الإمام المهدي (ع) يحكم بالرحمة أم بالسيف ؟

192012-112014PM (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذا الموجز أريد أن أوضح موضوعا كان مثار جدل منذ القدم حتى أن كثيرا من أصحاب التاريخ و الحديث استفاضوا فيه من حيث لا يعلمون أو دون التفكير في أصل الأمر .

فهناك أحاديث توحي بأن الإمام المهدي سلام الله عليه يقوم بالعنف و ينتقم من أعدائه و يسير على البطش والعدوان حتى يخيل الى السامع أن مثل هذا الإنسان بعيد كل البعد عن تعاليم الإسلام السمحة و أنه لا يسير بسيرة جده سيد المرسلين صلى الله عليه و آله مع أن المسموع أنه يحذو حذو جده رسول الله طابق النعل بالنعل و لنعرض بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:

الحديث الأول : حديث يروونه عن زرارة و هو من الثقات المعتمدين و لكن الحديث يستند في سنده إلى آخرين فلنستمع إليه :

عن محمد بن حسان الرازي عن محمد بن علي الكوفي عن أحمد بن محمد بن أبي بصير ، عن عبدالله بن بكير ، عن أبيه ، عن زراره ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :

قلت له صالح من الصالحين سمّه لي ( أريد القائم عليه السلام ) فقال : اسمه إسمي

قلت : أ يسير بسيرة محمد صلى الله عليه و آله ؟

قال : هيهات هيهات يا زراره ، ما يسير بسيرته !

قلت : جعلت فداك ، لم ؟

قال : “إن رسول الله صلى الله عليه و آله سار في أمته باللين ، كان يتآلف الناس ، والقائم يسير بالقتل ، بذلك أُمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل و لا يستنيب أحدا ! ويلٌ لمن ناواه “

و الحديث مذكور في كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٣٦ حديث ١٤

توضيح : من وحي السؤال يتبين لنا أن الراوي يريد أن يغير وجهة القارئ حيث يعتبر الإمام ممن يسير بسيرة جده كما هو مشهور ، فيسأل : أ يسير بسيرة جده ؟

ثم الجواب ينفي أنه يسير بسيرة رسول الله (ص) و أنه يؤالف الناس و يلين معهم ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ثم يلقي الى السامع كلمة غريبة : نعم ، انه يسير بالقتل !!!

ولو لم نبحث عن السند فيكفينا الإستفسار عن الراوي أنه كيف يمكن للإمام أن يسير بالقتل و لا يسير بسيرة جده ؟!

و ما وجه الإختلاف بينه و بين جده ؟

و  أ لم يبعث الله الرسل و الأنبياء ليعلموا الناس الكتاب و الحكمة و يزكوهم و يحسنوا أخلاقهم و يهدوهم إلى صراط الله ؟ فلماذا يستثنى الإمام المهدي (عج) وهو خاتم الأوصياء و ولي الله الأعظم بعد أمير المؤمنين عليهما السلام ، أن يكون مختلفا مع من سبقه من أهل البيت في الغلظة و الخشونة و العياذ بالله ؟!!

أ ليس في الحديث ما يفضي عليه علامات إستفهام كثيرة ؟

و الآن لننظر إلى السند فلا يكفي ذكر زرارة ليكون الحديث صحيحا موثوقا به . ففي الرواة محمد بن علي الكوفي والمعروف بأبي سمينة والرجل مشهور بالكذب والدجل حتى قال في حقه الشيخ النجاشي قدس سره :

“ فاسد الإعتقاد ، لا يُعتمد في شيء ! و كان ورد قم ، وقد اشتهر بالكذب غي الكوقة ، و نزل على أحمد بن محمد بن عيسى مدة ، ثم اشتهر بالغلوّ ، فجُفي ، و أخرجه أحمد بن محمد بن عيسى عن قم “!!

و جاء في الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم عن ابن داود عن الفضل أنه قال :

“ إن الكذابين المشهورين أربعة : أبو الخطاب و يرنس بن ظبيان و يزيد الصائغ و أبو سمينة و هو أشهرهم “ و أبو سمينة هو محمد بن علي الكوفي ، الذي يعتبره الفضل أشهر الكذابين !!

رجل يصنف في خانة الكذابين المشهورين و الغلاة و لا يتحمله الصحابة فيطردونه من بلدهم !! هذا شأنه فماذا يكون شأن حديثه !؟

المشكلة أن كثيرا من المؤمنين ينظرون إلى الحديث دون تحقيق و تفخيص لأنهم يرون إسم الصحابي المعتمد زرارة ، فيتخذونه صحيحا معتبرا ثم يأتي الآخررون و ينشرونه على نطاق واسع ليغيروا إعتقاد الناس في إمامهم الذي هو نسخة ثانية من رسول الله صلى الله عليه و آله و إن كان جده رحمة للعالمين فهو أيضا رحمة للعالمين جميعا بمن فيهم أهل الكتاب و حتى الملحدين !!

الحديث الثاني : في كتاب عقد الدرر و إثبات الهداة و حلية الأبرار والغيبة للنعماني ، عن محمد بن يحيى العطار ، عن محمد بن حسان الرازي ، عن محمد بن علي الكوفي ، عن أحمد بن محمد بن أبي بصير ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم قال :

سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : “ لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحبّ أكثرهم أن لا يروه ، مما يقتل من الناس ، أما إنه لا يبدأ إلا بقريش ، فلا يأخذ منها إلا السيف و لا يعطيها إلا السيف ، حتى يقول كثير من الناس : ليس هذا من آل محمد ، لو كان من آل محمد لرحم !!!” .

لا أدري لماذا الإصرار على إعتبار الإمام إنسانا فظا غليظ القلب قاسيا خشنا لدرجة أن من يراه أو يسمع به ، لا يتقبله و لا يرضى بأنه من آل محمد ؟!! نعم ، صحيح إن كان هذا هو حال الإمام فلهم الحق أن يبتعدوا عنه و لا يعيرونه إهتماما لأن آل محمد معروفون بالرحمة و العطف و اللين و المحبة و التآلف و التوادد بين عباد الله .. فلم هذا الإستثناء ؟!

لا يبعد أن أشخاصا من قبيل أبي سمينة كانوا يريدون أن يبعدوا الناس عن هذا الإمام الحق الرحيم فيأتوا بمثل هذه الأحاديث التي تدل على الغلظة و الخشونة و القسوة و تارة ينسبون الحديث إلى زرارة و تارة أخرى الى محمد بن مسلم حتى لا يعتري القارئ و السامع شك في صحة الحديث !! و لكنه قطعا كذب و محرف لأن من نقله كذاب أشر لا بارك الله فيه و في رواياته .

الحديث الثالث : حديث آخر ينقله النعماني في الغيبة و ينقل عنه صاحب المستدرك عن محمد بن علي الكوفي عن عبدالرحمن بن أبي هاشم عن أبي خديجة عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال :

“ إن عليا عليه السلام قال : كان لي أن أقتل المولى و أجهز على الجريح و لكني تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يُقتلوا ، والقائم له أن يقتل المولّي و يجهز على الجريح “ !!!

عجيب أمر هؤلاء فبالرغم من وصية الإمام أمير المؤمنين عله السلام لوكلائه و أمراء عسكره و قواد جيشه و ولاته في الأمصار أن لا يجهزوا على جريح و لا يقتلوا موليا أو هارباأو أسيرا ، يعتبر من صلاحياته أن يقتل الهارب و يجهز على الجريح ! ثم يتركه سياسة وليس لأنه جزء من العقيدة !!! و يعتبر الإمام الحجة مصرحا له بكل ما كان خلافا لمن قبله ! يا للعجب ، لا أدري كيف يمكن نقل مثل هذه الأحاديث في كتبنا الروائية دون أن ينقدوها و يفندوها !

و الأعجب أن في كل هذه الأحاديث و المشابهة لها نرى أبي سمينة موجودا و هناك أيضا أحاديث أخرى من هذا القبيل ينقلها محمد بن علي الهمداني و هو مجهول أو الحسن بن علي البطائني و هو ضعيف أو الحسن بن هارون وهو مجهول أيضا . والنتيجة أن كل هذه الأحاديث ساقطة من الإعتبار من حيث السند و من حيث المحتوى .

و لنأت الآن الى حديث واحد من أحاديثنا المباركة التي تصف الإمام حق الوصف :

في حديث طويل ينقله صاحب عقد الدرر و صاحب منتخب الأثر عن ملاحم ابن طاووس عن إصبغ بن نباتة في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام جاء فيها :

“ … يبايعون على أن لا يسرقوا و لا يزنوا و لا يقتلوا و لا يتكوا حريما و لا يسبوا مسلما و لا يهجموا منزلا و لا يضربوا أحدا إلا بالحق..و لا يخربوا مسجدا و لا يقطعوا طريقا و لا يظلموا يتيما و لا يخيفوا سبيلا و لا يحتسبوا مكرا و لا يأكلوا مال اليتيم ولا يفسقوا بغلام و لا يشربوا الخمر و لا يخونوا أمانة ولا يخلفوا العهد و لا يحبسوا طعاما من بُر أو شعير (الإحتكار) و لا يقتلوا مستأمنا و لا يتبعوا منهزما (هاربا من الحرب) و لا يسفكوا دما و لا يجهزوا على جريح …”

تكفينا هذه الرواية و تكفينا هذه الكلمات النورية من مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في صفات الحجة المنتظر أرواحنا فداه حيث يأخذ البيعة من الناس على هذه الأمور الجميلة المشروعة المحمدية السمحاء لأ أن يأتي لينتقم من أعدائه ، فمما يشتهر على ألسنة البسطاء العوام أنه ينتقم من أعداء جده أمير المؤمنين و جده الحسين عليهما السلام فيخرج جثثهم من القبور و يحرقها !! إنه أمر تضحك منه الثكلى .

نعم .. إمامنا ليس مأمورا بالقتل و النهب و سفك الدماء كما يصوره البسطاء من الناس أو الذين في قلوبهم مرض ، بل هو الذي يقتدي بجده تمام الإقتداء و ينشر تعاليم جده طابق النعل بالنعل و حتى جاء في حديث ( إن صح) أن السفياني أيضا لا يهجم عليه بادئ الأمر بل يكلمه و يحاوره ولكن عندما يرى منه التعنت و الإصرار على القتال ، يقاتله لأنه إمام رحمة و ليس إمام انتقام و خشونة . و ربما كانت المحاورة سياسة الإمام مع كل من يخرج عليه و يحاربه حتى لا يكون البادئ في القتل و لا يظلم أحدا قيد أنملة ، سلام الله عليه و روحي فداء تراب مقدمه الشريف .

و قد رأيت في كتاب الحقيقة المهدوية نقلا عن مختصر بصائر الدرجات أن الإمام عليه السلام يستدعي بين يديه كبار اليهود و أحبارهم و رؤساء دين النصارى و علمائهم و يحضر التوراة و الإنجيل والزبور و الفرقان ، فلا يقاتلهم أولا بل يبين لهم الحقائق و يجادلهم على كل كتاب بمفرده ، و يطلب منهم تأويله و يعرفهم بما بُدّل منه .

و في مختصر البصائر (ص ١٩٠ ) أيضا أن الإمام المهدي يقبل على الطائفة المنحرفة (النواصب إحتمالا ) فيعظهم و يؤخرهم إلى ثلاثة أيام فلا يزدادون إلا طغيانا و كفرا ، فيأمر الإمام بقتلهم .

و لا شك أن السياسة الرحيمة للإمام عليه السلام تؤتي ثمارها سريعا فيدخل الناس في دين الله أفواجا إلا النواصب الذين لا يستطيعون تحمل حكم آل محمد ، و قد أشربوا في قلوبهم حب بني سفيان ،فيحاربونه و يحاربهم و يقاتلونه و يقاتلهم ليظهر دين الحق  على الدين كله و يعيش الناس في وئام و سلام إن شاء الله .



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: