموضوع بشكل اكثر وضوحاً ويكون نقاشنا اكثر استدلالاً.

“عن ابي حمزة الثمالي قال: كنت عند ابي جعفر محمد الباقر عليه السلام ذات يوم، فلما تفرق من كان عنده قال لي: يا أبا حمزة، من المحتوم الذي لا تبديل له عندالله قيام قائمنا، فمن شك فيما اقول لقي الله وهو به كافر وله جاحد.  ثم قال:… واوضح من هذا وأنور وأبين وأزهر لمن هداه الله وأحسن اليه ، قول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿ان عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم﴾ ومعرفة الشهور المحرم وصفر وربيع وما بعده والحرم منها وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، لا يكون ديناً قيّماً‘ لأن اليهود والنصارى والمجوس وسائر الملل والناس جميعاً من المنافقين والمخالفين يعرفون هذه الشهور ويعدونها باسمائهم، وانما هو الأئمة القوامون بدين الله، والحرم منها امير المؤمنين علي بن ابي طالب الذي اشتق الله تعالى له اسماً من اسمه العلي كما اشتق لرسول الله صلى الله عليه وآله اسماً من اسمه المحمود، وثلاثة من ولده اسماؤهم علي بن الحسين، وعلي بن موسى، وعلي بن محمد.  فصار هذا الاسم المشتق من الله تعالى حرمة به…”.

وجاءت في كتاب الغيبة للشيخ الطوشي عليه الرحمة رواية عن جابر الجعفي جاء فيها:

“سألت ابا جعفر عليه السلام عن قوله الله عز وجل:  ﴿ان عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلمةا فيهن انفسكم﴾.

قال: فتنفّس سيدي الصعداء ثم قال: يا جابر، اما السنة فهي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وشهورها اثنا عشر شهراً فهو امير المؤمنين اليًّ وإلى ابني جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي وإلى ابنه الحسن، وإلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر اماماً حجج الله في خلقه وامناؤه على وحيه وعلمه، والأربعة الحرم الذين هم الدين القيم، اربعة منهم يخرجون باسم واحد، علي امير المؤمنين، وابي علي بن الحسين، وعلي بن موسى، وعلى بن محمد، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيّم، فلا تظلموا فيهن انفسكم اي قولوا بهم جميعاً تهتدوا”.

تلاحظ في هاتين الروايتين ان الرواية الأولى لم ترد فيها كلمة التأويل، وفسّر عليه السلام الشهور بالأئمة مباشرة، ونفى بالمرة ان تكون الشهور بمعنى اشهر محرم وصفر و…الخ. ولكن في الرواية الثانية حيث طلب منه الراوي تأويل الآية، فقد اَوّل الرسول بالسنة، والأئمة بالاثني عشر شهراً.  اذن تفسيرها بالأئمة لا يستلزم اي تأويل، بل يستفاد من المعنى الحرفي لكلمة الشهور، وحيثما جاءت بمعنى الاشهر، اي المدّة الزمنية المعلومة، فهي تأويل.

وعلى أية حال جاءت في هذه الآية الكريمة ظرافة لا تسعها الالفاظ ابداً! بل تستلزم ذوقاً رفيعاً وهداية إلهية.

استاذي العزيز المحترم، وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على امامة وولاية علي وسائر الأئمة المعصومين عليهم السلام، ولكن ما العمل وهم لا يدعونا نأتي عليها بفكر هادئ.  واذا توفرت فرصة اخرى أود هذه المرة البحث في الآيات القرآنية فقط والتي غالباً ما وردت في كتب التفسير عند السنة وفسّروها بمعنى علي وابنائه من اهل بيت العصمة والطهارة.

نستعرض في ما يلي بعض اللآيات الواردة بشأن علي واهل بيته:

1.  ﴿ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً واسيراً انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً﴾.

2. ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾.

3. ﴿أفمن كان على بيّنة من ربّه ويتلوه شاهد منه﴾.

4. ﴿فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم…﴾، (آية المباهلة).

5.  ﴿ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفيناهم من عبادنا﴾.

6. ﴿يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربّك…﴾، (آية البلاغ).

7. ﴿في بيوت اذن الله ان ترفع…﴾.

8. ﴿اجعلتم سقاية الحاج…﴾.

9. ﴿والسابقون السابقون اولئك المقّربون﴾.

10. ﴿اليوم اكملت لكم دينكم…﴾، (آية اكمال الدين).

11. ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾.

12. ﴿اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم﴾.

13. ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾.

14. ﴿قل لا اسألكم عليه اجراً الا المودّة في القربى﴾، (آية المودة).

15. ﴿هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾.

16. ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾، (آية التطهير).

17. ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾.

18. ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾.

19. ﴿انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾، (آية الولاية).

هذه الآيات ذكرت على وجه الاجمال، وقد اوّلت في كتب التفسير والحديث عند ابناء السنة بأمير المؤمنين علي عليه السلام، أو بأهل بيته وأبنائه عليهم السلام.  وتضم كتب التفسير الشيعية آيات اُخرى كثيرة ليس الآن مجال بحثها.

هدانا الله وايّاكم إلى طريق اهل بيت العصمة والطهارة، وثبتنا على هذا الصراط المستقيم.

وآخر دعوانا ان الحمدالله رب العالمين

ختام الكلام

لم اكن راغباً قط بانهاء الحديث؛ لأن حديث الولاية والامامة حديث شيّق يهواه كل قلب سليم، وطالب الحق يبحث عنه، والراغب في الكمال يسير إليه، وكل موله بالحسن والجمال يرنو إليه.

حقاً لو ان مدير المدرسة تركنا نواصل تلك اللقاءات، ولو ان المدرسين الآخرين شاركوا فيها، ولو ان البحث كان أكثر حرية وشمولاً، لكانت تتمخّض عنه نتائج ومعطيات أفضل.  ولو اتيحت فرصة أفضل من تلك الفرصة للحوار مع هذا المدرس الباحث عن الحقيقة لأصبح بالتأكيد من أتباع أهل البيت.  مع انه اعترف بصحّة مذهب أهل البيت وصار ينظر اِليه كمذهب اسلامي صحيح، حتى انه قال لي بنفسه: لقد ادركت خلال هذه الأيام مواضيع قيّمة ووقفت على احقية افكار كنت اتصورها في ما مضى افكاراً باطلة، ولكنني كنت اود ازالة الجوانب الاخرى الغامضة في ذهني ازاء المذهب الشيعي، ولكن حالوا دون ذلك.

وعلى كل حال بعد مضي بضعة ايّام على تلك اللقاءات، سأل أحد التلاميذ الاستاذ في الصف عن مذهبه، فأجاب:

كنت في ما مضى مالكي المذهب، إلاّ انني الآن مسلم بلا مذهب.  فانا اعتقد بالمذاهب الاسلامية الخمسة: الشافعي، والمالكي، والحنبلي، والحنفي، والجعفري.  واتبع في الاحكام الشرعية أقربها إلى الحق، ولا أتعصب لأي منها.  فلو كان المذهب الجعفري مثلاً أقرب إلى العقل والنقل في مسألة أرجع إليه فوراً وإذا بدا لي مذهب آخر أقرب إلى الكتاب والسنّة اتّبعه.

غمرتني الفرحة إلى حد ما بعد سماعي لهذا الجواب الذي اعتبرته مؤشراً على التحوّل الروحي والمعنوي للأستاذ، ولكني كنت ارتجي ما هو أكثر من ذلك.

واحتملت ايضاً ان الاستاذ قد ادرك الحقيقة إلا انه يكتم مالديه مراعاة للمصلحة والتقية.  ومع انني لم اتحدّث معه بموضوع التقية ولكن يبدون انه كان يمارسها عملياً. أو أنه ربّما كان يرمي –حسب تعبيره- إلى استجلاء النقاط الغامضة في ذهنه، لكن الفرصة لم تؤاتيه.

وفي كل الأحوال فانني لم اقطع مناقشة موارد الاختلاف معه بالمرّة، بل كنت اتباحث معه حيثما سنحت فرصة وان كانت قصيرة وأعرض عليه بعض الأمور بإيجاز.  وكنت اسعى جهد الامكان إلى ايصال الفكرة إليه عبر المناقشة والحوار.  إلى ان انتهت –في ختام المطاف- أيام الدراسة، وانتهت مدّة اقامة الاستاذ ، فودّعني مع الدعاء بالهداية له ولي ولجميع المسلمين.  فقدمت له كتاب “المراجعات” للمرحوم العلامة شرف الدين “قدس سره”، وقلت:

اقرا هذا الكتاب من أوله إلى آخره لتفتح أمام ناظريك آفاق جديدة وتنجلي الغوامض عن ذهنك، وستدرك الأحقية المطلقة للمذهب الجعفري,  تقبل هذه الهدية الصغيرة والثمينة كتذكار من تلميذك وطالع ما ورد فيه بدّقة وعمق وكن على ثقة بفضل الله، هداك الله إلى صراطه المستقيم.

وأنت أيضاً أيها القارئ الكريم، انتفع من هذا الكتاب حتّى وان كنت شيعيّاً، ولا تتوانى عن قراءته فهو يجعل عقيدتك أكثر رسوخاً وثباتاً.

ووصيتي الأخرى لك هي انّك اذا انتفعت من هذا الكتاب الذي بين يديك أن تحفظ مواضيعه في ذاكرتك وتباحث بها مع اصدقائك، وإذا كان لك صديق بعيد عن نهج علي فعليك ان تقدمه له هدية أو إعارة، لكي يؤوب هو الآخر باذن الله إلى سبيل الحقّ ويتمسّك بهذه العروة الوثقى وبهذا الحبل المتين.

والله ان طريق النجاة الوحيدة هي التوسل والتمسّك بهذه العترة وأن طريق الضلالة في الابتعاد والانحراف عن منهج أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام.

اللهم ثبّت اقدامنا على هذا الصراط المستقيم.

آمين رب العالمين.

فهرس الموضوعات

الموضوع   الصفحة

البداية   7

المقدمة 9

المواجهة الاولى 17

ايمان أبي طالب 21

بداية اللقاءات العلنية 33

اللقاء الاول 35

تفسير آية الولاية 37

المراد من الزكاة 41

اللقاء الثاني 45

هزيمة المهاجمين 47

عقيدتنا في الله 49

عقيدة أبناء السنّة في الله 50

عقيدتنا في النبي “ص” 53

عقيدة السنّة في النبي 55

اللقاء الثالث 59

نص الرسول على ولاية علي 61

اللقاء الرابع 71

لماذا لم يدافع علي عن حقه؟ 73

معارضة الصحابة للسقيفة 74

لولا علي لهلك عمر 80

لا بقيت بعد علي 82

لا أبقاني الله لشدة لست لها 83

لولا علي لهلك عثمان 84

لا ابقاني الله في قوم لست فيهم 85

الرجل الذي يحب الفتنة ويبغض الحق 85

ردوا الجهالات إلى السنة 86

يا علي اغث الاسلام 87

اللقاء الخامس 91

العلاقة بين العلم وولاية الأمر 93

      اللقاء السادس       101

ماذا حصل في السقيفة؟       103

اللقاء السابع       117

دراسة في حديث الثقلين                 119

اللقاء الثامن       129

من هم أهل البيت؟                                   131

اللقاء التاسع       141

الائمة الاثني عشر في الحديث                                   143

عدد خلفاء الرسول في الصحيحين                                                        151

معاوية مظهر الفساد والانحراف                                                          154

عليّ صديق الامة وفاروقها                                                                155

اللقاء العاشر                               159

الأئمة المعصومين في القرآن الكريم             161

معنى كلمة الشهر                                                                           162

الشهور دين الله القيّم                                                                         163

حرمة الشهور الاربعة                                                                       164

ختام الكلام                                                                                     169

2cijk9



التصنيفات :كتب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: