في تأثير الغلو على وضع الحديث

الغلو 

لقد جرى على الحديث من الظلم مثل ما جرى على أهله و أحاول بإيجاز البحث عن الوضاعين الذين دسوا فيه من أكاذيبهم الكثير الكثير ، فما ترى من خطيب يعتلي المنبر إلا و يحدثك بهذه الأحاديث الموضوعة ظنا منه أنه يبالغ في فضائل أهل البيت عليهم السلام و يظن المستمع أن ما حدثه الخطيب هو الصحيح الذي لا يعتريه ضعف فينقله إلى غيره و بذلك يتناقلون الأحاديث الموضوعة حتى تمتلئ كتبنا الحديثة منها و قد كثرت في الآونة الأخيرة هذه الأحاديث الموضوعة بصورة مرعبة

و من هذه الموضوعات الأحاديث الواردة في فضل الأئمة إلى درجة الألوهية و العياذ بالله ليفتحوا بابا من السب و الشتم علينا و على موالينا هداهم الله . و ليس الكذب في الحديث أمرا مستحدثا فقد كثر الكذابون و منذ عهد الأئمة عليهم السلام و اشتهر منهم صلوات الله عليهم أنه ” قد كثرت علي الكذابة ” و أنه ” قد كذب على رسول الله صلى الله عليه و آله ” و أنه ” إنا أهل البيت الصادقون لا نخلو عن كذاب يكذب علينا ” و ما جاء في صحيحة هشام : ” ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلت ، و ما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله ” .

ما هو الغلو المرعب ؟

الغلو أي أن نعتقد في أحد أو شيء أكثر مما هو فيه أو الإفراط في الإعتقاد بدرجة الشخص أو مرتبته . و مثل ما كان التفريط خطئا و إهانة لمقام الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين فإن الإفراط أيضا خطأ لا يمكن الإستهانة به .. لأن الغلوّ يصل إلى الشرك أو الكفر . و للأسف الشديد فإن بعض عقائدنا وصلت إلى درجة الغلو و المبالغة و لقد اعتقدنا بها طيلة سنين عديدة حتى باتت هي الحقيقة و الواقع .. و أصبحت الحقيقة في خبر كان .

كنت أسمع في الأحاديث أن الإمام الحجة عليه السلام يأتي بدين جديد أو هكذا يخيل إلى الناس أنه يأتي بدين جديد ! مع أن الإمام ليس له حق التشريع ، فالتشريع أمر خاص بالله و ليس لأحد الخيرة فيه و إذا كان للرسول حق التشريع لأن الله أذن له . إذن ما معنى الدين الجديد الذي يأتي به الحجة المنتظر روحي فداه ؟

الدين الجديد ليس إلا دين محمد صلى الله عليه و آله و أحكامه الشرعية التي نسخناها بأحكام اصطناعية و عقائد خيالية و خرافات و أساطير و طقوس غريبة على الدين و المذهب ابتدعناها و سرنا فيها ليالي و أياما آمنين ! و لعمري لو أردنا أن نصفي ديننا من هذه الأوهام و الخرافات لما استطعنا بعد أن ترسخت جذورها في أذهاننا و يتنا نعتبرها عقائد حقة بل و نتشبث بها أحيانا لردع المخالفين . و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

الغلو ليس منحصرا في الشيعة بل و يتعداه إلى كثير من الطوائف و المذاهب فهناك القادرية مثلا يعتقدون بكرامات غريبة في عبد القادر الكيلاني يضحك منها الثكلى و هناك من يعتقد بألوهية بعض البشر كثلة من المسيحيين ( حيث يعتقدون بألوهية عيسى )و ثلة من الغالين ( إذ يعتقدون بألوهية علي عليه السلام ) و الذين يعبدون البقر و الوثن و غير ذلك و لا يهمنا أمرهم بقدر ما يهمنا أمر الموالين الذين ابتدعوا أحاديث في حق الأئمة عليهم السلام يرفعونهم إلى مرتبة الألوهية أو كالمفوضة يعتقدون بأن الله فوض اليهم الخلق تفويضا .

و أكرر مرة أخرى بأن بعض معتقداتنا السخيفة باتت سننا قطعية نحارب في سبيلها الآخرين و نتقاتل فيما بيننا لأجل تثبيتها و كأنها أوامر قطعية من الباري سبحانه و تعالى .

و الإسلام جاء ليحارب هذه الفكرة الخاطئة بشدة فقال تعالى : ” يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم و لا تقولوا على الله إلا الحق ” و عندما ينتقد عقيدة النصارى في المسيح بعقبها بقوله تعالى ” قاتلهم الله ” ( البراءة /30 ) و كل ذلك لأجل إدانة عقيدة الغلو في البشر .

يستفاد من القرائن التاريخية و الروائية ان هناك ثلاث علل اصلية في ايجاد الغلو بالنسبة للأئمة الأطهار عليهم السلام :

1-           اختلق اعداء الأئمة احاديث تشتمل على الغلو في الأئمة لكي يتهموا الموالين به و يكفرونهم و من طرف آخر يهينوا أئمة الهدى و يصغروا شأنهم في أنظار عامة المسلمين .

2-           كان بين الموالين عدد من الفُسّاق الذين يحبون المجون و يميلون إلى الشهوات ، اختلقوا مثل هذه الأحاديث حتى يتسنى لهم فعل الحرام و ترك الواجبات كالصلاة و الصيام بحجة أن من أحب عليا يدخل الجنة ولو كان فاسقا . و قد ابتدعوا أحاديث كثيرة تدل على أن حب علي حصن منيع يمنع صاحبه دخول النار ولو عمل الموبقات و احترف الآثام و ترك الفرائض . ( كقولهم : حب علي حسنة لا تضر معها سيئة !!) و لازلنا نرى بين ظهرانينا كثيرين يعتقدون بمثل هذه الأحاديث الخرافية التي لا يمكن للعقل السليم تقبلها أبدا . فالصلاة التي هي عمود الدين يعتبرونها من الكماليات ! و حب أهل البيت يكفي لتارك الصلاة أن يدخله الجنة . و هذا من أقبح القبائح التي لا يمكن للموالي الصحيح أن يقبله مهما كان . فالشيعي من شايع عليا و تابعه و انتهج منهجه و حذا حذوه . و إذا كان الإمام الصادق عليه السلام يوصي في آخر لحظات حياته ، يوصي أهله بأن شفاعتهم لا تنال مستخفا بالصلاة فكيف إذن بمن يتركها عمدا و يفوض الأمر إلى العترة لكي يشفعوا له عند الله !! سبحانك هذا بهتان عظيم .

3-           الحب المفرط للموالين يجعلهم يعتقدون بالغلو أحيانا . و السبب الأصلي وراء هذا الإغتقاد عدم تحكيم العقل و الفكر في مجاري الأمور . و هل يُعقل أن في زماننا رجل متلبس بلباس أهل العلم و له شهرة واسعة في المنبر الحسيني ، يرتقي المنبر و يحكي قصصا في خالقية علي – و العياذ بالله – و هناك من يعتبر أهل البيت مشاركين لله عز وجل في إدارة أمور الكون ( أستجير بالله ) و كأن الله عاجزٌ عن إدارة ما خلق ، ففوض الأمر إلى أحب خلقه ليعينوه على ذلك ” سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا ” .

أنظروا إلى هذا الحديث اللطيف من الإمام الرضا عليه السلام :

قال إبراهيم بن أبي محمود للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله ان عندنا أخبارا في فضائل أمير المؤمنين ‏عليه السلام وفضلكم أهل البيت وهي من رواية مخالفيكم ولا نعرف مثلها عندكم أ فندين بها؟ فقال عليه السلام:

«يا ابن أبي محمود : ان مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام : أحدها، الغلو، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا باسمائهم ثلبونا بأسمائنا وقد قال الله (عز وجل): « ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم»  يا ابن أبي محمود إذا أخذ الناس يمينا و شمالا فالزم طريقتنا فإنه من لزمنا لزمناه و من فارقنا فارقناه .. . يا ابن أبي محمود احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والآخرة ». (عيون أخبار الرضا 2/272 )

يتبين من هذا الحديث أن هناك مبدءا و نهجا منظما من الأعداء ، نفذ في المذهب لكي يختلق مثل هذه الأحاديث ، حتى يشمئز المسلمون و يتنفروا من الأئمة المعصومين سلام الله عليهم و يشككوا حتى الموالي في مذهبه و عقيدته .. و لذلك نرى هذا المؤمن يسأل الإمام عن فحوى هذه الأحاديث و كأنها كانت منتشرة آنذاك . و ليس ببعيد من أنظمة الحكم المخالفة للعترة في زمن الأئمة أن يسلكوا سبيلا منظما لإبعاد الناس عن خلفاء الرسول الحقيقيين و يتسنى لأعدائهم الحكم في ظل هذه الأجواء الموبوءة بأحاديث الغلو بكل هدوء .. و لولا وعي أئمة الهداة الذين عصمهم الله ، لانتشر هذا النهج المخالف و قضى على سبيل الله المستقيم الذي هو سبيل أوليائه المعصومين .

في حديث مطول قال المأمون للإمام الرضا عليه السلام :

يا أبا الحسن بلغني أن قوما يغلون فيكم و يتجاوزون فيكم الحدّ .

فقال الرضا عليه السلام : ” حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحيبن بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تبارك و تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبيا ، قال الله تبارك و تعالى : ” ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب و الحكم و النبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله و لكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب و بما كنتم تدرسون و لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة و النبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ”   و قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” يهلك فيّ اثنان محب مفرط و مبغض مفرط و أنا أبرء إلى الله تبارك و تعالى ممن يغلون فينا و يرفعنا فوق حدنا كبراءة عيسى بن مريم من النصارى قال الله تعالى : ” و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله قال سبحانك … ” و قال الله عز و جل ” لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله و لا الملائكة المقربون ” و قال عز و جل : ” ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل و أمه صديقة كانا يأكلان الطعام ” و معناه إنهما كانا يتغوطان . فمن ادعى للأنبياء ربوبية و ادعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة فنحن منه براء في الدنيا و الآخرة ..” ( عيون أخبار الرضا 1/216 )

انظروا الى هذا الحديث الشريف كيف يطلب منا رسول الرحمة بعظمته و جلالة قدره أن لا نرفعه فوق قدره لأنه يفتخر بعبوديته قبل أن يكون رسولا . إنه عبد مكرم من عباد الله و الأئمة كلهم عبيد ثم هناك صفات و خصال مادية تجمعنا و إياهم . يقول تعالى عن لسان رسوله : ” ما كنت إلا بشرا رسولا ” فما بال هؤلاء القوم يريدون أن يضفوا على ائمتنا عليهم السلام اوصافا تقربهم من الألوهية حتى يقول بعض الشعراء فيه اشعارا كلها غلو و مبالغة و تاليه .

و لا أريد ذكر الأشعار الكثيرة التي ترزخ بها دواويننا و كثير منها اشعار غالية لا تمتّ إلى الواقـع بصلة .

و انظر إلى الإستدلال اللطيف للإمام الرضا عليه السلام بأنهم بشر و لهم خصال و صفات بشرية لا تختلف مع غيرهم ثم يأتي بالآية الشريفة التي تقول ” كانا يأكلان الطعام ” و هذه الجملة كناية مبطنة عن أنهم يأكلون مثل ما نأكل و يحتاجون إلى تفريغه مثل ما نحتاج .

تذكرت قصة قبل مدة حيث جاء أحد الوعاظ في بيت أخي و ارتقى المنبر و من جملة ما قال أن النبي و الأئمة كانوا لا يحتاجون مثلنا إلى الحمام ( التغوط ) لأن الأكل يتحول في جسمهم إلى البخار !!! انفطرت ضاحكا و غاضبا من المستوى العقلي لمثل هؤلاء حيث يريدون أن يمدحوا الأئمة فيحطون من قدرهم و هم لا يعلمون . و عندما هبط إلى أسفل المنبر قلت له يا شيخ ، هذا هو القرآن يعلن أنهم يأكلون الطعام و يمشون في الاسواق ( و الذي يأكل الطعام لا بد له من أن يتغوط ) و يعلن أن الرسول يصرح بأنه بشر منّ الله عليه بالرسالة ” قل إنما انا بشر مثلكم ” .. ” ما كنت إلا بشرا رسولا “

ذكرت هذه القصة كمثال و لعمري رأيت ما رأيت طوال عمري من الكلمات العجيبة و الغريبة في حق الأئمة ، يريد أصحابها أن يرفعوا شأنهم و لكنهم بهذه الخرافات يحطون من مقامهم السامي و درجتهم العالية و هم لا يعلمون .

ثم انظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام يتبرأ من الغلاة كبراءة عيسى من الغلاة النصارى حيث اعتبروه إلها من دون الله .

و الفقرة الأخيرة أنقلها مرة أخرى لنضعها في ذهننا و نستوعبها بدقة متناهية . يقول الإمام عليه السلام : ” فمن ادعى للأنبياء ربوبية و ادعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة فنحن منه براء في الدنيا و الآخرة “

نعم لا نخلط بين النبي و الإمام مثل ما لا نخلط بينهم و بين الرب . رأينا كيف يتبرأ الإمام من الذي يدعي للأئمة ربوبية أو نبوة . أجل هناك فرق بين الفضل و بين الصفة . ربما كان الأئمة أفضل من بعض الأنبياء أو كلهم ( و له بحث خاص ) و لكن الفضل شيء و خصائص النبوة شيء آخر .

و اليكم حديثا آخر :

روى أبو هاشم الجعفري قال سألت ابا الحسن الرضا عن الغلاة و المفوضة فقال : ” الغلاة كفار و المفوضة مشركون . من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زاوجهم أو تزوج منهم أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدّق حديثهم أو  اعانهم بشطر كلمة ، خرج من ولاية الله عز و جل و ولاية رسوله و ولايتنا أهل البيت .”

المفوضة : هم الذين يعتقدون بأن الله خلق الخلق ثم اعتزل تاركا الأمر للائمة ليدبروا شئون العالم . و أما الغلاة – فكما سلطنا الضوء عليهم –  يعتقدون بألوهية الأئمة أو أنهم اشباه إله ! أو أنصاف آلهة ! و يعتقدون بأنهم مؤثرون في الكون بالإستقلال . فمن يعتقد بأن أحدا ( نبيا كان أو وصي نبي ) مؤثر في الوجود بذاته دون الإستعانة بالرب فإنه مخطئ ولو تمادى في عقيدته ، فسيكون غاليا و الغلاة – كما يقول الإمام عليه السلام – كفار لأنهم يعتقدون بأن الإمام يتصرف كالرب في الكون ، كما أن المفوضة يعتقدون بتفويض الأمور إلى الأئمة فحتى الحشر و النشر بيدهم و هؤلاء أخطر من الغلاة

دققوا في هذا الحديث حيث يتبرأ منهم الإمام أكثر من أي فرقة و يأمرنا بعدم مخالطتهم و مجالستهم و معاشرتهم و يختم حديثه بأن من اعانهم بشطر كلمة فقط فإنه يخرج من ولاية الله تعالى .

قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : ” يا معشر شيعة آل محمد عليه و عليهم السلام كونوا النمرقة الوسطى . إليكم يرجع الغالي و بكم يلحق التالي . فقال رجل : جعلت فداك و ما الغالي ؟ قال : ” قومٌ يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، فليس أولئك منا و لسنا منهم ” . قال : فما التالي ؟ قال :” المرتاد ( الإرتياد بمعنى الذهاب و المجيء ) يريد الخير يبلغه الخير و يؤجر عليه ” ثم أقبل علينـا فقال :
” و الله ما معنا من الله براءة و ما بيننا و بين الله قرابة و لا لنا على الله حجة و لا يُتقرب الى الله إلا بالطاعة ، فمن كان منكم مطيعـا نفعته ولايتنا و من كان عاصيا لم تنفعـه ولايتـنا .” ( الكافي 2/75 )

و قد ورد نفس الحديث في مستدرك الوسائل (11/257 ) عن عمرو بن سعيد عن الإمام الباقر عليه السلام و في نهايته إضافة : ” و لا تفتروا و لا تغتروا ”
يا إلهي .. كيف يعتقد الجهال منا أن مجرد حبهم لأهل البيت يدخلهم الجنة دون حساب و عقاب بل و أكثر من ذلك فهناك بعض المغترين يعتقدون أن الشيعي يدخل الجنة حتى ولو كان عاصيا ؟!!!
من أين جاءوا بهذه النتيجة الخاطئة مع أن الأئمة عليهم السلام يؤكدون في أحاديث كثيرة أن الله لا يُتقرب اليه إلا بالطاعة و أن ولايتهم لا تنفع العاصين ؟
و هذا هو نص القرآن ينطق جهارا لا لُبس فيه : ” فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره ” و أن ” ليس للإنسان إلا ما سعى و ان سعيه سوف يرى ” .
اذن فالأمر ليس كما يفكر بعضنا تفكيرا بسيطا ساذجا أن الأئمة عليهم السلام يشفعون لنا مهما كانت ذنوبنا و نوايانا ؟!! هذا التفكير خاطئ و نحن أمام الله و إنه يراقبنا في كل صغيرة و كبيرة فإذا أطعناه و تجنبنا الكبائر و لم نصرّ على الصغائر و عملنا حسنا فإن شفاعتهم تصيبنا و إلا فلا .
إنها كلمة ثقيلة و لكن علينا أن نعرف و علينا أن نعمل .

لا يمكن التقرب الى الله بمجرد البكاء على مصابنا بأبي عبد الله عليه السلام فلا تغتروا ( كما يؤكد الإمام ) لا تغتروا بمجرد اعتباركم أنفسكم موالين .. لا تغتروا بمجرد حب علي و أبنائه . الأمر أصعب من ذلك بكثير .
لا أريد أن أنفي الشفاعة أو أوجد اليأس من رحمة الله التي وسعت كل شيء و لكن الله هو يحذر عباده أكثر مما يبشرهم .. فالحذر الحذر من العصيان و التمرد أمام بارئكم . ابليس ابتعد عن رحمة الله لمجرد تكبر و تمرد للحظة واحدة ، فلا تتجبروا و لا تتكبروا و لا تغتروا .
و لكي نتعرف أكثر على هذا الموضوع الهام إليكم هذا الحديث :
الإمام العسكري عليه السلام ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال :
“.. أما المطيعون لنا فيغفر الله ذنوبهم إمتنانا إلى إحسانهم ” قالوا : يا أمير المؤمنين و ما المطيعون لكم ؟قال : ” الذين يوحدون ربهم و يصفونه بما يليق به من الصفات و يؤمنون بمحمد صلى الله عليه و آله و يطيعون الله في إتيان فرائضه و ترك محارمه و يحيون أوقاتهم بذكره و بالصلاة على نبيه (ص) و يتقون على أنفسهم الشح و البخل و يؤدون كل ما فرض الله عليهم من الزكوات و لا يمنعونها .”

أجل .. المؤمنون الذين يؤدون ما عليهم من الفرائض و الواجبات و يجتنبون ما حرم الله عليهم من المحرمات هم دون غيرهم يستحقون أن يغفر الله ذنوبهم . فالشيعي من شايع عليا و والاه و اتبعه . و ليس المحب شيعيا إلا أن يكون مطيعا لله و لنبيه و للأئمة الأطهار .
و اليكم هذا الحديث لتعرفوا كيف يتعامل الإمام مع من يدعي التشيع :
عن أبي الصباح الكناني قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إنا نعبر بالكوفة فيقال لنا جعفرية . قال : فغضب أبو عبد الله عليه السلام و قال :
” إن أصحاب جعفر منكم لقليلٌ . إنما أصحاب جعفر منكم لقليل . إنما أصحاب جعفر من اشتدّ ورعه و عمل لخالقه “( رجال الكشي 2/525 )

أنظروا كيف يغضب الإمام و هو صاحب الخلق العالي ، يغضب لمجرد أن الناس يقولون عنا جعفرية ! لماذا ؟ لأن الإمام يعرف أن قليلا ممن يدعون التشيع ، حقا شيعة يتبعون جعفر بن محمد سلام الله عليه و لذلك فإنه يؤكد و يكرر على أن أصحاب جعفر من الشيعة قليل و إنما يستطيع من يكون ورعا متقيا أن يدعي الجعفرية . فليست الجعفرية مجرد لقلقة لسان .

إليكم نصيحة أخرى من إمامكم الصادق سلام الله عليه :
” يا ابن جندب بلّغ معاشر شيعتنا و قل لهم لا تذهبنّ بكم المذاهب فو الله لا تنال ولايتنا إلا بالورع و الإجتهاد في الدنيا ” ( تحف العقول / 223 )
ألا يكفينا هذا الحديث لنعلم ماذا يريد منا أئمتنا ؟ هذا هو الإمام يقسم بالله العظيم أن ولايتهم لا تنال إلا بالورع عن المحارم و الإجتهاد في اتيان الفرائض  .
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟ و إني لعلى علم يقين أن قسما كبيرا من أحاديثنا زوّرها و حرّفها قوم من أعداء آل محمد و دسّوها في كتبنا لكي يتجرأ الشيعي على ارتكاب المحارم و التباطؤ في الفرائض حتى يضحكوا علينا و يكون مصيرنا كمصيرهم الأسود و العياذ بالله .
استمعوا معي مرة أخرى لحديث آخر و حلقوا في عالم الحقيقة بعيدا عن الأفكار الخاطئة و انظروا أبي جعفر عليه السلام يقول لنا بصراحة دون مجاملة :
” يا خيثمة أبلغ موالينا إنا لسنا نغني عنهم من الله شيئا إلا بعمل و إنهم لن ينالوا ولايتنا إلا بورع ” ( تفسير فرات الكوفي /84 )
يحصر الإمام ولايتهم بالورع و الكف عن كل المحرمات و بالعمل الصالح و يؤكد أنهم لن يغنوا عنا من الله شيئا .
هذا فضيل ينقل عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام :
” بلغ من لقيت عنا السلام و قل لهم إن أحدنا لا يغني عنهم و الله شيئا إلا بورع فاحفظوا ألسنتكم و كفوا أيديكم و عليكم بالصبر و الصلاة إن الله مع الصابرين ”  ( مستدرك الوسائل 11/268 )

و بعد كل هذا هل تعتقدون أن مجرد يكاء أو لطم على الحسين عليه السلام يكفي لدخول الجنة ؟ لا يا أعزائي فطريق الجنة محفوفة بالمكاره و المصاعب و المصائب .
قال الإمام الصادق عليه السلام : ” … و اعلموا أن الله تعالى إنما أمر و نهى ليُطاع فيما أمر به و لينتهى عما نهى عنه .. و اعلموا أنه ليس بين الله و بين أحد من خلقه ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا من دون ذلك من خلقه كلهم إلا طاعتهم له ، فاجتهدوا في طاعة الله إن سرّكم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا “( مستدرك الوسائل نقلا عن الكافي )

و في رواية أخرى قال : ” و اعلموا انه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا لا ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا من دون ذلك ” ( أمالي الطوسي 1/279 )
أئمتنا يصرون و يؤكدون على هذا القول الخطير أنه لن يغنوا عنا شيئا إلا بالطاعة و يطلب الإمام منا أن نبلغ الشيعة بهذا الأمر حتى لا يفتروا و لا يغتروا .. فأبلغوهم معي هذا الأمر و لا تتوانوا في بيانه للكبار و الصغار ولو بلغ ما بلغ . أعلموهم أننا لا نتقرب إلى الله إلا بإطاعته و ترك نواهيه و من لم يكن متقربا اليه فلا يثقبله أهل بيت رسول الله قطعا و جزما .
أسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته و طاعة رسوله و الأئمة الميامين عليهم السلام و يرزقنا شفاعتهم إن شاء و قدّر . و سلام على عباد الله الصالحين .

و أخيرا أنظروا ماذا يقول الإمام الرضا عليه السلام في دعائه :
” … اللهم إني أعوذ بك و أبرأ اليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحق . اللهم إني أبرأ اليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا .. اللهم إنا عبيدك و أبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا . اللهم من زعم أنا أرباب فنحن منه براء ، و من زعم أن الينا الخلق و علينا الرزق فنحن منه براء كبراءة عيسى بن مريم عليه السلام من النصارى ، اللهم انا لم ندعهم الى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون و اغفر لنا ما يدعون و لا تدع على الأرض منهم ديارا إنك إن تذرهم سضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا ” ( البحار 25/343 )

و أما كيف وصل الغلو إلى أحاديث الأئمة عليهم السلام ؟

الغلو في أحاديث الأئمة عليهم السلام لم يكن نتاج يوم و ليلة و لم يكن نتاج شخص أو شخصين فهناك جبهة مهاجمة من طرف أعداء الأئمة عليهم السلام يسعون الوصول الى عقول الشيعة عن طريق تحريف روايات ينقلونها من الأئمة عليهم السلام للوصول الى أهدافهم الخبيثة . و من جملة الذين حرّفوا كثيرا و نقلوا روايات غالية لتغيير وجهة البسطاء من الشيعة ، مغيرة بن سعيد فإنه كان يستغل حب الناس للإمام الباقر عليه السلام و اطاعتهم له في سبيل نشر أفكاره الخاطئة عن طريق نسبة أحادث مجعولة الى الإمام الباقر و كم من هذه الأحاديث و غيرها عن طريق أفراد مثله انتشرت انتشارا وسيعا بين عامة الشيعة ، يتداولونها فيما بينهم ظنا منهم أنها في فضل أهل البيت و لم يعرفوا أنها تسعى الى ابعاد ذوي الألباب عن عترة رسول الله صلى الله عليه و عليهم .
و من السبل العجيبة التي كان يتبعها مغيرة أن يرسل جماعة من أصحابه لينتشروا بين أصحاب الإمام الباقر عليه السلام و يصبحوا من خاصّة شيعته ! حسب الظاهر و عندما يطمئن اليهم الأصحاب و يثقون بهم ، يحاولون أخذ كتب الحديث المدونة من قبلهم من هؤلاء و يسلمونها الى المغيرة ليدسّ بينها احاديثه المجعولة دون علمهم و عندما أرادوا استنساخ الأحاديث ، كانت تلك الأحاديث المجعولة ضمن الأحاديث الصحيحة دون أن يعلم أحدٌ كيف وصلت و كيف انتشرت ؟
أنظروا الى الأساليب الجهنمية للتزوير في ذلك العصر من طرف أعداء الأئمة عليهم السلام . مثلا كان كتاب أبان بن تغلب رضوان الله عليه و هو من خاصة أصحاب الإمام لا يمكن الدس فيه و انكاره و تكذيبه و لكن اذا كان هؤلاء المزورون يأخذون الكتاب و يدسون فيه خمسين حديثا مزورا ثم لا ينشرون الكتاب الأصلي بل ينشرون المزور بين الشيعة ، خاصة أولئك القادمين من مناطق نائية و ينسبونها الى أبان بن تغلب عن الإمام الباقر عليه السلام . فلا يمكن لإثنين أن يختلفا في مدى صدق و وثوق أبان ، و بهذه الوسيلة تنتشر الروايات المجعولة بإسم أكثر الأصحاب اعتبارا بين الناس فيختلط الأمر على العوام بل و حتى على الخواص.

و نرى أن الإمام الصادق عليه السلام يفشي هذا التزوير عن ذلك الرجل الخبيث :
يقول الإمام الصادق عليه السلام : ” كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي ، ويأخذ كتب أصحابه و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدسّ فيها الكفر و الزندقة و يُسندها إلى أبي ثم يدفعها الى أصحابه فيأمرهم أن يتلوها في الشيعة ، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك ما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم ” ( رجال الكشي /225 )
أنظروا الى هذا السند الخطير حيث يزيل إمامنا الصادق عليه السلام الستار عن أقبح تزوير في تاريخ الأئمة و بالتالي فإن اختلاط الأحاديث الصحيحة مع المزورة تجعل الأمر صعبا خاصة لأولئك الذين لا يستفيدون من عقولهم في تمييز لحق من الباطل . فاذا وصلنا حديث عن طريق أبان بن تغلب عن الإمام الباقر عليه السلام فلا يمكننا الطعن فيه لعظمة مقام أبان و صدق حديثه و اعتماد الأئمة عليه و لكن بهذه العملية التزويرية ينسب أعداء آل محمد من الغلاة أحاديثا مزورة الى الأئمة و عن طريق أكثر الأصحاب وثوقا و اعتمادا و تصل تلك الأحاديث الينا عبر الكتب الروائية غير المنقحة و نأخذها بعين الإعتبار بل و نجعلها من المسلمات و ننشرها دون وعي بين أصحابنا فيمتلئ الوسط الشيعي من الأحاديث المجعولة الداعية الى الغلو و التي يعبر عنها الإمام بالكفر و الزندقة .
و لكن الإنسان العاقل لا يستطيع أن ينظر فقط الى السند بل عليه أن يحكّم عقله في كل الأحاديث و هذا ما نستفيده من حديث الإمام الصادق عليه السلام فالإمام يرسم لنا قانونا عاما وهو عدم الإكتفاء بسند الحديث بل و التحقيق في الحديث من كل الجوانب فإذا رأينه مخالفا لنص القرآن أو مخالفا للأحكام البديهية العقلية أو معارضا للسنة الصحيحة المحمدية ، نرفضه و نضربه عرض الحائط ولو كان السند صحيحا معتبرا مائة بالمائة .
و نستفيد أيضا من هذا الحديث أن المغيرة بن سعيد كان يستغل حب الناس و مودتهم لأهل البيت ليدسّ أحاديث الغلو فيما بينهم . و هذا هو أسهل و أقرب السبل للوصول الى قلوب الموالين حيث يرون ظاهر الأحاديث جميلا يدعو الناس الى المبالغة في حب أهل البيت – حسب الظاهر – و لكنها كانت تبطن سموما ناقعة .
و يتبين أيضا أن أكثر أحاديث الغلو ( لا كلها ) كانت تنتشر عن طريق المغيرة بن سعيد و بالطرق الملتوية بين الشيعة . و العجيب أن هذا الشخص كان يحاول بشتى السبل إظهار الأئمة أن لهم تأثيرا دون واسطة في الحياة و انهم يعلمون الغيب . وكان مما يقوله للإمام الباقر عليه السلام : ” أخبر الناس أني أعلم لغيب و أنا أطعمك العراق ” ( شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة 8/121)

انه بهذا الكلام يحاول أن يبرز الإمام بصورة رب معبود ( و العياذ بالله ) يعلم الغيب و يتصرف في الأمور كالإله فإن استطاع أن يوجه الناس الى ألوهية الأئمة فقد وصل الى مبتغاه و هو التصرف في أوساط العراقيين لأنه كان من العراق و يريد التسلط على العامة و هو يعلم مدى حب العراقيين  و ولائهم للعترة الطاهرة عليهم السلام .
ولولا كشف الإمام الصادق عليه السلام نواياه الخبيثة لتمادى الكثيرون في غيهم و غلوهم و لكننا نحتاج اليوم أيضا الى كلمات الإمام الصادق عليه السلام لنطهر كتب الحديث من الروايات التي تدعو الى الغلو في الئمة و ما أكثرها مع الأسف الشديد !
أنظروا الى الإمام الصادق عليه السلام كيف يفند خطط المغيرة آنذاك و يقول :
“لعن الله المغيرة بن سعيد انه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حرّ الحديد . لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا و لعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا و اليه مآبنا و معادنا و بيده نواصينا ” ( مجمع الرجال 6/118 )

أجل .. لعن الله من قال فيهم ما لا يقوله في أنفسهم .. لعن الله الغالين في كل زمان و مكان .. لعن الله الغلاة الجهال الذين يرفعون الأئمة الى مستوى الربوبية و العياذ بالله ( و انهم موجودون بيننا و بكثرة ) !!!

خلال هذه الأيام و بينما كنت أتابع موضوع الغــلو جاءني أحد المؤمنين يسأل عن صحة قصة منسوبة إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله ، سمعها تلك الليلة من الخطيب .مجمل القصة أن رسول الله (ص) دخل دار فاطمة (ع) مسلما على أهل الدار و لم يكن عليٌّ في البيت . فاستغربت فاطمة أن الرسول لم يسأل عن علي ( من غير عادته ) فسألت أباها متعجبة : لماذا لا تسأل عن علي ؟ فقال : لأنني لم أكن على وضوء ، و ما أحببت أن اذكر اسم علي بدون وضوء !!!!!!
عندما سمعت هذه القصة العجيبة التي اختلقها أعداء آل البيت للتنقيص من مقامهم ، ارتجفت من الغضب و الحزن في نفس الوقت .
رسول الله .. هذا الإنسان الكامل و الرجل العظيم الذي لم يخلق الله له مثيلا و لن يخلق ، و لا يصل الى مرتبته و درجته كل الأنبياء و الأولياء معا .. هذا الإنسان العظيم لا يتفوه بإسم علي لأنه بدون وضوء !! و علي عليه السلام يقول أكثر من مرة : ” أنا عبد من عبيد محمد ” و يريد أن يثقفنا و يدرسنا و يعلمنا حتى لا نقيس بمحمد أحدا أبدا .
ثم هل من المعقول أن أولياء الله دائما على وضوء و الرسول يتخلف و يشذّ عنهم و يمشي بدون وضوء؟  كيف يمكن أن يخرج الرسول من بيته دون أن يتوضأ و هل الوضوء مُكلف الى هذا الحد حتى يتخلى عنه رسول الله ؟
أ لا ننتظر بعد سرد هذه القصة الخرافية أن يتهمونا بأننا نقدس عليا أكثر من رسول الله ؟
اللهم إنا نستجير بك و نعوذ بك مما يعتقده جهالنا و بسطاؤنا ولو كانوا في زي العلماء !
و مثل هذه القصة تمتلئ كتب الأساطير الشيعية التي أتمنى أن تتطهر يوما ما من الخرافات و الأساطير .

و لنقرأ حديثا آخر :
” عن داود بن كثير قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أنتم الصلاة في كتاب الله و أنتم الزكاة و أنتم الحج ؟ فقال : يا داود ، نحن الصلاة في كتاب الله و نحن الصيام و نحن الحج … و نحن كعبة الله و نحن قبلة الله و نحن وجه الله . قال تعالى :  اينما تولوا فثمّ وجه الله … و عدونا في كتاب الله الفحشاء و المنكر و البغي و الخمر و الميسر و الميتة و الدم و لحم الخنزير … ” ( بحار الأنوار 24/303 )

بالرغم من ان النجاشي قدس سره يعتبر الراوي من الغلاة ( رجال النجاشي /119 ) و يقول عنه انه ضعيف جدا و بالرغم من ان السيد الخوئي قدس سره يقول في معجمه بأنه لم تثبت وثاقته ( معجم رجال الحديث 7/125 ) بالرغم من كل ذلك هل يمكننا قبول مثل هذا الكلام ؟ و الإمام الصادق عليه السلام يصرح أنه : ” ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعلمون ” ( البحار 24/300 ) فكيف يخاطب الأئمة بأنهم الصلاة و الصيام و فوق هذا بأنهم وجه الله !!! ” سبحانك هذا بهتان عظيم ” و كيف يعتبر أعداءهم الخمر و النيسر و لحم الخنزير و غير ذلك ؟ و ما هو وجه المقارنة و المشابهة بيهم و بين المحرمات و بين الأئمة و العبادات ؟!
و العجيب أن أمثال هذا الحديث كثير جدا بين أحاديثنا التي تحتاج حقا إلى غربلة و إلى تصفية و تنقيح و تطهير . و يعتقد السذج من الموالين أن مثل هذه الأحاديث تبين فضائل الأئمة و مساوئ أعدائهم . و يتشبثون بهذه الأحاديث المختلقة لتبيان فضائل الأئمة و عندما ينقلونها الخطباء في مجالسهم في زماننا يبتهج المؤمنون.. و لا يعلمون أن هذه الأحاديث وضعها أعداء الأئمة للإنتقاص من مقامهم الرفيع  ليس إلا .

و لقد ذكرت فيما مضى أن بعض علمائنا عندما يصلون الى مثل هذه الأحاديث يحاولون تأويلها بشتى السبل و هذا أيضا غير صحيح فلا يمكن تأويل تشابه الإمام بوجه الله بأي حديث آخر و بأي منطق معقول .

و مما أتذكره أن أحد كبار علمائنا يؤول حديثا نُقل عن علي عليه السلام أنه يقول بأن كل ما في القرآن في الفاتحة و كل ما في الفاتحة في البسملة و كل ما في البسملة في الباء و أنا النقطة تحت الباء  و رأيت كثيرا من المعاصرين ينقلون هذا الحديث كفضيلة لعلي بن أبي طالب ! لا أدري ما معنى هذا الكلام حتى يؤولونه ؟ كيف يجتمع كل القرآن بما فيه من أحكام و متشابهات و مسائل قيّمة في الباء و ما معنى أن يكون علي النقطة تحت الباء ؟!!
و لقد بحثت عن مصدر الحديث فما رأيت إلا السيد نعمة الله الجزائري و الملا هادي السبزواري ينقلانه من جهة غير معلومة و المعروف عن الجزائري نقله للأحاديث الضعيفة و أما الملا هادي السبزواري فإنه فيلسوف قبل أن يكون محدثا . و ما رأيت القدماء من كبار علماء الحديث ينقلونه فما هو الداعي لتأويله ؟! و هل ينقص أئمتنا من الفضل و الكمال شيئا حتى نتشبث بالمختلقات و الأكاذيب لإعلان فضلهم و منزلتهم و هم ساسة العباد و أركان البلاد و أمناء الرحمن و قادة الأمم و عناصر الأبرار و دعائم الأخيار ؟ و العجيب أن قوما أصبح يُطلق عليهم (( النقطوية )) لأنهم يعتمدون في مسلكهم و مذهبهم على هذا الحديث و حاربهم علماء ذلك الزمان حتى قُضي عليهم !

الى متى نبقى في دوامة الأكاذيب و لا نخرج منها إلى الحقائق و كأنها من المسلّمات ؟ الى متى يبقى أئمتنا مظلومين حتى من قبل مواليهم و أتباعهم و شيعتهم ؟ إلى متى نسكت عن قول الحق بحجة أن الطرف الآخر لا يستطيع تقبل الحقائق ؟

من الجدير بالذكر أن الغلاة و الذين كانوا يحرفون و يضعون الأحاديث لم ينحصروا بأفراد ضربنا لبعضهم مثلا فقد كانوا كثيرون و في كل زمن يتجدد عهدهم . فقبل أبي الخطاب مثلا جاء مغيرة بن سعيد و معه أصحابه الذين كانوا يساعدونه في خلق الأحاديث و جعلها و بعد أبي الخطاب أيضا كان هناك كذابون مثل محمد بن علي الصيرفي المعروف بابن سمينة . و هذا الأخير كان يختلق يوميا أحاديث و ينشرها بين عوام الشيعة أو يحشرها في كتب الحديث و كان غاليا معروفا بالكذب و الدجل . قدم الى قم و نشر أحاديثه المجعولة فأبعده أحمد بن محمد بن عيسى ( المحدث الجليل ) كما ورد في كتاب مجمع الرجال (5/265 )
يقول صاحب المستدرك نقلا عن رجال أبي داود : ” ان الكذابين المشهورين أربعة : أبو الخطاب و يونس بن ظبيان و يزيد الصائغ و أبو سمينة أشهرهم “(4/81)

و من المؤسف أن الكليني قدس سره ينقل عنه أحاديث دون تصحيح . حتى أن الصدوق رحمه الله يقول في ” من لا يحضره الفقيه 2/321 ” أبو سمينة الصيرفي كان ضعيفا جدا و رواه الكليني في الضعيف عنه أيضا . و البرقي رحمه الله ينقل من أبي سمينة 190 حديثا في كتابه المحاسن بدون سند متصل !أنقل منها نماذج تضحك منه الثكلى :
” ينقل هذا الكذاب عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال : ” ان الله عز و جل خلق ديكاً أبيض عنقه تحت العرش و رجلاه في تخوم الأرضين السبعة ، له جناح بالمشرق و جناح بالمغرب . لا تصيح الديكة حتى يصيح ، فإذا صاح خفق بجناحيه ثم قال : سبحان الله .. سبحان الله العظيم . فيجيبه الله فيقول : ما آمن بي بما تقول من حلف بي كاذبا ” ( المحاسن 1/118 )

لا يستحيي الرجل بعد أن كذب على الإمام الباقر عليه السلام لا يستحي أن يكذب على الله أيضا . و المؤسف حقا أن ينقل الطبرسي هذا الحديث دون تفكر في كتابه ” مكارم الأخلاق ” و ينقل عنه المجلسي في بحاره هذا الحديث و أمثاله الكثير الكثير !!
و ينقل البرقي في محاسنه ( الكتاب الجليل) أيضا قوله نقلا عن الإمام السجاد عليه السلام : ” لا تنهكوا العظام فإن للجن فيه نصيبا !!! ” و هل يعقل أن الجن يأكل مما نأكل و هل هو مادي مثلنا يأكل أكلنا أو بقايا أكلنا ؟!!
و الأعجب أن البرقي رضوان الله عليه يغقب على هذا الحديث بعد أن جعله من المسلمات بأن هذا النهي كراهة و ليس حرمة !! ( المحاسن 2/472 ) و بالتأكيد ينقل المجلسي رضوان الله عليه هذا الحديث المهم ! عن المحاسن دون أي تعليق !
و ينقل أيضا عنه قولا منسوبا الى رسول الله أنه قال : ” لما عمل قوم لوط ما عملوا بكت الأرض الى ربها حتى بلغت دموعها السماء و بكت السماء حتى بلغت دموعها العرش … ” ( المحاسن 1/110 )
و من قبيل هذه الأحاديث كثيرة تزخر بها كتبنا و منابع حديثنا مع الأسف . و لم يكن قصدي من ذكر هذه الأمثلة الا الإستدلال على ضعف كثير من الأحاديث التي يعتبرها البعض من المسلمات و ينقلونها على المنابر بكل تفصيل و اهتمام و ينجذب الى سماعها العوام انجذاب الحديد الى المغناطيس . و كل ذلك بسبب عدم إعمال الفكر و تشغيل العقل .

و خلاصة القول أن كل حديث نسمعه أو نقرؤه يحتاج الى معرفة من رووه إن كانوا ثقة معتمدين و معرفة محتوى الحديث إن كان مطابقا للقرآن و السنة المحمدية الصحيحة و الأخبار و الروايات المعتبرة المنقولة عن أهل بيت الرحمة صلوات الله عليهم ، فنحن اليوم أحوج إلى محك و ميزان يميز لنا الحق من الباطل ، و ذلك لكثرة النحريف و انتشار التزوير و بروز حالة الغلو في كثير من الناس و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .



التصنيفات :بحوث

2 replies

  1. المشكلة في الفكر السطحي الساذج الذي لا يريد صاحبه ان يتخلى عنه ويرتقي حتى وان دخل الجامعات العلمية
    لكن يا استاذنا الفاضل
    اني لا أرى الغلو يسود في الفكر الشيعي كما رسمتم
    لا شك ان الاخطاء كثيرة
    والاكثر منها ينزل شأن آل البيت مما هم عليه

    • شكرا جزيلا لمداخلتكم الراقية
      و لكني لا زلت أرى الغلو سائدا في بعض الطوائف الشيعية لا كلهم مثلما تسود الخرافات وبشكل كبير مع الأسف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: