حب علي حسنة لا تضر معها سيئة

حب علي

 

حب علي حسنة لا تضر معها سيئة و بغض علي سيئة لا تنفع معها حسنة

منذ مدة و هذا الحديث يشغل بالي ، فقد كنت أرى فيه غموضا و إبهاما لا يكاد عقلي يصدقه ! فكيف يمكن أن يكون مجرد حب علي عليه السلام حافزا لدخول الجنة أو الزحزحة عن النار ؟ و ألا يوجب هذا الحديث إن صح سنده جرأة للمحبين أن يتمادوا في العصيان والتمرد ، دونما خوف  و وجل لأن الله سوف يغفر لهم بالتالي كل سيئاتهم و معاصيهم لمجرد حبهم لأمير المؤمنين عليه السلام ؟!

و كل ما بحثت عن معنى مجازي ، كلما اصطدمت بعائق آخر إلى أن رأيت أحد المشهورين يعارض الفكرة من الأساس و يصر على بطلان الحديث حتى ولو صح سنده لأنه معارض مع الحقائق القرآنية ! فرأيت أن البحث دون جدوى بعد كل هذه المشاحنات و لكن طرأ على بالي فكرة آخر الأمر فرأيت عرضها على المثقفين بثقافة أهل البيت لعلنا وصلنا إلى حل سليم . و إني دائما أقول : ربما خانتنا الأفكار عند تلقي أحاديث أئمة الهدى عليهم السلام لأن حديثهم صعب مستصعب و الأولى بنا عند المشابهات أن نتركها دون أن نردّها فورا .

بناء عليه أقول : ربما كان الغرض من هذا القول أن حب علي يمنع حبط الأعمال و بطلانها . فهناك كما نعلم كثيرا من المعاصي توجب حبط العمل .

 قال تعالى :

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}

و من هذه الآية نرى أن مشاقة الرسول أو الإعتراض عليه يوجب حبط العمل و كأن لم يكن شيئا مذكورا . و كما جاء في حديث مشهور عن رسول الله صلى الله عليه و آله في فضل التسبيحات الأربعة أن لكل كلمة شجرة في الجنة فقال أحد الأصحاب: يا رسول الله إن شجرنا في الجنة لكثير ! قال رسول الله (ص) : ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها و ذلك أن الله عز و جل يقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}

من هنا يتبين لنا أن حب علي يمنع الحبط لأن هذا الحب مرتبط بالولاية و الولاية كما نعلم   أساس الإيمان فقد قال سلام الله عليه : 

و ما نودي بشيء مثل ما نودي بالولاية

و قد جاء عن الرسول الأعظم (ص) في أحاديث متعددة متواترة أنه لو أن رجلا صفن بين الركن و المقام فصلى و صام ثم لقي الله و هو مبغض لأهل بيت محمد (ص) دخل النار

أو قوله لعلي : يا علي لو أن عبدا عبد الله عز وجل مثل ما قام نوح في قومه وكان له مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ومد في عمره حتى حج ألف عام على قدميه ، ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما ، ثم لم يوالك يا علي ، لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها.

و قد أخرجه الخوارزمي في مناقبه .

و أكثر من هذا فإن الولاية شرط من شروط التوحيد لا يُقبل إلا به كما جاء في حديث الإمام الرضا عليه السلام : ” بشرطها و شروطها و أنا من شروطها ” 

بناء عليه نستنتج أن حب علي مانع و رادع حقيقي لبطلان الأعمال و حبطها .

ولكن لا بد من إستدراك للأمر فليس كل حب معيارا للحديث المذكور بل يجب أن يكون الحب خالصا دون ريائ و شائبة فالشائبة أن يكون حب علي لصفاته و مميزات أخلاقه ، فهذا الحب حب أبتر

أجل ؛ يجب أن يكون الحب لعلي في نفسه لأنه هو معيار الحق و لم يكن الحب لخصائص في علي فهناك الكثيرون من غير المسلمين أيضا يحبون عليا لما يتميز به من الشجاعة و البطولة و الفروسية لا لعلي في نفسه فهؤلاء مثلا إذا جاء اسم أي بطل فإنهم يحبونه لبطولته 

و هناك من يحب عليا لفصاحته و بلاغته فقد ورد إسمه المبارك على لسان كثير من الأدباء المسيحيين الذين يقفون أمام إسم علي إجلالا و إعظاما ، لا لشخصه بل لمميزاته الخلقية و منها أدبه الراقي .

و مثال آخر للموضوع : نحن نحب الصوت الحسن لعبد الباسط عندما يقرأ القرآن و لكن لا نحبه لنفسه بل لا نعيره إهتماما بقدر ما نتلذذ من سماعنا صوته الشجي الحسن وهو يتلو كتاب الله .

 و غير هذا كثير فالذي يحب عليا لبطولته إذا أراد علي أن يقطع يده لسرقته فإنه يبغض عليا تمام البغض لأنه لا يحبه في الأصل لشخصه بل لصفة مميزة فيه   و هذا الذي يحب عليا لفصاحته و بلاغته فلربما أحب فصيحا غيره ولو كان من غير دينه و مذهبه و أما المحب الحقيقي الذي يوالي عليا فإنه ليس محبا فقط بل محب و مطيع سعيد بما يسعد به علي ساخط على ما يسخط منه علي إن المحب لمن يحب مطيع لذلك جاء في الآية الكريمة :

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما

يجب أن يكون المحب مطيعا بتمام معنى الإطاعة و لذلك نرى أن محب علي حتى لو ارتكب ذنبا فإنه يتوب الى الله عن قريب لأن حبه لعلي يمنعه من الإستمرار في العصيان ، فعصيان الرب يبغض المحبوب و المحب لا يريد غضب المحبوب قطعا و بتا و بناء عليه فإن حب علي ملَكة تمنع صاحبه من التمادي في العصيان و التمرد على الله تبارك و تعالى .

والله و رسوله أعلم

 



التصنيفات :بحوث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: