عبادة إبليس و رنّاته

5116603fa41ca929032526

قال الصّادق (ع): أُمر إبليس بالسجود لآدم ، فقال: ياربّ !.. وعزّتك إن أعفيتني من السجود لآدم ، لأعبدنّك عبادة ماعبدك أحد قطّ مثلها.. قال الله جلّ جلاله: إنّي أحبّ أن أطاع من حيث أريد.

وقال: إنّ إبليس رنّ أربعة رنّات أوّلّهن يوم لُعن ، ويوم أُهبط إلى الأرض ، وحيث بعث محمّدا (ص) على فترة من الرسل ، وحين اُنزلت امّ الكتاب .. ونخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة ، وحين أُهبط من الجنّة. . وقال تعالى: {فبدت لهما سوآتهما} كانت سوآتهما لا تُرى ، فصارت ترُى بارزة…. الخبر .ص145

المصدر:     قصص الأنبياء

السند : الرواية ينقلها المجلسي عن قصص الأنبياء للراوندي ، بإسناده عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام .. الخبر . الحديث صحيح .

الشرح : النخير هو الصوت بالأنف و نخر أي صاح بخيشومه و كناية عن الصوت الخارج من الأنف بسخرية أو بسُكر . و أما الرنين فهو الصياح و رفع الصوت بالبكاء كما جاء في لسان العرب .

 عندما أمر الله الملائكة و إبليس ( الذي كان من الجن ) أن يسجدوا لآدم ، امتثل الملائكة أمر ربهم و لكن إبليس لم يسهل عليه أن يسجد لآدم و قد خلقه الله من التراب و خلق الجن من النار فأبى و استكبر  ، تحقيرا لآدم و تصغيرا له .. و في الحقيقة فإنه استكبر على ربه لأنه لم يمتثل الأمر ، و جاء بإقتراح على ربه لعله يضع عنه هذا الإصر و يفكّه من هذا القيد . و هذا الإقتراح هو أن يعفيه من السجود و في المقابل يعبد الله عبادة لم يعبده أحدٌ مثله . يا له من سفيه أحمق ! العبادة هي الإطاعة و الإطاعة هي الإمتثال دون زيادة أو نقصان .. فعندما يأمرنا ربنا بالصلاة أربع ركعات مثلا ، هل يمكن أن نصليها عشرين ركعة ؟! و إن أمرنا بقراءة الفاتحة في الصلاة ، هل يمكن أن نعوضها بسورة البقرة مثلا لأننا نحب الإطالة في العبادة ؟ العبادة هي الإطاعة كما هي فلو اشتهينا أمرا لا يمكن أن نسميه عبادة .. مثلا إذا كان الأمر بالصلاة فرادى ، لا يمكننا أن نصليها جماعة و نقول إنها نعمت البدعة !! أو إذا رأينا أناسا يعظمون ملوكهم فيتكتفون أمامهم و أعجبتنا الفكرة ، فهل نستطيع أن نتكتف أمام الله في الصلاة بحجة أنه ملك الملوك فلا بد أن نحترمه أكثر الإحترام و نتكتف أمامه في الصلاة و نشرع لأنفسنا تشريعا لم يأمر به الله و رسوله و نصفها بالبدعة الحسنة !! و هل هناك بدعة سيئة و أخرى حسنة ؟ كل زيادة و نقصان في التشريع بدعة لا يقبلها الله قطعا . و ابليس المتمرد العاصي يريد أن يترفع عن السجود لآدم فيقترح على ربه أن يعبده أشدّ و أعظم عبادة و يعفيه فقط من أمر واحد و هو السجود.

و بالتأكيد هذا الإقتراح مرفوض مسبقا من قبل الرب سبحانه و تعالى لأن الله هو الذي يأمر و على العبد الإمتثال من دون إبداء الرأي . قال تعالى : ” .. ما كان لهم الخيرة “ و قال تعالى : ” وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا “ فلا يوجد إختيار أمام إرادة الله و لا تشريع أمام تشريع الله أبدا .. فهذا هو الله يردّ على إقتراح ابليس اللعين بأنه هو الله و يريد أن يُطاع من حيث يريد لا من حيث يريده عباده . ولو كان الأمر كذلك لكان العبد يشتهي أن يرتكب الفواحش و يتبع الشهوات و لا يصلي و لا يصوم الى غير ذلك مما تشتهي النفس ، و لكن الخط الأحمر هو الإختيار أمام إختيار الرب و الإجتهاد أمام النص . هذا الخط الأحمر لا يمكن للعبد أن تجاوزه تحت أي ظرف إلا إذا أجازه الله و رسوله في ظروف خاصة ، واردة في التشريع الإلهي .

ثم يستطرد الإمام سلام الله عليه حديثه الشيق بأن لإبليس أربع رنات و الرنة – كما قلنا – الصوت الذي يخرج مع البكاء ، و لا يكون إلا عند نزول بلاء شديد يستعصي على المرء تحمله . و هذا اللعين أيضا تأذى كثيرا خلال أربع محطات تاريخية :

1- يوم اللعن : و طبيعي أن يصيح متأثرا بهذا الخطب الجلل ، لأنه يعرف الله تمام المعرفة و يعلم أن اللعن معناه الطرد الأبدي من ساحة الرحمةالإلهية .. و مهما طال به الزمن فإن مصيره إلى جهنم و غضب الرب سبحانه و تعالى و الغضب أشد و أصعب من دخول النار . قال تعالى : ” و إن عليك اللعنة إلى يوم الدين ” .

2- يوم الهبوط : ابليس كان في الجنة متنعما بنعم الله و لكنه عندما تكبر على ربه و خالف أمره و أصبح من الملعونين ، طرده الله أيضا من علياء الجنة و أهبطه إلى حضيض الدنيا ليستقر فيها الى ما شاء الله ، يغوي البشر و يضلهم عن سبيل ربهم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .

3- يوم البعث : عندما أرسل الله رسوله العظيم صلى الله عليه و آله وبعثه رحمة للعالمين ، تأثر ابليس كثيرا فهذا الرسول جاء بعد فترة من الزمان لم يُبعث فيه رسولٌ ، و كان ابليس يمرح و يعيث فسادا في الأرض و عندما بعث الله محمدا صلى الله عليه و آله رحمة للعالمين ، لم يُعجبه الوضع و اشتد به الأذى لعنه الله . يقول أمير المؤمنين عليه السلام في أولى خطب النهج : “بعَثَ اللهُ سبحانه محمّداً رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم… وأهل الأرض يومئذ مِلَل متفرّقة، وأهواء منتشرة، وطرائق مُتشتّتة: بينَ مُشبِّهٍ لله بخَلقه، أو مُلحدٍ في اسمه، أو مُشيرٍ إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة ” و يقول  في الخطبة 89 : ”  أرسَلَه على حين فترةٍ من الرُّسُل، وطولِ هَجْعة من الأُمم، واعتزامٍ من الفتن، وانتشارٍ من الأمور، وتَلَظٍّ من الحروب، والدنيا كاسفةُ النور، ظاهرةُ الغُرور، على حينِ اصفرارٍ من وَرَقِها، وإياسٍ من ثمرها، واغورارٍ من مائها. قد دَرَستْ منارُ الهدى، وظهرتْ أعلامُ الورى، فهي متجِّهمةٌ لأهلها، عابسةٌ في وجه طالبها، ثمرُها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارُها الخوف، ودثارها السيف ” و في الخطبة 95 يقول : “بعثه والناسُ ضُلاّل في حيرة، وحاطبون في فتنة، قد استهوتْهمُ الأهواء، واستزلّتْهُم الكبرياء.” ففي هذا التفرق القاتل و التمزق المميت و انتشار الأهواء و تفشي الضلالة و السنن الجاهلية القبيحة ، بُعث الرسول لينقذ الناس من الهلكة و يهديهم إلى صراط العزيز الحميد . و بالطبع هذا الأمر يصعب على ابليس تحمله  لأنه معاكس لمسيرته و مغاير مع أهدافه ، وليته مات حزنا و كمدا .

4- يوم نزول سورة الفاتحة : أجل .. انها السورة التي نتفرب الى الله بها في كل ركعة من الصلاة التي هي عمود الدين ،  و يكفي في فضلها أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب و إن الله قرن إسمها بالقرآن كله بقوله تعالى : ” … سبعا من المثاني و القرآن العظيم “ .عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال : “إن بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب ، وهي سبع آيات تمامها ببسم الله الرحمن الرحيم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن الله عزوجل قال لي : يا محمد ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم فأفرد الامتنان على بفاتحة الكتاب ، وجعلها بازاء القرآن العظيم ، وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش ..” و قد ورد في حديث نبوي : “أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الاجر كأنما قرأ ثلثي القرآن ” و ابليس لا يحب لأحد أن يتقرب الى الله و لا أن يُعطى أجرا و لذلك نراه يتخبط و يصيح عند نزول هذه السورة المباركة .

و لكنه يصيح بأنفه ساخرا مستأنسا عندما يسمع آدم كلامه و يأكل من الشجرة الممنوعة و بعدئذ عندما يُهبط الى الأرض و يُخرج من الجنة .  لا شك أن آدم لم يعص الله و لم يتمرد عليه و لكنه سمع كلام ابليس الذي جاء في زي الناصح و يقال أنه أقسم بالله له ليطمئن قلبه و آدم عليه السلام لم يتوقع أن يسمع أحدا يقسم بالله كاذبا و لذلك استمع اليه و أكل من الشجرة الممنوعة كترك أولى لا كعصيان .

و لا يكتفي ابليس بهاتين النخرتين بل نراه ينخر كل يوم و كل ساعة لما يرى أن عباد الله الذين خلقهم للعبادة ، و أمرهم بعدم إطاهة الشيطان ، يتركون عبادة ربهم و يطيعونه أي أنهم يستأثرون عبادة الشيطان على عبادة الله تعالى و العياذ بالله . اللهم آمناّ من وساوس إبليس و أعوانه .



التصنيفات :مقالات

2 replies

  1. بحث جميل جدا وراقي بكل معانية وفقكم الله سيدنا الجواد موفقين

  2. احسنتم و بارك الله فيكم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: