شهر رمضان .. شهر التكامل

 

mobda3.net-45d4eaba0c

التكامل يبدأ من المعرفة فإذا عرفت نفسك فقد خطوت خطوات نحو التكامل .. وذلك إن معرفة النفس مقدمة لمعرفة الله تعالى . فإذا عرفنا الله حق معرفته فقد وصلنا الى التكامل و بالطبع ليس لنا أن نعرف الله حق المعرفة فهذا أمر خاص بخاصة أوليائه كالأنبياء و الأئمة المعصومين عليهم السلام و لكننا مسؤولون عن معرفة الله بمقدار ما نستطيع تحققه فأول العلم معرفة الله و آخر العلم تفويض الأمر اليه .

و قبل أن نبحث في هذا المجال علينا أن نعرف : لماذا وُجدنا ؟ هذا سؤال يسأله كل ذي لب و لكن الله أجاب عليه بكلمة واحدة : “ و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون “ فإن كان الخالق قد خلقنا للعبادة ليس غير ، فلا نقاش بعد ذلك إلا لمن لا يقرّ بالربوبية والعياذ بالله أو لا يعترف بالكتاب المنزل على رسوله صلى الله عليه و آله و سلم .. و نحن لسنا بصدد البحث الجاد عن سبب الخلقة فهذا أمر يطول و يحتاج إلى صفحات طويلة .

و قد جاء في بعض التفاسير أن الغرض من كلمة “ ليعبدون” أي “ ليعرفون” فكأن الأصل المعرفة لأن الإنسان إذا توصل الى معرفة الله فإنه بالطبع يعبده و لا يشرك في عبادته أحدا أبدا .

و العبادة صنفان : عبادة فردية و أخرى إجتماعية

فلا تنحصر العبادة على الصلاة و الصيام فقط بل هذا جزء من العبادة و العبادة الأخرى أن لا تنظر إلى تزكية نفسك فحسب بل تحاول تزكية الآخرين و تربيتهم و تهذيبهم و تعليمهم و لذلك فإن الرسل و الأنبياء إنما بُعثوا لهذا الغرض .. صحيح أنهم كانوا في العبادة الفردية أفضل و أرقى مصداق فلا يصل إلى عبادتهم أحد من الخلق و لكنهم جنبا إلى جنب ذلك كانوا يهتمون بتزكية الناتس و تهذيبهم و تربيتهم و تعليمهم حسب ما ورد في الكتاب الكريم لرب العالمين .

هذه مقدمة للدخول في أصل الموضوع :

ماذا نعمل ؟

اذا أردنا الوصول الى التكامل و الخروج من قوقعة الجهل ماذا يجب علينا أن نفعل ؟

علينا قبل كل شيء أن نطهر القلب مما لا يليق بجنابه و مما لا يرضي الرب سبحانه و تعالى .. علينا أن نسعى بكل أعضائنا و جوارحنا أن نخطو خطوات جادة نحو رضى الله .

الحلم و الصبر يرفع درجة الإنسان و يكون سببا لعزه و مجده .. التواضع .. الخلق الحسن .. الحياء .. العفة .. الكرم .. الجود .. السماحة .. العفو و غيرها من الخصال الحميدة توجب رفعة الإنسان رفعة معنوية و تقربه إلى ربه . نحن لا نسعى إلى الشهرة أو إلى التقرب في نظر الخلق كما يروق لبعض الناس أن يسعوا لإظهار أنفسهم في مظهر الإنسان اللائق للوصول إلى المناصب الدنيوية مثلا أو حتى للتقرب إلى الناس فيتظاهرون بالأخلاق الحسنة و بخدمة الآخرين و بالتواضع مع الناس لفترة محدودة و حتى يصلوا إلى مآربهم ثم ينسوا الخدمة إلى الأبد ، حالهم حال بعض من يرشح نفسه للإنتخابات فتراه من أحسن الناس أخلاقا و أكثرهم خدمة و صلاحا !! و لكنه عندما يصل إلى غرضه ينسى كل وعوده و يتخاذل و يتكاسل و يهمل و يضيع ! و ذلك لأنه لم يعمل لله بل كان الغرض ماديا دنيويا شخصيا ! و أما الذي يرى الله أمام عينيه فلا يعمل إلا له و لا يطلب جزاء و لا شكورا من غيره لأنه يريد كسب رضى الخالق فحسب .. هكذا يجب أن يكون المؤمن الذي يريد الوصول إلى التكامل .. فالتكامل لا يتأتى إلا بكسب رضى الخالق فيما يحب و يرضى .

علينا أن نخطو خطوات نحو تكامل الروح و ذلك بالإستعانة بجناحي التقوى و العمل و التقوى ليس إلا الخشية الخالصة من رب العالمين و تجنب ما لا يرضاه حتى ولو اجتمعت الأمة على غيره . فهناك من يكون إمعة فيقول : حشر مع الناس !! و هذا أمر باطل . إن كان الناس كلهم مجتمعين على ذنبٍ مثلا فالمؤمن المتقي لا يقترب منه . و كم من ذنوب يقترفها الكثيرون في زمننا هذا و يتبعهم الجهال ظنا منهم أن ما اجتمع الناس عليه و إن كان خطأ فإنه صواب !! يا له من حكم سخيف و أمر باطل .

التقوى سلاح يمكنك من الوقوف أمام الشبهات و عدم الولوج في الملذات و الشهوات حتى ولو سخط الناس عليك .. فما أكثر ما سخطوا على أنبياء الله و رسله و لكنهم استمروا في معارضتهم للفساد ولو بإزهاق أرواحهم المباركة ذلك لأن المهم رضوان الله لا ما يرضاه الناس “ و رضوان من الله أكبر “

علينا أن نستقيم و نثبت في أمرنا ولا نخشى ملامة اللائمين أو معارضة المعترضين و نفوض الأمر اليه و نطلب منه العون فلا عون إلا منه “ إياك نعبد و إياك نستعين “ وعليه لا عليه غيره نتوكل و به نستعين وهو لا غيره المعين .

علينا أن نستبدل العداء و البغض و الشنآن والتكبرو البخل بالمحبة و التعاون و الإيثار والتسامح والعفو والكرم .

و الآن قد أقبل علينا شهر الله لنرجع إلى أنفسنا و فطرتنا فنحاول تصحيح ما أفسده الدهر علينا و نبدأ من اليوم و من الساعة بالتغيير و الإصلاح فإن لم نصلح أنفسنا لا يمكننا إصلاح غيرنا .

اغتنموا كل ساعة من شهر الله لإصلاح أنفسكم و الرجوع إلى بارئكم واستغفروا الله و توبوا إليه .. فشهر رمضان شهر تقرير المصير .. إن غفلنا عنه فقد غفلنا عن مصيرنا و إن لم نهذب أنفسنا فيه و نزكيها فقد خسرنا الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين . ها نحن نهيء أجسادنا للكفّ عن الطعام و الشراب فلم لا نهيء أرواحنا للكف عما يوجب سخط الله ، فذلك والله أهم .

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله :

“ «شهر رمضان شهرالله عزوجل وهو شهر یضاعف الله فیه الحسنات و یمحو فیه السیئات، و هو شهر البركة، و هو شهرالانابة، و هو شهر التوبة، و هو شهرالمغفرة ، و هو شهرالعتق من النار و الفوز بالجنة. ألا فاجتنبوا فيه كل حرام و أكثروا فيه من تلاوة القرآن و سلوا فيه حوائجكم واشتغلوا فيه بذكر ربكم ولا يكون شهر رمضان عندكم كغيره من الشهور فإن له عند الله حرمة و فضلا على سائر الشهور و لا يكوننّ شهر رمضان ، يوم صومكم كيوم فطركم “

أجل لا يكون يوم صومكم كيوم فطركم و لا يكون شهر رمضان عندكم كسائر الشهور فإن لهذا الشهر فضلا و تمايزا و حرمة عند الله تعالى .

شهر رمضان شهر يضاعف الله فيه الحسنات فلنكثر فيه الخير و الإنفاق في سبيل الله و إطعام الفقراء و المساكين

شهر رمضان شهر التوبة و الإنابة و المغفرة فلنكثر فيه الإستغفار و التوبة

شهر رمضان شهر نزول القرآن .. فلنقرأ فيه القرآن بكثرة . و ليس مهما يا أعزائي أن تكثروا الختمات فيه بل المهم قراءة القرآن بتمعن و تدبر .. ثم لا يشترط أن تقرؤا القرآن بالترتيب بل اقرؤا القرآن أينما كنتم و أينما حللتم .. في السيارة ، في الديوانية ، في المطبخ ، في الفراش .. و على كل حال .

و أخيرا .. لا تنسوا أن شهر رمضان شهر العتق من النار فاطلبوا من الله كل يوم أن يعتقكم من النار و يدخلكم الجنة و لكن لا تنسوا أن العتق من النار يحتاج لإصلاح الحال فأصلحوا أنفسكم ثم ادعوا الله ليستجيب دعاءكم بفضله و لطفه .

و خير ما نختتم به حديثنا جزء مبارك من الصحيفة السجادية على قائلها صلوات من الرحمن و سلام :

“اللهم وأنت جعلت من صفايا تلك الوظائف وخصائص تلك الفروض وشهر رمضان الذي اختصصته من سائر الشهور وتخيرته من جميع الزمنة والدهور وآثرته على كل أوقات السنة ،  بما أنزلت فيه من القرآن و النور وضاعفت فيه من الإيمان وفرضت فيه من الصيام ورغّبت فيه من القيام وأجللت فيه من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر .

ثم آثرتنا به على سائر الأمم واصطفيتنا بفضله دون أهل الملل. فصمنا بأمرك نهاره وقمنا بعونك ليله . متعرضين بصيامه وقيامه ، لما عرضنا له من رحمتك وتسببنا إليه من مثوبتك . وأنت المليء بما رغب فيه إليك ، الجواد بما سئلت من فضلك ، القريب إلى من حاول قربك .”

و السلام على من سعى جاهدا لإصلاح نفسه في هذا الشهر الفضيل و اتقى و أصلح و كان من المستغفرين و ألتمس منه الدعاء.

13739734191



التصنيفات :مقالات

2 replies

  1. بسم الله الرحمن الرحيم

    اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم

    اللهم اجعلنا من عتقائك من النار

    وفقنا الله واياكم لقيام وصيام ماتبقى من الشهر الفضيل، اسأل الله ان يقضي حوائجكم
    نسألكم الدعاء في هذه الليالي ليالي القدر
    امانة ماتنساني من الدعاء بالخصوص .

    • آمين رب العالمين
      ان شاء الله ما أنساكِ من دعائي
      و أتمنى أن لا تنساني ابنتي من دعائها الخاص
      غفر الله لكِ و لوالديكِ وقضى الله حوائجكِ بحق أوليائه الطاهرين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: