لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا

post-36253-1196257472

قال الصادق (ع) : كان رسول الله (ص) في بيت أم سلمة في ليلتها ، ففقدته من الفراش ، فدخلها في ذلك ما يدخل النساء ، فقامت تطلبه في جوانب البيت حتى انتهت إليه وهو في جانب من البيت ، قائمٌ رافعٌ يديه يبكي وهو يقول :
” اللهم !.. لا تنزع مني صالح ما أعطيتني ، اللهم !.. لا تشمت بي عدوا ولا حاسدا أبدا ، اللهم !.. ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبداً ، اللهم !.. ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً ” ..
فانصرفت أم سلمة تبكي حتى انصرف رسول الله (ص) لبكائها فقال لها :
ما يبكيك يا أم سلمة ؟!.. فقالت :
بأبي أنت وأمي يا رسول الله !.. ولِمَ لا أبكي وأنت بالمكان الذي أنت به من الله ، قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ، تسأله أن لا يشمت بك عدوا أبدا ، وأن لا يردّك في سوء استنقذك منه أبدا ، وأن لا ينزع منك صالحا أعطاك أبدا ، وأن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين أبدا ؟..
فقال : يا أمّ سلمة وما يؤمنني ؟.. وإنما وكّل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين وكان منه ما كان . ص218
المصدر:     تفسير القمي ص432

السند : الحديث ينقله علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام .

الحديث صحيح فرواته ثقات

شرح

 قصة ينقلها الإمام الصادق عليه السلام عن إحدى ليالي الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله حيث تفتقده أم سلمة في فراشه، فتخرج من الغرفة بحثا عن الرسول ،إلى أن تراه في إحدى جوانب البيت بعيدا عن أعين الأهل ، قائما رافعا يديه نحو السماء يخاطب ربه و يناجيه ببكاء ، يدعو بدعاء ، ويا له من دعاء :

الفقرة الأولى : “اللهم لا تنزع مني صالح ما أعطيتني أبدا “. كل شيء من الله و كل ما يتلقى الإنسان فإنه من ربه و لكن هناك من يضيع ما يتلقاه أو لا يعرف كيفية التصرف . فالرسول يطلب من ربه أن لا يأخذ منه ما أعطاه من عطيات صالحة ، وهذه العطايا تشمل الماديات و المعنويات وأنا على يقين بأن الرسول لا يهتم بالماديات بل يهمه أمر المعنويات . فالإيمان و التقوى من هبات الرحمن و الهداية الأولية و الخاصة أيضا من عطاياه تعالى . و يعلمنا الرسول أن نطلب من الله أن لا يسلبنا الهداية و لا ينزع منا التقوى لأن الإنسان كثيرا ما يتبع هواه ، فيضل عن سبيل الحق أو أن المغريات و الشهوات تجذبه اليها فينسى علة خلقته و سبب وجوده، و يسير في مسير الشر حتى ينسى ربه والعياذ بالله . لذلك فعلينا أن ندعو ربنا كل يوم بأن لا ينزع منا العطية الفضلى و هي الهداية والتقوى ” ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ” فالزيغ و الرين من الأمراض التي تكسو القلب فتضلل طريقه و تظلم سبيله فتغشوه مسحة من الظلام الحالك حتى تحرفه عن سبل الخير.

الفقرة الثانية :” اللهم لا تشمت بي عدوا و لا حاسدا أبدا ” الأعداء يتربصون بنا الدوائر و الحساد ينتظرون منا زلة قدم حتى يشمتوا بنا و رسول الله (ص) في هذه الفقرة من الدعاء يدعو ربه أن يجعله في وضع لا مجال فيه لشماتة الأعداء و لا لحسد الحُساد .وفي الوقت نفسه درسٌ لنا أن نحافظ على كرامتنا و عزتنا فلا نسمح لأعدائنا أن يتشمتوا بنا، لأن العزة لله و لرسوله و للمؤمنين .

الفقرة الثالثة :” اللهم لا تردني في سوء استنقذتني منه أبدا ” والسوء يشمل أمورا دنيوية بحتة و أمورا أخروية محضة .والرسول يطلب من ربه بإلحاح أن لا يرده في سوء أنجاه الله منه أبدا، فالله تعالى شرح صدره و وضع عنه إزره و رفع ذكره و أعطاه المنزلة الرفيعة بين العباد ومنحه العزة و الكرامة و ملأ قلبه الرحمة و الرأفة و أعطاه الأمن و الأمان و الآن يطلب من الله أن يديم عليه كل هذه النعم و لا يرده إلى ما كان عليه من بؤس و شقاء . و يا له من دعاء عظيم .

الفقرة الرابعة :” و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا “و هذه الفقرة من أهم الفقرات السابقة فالرسول صلى الله عليه و آله بالرغم من قداسته و عصمته يطلب من ربه أن لا يكله إلى النفس الأمارة بالسوء أبدا حتى بمقدار طرفة عين .. و إنه كان كذلك فالرسول لم يغفل عن ربه طرفة عين أبدا و كان دائم الذكر لربه حتى في ساعات راحته و في أوقاتٍ يقضيها مع أهله و عائلته. وفي نفس الوقت نراه يطلب بإلحاح و الدموع جارية على وجهه المبارك بأن يقيه الله و يحفظه من الميل ولو للحظة واحدة الى نفسه . اللهم لا تفرق بيننا و بين أوليائنا طرفة عين أبدا في الدنيا و الآخرة .

أم سلمة عندما تسمع هذه المناجاة الحزينة من رسول الله (ص) تبكي دون اختيار . ثم ترجع باكية و كأن رسول الرحمة سمع بكاءها فرجع الى البيت يسألها عن علة بكائها . فتقول مستغربة : أنت يا رسول الله بعظمتك و جلال قدرك و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر تبكي بحرقة و أنت تناجي ربك ؟

فيرد عليها الرسول : نعم ، ولم لا أبكي وإني أخشى جبار السموات  والأرض ؟ ما الذي يؤمنني من غضب الجبار إن نسيت ذكر الله لحظة واحدة ؟ أ لم تري ماذا حلّ بيونس وهو نبي مكرم من أنبياء الله ، حيث مال الى نفسه طرفة عين واحدة فكان منه ما كان ! أجل .. إن كان رسول الله (ص) وهو أول المؤمنين و أفضل الخلق ، يخشى غضب ربه ، فماذا نقول نحن وقد حملنا أوزارا كثيرة من العصيان و التمرد و مخالفة الجبار المنتقم ؟! ولولا رحمة الرحمن لكنا من الهالكين.



التصنيفات :مقالات

2 replies

  1. السلام عليكم سيدنا الفاضل
    من فترو ليست بالقصيرة وأنا اتابع كتاباتك ، ولي الشرف في قراءت بحوثك وتقفي آثار مناقشاتك
    أنت وغيرك من الاخوة الباحثين المحاولين لتصحيح مسار الفكري شيعي مثال اقتدي به في حياتي
    لست إلى في الخطوة الأولى من مشوار الكتابة وأنت وكغيرك من العقلاء اساتذة لي من خلف الستار اتعلم منهم
    وفقك الله في بحوثك وفي مناقشاتك
    دائما الثناء عليك والمدح لك ولا أنفك من الدعاء لك وللاخوة المصلحين للواقع الأليم بالتوفيق والتسديد والحفظ من كل سوء

    أخوك الأصغر سيد هاشم القلاف
    karazzq8

    • عليكم السلام و الرحمة سيدنا العزيز
      نتشرف بخدمتكم و خدمة أعزائنا الموالين عليهم و عليكم سلام من الرحمن الرحيم و دمتم في خير و سؤدد و بارك الله فيكم
      نأمل عاجزين أن تذكروني في دعواتكم يا صاحب القلب الرؤوف
      والله يحفظكم ذخرا لنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: