سفراء الإمام الحجة روحي فداه

 

 يا قائم

بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

 

خلال ٦٩ عاما من بداية إمامة مولانا الحجة المنتظر عجل الله فرجه إلى نهاية فترة النواب الأربعة ، حيث انتهت بوفاة آخر سفراء الإمام سلام الله عليه ، كان الإتصال مع الإمام عن طريق نوابه الأربعة حيث يستفسرالمؤمنون عن أحكامهم و مسائلهم الشرعية أو يسألون عن صرف الحقوق و موارد الصرف وغيرها من مسائل دينهم و دنياهم و يجيبهم الإمام شفويا عبر النواب أو تخرج تواقيع من الناحية المقدسة . هكذا ورد في كتب العلماء السابقين ، و لكن ماهي نوعية التواقيع ؟ هل فعلا كانت الكتب تخرج موقعة من قبل الإمام أم أن أحدا يكتب و يعطيها للنواب أو أن النواب أنفسهم يكتبون بعد ما سمعوا الأجوبة شفوية منه سلام الله عليه ؛ كل هذه الأمور غامضة و غير واضحة و لكن هكذا رأينا علماءنا يكتبون : التواقيع الخارجة من الناحية المقدسة . ولا يهمنا كيفية أو نوعية التواقيع أو الكتب المحررة لأنه لا يوجد ما يُستدل عليه إلا ما حرره الأقدمون ممن لهم إتصال بالنواب الأربعة . و كل هذه التواقيع أو بالأحرى الأحاديث خاضعة للجرح و التعديل و البحث و التحقيق .

 

السفراء الأربعة هم :

١- أبو عمرو، عثمان بن سعيد العمري

٢- أبو جعفر ، محمد بن عثمان بن سعيد العمري .

٣- أبو القاسم ، حسين بن روح النوبختي .

٤- أبو الحسن ، علي بن محمد السمري .

 

ولنلق نظرة موجزة على حياة هؤلاء الشخصيات رضوان الله عليهم :

١- عثمان بن سعيد العَمري

هذا الصحابي الجليل كان من وكلاء الإمامين الهادي و العسكري عليهما السلام و كان من أقرب الأصحاب اليهما ومن الموثقين و المعتمدين لديهما

يقول الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام في حقه :

“ هذا أبو عمرو ، الثقة الأمين ، ما قاله لكم فمني يقوله و ما أداه إليكم فعني يؤديه “ ولعمري لا يوجد وصف أفضل و أحسن مما وصفه مولانا الإمام الهادي عليه السلام حيث يقر بوثاقة أبي عمرو و أمانته بل و يكرر أن ما يقوله فكأنما ينقل كلامي و ما يؤديه لكم فإنما يؤديه عني . و من هذا الحديث الشريف ، يتبين مدى عظمة الرجل و مكانته حيث يعتمد عليه الإمام كليا، فلا يمكن أن يخرج منه إلا الصدق و الأمانة ، والوفاء لمولاه و سيده .

و أما الإمام الحسن العسكري عليه السلام فيقول عنه :

« هذا أبو عمرو ، الثقة الأمين ، ثقة الماضي و ثقتي في المحيا و الممات ، فما قاله لكم فعني يقوله ، و ما أداه إليكم فعني يؤديه . »

و في مكان آخر يقول الإمام العسكري (ع) : «اشهدوا على أنّ عثمان بن سعيد العَمري وكيلي، وأنّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم» .

عجبا فكلا الإمامين يصفانه بالثقة الأمين ، و معنى ذلك أن هذا الصحابي الجليل استمر في أمانته و وجاهته و صدق كلامه و لم يحيد عن الأمانة والصدق قيد أنملة ، ولكي يأخذ الدرجة الممتازة في الوثاقة ، يعترف الإمام سلام الله عليه بأنه ثقة و معتمد من قبله في حياة الإمام و بعد مماته أي أن الرجل لن يتغير و لن يتبدل و سيبقى دائما ضمن دائرة الوثاقة العالية الى آخر ساعة من حياته المباركة .

عثمان بن سعيد كان معروفا بالسمان ، لأنه يبيع السمن . و لكن هل حقا يحتاج الى هذا البيع و هذه التجارة أم أن بيع السمن و الدهن غطاء له حتى لا يصل اليه العدو .. و هكذا كان يجعل الدنانير و الدراهم التي يأتي بها الشيعة الموالون اليه ، يجعلها في مواعين و قدور السمن و يقدمها لسيدنا الإمام العسكري عليه السلام ، و بهذا التستر يصل الى مأربه دون خوف من الأعداء المتربصين بأصحاب الإمام .

جاء في كتاب كمال الدين و الغيبة للطوسي و غيرهما من المصادر أن عددا من وجهاء الشيعة منهم على بن بلال ، وأحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم ، والحسن بن أيوب بن نوح ( في خبر طويل مشهور ) قالوا جميعا:

اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام نسأله عن الحجة من بعده وفي مجلسه عليه السلام أربعون رجلا ، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال له : يا ابن رسول الله أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به مني .

فقال له : اجلس يا عثمان ، فقام مغضبا ليخرج ، فقال : لا يخرجن أحد ، فلم يخرج منا أحد إلى أن كان بعد ساعة . فصاح عليه السلام بعثمان ، فقام على قدميه فقال : أخبركم بما جئتم ؟

قالوا : نعم يا ابن رسول الله ( قال ) جئتم تسألوني عن الحجة من بعدي .

قالوا: نعم ، فإذا غلام كأنه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمد عليه السلام ، فقال : هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم . ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر ، فاقبلوا من عثمان ما يقوله وانتهوا إلى أمره ، وأقبلوا قوله ، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه .”[1]

نلاحظ في هذه القصة أن أباعمرو عثمان بن سعيد كان من خواص الإمام و عندما يأتي  وجهاء الشيعة اليه ، يريهم الإمام والحجة من بعده سلام الله عليهما ثم يعين عثمان بن سعيد وكيلا و خليفة للإمام الحجة (ع) . و معنى ذلك أن الإمام العسكري (ع) هو أول من عين أول السفراء الأربعة و بمحضر من الشخصيات الشيعية آنذاك حتى لا يبقى مجالٌ للشك لدى المشككين في الأمر .

و هكذا يستمر السفير الأول في عمله و يكون الوسيط بين الإمام و مواليه إلى أن يحين وقت الرحيل ، فيأمر الإمام الحجة عليه السلام بالوكالة لإبنه محمد بن عثمان . وقد توفي السفير الأول رضوان الله عليه سنة (٢٦٥ هجرية) و دفن في مدينة السلام ببغداد . و بعد وفاته خرج هذا التوقيع من الناحية المقدسة لإبنه محمد معزيا و مسليا:

«إنّا لله وإنّا إليه راجعون، تسليماً لأمره ورضاء بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه عليهم السلام، فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً في ما يقرّبه إلى الله عزّ وجل وإليهم، نضّر الله وجهه وأقاله عثرته»[2]

أقوال العلماء في حقه :

1ـ قال الشيخ الطوسي: «جليل القدر، ثقة، وكيله» أي: وكيل الإمام العسكري.

2ـ قال الشيخ الطوسي: «ولهما (أي: له ولأبنه) منزلة جليلة عند الطائفة».

3ـ قال العلاّمة الحلّي: «ثقة، جليل القدر، وكيل أبي محمّد».

  ٢- محمد بن عثمان

كما ذكرنا فإن محمد بن عثمان خلّف أباه بطلب من أبيه و أمر من الإمام الحجة عليه السلام و إعتماد الإمام له و التصديق على قابليته للسفارة ، فقد جاء في توقيع آخر للإمام الحجة عليه السلام :

“ أجزل الله لك الثواب ، و أحسن لك العزاء ، رزئت و رزئنا و أوشك فراقه و أوحشنا ، فسرّه الله في منقلبه . و كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولدا مثلك ، يخلفه من بعده ، ويقوم مقامه بأمره ، و يترحم عليه ، و أقول : الحمد لله فإن الأنفس طيبة بمكانك ، و ما جعله الله عز وجل فيك و عندك ، أعانك الله و قواك و عضدك و وفقك ، و كان لك وليا و حافظا و راعيا و كافيا “.[3]

 

روى الشيخ في كتاب الغيبة عن هبة الله بن محمد عن شيوخه قالوا:

” لم تزل الشيعة مقيمة على عدالة عثمان بن سعيد و جعل الأمر بعد موته كله مردودا إلى ابنه أبي جعفر و الشيعة مجمعة على عدالته و ثقته و أمانته للنص عليه بالأمانة و العدالة و الأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن العسكري عليهالسلام . و بعد موته في حياة أبيه عثمان بن سعيد لا يختلف في عدالته و لا يرتاب بإمانته و التوقيعات تخرج على يده إلى الشيعة في المهمات طول حياته بالخط الذي كانت تخرج به في حياة أبيه عثمان .”

و قال الشيخ أيضا: “ لما مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان مقامه بنص أبي محمد الحسن العسكري عليهالسلام و نص أبيه عثمان عليه بأمر القائم عليهالسلام.”.[4]

و كما ذكرنا آنفا فقد روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام انه قال في حقه : “اشهدوا علي أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي و أن ابنه محمدا وكيل ابني مهديكم “

و قد كان محمد بن عثمان فقيها حافظا لكثير من أحاديث الأئمة الهداة عليهم السلام و له كتب في الفقه مما سمعه من أبي محمد الحسن العسكري عليهالسلام و من صاحب الزمانعجل الله فرجه الشريف ، و من أبيه عثمان عن أبي محمد و عن أبيه علي بن محمد ، منها كتب الأشربة .

و روي عنه أنه قال :” و الله أن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس و يعرفهم و يرونه و لا يعرفونه “

و قيل له :أ رأيت صاحب هذا الأمر؟

قال : نعم و آخر عهدي به عند بيت الله الحرام و هو يقول :“اللهم أنجز لي ما وعدتني”.

و قال أيضا : رأيته عليهالسلام متعلقا باستار الكعبة في المستجار و هو يقول :“ اللهم انتقم بي من أعدائك “.

و توفي رحمه الله في آخر جمادى الأولى سنة خمس و ثلثمائة أو أربع و ثلثمائة و تولى هذا الأمر نحوا من خمسين سنة . هكذا حكاه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في كتاب الغيبة عن أبي نصر هبة الله بن محمد بن أحمد الكاتب ابن بنت أبي جعفر محمد بن عثمان العمري . و لا يخفى أن هذه المدة هي من حين ولادة ولي العصر عليهالسلام و هي سنة 255 إلى وقت وفاة محمد بن عثمان و هي سنة 305. مع أن محمد بن عثمان لم يتول السفارة من حين ولادة الحجة عليهالسلام بل بعد وفاة أبيه عثمان ، فلا بد أن ينقص من هذه المدة خمس سنين من ولادة الحجة عليهالسلام إلى حين وفاة العسكري عليهالسلام و ينقص منها مدة سفارة عثمان بن سعيد إلى حين وفاته و تولى ولده السفارة بعده. و دفن عند والدته بشارع الكوفة في بغداد .

 

٣- حسين بن روح النوبختي

محمد بن عثمان ، وقبل وفاته بسنتين ، جمع أعيان و شخصيات الشيعة في منزله و أخبرهم بأن السفير من بعده هو حسين بن روح النوبختي كما جاء في حديث الشيخ الطوسي حيث قال في كتاب الغيبة :

“أخبرنا جماعة عن أبي محمّد هارون بن موسى قال: أخبرني أبو علي محمّد بن همّام رضي الله عنه وأرضاه أنّ أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري جمَعَنا قبل موته ـ وكنّا وجوهَ الشيعة وشيوخها ـ فقال لنا: إنْ حَدَث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسينِ بن روح النوبختي؛ فقد أُمِرتُ أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه، وعوِّلوا في أُموركم عليه “[5]

و في رواية أخرى أن جماعة من وجوه الشيعة دخلوا على أبي جعفر محمد بن عثمان فقالوا له : “ إن حدث أمرٌ فمن يكون مكانك ؟

فقال لهم : “ هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي و السفير بينكم و بين صاحب الأمر عليه السلام و الوكيل له و الثقة الأمين ، فارجعوا اليه في أموركم و عولوا عليه في مهماتكم فبذلك أُمرت ، و قد بلّغت “.

بالرغم من جلالة قدره و عظم مكانته ، إلا أنه لا يوجد في المصادر المعتبرة تاريخ ولادته و لا مكانها و لكنه من أعلام القرن الرابع الهجري و من أصحاب الإمامين العسكري و الحجة المنتظر عليهما السلام .و يكفي في جلالة قدره أنه لم يتفوه أبدا بمكان صاحب الأمر سلام الله عليه لأنه كان شديد الصلابة في الحق وقوي العزم و الإرادة .

يقول أبو سهل النوبختي : “لو كان الحجّة(عليه السلام) تحت ذيله وقُرّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه”.

وردت أخبار كثيرة في نيابته منها :

عن الحسين بن عليّ بن بابويه قال: حدّثني جماعة من أهل بلدنا المقيمين كانوا ببغداد في السنة التي خرجت القرامطة على الحاجّ، وهي سنة تناثر الكواكب، أنّ والدي رضي الله عنه كتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدّس الله روحه يستأذن في الخروج إلى الحجّ، فخرج الجواب: لا تخرج في هذه السنة. فأعاد وقال: هو نَذْرٌ واجب، أفيجوز ليَ القعود عنه ؟ فخرج في الجواب: إن كان لابدّ فكن في القافلة الأخيرة.

وكان في القافلة الأخيرة.. فسَلِم بنفسه وقُتِل مَن تقدّمه في القوافل الأُخَر ( على يد القرامطة ).

وكتب عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ـ والدُ الشيخ الصدوق ـ رسالةً إلى الحسين بن روح يطلب فيها أن يسأل الإمامَ المهديّ عليه السّلام بأن يدعو اللهَ تعالى له ليرزقه أولاداً فقهاء من زوجته ابنة عمّه، فجاء الجواب أنّه لا يُرزق من زوجته هذه، ولكنّه سيملك جاريةً ويُرزق منها ولَدَين فقيهين. فلم تمضِ الأيّام حتى ملك جاريةً دَيْلميّة، فرزقه الله منها ثلاثة أولاد هم:

محمد

الحسن

الحسين

محمّد وهو الشيخ الصدوق. والحسين وكان فقيهاً علماً وآيةً في الفهم والحفظ هو وأخوه الصدوق، وكان الناس يتعجبون من ذكائهما ويقولون: إنّ هذا ببركة دعوة الإمام المهديّ عليه السّلام، حيث أبلغها الحسين بن روح، وهي قوله سلام الله عليه: قد دَعَونا لك بذلك، وستُرزَق ولدَينِ ذكرَينَ خيّرين. أمّا الولد الثالث فهو الحسن، وكان مشتغلاً بالعبادة، مُؤْثراً العزلة والزهد.[6]

وقال الشيخ في الغيبة: أخبرني الحسين بن ابراهيم القمي قال أخبرني ابوالعباس أحمد بن علي بن نوح قال أخبرني أبوعلي أحمد بن جعفر بن سفياني البزوفري رحمه الله قال حدثني أبوعبدالله جعفر بن عثمان المدائني المعروف بابن قرذا في مقابر قريش قال: كان من رسمي اذا حملت المال في يدي إلى الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس سره) أن أقول له مالم يكن احد يستقبله بمثله: هذا المال ومبلغه كذا وكذا للامام، فيقول لي: نعم. دعه فأراجعه فأقول له: تقول لي: انه للإمام فيقول: نعم للإمام (ع) فيقبضه فصرت إليه آخر عهدي به قدس سره ومعي أربعمائة دينار، فقلت له على رسمي فقال لي: إمض بها إلى الحسين بن روح فتوقفت، فقلت: تقبضهما أنت مني على الرسم، فرد علي كالمنكر لقولي وقال:

قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح، فلما رأيت في وجهه غضبا خرجت وركبت دابتي، فلما بلغت بعض الطريق رجعت كالشاك فدققت الباب فخرج الي الخادم فقال: من هذا؟ فقلت أنا فلان، فاستأذن لي فراجعني وهو منكر لقولي ورجوعي، فقلت له: أدخل فاستأذن لي فانه لابد من لقائه، فدخل فعرفه خبر رجوعي، وكان قد دخل إلى دار النساء فخرج وجلس على سرير ورجلاه في الارض – يصف حسنهما وحسن رجليه – فقال لي: ما الذي جرأك على الرجوع ولم لم تمتثل ما قلته لك؟ فقلت: لم أجسر على ما رسمته لي، فقال لي، وهو مغضب: قم عافاك الله، فقد أقمت أبا القاسم الحسين بن روح مقامي، ونصبته منصبي، فقلت: بأمر الامام (ع)؟ فقال: قم عافاك الله كما أقول لك، فلم يكن عندي غير المبادرة، فصرت ألى أبي القاسم بن روح وهو في دار ضيقة، فعرفته ما جرى، فسرى به وشكر الله عزوجل، ودفعت اليه الدنانير وما زلت أحمل اليه ما يحصل في يدي بعد ذلك من الدنانير.[7]

وفي الغيبة أيضا: أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين بن بابويه قال حدثنا أبوجعفر محمد بن علي الاسود رحمه الله قال: كنت أحمل الاموال التي تحصل في باب الوقت إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري رحمه الله، فيقبضها مني فحملت اليه يوما شيئا من الاموال في آخر أيامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين فأمرني من الاموال في آخر أيامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين فأمرني بتسليمه إلى أبي القاسم حسين بن روح رضى الله عنه فكنت أطالبه بالقبوض ، فشكا ذلك إلى أبي جعفر رضي الله عنه، فأمرني أن لاأطالبه بالقبوض، وقال: كل ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إلي، فكنت أحمل بعد ذلك الاموال إليه ولا أطالبه بالقبوض.[8]

و بالرغم من أنه كان جليل القدر عظيم المنزلة ، فإن طغاة العصر لم يتحملوه و لذلك فقد سجنه حامد بن العباس – وزير المقتدر – من سنة ٣١٢ الى ٣١٧ هجرية بحجة أنه مدينٌ للديوان الحكومي ! والناس كانوا يعلمون مدى سفاهة هذه التهمة ولكن أولياء الله دائما معرّضون لمثل هذه النوائب و البلايا .

و أخيرا فإنه توفي رضوان الله عليه في ١٨ شعبان سنة ٣٢٦ هجرية و دفن ببغداد وله قبرٌ يزار و يُتبرّك به.

 

٤- علي بن محمد السمري

العادة المتبعة بين سفراء الإمام الحجة عليه السلام أن كل واحد منهم عندما يحين وقت رحيله ، يجتمع في عدد من وجهاء الشيعة و أعيانها و يوصي بالذي يأتي من بعده . و هكذا فإن حسين بن روح رضي الله عنه ، قبل وفاته ، اجتمع في عدد من أقطاب الشيعة و وجهائهم و وصى بعلي بن محمد السمري وصيا و خليفة من بعده ، يقوم مقامه في الإتصال بالإمام الحجة روحي فداه .

و هذا الشيخ الجليل أيضا لم يُعلم تاريخ ولادته و لكنه ذُكر كواحد من أصحاب الإمام العسكري سلام الله عليه .

تولى السفارة من حين وفاة أبو القاسم بن روح عام ٣٢٦ ، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام ٣٢٩ في النصف من شعبان ، فتكون مدة سفارته عن الإمام المهدي عليه السلام ثلاثة أعوام كاملة ، إلا بضعة أيام .و بذلك تكون سفارته أقصر السفارات .و مهما كان فيكفي في جلالة قدره و عظم شأنه أن يعينه الإمام المهدي عجل الله فرجه آخر سفير له بالرغم من وجود كوكبة من أعيان الشيعة و عظمائهم آنذاك .

من كراماته الدالّة على أنّ له ارتباط واتصال بإمام العصر والزمان (ع) أنّه عزّى جماعة من أهل قم ـ وهو في بغداد ـ بوفاة الشيخ علي بن الحسين القمّي ـ والد الشيخ الصدوق ـ فسجّلوا الساعة واليوم والشهر من سنة ٣٢٩ هـجرية ، فلمّا مضى سبعة عشر يومًا وصل خبر وفاة الشيخ القمّي في قم، فكان مطابقًا لما أخبر به السمري من حيث اليوم والساعة التي أخبر بها.

و أخيرا لا يُعلم لماذا انتهى دور السفراء بإنقضاء حياة علي بن محمد السمري رضوان الله عليه ، ولربما كان بسبب كثرة الحوادث و تشتت الأمة في ذلك الزمان و لعل هناك أسباب أخرى لا يعلمها أحد إلا الله .. و هكذا نرى أن السمري رضي الله عنه يُخرج إلى الناس قبل وفاته بأيام، توقيعاً من الإمام المهدي عليه السلام ، يعلم فيه انتهاء الغيبة الصغرى وعهد السفارة بموت السمري ،ويمنعه أن يوصي بعد موته إلى أحد ليكون سفيراً بعده ، فقد انقطعت الوكالة و عزم الإمام الإنقطاع تماما عن الأمة .

 

ويقول عليه السلام فيه :

 

“بسم الله الرحمن الرحيم . يا علي محمد بن السمري! أعظم الله أجر إخوانك فيك .فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامة .فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره ،وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة ،ألا فمن أدعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

 

فكان هذا خطاب خرج من الإمام المهدي عليه السلام ، عن طريق السفارة الخاصة ،و آخر ارتباط مباشر بينه وبين الناس في الغيبة الصغرى .

 

قال الراوي: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده ، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه ،فقيل له: من وصيك من بعدك. فقال :

”لله أمر هو بالغه”

وقضى رضوان الله عليه . فهذا آخر كلام سمع منه .[9]

 

توفّي الشيخ السمري (رضوان الله عليه) في الخامس عشر من شعبان ٣٢٩ هـجرية بالعاصمة بغداد، ودفن بجانب الرصافة في بغداد، وقبره معروف يُزار.

 

 

 

 

 

 

[1] إعلام الورى : ص 414 ب 2 ف 3 – كما في كمال الدين ، عن الشيخ أبي جعفر : – وفيه «.. فاتبعوه ».

كشف الغمة : ج 3 ص 317 – عن إعلام الورى .

العدد القوية : ص 73 ح 121 – بعضه ، مرسلا .

إثبات الهداة : ج 3 ص 415 ب 31 ف 2 ح 56 – عن غيبة الطوسي .

وفي : ص 485 ب 32 ف 5 ح 204 – عن كمال الدين .

وفي : ص 511 ب 32 ف 12 ح 337 – عن غيبة الطوسي .

تبصرة الولي : ص 764 ح 8 – كما في كمال الدين ، عن ابن بابويه .

حلية الأبرار : ج 2 ص 550 ب 13 – كما في كمال الدين ، عن ابن بابويه .

البحار : ج 51 ص 346 ب 16 – عن غيبة الطوسي .

وفي : ج 52 ص 25 ب 18 ح 19 – عن كمال الدين .

ينابيع المودة : ص 460 ب 82 – إلى قوله ( بعد يومكم هذا ) عن كتاب الغيبة .

منتخب الأثر : ص 355 ف 3 ب 3 ح 1 – عن كمال الدين .

وفيها : ح 2 – عن غيبة الطوسي .

[2] كمال الدين وتمام النعمة: 510 ب45 ح41. الغيبة للطوسي ٣٦١

[3]الإحتجاج للطبرسي ٤٨١ ، كمال الدين ٥١٠ ، غيبة الطوسي ٣٦١

[4]غيبة الطوسي ٣٦١

[5]كتاب الغيبة -٣٧١

[6]الغيبة للطوسي – ١٨٨

[7]الغيبة للطوسي -٢٢٣

[8]الغيبة -٢٢٥

[9] غيبة الشيخ الطوسي -٢٤٣

filemanager



التصنيفات :مقالات

5 replies

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    كيف هو حالك والدي الغالي ان شاء الله بخير .
    اشتقت لقلمك الذي طالما اخرجني من سجن نفسي وازاح عن همي
    سلام الله على الامام صاحب العصر والزمن ورضا الله عن سفرائه رحمهم الله
    ابتك تسألك الدعاء

    • عليكم السلام و الرحمة و الرضوان
      و أنا أيضا مشتاق لكلماتك و أتمنى لكِ الخير و السعادة من كل قلبي
      منذ مدة و انقطعت عني أخباركِ .. أتمنى أن يكون المانع خيرا
      و إن شاء الله لن أنساكِ من الدعاء ما زلت حيا

  2. عليكم السلام و الرحمة و الرضوان
    و أنا أيضا مشتاق لكلماتك و أتمنى لكِ الخير و السعادة من كل قلبي
    منذ مدة و انقطعت عني أخباركِ .. أتمنى أن يكون المانع خيرا
    و إن شاء الله لن أنساكِ من الدعاء ما زلت حيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: