شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

دعاء ٣

المقدمة

كنت أقرأ دعاء أبي حمزة و كأني أرى كلمات العشق تخرج من ثنايا شفاه الإمام السجاد روحي فداء اسمه الطاهر ، يمنة و يسرة ، شمالا و جنوبا ، و تذرف آماقه دموع العشق رقراقا على وجنات جبهته المقدسة الطاهرة

لا أخفي عنكم أنني كلما تمادى الليل في طوله خلال الشهر الفضيل ، و امتدت أجنحة الظلام في أعماق الأفق من الساحل إلى امتداد البحر و بدأ النعاس يدبّ إلى عينيّ دبيب النحل إلى الشهد و جثم سلطان النوم على أضلعي ، و الليل لما ينته مسيره و ينصرف نحو الأفول ، كنت أفتح صفحة دعاء أبي حمزة من ثنايا مفاتيح الجنان وأنظر في محتواه المقدس و أتلو أسطره المباركة ،فيتراجع النعاس الى القهقراء و تنشط خلايا الدماغ حتى كدت لا أعرف متى بزغ الفجر إلا و صوت المؤذن يكسر حدة الليل و يشق عباب الظلام : “ الله أكبر”.

يقول سلام الله عليه في بداية الدعاء :

” الهي لا تؤدبني بعقوبتك .. و لا تمكر بي في حيلتك ”


تأديب الله :

كلمة “أدب” في اللغة بمعنى الدعوة إلى الطعام، غير أنها كأغلب المفردات في العربية انتقلت مجازاً من الدلالة المادية إلى المعنوية، ومن الدعوة إلى الغذاء الجسدي إلى الغذاء الروحي و المعنوي كما في عطاء القرآن الكريم والحديث الشريف، والمأثور من الخطب والأدعية الواردة عن أهل البيت (ع)، لأن فيها كل أنواع الغذاء الروحي وفيها إثراء للعقل والقلب، وكل ما ينفع الإنسان ديناً في دينه و دنياه .

ان الله يؤدب عبده و يهذبه بكتابه المنزل و بوصايا أوليائه عبر الكتاب أو بصورة مباشرة ، فالقرآن الكريم أكبر مؤدب و أعظمه للأنسان بصورة عامة و لرسول الله صلى الله عليه و آله بصورة خاصة . القرآن يؤدب رسوله و ينصحه و يرشده ونحن اذ أمعنا في الكتاب فلا نغترف منه الا بقدر عقولنا و أما رسول الله و الأئمة الأطهار فانهم يأخذون منه كل معالم الحياة و كل مناهج التقوى و الأيمان .

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم :

” أدبني ربي فأحسن تأديبي ”

عندما يقول تعالى مخاطبا رسوله : ” ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم ” فان القرآن يريد تأديب الرسول . النبي الأعظم واجه ألواناً منوعة من السفاهة ، من الجهالة ، من الجحود ، من الإساءة ، في الأقوال ، وفي الأعمال ، هل يعقل وهو نبي الله و يمثل دين الله ، أن يدفع هذه الإساءات ، وذاك الجحود وهذه السفاهات ، و الانحرافات ، في الأقوال ، والأعمال والمعاملات والمواقف ، هل يعقل أن يدفعها بإساءات مثلها ، هل هذا شأن مقام النبوة ، هل هذا الذي يدعو الناس إلى الله عز وجلبالحسنى يُقيل أن يدفع الإساءة بإساءة ؟ كلا و ألف كلا . و بالرغم من أن الرسول بطبعه كان أحسن الناس خلقا حتى قال ربه يمدحه ” و انك لعلى خلق عظيم ” و لكن يحتاج أيضا الى أن يصقل خلقه ، عند ذاك يأمره الله تعالى : ” خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين ” ولو أردنا أن نكتب في تأديب الله لرسوله لاحتجنا الى أضعاف ما نكتبه . تكفينا هذه الأشارة العابرة لموضوع مهم جاء في مطلع دعاء زين العابدين صلوات الله عليه .

انه يرجو ربه ان لا يؤدبه بالعقوبة .

فمرة يكون التأديب بالنصح و يأتي القبول من الطرف الآخر دون منازع و هم الأنبياء و الأوصياء و الأولياء و أما اذا كان النصح القرآني لا يؤثر مرة واحدة في قلب المؤمن فانه يؤدبه بفرض عقوبة عليه في الدنيا حتى يرعوي و يسترشد و يرجع الى صوابه ، فمثلا كثيرا ما نلاحظ أننا عندما نرتكب معصية أو نخالف ربنا في قول أو عمل يعاقبنا الله بمصيبة أو بلاء في الدنيا ، بفقد مال أو مرض عزيز أو فقد شيء مهم أو بلاء في البدن أو في الرزق بحيث يُشعرنا ربنا بسخطه و لكن بتأديب منه و هذا التأديب غالبا ما يكون رحمة لنا ليرجعنا الى اليقظة و الصواب و في هذا كله خير لنا و أما الذين لا يحبهم الله فانه يستدرجهم من حيث لا يعلمون و يذرهم يخوضوا و يلعبوا و يلههم الأمل . ” انما نملي لهم ليزدادوا اثما “.

و المرجو من الله تعالى أن لا يجعل عقابنا في الآخرة ، فيعاقبنا في الدنيا بالمرض أو الفقر حتى يطهرنا من كل رجس معنوي و نرجع اليه طاهرين تائبين . و هذا ما يجعل أئمتنا يؤكدون على أن ندعوا الله بأن يجعل عاقبة أمورنا الى خير .

و حتى التأديب الدنيوي ان كان بدون عقوبة فانه خير و أحسن بلا ريب . فنتمنى أن يرجعنا ربنا الى الصواب دون عقاب شديد ينمّ عن سخطه و غضبه ، نستجير بالله من غضبه .

الإمام زين العابدين عليه أفضل الصلاة و السلام يدعو ربه أن لا يمكر به :

و لا تمكر بي في حيلتك

ما هو المكر ؟

المكر هو الحيلة ، و يكون محمودا أو مبغوضا فالتحايل على الغير بخداعه أمر مبغوض ينفر منه الضمير الإنساني و المكر المحمود ان كان بواسطة إعمال الفكر في خدمة أو طلب خير للغير .

يقول الراغب الأصبهاني في مفرداته :

المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، و ذلك ضربان: ضرب محمود و ذلك أن يتحرى به فعل جميل و على ذلك قال: و الله خير الماكرين، و مذموم و هو أن يتحرى به فعل قبيح قال: و لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.

و عندما يقول تعالى : و يمكرون و يمكر الله أي أن الله هو الذي يقابل مكرهم وكيدهم وتخطيطهم وتدبيرهم، وهو الذي بيده التدبير وأزمّة الأمور والنتائج وحسم المصائر ومكر الله هو الغالب، وقدرته هي الحاكمة. فالله عندما يمكر ، فانه يمكر على مكر الماكرين لكي يردّ كيدهم و مكرهم الى نحورهم . و بناء عليه فان معنى مكر اللّه سبحانه وخدعته هو جزاؤه الإنسان الماكر والخادع على مكره وخديعته، كما ورد في الخبر أن اللّه عزّ وجلّ لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخريّة وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة; فمعنى لا تمكر بي ولا تخدعني هو: لا تجزني بمكري ولا بخديعتي. و اذا قال : أفأمنوا مكر الله : مكر الله إستعارة لأستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب .

يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان :

” ان ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الإضلال و الخدعة و المكر و الإمداد في الطغيان و تسليط الشيطان و توليته على الإنسان و تقييض القرين و نظائر ذلك جميعها منسوبة إليه تعالى على ما يلائم ساحة قدسه و نزاهته تعالى عن ألواث النقص و القبح و المنكر، فإن جميع هذه المعاني راجعة بالآخرة إلى الإضلال و شعبه و أنواعه، و ليس كل إضلال حتى الإضلال البدوي و على سبيل الإغفال بمنسوب إليه و لا لائق بجنابه، بل الثابت له الإضلال مجازاة و خذلانا لمن يستقبل بسوء اختياره ذلك كما قال تعالى: «يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا و ما يضل به إلا الفاسقين» الآية: البقرة – 26، و قال: «فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم»: الصف – 5، و قال تعالى: «كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب»: المؤمن – 34.”

و اللطيف ما جاء في دعاء للامام الصادق (ع) في القنوت : اللهم كد لي ولا تكد عليّ، وامكر لي ولا تمكر بي
أي امكر لصالحي لا لصدي و عقابي .

و نختم هذا الفصل بكلام للإمام السجاد (ع) في خطبة خطبها يوم الجمعة في مسجد رسول الله (ص :

فاحذروا أيها الناس من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في كتابه الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا فإن الله عزوجل يقول: ” إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ” وأشعروا قلوبكم خوف الله وتذكروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوفكم من شديد العقاب فإنه من خاف شيئا حذره ومن حذر شيئا تركه ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئات فإن الله يقول في محكم كتابه: ” أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف ” فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنواأن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب.

من أين لي الخيريا رب ولا يوجد إلا من عندك ، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك

الخير كله من عند الله ، يرزق المؤمن و الكافر . يقول تعالى : ” و اذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ..”

كل ما عند الأنسان ملكٌ لله الواحد القهار .فينبغي أن ينفق من مال الله الذي وهبه على عباد الله لا أن يستنكف و يستكبر و يخيل اليه أن المال ماله و أن الخير من عنده ، هو الذي تعب و سعى و حصل على المال قال إنما أوتيته على علم عندي. لا .. فكل مال تسعى للحصول عليه ، فالله هو الذي ييسر لك ادراكه لأن الخير كله من عنده و اذا اقتضت مشيأته أن يأخذها منك فانه يأخذها خلال لحظة واحدة ” فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين “

قال تعالى : ” و ما بكم من نعمة فمن الله ”

و قال :  “ وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منهُ .”

من هذا يتبين أن الخير كله لله ، هو الذي ينفق على من يشاء بقدر معلوم ، فكلما تسعى صباح مساء فان القدر المقدّر من الرزق يأتيك . بالطبع ليس معنى ذلك أن الأنسان يجلس مكتوف اليدين ينتظر الرزق من السماء دون أن يتحرك في طلبه ، فعليه أن يسعى في طلب الرزق الحلال و يتوكل عليه :” اعقلها و توكل ”

و كل شيء من الله فالخير منه و النجاة منه . هو الذي ينجينا كل يوم من الشرور و البلايا و المصائب ، فلولا رحمته لكنا من الهالكين . فكم من بلاء شديد منعه منا و لكن أين الذي يعتبر .

” فإذا ركبوا البحر دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الله إلى البر إذا هم يشركون ” .

نعم هو الذي يغيث عبده المضطر عندما يلجأ إليه، ولعجيب أمر ه فإنه لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة والشدة، ولا يعود إلى فطرته إلا في ساعة الكربة، وأكثر ما يكون العبد تذكرا لله عندما يقع في الشدائد، و لكن عندما يفرج الله عنه البلاء ينسى الله تعالى في السراء بعد أن يكتب له النجاة من الضراء:

“هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق “.

فإذا أيقن المؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو وحده الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع الذي بيده الأمر كله، فينبغي أن يتجه إلى الله تعالى ” لا الذي أحسن استغنى عن عونك و رحمتك ، و لا الذي أساء و اجترأ عليك و لم يرضك ، خرج عن قدرتك ”
رحمته وسعت كل شيء :

لا يتمكن المرء كائنا من كان أن يستغني عن عون الله و مساعدته له ، فالإستعانة لا تحصل الا به و باذنه . وهل بإمكان الإنسان الاستغناء عن فضل الله ولطفه في أي آن و لحظة من عمره ؟ نحن باستمرار بحاجة الى لطف الله، ولطفه يأتينا على الدوام “خيرك الينا نازل”.

ونحن عاجزون عن شكره. ” و ان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ” وهذا ان كان قصورا أو تقصيرا فانه يستدعي في كل الأحوال طلب المغفرة ، و الأنابة اليه.

نحن نكرر يوميا على الأقل 17 مرة هذه الآية الكريمة :

” اياك نعبد و اياك نستعين ”

و اياك تفيد الحصر .. أي أننا لا نعبد أحدا سواك و لا نستعين بأحد الا أنت . ربما يدعي بعض الناس أنه فعلا لا يعبد الا الله و لكن الإستعانة تحصل بغيره . و القرآن عندما يريد أن يؤدبنا بأدبه و يهدينا سبيل الرشد ( اهدنا الصراط المستقيم ) يدعونا قبل طلب الهداية أن نعرف بأن العبادة لا تكون الا لله و الأستعانة به فقط دون غيره . و أما أولئك الذين يدعون أنهم لا يعبدون الا الله ولو أنهم يستعينون بغيره ، فلا شك أنهم يكذبون على أنفسهم لأن من أخلص العبادة لله لا يمكن أن يستعين في أموره الا به .

و ما هي العبادة ؟ انها الإطاعة ليس غير. فاذا أطعنا النفس و اتبعنا الشهوات فان الهوى و النفس الأمارة تكون هي المعبود ، و ان أطعنا الشيطان – و العياذ بالله – فاننا نعبد الشيطان . قال تعالى : ” ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ” أي أن لا تطيعوا الشيطان فان اطاعته هي عين عبادته .

و لا نبتعد كثيرا عن البحث .. الأستعانة لا تكون الا به ، و ان طلبنا شيئا من أخينا المؤمن ، فان الله هو الذي يستجيب لنا الطلب ، و هو الذي يرشدنا الى نوع الأستعانة و كيفيتها و مقدارها و زمانها ( و في كلٍ بحث ) و لا شك أن الإعانة لن تكون مجدية الا اذا اقتضت مشيأته و ارادته جلت قدرته .

و الله بلطفه و منّه يعين و يرحم المؤمن و الكافر على السواء في الدنيا ، فكل عيش و سعادة و هناء و لذة ( محرمة أو مباحة ) لا يكون الا منه و عنه ، و لا ينحصر لطفه بمن يدعوه و يناجيه و يتقرب اليه فحتى الكافر و الإنسان الذي لا يطيعه و يتمرد على أوامره و نواهيه ، فان الله يعينه في أموره و يرحمه ولو فتح عينيه و استجاب لنداء الضمير فانه يعلم علم اليقين أن كل خير و رزق من الله وحده و كل عون و رحمة منه تعالى و تقدس .

و بالرغم من ذلك اللطف الخفي فان بعض الناس – بل و أكثرهم – يتصورون أن بالإجتراء على الله و عدم كسب رضاه ، يخرجون عن مدى قدرته و مجال سلطته و ان فتح الله عليهم خزائن رحمته و لم يصبهم بمكروه ، يظنون أنهم بذلك قد خرجوا من سيطرته و لكنه تعالى يخيب ظنهم و يقول :

” ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خيرا لأنفسهم انما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ”

” ذرهم يخوضوا و يلعبوا و يلههم الأمل ”

” سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ”
و من هوان الإنسان و شقائه أن يستدرجه الرب الجليل ليتمادى في عتوه و ضلاله و عدوانه و يملي له ليزداد اثما ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر و يسوقه و نظراءه الى جهنم زمرا.

أعاذنا الله من أن يستدرجنا .. و سوف نبحث عن الإستدراج في مقام آخر باذن الله .

وحده بالعبادة، فإن توحيد الربوبية يستلزم ويقتضي توحيد العبودية.

بك عرفتك و أنت دللتني عليك ، و دعوتني اليك و لولا أنت لم أدر ما أنت

“عميت عينٌ لا تراك عليها رقيبا ”

تارة نعرف الشيء بالشيء نفسه و تارة نعرفه بآثاره .. و أما معرفة الذات الإلهية عن طريق ذاته ، فإنها أرقى و ألطف و في الوقت نفسه أصعب الطرق للوصول اليه . انه طريق الخواص .. ثلة من الأولين و قليل من الآخرين ، تمكنوا أن يصلوا اليه به .

ليس كل من يدعي العرفان عارفا فالعارف الحقيقي هو الإمام المعصوم المفترض الطاعة و لا غير .
يقول رسول الله صلى الله عليه و آله : ” يا علي ما عرف الله الا أنا و أنت و ما عرفني الا الله و أنت و ما عرفك الا الله و أنا ”
فهذه المعرفة ليست في مقدورنا و لم تكن من خصائصنا نحن الضعفاء .. فالعقل البشري الذي حبانا به الله و يستطيع أن يعمل المعجزات محدود جدا ، و لا يستطيع أن يدرك كنه الأشياء و ماهيتها و دقة جزيئاتها فكيف به يتمكن من الوصول الى معرفة ذات واجب الوجود “ و ما أوتيتم من العلم الا قليلا  .”
و لذلك نهانا أئمتنا عن التفكير في ذات الله بل أمرونا بالتفكير في المخلوقات لنصل الى معرفته تعالى .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله: “  تفكروا في آلاء الله و لا تفكروا في الله . تفكروا في الخلق و لا تفكروا في الخالق فانكم لا تقدروه قدره ”

و جاء في الخبر أن الإمام الصادق عليه السلام كان يمرّ في المسجد فسمع أناسا يتكلمون في ذات الله فالتفت اليهم و نهاهم عن ذلك قائلا: “  يا قوم لا تتكلموا في ذات الله فان قوما تكلموا في ذات الله فتاهوا ”
اذن علينا أن نصل الى معرفة الله عن طريق الآثار التي تدلّ على وجوده ، فعقولنا محدودة بحدود لا يمكننا تجاوزها .

و أما المعرفة التي ذكرها الإمام عليه السلام في دعائه فبظني لخاصة أولياء الله .
يقول سيد العارفين علي عليه السلام : ” ” يا من دل على ذاته بذاته “و حين سأله أحدهم : بم عرفت ربك ؟ أجاب : ” بما عرّفني نفسه ”

نعــم ، ان الله معرّف نفسه فكل ما في الوجود من حركة و اشراق و نور و نشاط يدلّ على وجود الخالق . جاء في المثل : ” الشمس دليل على الشمس ” و ذاته المقدسة دليل على ذاته و ان اشتدّ على البعض معرفته فبسبب شدة ظهور النور حيث لا يمكن النظر الى منبع النور .

و لربما أراد الإمام السجاد عليه السلام أن يذكرنا بالفطرة التي فطر الله الناس عليها :
” فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ”

فبالفطرة لا بد أن نصل اليه فقد أشهدنا على نفسه في يوم قال : ” ألست بربكم ” و شهدنا على ذلك .. ولولا أنت لم أدر ما أنت .
صدقت يا مولاي

” الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني و إن كنت بطيئا حين يدعوني .. و الحمد لله الذي أسأله فيعطيني و إن كنت بخيلا حين يستقرضني .. و الحمد لله الذي أناديه كل ما شئت لحاجتي و أخلو به حيث شئت لسرّي بغير شفيعٍ فيقضي لي حاجتي ”

ينبئ الإمام السجاد عليه السلام عن أحوالنا نحن البعيدين عن ربنا .. فبينما الإنسان هو الفقير و هو المحتاج ، و الله هو الغنيّ ، و من المفروض أن يسعى الإنسان بكل سعيه ليصل الى ربه و يتوسل بكل الوسائل التي تقربه اليه ، نراه يبتعد عن المحبوب بل و أكثر من ذلك .. يدعوه المحبوب فيرفض الإستجابة له و ان استجاب فإنه بطيء في القبول و كل ذلك من ضغط الأهواء و الشهوات على نفسه الأمّــارة بالسوء .

” و إذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ”
أجل ,, بالرغم من أن الله بعظمته و جلاله يدعو هذا الإنسان المحتاج من شعر رأسه الى أنامل رجليه .. و كل ذلك رحمة له و لطفا بعبده فلا حاجة للمولى به و بأقرانه و ان كفر كل الخلق فلا تتأثر كبرياؤه بشيء أبدا و بالرغم من هذه الدعوة المباركة من ذي العرش فان هذا الفقير المحتاج يستكبر و يتباطأ و يتقهقر و يبتعد ، و ذلك للؤمه الذي يتجلى في التجرؤ على بارئه بارتكاب الذنوب و الخطايا .

” و تتجبب اليّ فأتبغّض اليك ”

يا لحقارة الإنسان .. رب العزة و العظمة يتحبب اليه لكي يؤويه و يظله تحت ظله يوم لا ظل الا ظله .. و هذا يتبغّض اليه .

الهي … أحمدك من رب كريم .. أسألك بكل خضوع أن تعطيني من فضلك ، فلا تخيب ظني و تستجيب لي و ترزقني من نعمك الظاهرة و الباطنة التي لا أستطيع – و حقك – أن أحصي واحدة منها (( و إن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها )) فسجيتك الكرم و شيمتك الإحسان للمسيئين
و عندما تطلب مني أن أعطي من أموالك شيئا قليلا طلا للفقراء و المساكين من عبادك ( و ما أكثرهم ) فأمتنع و أكثر من ذلك أنك لا تطالبني بعدم الرد بل تستقرضني
و من يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له

و أنا عالمٌ واثقٌ بأنك سوف تردّ الدرهم بالحرير و الإستبرق في جنان الخلد ( و ما قيمة الأموال أمام نعم الله في الجنة و أعلاها رضوان منه ) و لا أزال بخيلا .. اصرف من مالك على رغباتي و شهواتي و لا أصرف شيئا في سبيلك هي لي حسنى و مثوبة .
يا رب ! كم أنت لطيفٌ بعبادك .. لا ترهبني جبروتك و لا يرعبني كبرياؤك .. فأمدّ يدي اليك دون واسطة و لا شفيع .. أخلو بك .. أناجيك .. أدعوك .. أكلمك .. أسرّ اليك و أطلب منك فلا تردّني بل و تغفر زلّتي و تكشف كربي و تستر عورتي .

الهي ! ان عبدتك و سجدت لعظمتك طوال عمري فلن أفي بأصغر حق من حقوقك .. فما لي أبتعد عنك كأنّ لي التطوّل عليك .. أستجير بالله .

مولاي ! اغفر لعبدك الجاهل و ارحمه بواسع رحمتك و جد عليه بفضل احسانك إنك جوادٌ كريم ٌ . ” الحمد لله الذي لا أدعو غيره ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي . و الحمد لله الذي لا أرجو غيره ولو رجوت غيره لأخلف رجائي .”
هل هناك من نلتمس منه حوائجنا غير الله ؟
هل هناك من نلجأ اليه في الشدة و الرخاء غير الله ؟
هل هناك من نرجوه فلا يذلنا الا الله ؟

عندما يخاطب الإمام ربه و يناجيه قائلا : ” الحمد لله الذي لا أدعو غيره … ” فإنما يريد أن يعطينا درسا في كيفية الدعاء . و يريد أن يعلمنا بأن الله هو الذي لا بدّ أن ندعوه في كل صغيرة و كبيرة و نطلب منه و لا من غيره حوائجنا . هو الذي نمدّ اليه بخضوع أيدينا راجين منه لا من غيره أن يستجيب دعاءنا . و من غير الله يستجيب لنا و من غيره يعطينا فكل ما في الوجود ملكه و له و بإرادته .

بالطبع ليس معنى ذلك أن الإنسان يعيش بدون عمل و دون تعاون مع الآخرين في و يرفع يديه الى الله ليملؤهما الله فضة و ذهبا .

الإنسان مدني بالطبع و عليه أن يعيش في المجتمع كعضو فعال من أعضائه ، يخدم غيره و يتقاضى الأجر مقابل خدمته و يتعاون مع الآخرين :

الناس للناس من بدو و من حضرٍ ***** كلٌّ لكلٍّ و إن لم يشعروا خدمُ

و لكن عندما كانت له حاجة ملحّة في أمر يستصعبه الآخرون فعليه أن يطلب حاجته من بارئه و خالقه .. هذا بعد أن كان في حياته مستويا كادّا ، يعمل و يؤدي عمله بإخلاص .. ذلك لأن الغير مهما كان أخا و صديقا فغالبا ما يخذل الإنسان و اذا استجاب له ، يُذلّه و يمنّ عليه . و مادام هو مخلوقا مثله فإنه عاجز عن تأدية طلبه و الله هو الغني و هو القادر على كل شيء فإن كان لك طلبا فاطلبه من ربك .

و بالتأكيد لا يتنافى هذا أن يعين و يتعاون مع الآخرين . و الله من وراء القصد

وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي وَكَلَني اِلَيْهِ فَاَكْرَمَني وَلَمْ يَكِلْني اِلَى النّاسِ فَيُهينُوني، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي تَحَبَّبَ اِلَىَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنّي، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي يَحْلُمُ عَنّي حَتّى كَاَنّي لا ذَنْبَ لي، فَرَبّي اَحْمَدُ شَيْيء عِنْدي، وَاَحَقُّ بِحَمْدي

و يا لها من كلمة مباركة تدوي في سماء العظمة و الجمال أن نوكل الأمر كله اليه و نفوض أمورنا اليه و نستسلم له و نضع القيادة بيده و لابد لنا من ذلك فلا خيار لنا و لا اختيار . و ياله من رب رحيم نوكل أمرنا اليه ليرحمنــا و ليعطف بنــا .. لأنه غير محتــاج الى غيــره كالعبيـد . و اذا أوكلنا الى عباده صالحين كانوا أم طالحين فإننـا لسنا في منأى عن التحقير و الإهــانة لأنهم عبيد مثلنا مهما علوا و ارتقوا .
فالحمد و الثناء كله لله الذي أوكل أمورنا اليه . و نعم ما قال أمير المؤمنين سلام الله عليه : ” و الجئ نفسك في امورك كلها الى الهك فانك تلجئها الى كهف حريز ومانع عزيز واخلص فيالمسالة لربك فان بيده العطاء والحرمان ” إليك يا ربي أرجع كل أمورني لأنك الكهف الحصين المنيع الذي لا ينفذ فيه شيء و أنت المانع الغالب العزيز القوي الرفيع الذي تهب العزة و المنعة لمن تشاء و تمنعها عمن تشاء فإليك إليك دون غيرك مأواي و ملتجاي .

و الحمد لله الذي تحبب الي و هو غني عني

تارة يتحبب فرد الى الآخـر طمعــا في علمه أو مــاله أو جاهــه و سلطــانه أو لأي غرض مشروع أم دنيء من أغراض الدنيا أو حتى الأغراض المعنوية السامية أما كيف يتحبب الينا رب العزة و العظمــة و هو العــزيز الغالب القاهــر الغني . يا ترى كيف يمكن للخالق بعظمته و جلاله و كبريائه أن يتحبب الى معبود فقير لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا ؟!

الله .. المتعال يتحبب الى عبده لا لحاجة منه اليه فلو كفر كل من في الأرض فلا ينقص من عظمته و كبريائه شيء و لا تزيده عبادة العباد و سجودهم شيء .. هو الغني المطلق . و نحن الفقراء اليه . نحن علينا أن نتحبب اليه و أن نستجيب لأمره المطاع حتى لا يغضب منا . و لكننا نرى أن الله لو اقتربنا منه قيد أنملة لاستقبلنا بواسع رحمته و كمال لطفه و منه .

و نراه سبحانه و تعالى يدعونا أن لا نخجل إن ظلمنا أنفسنا من العودة و الرجوع اليه فقد كتب على نفسه الرحمه .. يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.. كيف نقنط من رحمته التي وسعت كل شيء ؟ و إن أذنبنا و عصينا فليس الخالق كالمخلوق ليزجرنا و يطردنا من جنة رحمته بل يدعونا إليه ثانيا و ثالثا و عاشرا لأنه الحليم يحلم على عباده و يتجاوز عنهم و يغفر لهم سيئاتهم إن تابوا و أنابوا اليه و رجعوا بخضوع و خشوع يسجدون له تعبدا و رقا .. نعم .. يحلم عنهم حتى يجد العاصي في نفسه كأنه لا ذنب له .. لا خائف و لا وجل .

يا له من غفور ودود و يا لنا من عباد عصاة نكفر بنعمه و لا نطيعه حق الإطاعة و إن كان مردّ الإطاعة لنا و جزاؤها لصالحنا و هو غني عنا و عن عبادتنا .

الهي أنت بحلمك و لطفك على عبادك و رحمتك الواسعة أحق بالحمد بل الحمد كله لك و الثناء أنت تستحقه لا غيرك فأنت أحمد شيء عندي و أحق بحمدي لا يبلغ كنه محامدك لفظ و لا يحيط بمعاني مدحك وصف

اَللّـهُمَّ اِنّي اَجِدُ سُبُلَ الْمَطالِبِ اِلَيْكَ مُشْرَعَةً، وَمَناهِلَ الرَّجاءِ اِلَيْكَ مُتْرَعَةً، وَالاِْسْتِعانَةَ بِفَضْلِكَ لِمَنْ اَمَّلَكَ مُباحَةً، وَاَبْوابَ الدُّعاءِ اِلَيْكَ لِلصّارِخينَ مَفْتُوحَةً .

يرى الإمام السجاد سلام الله عليه أن جميع الطرق مفتوحة أمامه للدعاء و الوقوف أمام عظمة الرب .. ذلك لأن الله العظيم هو الذي دعانا اليه و هو الذي تفضل على عباده بالإستجابة لهم لطفا و كرما . فمن أراد أن يتوجه الى ربه فليتوجه خاضعا خاشعا و ليطلب ما يريد فإن أبواب الدعاء و الطلب مفتوحة أمامه في كل زمان و مكان .

يقول رسول الرحمة صلى الله عليه و آله و سلم : ” أدعوا الله وأنتم موقنون بالاجابة ”

أجل : الشرط الأول للدعاء أن تحسن الظن بربك و تطلبه و أنت واثق بالإجابة و متيقن بالإستجابة و اعلم أن نفس الدعاء والطلب – في حد ذاته – مطلوب بل و من أحسن الأعمال و أفضلها و لا ريب أن الله لن يحعل طلبك دون إجــابة و إن كان لا يجيب طلبك الخاص لمصلحة مخفية عليك فإن مجرد التواضع و الخضوع منك يرفع رصيد الأجر و الثواب في حسابك عنده . فلرب حاجة تطلبها بإلحاح ( و يستحسن الإلحاح في الطلب ) و لكن المصالح العامة أو مصلحتك الشخصية تحول دون استجابتها من قبل الرحمن فلا تيأس و لا تقنط من واسع رحمته و تضرع اليه مرات و مرات لعله استجاب لك حاجتك أو أعطاك أضعاف ما تطلب في الآخرة .. و هذا هو الأهم يا أعزائي .. فالدنيا مهما كانت مؤلمة فإنها زائلة لا محالة و أنت تمر على قنطرة الدنيا لكي تصل إلى مسكنك الأبدي في الآخرة .. فلا تكن حاجتك محصورة على أمور دنيوية بحتة و تنس نصيبك من الآخرة فإنها هي الحيَوان و هي دار القرار و هي النعمة الخالدة و الجنة الباقية و السكن الدائم و المنزل المؤبد .

و مادام الرب الرحيم فد أمرنا بأن ندعوه فلا يمكن أن يمنع العطايا من عباده الضعفاء و بيده ملكوت كل شيء .

جاء في الحديث القدسي : ” انا عند ظن عبدى بى فلا يظن بى الا خيرا ” نعم إن باب رحمته مفتوح أبدا للداخلين اليه فلا يمكن أن يمنع – سبحانه – أحدا من فيض نعمته ووابل رحمته .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” قال الله عزوجلّ : من سألني وهو يعلم أني أضرُّ وأنفع استجبت له ” أ لا يكفينا أننا نعلم بأن الله هو الذي يضر و ينفع و فيستجيب الله دعاءنا .
وحسن الظن بالله هو من شعب معرفته سبحانه ، فعلى الداعي أن يحسن الظن باستجابة دعائه فيقبل اليه بكل وجوده و يطلب منه لا من غيره كشف ضره، عالما بأنه لا يخلف الميعاد مؤمنا برحمة الله اللامتناهية، وبأنه تبارك وتعالى لا يمنع أحدا من فيض نعمته، وما التقصير والقصور إلا من العبد نفسه، ولقد جاء في الحديث عن الصادق عليه السلام : ” إذا دعوت فظن حاجتك بالباب” ، لا أن تدعو وأنت يائس أو قانط أو مستكبر على الله أو مستكثر عليه أنه يستجيب أو مستبعد أن الله يستجيب لك، ادع وأنت مطمئن ومتيقن أن الله سيستجيب لك و توكل عليه و اعلم أن كل سبل المطالب و أبواب الدعاء مشرعة مفتوحة أمامك و استعن بالله عليه التكلان و إليه المصير

ان أهم شرط لاستجابة الدعاء حسن الظن بالله كما جاء في الحديث ” اذا دعوت فظن حاجتك بالباب ” و لكن ليس هناك علامة تدعو الى قبول الدعاء و الإستجابة القطعية .

و مهما كان فإن الدعاء إذا استوفى الشروط وحالت المصلحة الإلهية دون تعجيل الإجابة، فانّ هذا الدعاء يدخر لصاحبه، كما ورد في الأحاديث وربما خفف عنه بلاء لم يكن ليعلمه هو، ولم يفكر بالدعاء للخلاص منه، أو سيعوّض الداعي عن عدم إجابة دعوته بالأجر و المغفرة .

و الشروط ليست دائما معيقة للإستجابة فرب دعاء يخرج من القلب دون أي شرط فلا الطهارة و لا الشروط الأخرى المذكورة في الروايات من الشروط الذاتية و الموضوعية ضرورية دائما .. بل توجه من صميم القلب الى البارئ يكفي ليصيب الهدف في آن واحد .

وَاَعْلَمُ اَنَّكَ لِلرّاجي بِمَوْضِعِ اِجابَة، وَلِلْمَلْهُوفينَ بِمَرْصَدِ اِغاثَة، وَاَنَّ فِي اللَّهْفِ اِلى جُودِكَ وَالرِّضا بِقَضائِكَ عِوَضاً مِنْ مَنْعِ اْلباِخلينَ، وَمَنْدُوحَةً عَمّا في اَيْدي الْمُسْتَأثِرينَ، وَاَنَّ الِراحِلَ اِلَيْكَ قَريبُ الْمَسافَةِ، وَاَنَّكَ لا تَحْتَجِبُ عَنْ خَلْقِكَ إلاّ اَنْ تَحْجُبَهُمُ الاَْعمالُ دُونَكَ

بعد أن يحسن الإمام السجاد عليه السلام ظنه بالله و يرى جميع طرق المطالب و سبل الحوائج مفتوحة مشرعة .. يوحي الى السامع بأن الله حقا موضع إجابة دعاء من يرجوه و يغيث كرب من يستغيث به .. و يختلف طلب الحاجة اليه عن طلب الحوائج الى عباده فهاهنا يبخل من يبخل و يستأثر بمنحته من يستأثر و يمنّ عليك من ليس له قدرا و لا كرامة و يحقرك من هو دونك في الفضل و الكمال و الدرجة.. و أما ربك أيها العبد الغافل عنه فإنه قريب اليك و لا يحجبك عنه سوى غفلتك و معصيتك فتقرب اليه و اطلب منه ما بدا لك دون الحاجة الى طي مسافة أو استحياء في ذكر الطلب .

و نعرف من هذه الفقرة الهامة من الدعاء أن أهم شيء ينبغي التوجه إليه، هو ان نعرف بأن الله ليس بعيدا عنا، وأننا جميعا عند ربنا وبين يديه. جاء في الحديث ان إعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله .. هل ربنا بعيد فنناديه، أم قريب فنناجيه؟ فنزل قوله تعالى: ” وإذا سألك عبادي عني فإني قريب”

و من الملاحظ أنه حينما يكون الإنسان بعيدا عنك، فإنك ترفع صوتك لكي يسمعك و يتوجه اليك ، اما إذا كان قريبا منك، فإنك تتحدث إليه بهدوء و اطمئنان . وهذا القريب قد لا يكون متوجها أو ملتفتا إليك و لكن ربك الرحمن يختلف عن أي قريب آخر، فهو قريب مجيب ملتفت إلى كل مخلوقاته برحمته وحنانه ومنته و لطفه دائما و أبدا .
و هنا يتبادر الى أذهاننا هذا السؤال : لماذا في بعض الأدعية نكرر القول ” يا الله ” ” يا رحمن ” ” يا رحيم ” و غير ذلك من أسمائه الحسنى مع أن مرة واحدة تكفينا لأنه يسمعنا حين نناديه و يلتفت الينا دون حاجة للتكرار ؟

صحيح ان الله يجيبنا من أول نداء ، ولكن ربما نكون غافلين عمن ناديناه . لذا فنحن بحاجة إلى تكرار أسمائه الحسنى ، حتى نشعر بعظمة الرب المنادى. وهذا ما نسميه حضور القلب حين التحدث إلى الله والا فإن الإنسان الداعي إذا كان حاضر القلب، متوجها بكل وجوده إلى الله، فإن نداءا واحدا يكفيه. رب داع يقول من واقع وجدانه و ينادي من صميم فؤاده : ” يا الله ” مرة واحدة فيقلب كل موازين القوى في حيثية من حيثيات حياته و يعطيه ربه ما أراد بل و يزيد عليه ما لم يحتسب .

بناء عليه فإن درجات الغفلة والذكر أساس لتفاوت الناس و اختلافهم من حيث القرب والبعد عن الله تبارك وتعالى. فكلما كان الإنسان أكثر ذكراً كان أقرب إليه تعالى ” فَاذْكُرُونِي أَذكُركُمْ ” حتى ورد الحث و التحريض على ذكر الله في جميع الأحوال .. قال تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذينَ أَمنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً” بلا حد زماني ولا قيد مكاني . فالذكر خير على كل حال. ولهذا نعتقد بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يذكر الله تعالى في حال يقظته فحسب بل و يذكره حتى في حال نومه ..

و نحن يا أعزائي غافلون عنه سبحانه مع العلم أن الخروج من دوامة الغفلة و الدخول الى بوابة إ الذكر قريب جداً فالله معنا دائما و نحن في محضره أين ما كنا و ذهبنا ” مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُمْ” وما علينا إلاّ الالتفات إليه عزّ وجلّ لنكون قريبين منه . اليس هو القائل في الحديث القدسي : “أنا جليس من ذكرني” و ان ما يحجبنا عنه هو أعمالنا التي لا تسمن و لا تغني من جوع . و بالرغم من ذلك فلا ضير أن نتوجه اليه آناء الليل و أطراف النهار . و ان خير ساعة نصل فيه الى ربنا هي ساعات ما قبل الفجر ” ان ناشئة الليل هي أشد وطئا و أقوم قيلا ” فاستعينوا على التوجه بكل وجودكم اليه في امتطاء ظلمات الليل السوداء بنور ركعات تصلونها حين تنام الأعين و لتتنحّ جنوبكم عن المضاجع قليلا في الأسحار حتى تصلوا الى مجال القرب الإلهي و تتمغنطوا فيه .

قال الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه : “إن الوصول إلى الله عزّ وجل سفر لا يدرَك إلا بامتطاء الليل” فتعرضوا للنفحات الربانية عبر ركعات قليلة تصلّونها في ساعات القرب .

أجل .. إن الله قريب عنا لا يحجبنا عنه سوى غفلة تغشى عيوننا جراء أعمالنا التي لا ترضي ربنا أو معاصي نرتكبها و العياذ بالله و بالرغم من كل ذلك فإن الله يدعوننا اليه أفة بنا و رحمة : “وَإِذَا سَألكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَريبُ أُجيبُ دَعوةَ الدَّاعِ إِذْا دَعَانِ ” و ما بيننا و بينه حجاب و لا ستر بل هو أقرب الينا منا لأنفسنا : ” وَنَحنُ أَقْربُ إِليهِ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ” فاستعينوا بالله و اطلبوا منحه و عطاياه دونما حاجة الى وسائط و اعلموا أن عطاء الرب و نعمه مستمرة دائمة أبدية في الدنيا و الآخرة “وَمَا كَانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ” مجرد توجه و التفات فإنه يخرق الحجب السبع و يصلك الى معدن العظمة

” وَتَوَجَّهْتُ اِلَيْكَ بِحاجَتي، وَجَعَلْتُ بِكَ اسْتِغاثَتي، وَبِدُعائِكَ تَوَسُّلي مِنْ غَيْرِ اِسْتِحْقاق لاِسْتِماعِكَ مِنّي، وَلاَ اسْتيجاب لِعَفْوِكَ عَنّي، بَلْ لِثِقَتي بِكَرَمِكَ، وَسُكُوني اِلى صِدْقِ وَعْدِكَ، وَلَجَائي اِلَى الاْيمانِ بِتَوْحيدِكَ، وَيَقيني بِمَعْرِفَتِكَ مِنّي اَنْ لا رَبَّ لي غَيْرُكَ، وَلا اِلـهَ إلاّ اَنْتَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ “.

الإنسان كله حاجة و كله احتياج .. فأين يتوجه في حوائجه ؟
إن كنت تريد التوجه إلى إنسان مثلك فقد توجهت إلى محتاج و المحتاج لا يرفع عن غيره الإحتياج إلا أن تتوجه إلى من هو مستغن عن الجميع و الجميع محتاجون إليه و هو الله .. هو الذي يجيب حاجة المحتاجين و يغيث المستغيثين و لا ينقص منه شيء لأنه الغني المطلق . فإذا احتجت شيئا – و كلك حاجة – فاسلك سبيل الدعاء إلى الرب المتعال دون المرور على أبواب المحتاجين من نظرائك الذين إن طلبت منهم حاجة فقد تذلّ نفسك و فد يذهب حياؤك و قد يُستخفّ بوقارك و قد يُحتقر شأنُك و بالتالي ربما تصل الى نتيجة أقلّ بكثير مما كنت تتوقعه . قال الإمام الصادق عليه السلام : ” طلب الحوائج الى الناس استلاب للعزّ، و مذهبة للحياء ” .
و لا شك أن الله يعلم ما في الضمير و يعلم حاجتك قبل أن تسأله و لكن أئمتنا عليهم السلام علمونا أن نطلب من الله حوائجنا و نلحّ عليها لأن الله تعالى يحب أن يسأله عبده في كل حاجة يطلبها صغيرة كانت أم كبيرة . قال الإمام الصادق عليه السلام : ” انّ الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعاه ، ولكنّه يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج ” .
و الإمام السجاد عليه السلام في هذه الفقرة المباركة من الدعاء بعد أن يجعل كل الإستغاثة اليه وحده و التوسل في الدعاء اليه دون غيره يقول : ” من غير استحقاق لاستماعك مني ” و يا لها من جملة عظيمة . أجل : فليس على الله أن يستجيب دعاءنا و من نحن حتى نتجاسر و نطلب من العظيم الجليل حاجة و لكنه بجلاله و عظمته أجاز لنا – نحن المسيئين – أن نطلب منه دون وجل أو خوف مع رفعة شأنه و علو مقامه فتراه يقرب نفسه الينا و يطلب منا أن ندعوه ” وَإذاَ سَأَلَكَ عَبَادِي عَنَّي فَانِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَليَستَجيِبُوا لِي وَليُؤمِنوا بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ ”
و يا لدناءة الإنسان مع غاية إحتياجه و إفتقاره يولي عن ربه الكريم و يتوجه الى المحتاجين الفقراء بل و اللؤماء فيحرم نفسه من رحمة ربه الواسعة و كرمه الجمّ و إحسانه العميم و نعمه السابغة . فكونوا أعزائي بالله عزوجل أوثق منكم بغيره و لا تقنطوا – أبدا – من رحمة الله . و ادعوه مخلصين له الدين دعاء محتاج مستغيث يعلم واثقا أن الإستعانة محض لله و طلب الحاجة منه لا إلى غيره و ثقوا بكرمه كما وثق زين العباد سلام الله عليه بكرمه و سكن إلى صدق وعده و لجأ إلى الإعتقاد الجازم بوحدانيته و تيقن بأنه وحده لا شريك له هو المستعان و هو المجيب و هو الرب لا رب لنا غيره . و ها نحن نعترف كل يوم أكثر من عشر مرات أن لا استعانة إلا به ” إياك نعبد و إياك نستعين ” .

” اَللّـهُمَّ اَنْتَ الْقائِلُ وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَوَعْدُكَ صِدْقٌ (وَاسْأَلوُا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ اِنَ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحيماً)، وَلَيْسَ مِنْ صِفاتِكَ يا سَيّدي اِنْ تَأمُرَ بِالسُّؤالِ وَتَمْنَعَ الْعَطِيَّةَ، وَاَنْتَ الْمَنّانُ بِالْعَطِيّاتِ عَلى اَهْلِ مَمْلَكَتِكَ، وَالْعائِدُ عَلَيْهِمْ بِتَحَنُّنِ رَأفَتِكَ ”

أجل .. إن الله يدعونا الى السؤال و الطلب منه و التضرع اليه .. فلماذا لا يُستجاب لنا غالبا مع ان الله – كما يقول الإمام سلام الله عليه – ليس من صفاته أن يأمر بالسؤال و يمنع عنا العطاء فهو الذي يمن على جميع العباد مؤمنين و كفارا بمننه السابغة و نعمه الدائمة .. فماذا في الأمر ؟
للدعاء آداب يا أعزائي ..

فكما أنك اذا أردت أن تزور حاكما أو ملكا في الدنيا فانك تلبس أحسن ملابسك و تعطر نفسك أحسن العطور و عندما رأيته تمد يديك باحترام و تجلس القرفصاء أمامه لكي لا يرى فيك اساءة أدب !! فكيف بك اذا أردت زيارة ملك الملوك و التحدث معه كيف تستقبله و كيف تهيء نفسـك لزيـارته ؟

آداب الدعاء

1- الطهارة : ينبغي للداعي أن يتوضأ و يجلس في سسجده ( على سجادته ) و يدعو ربه خاصة اذا كان بعد الصلاة ” و استعينوا بالصبر و الصلاة ”

2- الطيب : روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال : «كان أبي إذا طلب الحاجة… قدّم شيئاً فتصدق به ، وشمّ شيئاً من طيب ، وراح إلى المسجد.. » و لا حاجة أهم من اظهار حبه و خلوصه لربه و خالقه ليكسب حبه و رحمته .

3- البسملة : ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يُرَدُّ دعاءٌ أوّله بسم الله الرحمن الرحيم »

4- الثناء على الله تعالى : أما ما يجزي من الثناء على الله سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه سئل عن ذلك فقال : «تقول : اللهمّ أنت الاَول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم »

5- الدعاء بالأسماء الحسنى : قال تعالى : ( وللهِ الاَسماءُ الحُسنى فادعوهُ بها ) ، وقوله تعالى : ( قُل ادعوا الله أو ادعُوا الرَّحمن أيّاً ما تدعُوا فلهُ الاَسماءُ الحُسنى ) .قال الاِمام الصادق عليه السلام : «من قال يا الله يا الله عشر مرات قيل له : لبيك ما حاجتك »

6- الصلاة على محمد و آله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يزال الدعاء محجوباً حتى يصلى عليَّ وعلى أهل بيتي »

وقال أمير المؤمنين (ع) : إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجةٌ : فابدأ بمسألة الصلاة على النبيّ وآله ، ثم سل حاجتك ، فإنّ الله أكرم من أن يُسأل حاجتين يقضي أحدهما ويمنع عن الآخر

7- الأقبال على الله : من أهم آداب الدعاء هو أن يقبل الداعي على الله سبحانه بقلبه وعواطفه ووجوده ، وأن لا يدعو بلسانه وقلبه مشغول بشؤون الدنيا ، فهناك اختلاف كبير بين مجرد قراءة الدعاء وبين الدعاء الحقيقي الذي ينضمّ فيه القلب بانسجام تامّ مع اللسان ، تهتزّ له الروح وتحصل فيه الحاجة في قلب الاِنسان ومشاعره .

و اذا تقدمت الى الدعاء بشروطه و آدابه فأنت تسير في خطى وثيقة نحو الله . و قبل كل شيء لا بد من المعرفة .. فالمعرفة تقربك اليه أكثر و أكثر . و لا شك أن معرفتنا مهما أوتينا من العلم قليلة يسيرة لأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا .. و لكن حتى المعرفة البسيطة تؤدي الى المطلوب ان شاء الله فحاولوا أعزائي التعرف على خالقكم أكثر و أكثر بالنظر في خلقه و الإعتبار فيما حدث و يحدث و التأمل في الكون و أخيرا بالإستعانة من القرآن .

اِلهي رَبَّيْتَني في نِعَمِكَ وَاِحْسانِكَ صَغيراً، وَنَوَّهْتَ بِاِسْمي كَبيراً، فَيا مَنْ رَبّاني فِي الدُّنْيا بِاِحْسانِهِ وَتَفَضُّلِهِ وَنِعَمِهِ، وَاَشارَ لي فِي الاْخِرَةِ اِلى عَفْوِهِ وَكَرَمِهِ، مَعْرِفَتي يا مَوْلايَ دَليلي عَلَيْكَ، وَحُبّي لَكَ شَفيعي اِلَيْكَ، وَاَنَا واثِقٌ مِنْ دَليلي بِدَلالَتِكَ، وَساكِنٌ مِنْ شَفيعي اِلى شَفاعَتِكَ
كم مننت علي من نعمك الجسيمة المتتالية لحظة أدخلتني الى الدنيا – يا الهي – حتى كبرت و ترعرعت بتربيتك و تحت كنفك لا يؤودك حفظي من آلاف البلايا و مئات العوارض و الحوادث . و استمرت تربيتك لي و إحسانك المستدام علي حتى أصبحت شابا كامل النمو فعظمت شأني بين أقراني و شهّرتني و رفعت من مقامي و أنا لا أستحق كل ذلك الإفضال و الإنعام .
إلهي .. استمرت النعمة دون انقطاع على عبدك المقر بالذنوب المعترف بالعصيان ساعة بعد ساعة و آنا بعد آن حتى انك من جزيل رحمتك و رأفتك بي بشرتني بالعفو يوم الحساب و ذكرتني بكرمك الذي لا ابتداء له و لا انتهاء فأطمعتني في العفو و الرحمة دون أن يكون لي و لأمثالي من عبادك حق فيها و لكن رحمتك واسعة و جودك متاح للآخـرين .
الهي من يدلني عليك إلا فطرتي فهي التي تعرفني بك إن رجعت إليها فقد عاهدتك مذ لم يكن بشرا على الأرض بل و قبل أن تكون أرض و سماء حينما سالتني و سألت غيري : ” ألست بربكم ” و عرفتك قبل النشأة الدنيا و قبل أن تسكن روحي في جسدي البالي و هذا الدليل القاطع كان معي قبل أن أكون فكيف تجبرني نفسي الأمارة بالسوء أن أخالف أمرك و أن أعصي مقامك و أراك ظاهرا و ناظرا ، شاهدا و حاكما ، دليلا و عينا .
إلهي مهما بعدت عنك فإن حبي لك يشفعني عندك و هو الذي يقربني إلى مقامك الرفيع .
أجل يا أحبائي يكتسب العبد حب الله تعالى في الدنيا كسبا بمقدار طاعته و معرفته إلا أن أصل الحب لا ينفك عنه مؤمن لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة ولولا تفانينا في حب الدنيا و انغماسنا في مشتهياتها الزائلة و ملذاتها الفانية لعرفنا لذة الحب لله و لتجافينا عن مضاجعنا في سويعات الليل شوقا إلى المحبوب . و إذا عرفنا ربنا أحببناه و إذا أحببناه أقبلنا عليه و إذا أقبلنا عليه ما نظرنا إلى الدنيا بعين الشهوة و ما نظرنا إلى الآخرة بعين الفترة .
أعزائي : اننا إذا قصرنا في حبنا لله فسبب ذلك جهلنا و قصورنا عن الوصول إلى أولى مدارج الحب الحقيقي .. و العجيب أننا نحب أنفسنا و نحب ما خلق ربنا فكيف لا نحب ربنا و هل شعاع الشمس أفضل من الشمس و هل بصيص النور أقوى و أقوم من النور المحض .
فتعالوا نفتح صفحة عريضة في قلوبنا من حب الله حتى نخرق الحجب السبع .

” أدعوك يا سيدي بلسان قد أخرسه ذنبه . رب أناجيك بقلب قد أوبقه جرمه ، أدعوك يا رب راهبا راعبا راجيا خائفا . إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت ، و إذا رأيت كرمك طمعت ، فإن عفوت فخير راحم ، و إن عذبت فغير ظالم ”
بعد أن بحث الإمام طويلا في معرفة الله .. ينتقل الى حالة جديدة للعبد بين يدي الله عز و جل .. يناجيه بلسان ألكن قد أخرسته كثرة الذنوب و المعــاصي .
هل وقفت يوما أمام أبيك و أنت صغير قد اقترفت يدك تمردا و عصيانا ؟ هل سبق أن أخطأت في الإمتحان حطأ فادحا فأوقفك المعلم في عصبية أمام الفصل يسألك ؟ لماذا لم تذاكر الدرس ؟
كيف تجيب ؟ لا شك أنك تتلعثم في الجواب و تتقهقر أمام رؤية العقاب . فما بالك أيها العاصي و أنت تقف أمام الخلق كلهم من بدو الخليقة إلى آخر الزمان و الجميع ينظر اليك و أنت واقف في صف الحساب ، يسألك الرب : كيف صرفت عمرك بالباطل ؟ يا صاح ماذا تجيب ؟ كيف ترد على سؤال العظيم الجبار في صف المحشر ؟


و أما الإمام السجاد سلام الله عليه فهو في الدنيا يرى ملكوت السموات و الآرض .. ينكشف له غطاء العين فيرى كل ما لا تراه عيوننا لأنه عرف الله حق معرفته فيرى ما سوف نراه بعد ملايين السنين .
انه يحس بعظمة الخالق فيقشعر بدنه خوفا و خشية منه ثم يرق جلده بعد أن يتذكر سعة رحمته و مغفرته .
يا رب عملي محدود وأملي لا تحده حدود فلا تعاملني بالعدل و لا تعطني ما أستحق من خائب عملي بل أعطني بمقدار أملي الذي ليس له حد مثلما لا حدّ لواسع رحمتك و لأفق مغفرتك فأنت العفوّ الكريم الذي يحلم عن مجاراة العاصين و يكفر عن معاصي المذنبين و بصفح عن آثام المقصرين و أنا يا إلهي مقر بالذنوب ، معترف بالمعاصي و كل وجودي رجاء و أمل .
لاحظوا أعزائي أن الإمام سلام الله عليه عندما يريد تبيان حاله يقول في خضوع و خشية : ” أدعوك يا رب راهبا راعبا راجيا خائفا” فيستعمل ثلاث كلمات للخوف و لفظا واحدا للرجاء حتى يوضح لنا نقطة هامة جدا و هي أن الخوف ثلاثة أضعاف الرجاء و هكذا يجب أن نكون ..
صحيح أننا نأمل و نرجو رحمة ربنا و أصحّ منه أن رحمة ربنا وسعت كل شيء و لكن الخوف و الوجل و الخشية تبقى في المقدمة و تحتل ثلاثة أرباع حالة المؤمن .. فقبل أن نرجو ، علينا أن نخشى .. نخشى من غضب الجبار فإن نتيجته بلاء تطول مدته و يدوم مقامه و لا يخفف عن أهله لأنه لا يكون الا عن غضبه و انتقامه و سخطه و هذا ما لا تقوم له السموات و الآرض .. أستجير بالله من غضب الله .
و ها نحن أمام خوف يحتل ثلاثة أرباع القلب و رجاء يحتل ثلثا فعلينا أن نقلل من ساحة الخوف بالعبادة و الطاعة و أداء الفرائض و الكف عن المحارم و قد صدق رسول الرحمة صلوات ربي عليه و آله إذ أعلن أن الكف عن المحارم من أفضل الأعمال و أقرب القربات في هذا الشهر المبارك .
ثم لا ننسى يا أعزائي أن ةالله إن أراد أن يعاملنا بعدله فحتى الأولياء لا يستطيعون مقاومة الحساب .. إذن فإن أراد أن يعذبنا بذنوبنا فلا ظلم أبدا لأننا نعرف مقدار خطايانا ” بل الإنسان على نفسه بصيرة ” و نعرف أن العدل يقتضي بقاءنا أحقابا في نار جهنم – و العياذ بالله – لذلك فإننا نرجوه و نتضرع اليه كما الإمام زين العُباد سلام الله عليه و نكرر مع إمامنا مذعنين : ” فإن عفوت فخير راحم ، و إن عذبت فغير ظالم “

عفوك يا رب

” حجتي يا الله في جرأتي على مسألتك مع إتياني ما تكره ، جودك و كرمك ، و عُدّتي في شدتي مع قلّة حيائي رأفتك و رحمتك و قد رجوت أن لا تخيب بين ذين و ذين مُنيتي فحقق رجائي و اسمع دعائي يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راج .”
***
عندما يشرق قلب الإنسان المؤمن بالرجــاء من الله ، تختلط الهيبة و الإستحياء بالرجاء و الطمع فيحقق المؤمن أروع إرتباط بينه و بين ربه و يمشي على خطوات متثاقلة من شدة الإستحياء و لكنها ثابتة محكمة ، يزيد في ثباتها أفق الرحمة الواسعة من طرف المولى حيث تحتل مساحة السموات و الأرض و ما بينهمــا
و هكذا فإن السائل عندما ينظر إلى ذنوبـه و موبقات آثامــه و جرأته على ربه تنحسر خطواته و تذرف دموعه و يتقهقر خجلا و رعبا و لكنه في الحين نفسه ينظر إلى كرم ربه و جـوده الذي لا يحده حـذ فهو الكرم المحض و الجود المحض ، إذ ذاك تذرف عيناه دموع الشوق و تتبدل حاله من القنوط إلى الرجـاء فيمشي متماسكا نحو المعبود و يا لها من إنابة و أوبة تعني الكثير من المعاني السامية .
و ها هو إمامنا صلوات ربي و سلامه عليه بلخص مناجاة الراجي الخائف في كلمات جزيلة جليلة تلخص الرؤيثة التي لا بد لكل مؤمن أن يرى بها .. رؤية المعترف بالذنب المقر بالمعصية و لكن الراجي عفو ربـه و الطالب غفرانه و هو يعلم علم اليقين أن ربه واسع المغفرة أرحم من كل رحيم و أجود من كل جواد :
ّ يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راج ” و بهذا الوصف البليغ يتوسل اليه رافعا يديه نحو السماء متذللا خاشعا يطلب منه أن يسمع دعاءه و يحقق رجاءه .
و ياترى ما هو دعاء سيد الساجدين ؟
هل يفكر كما نحن نفكر ؟
هل يريد شيئا من حطتم الدنيا قد انبهر به !
لا و ألف لا .. إنه لا يريد من ربه حتى الجنة .. يريد شيئا واحدا هو كل رجائه و كل أمنيته ؛ يريد رضاه . و لا شيء أكبر و أعم و أشمل من رضا الله .. و جنة الرضوان مستقر أولياء الله و منتهى آمالهم و طلباتهم .


و نحن يا اعزائي ولو اننا لن نصل ابدا الى ما وصلوا اليه و لكن لنحذو حذوهم و نقتفي شيئا من آثارهم المباركة .. فلا نجعل كل دعواتنا متمثلة في حوائج الدنيا الزائلة بل لنسمو قليلا فنطلب شعاعا من نور الله نستنير به في حياتنا الدنيا و في حياتنا الخالدة الأبدية و لتسمو دعواتنا إلى ما يجعل مستقرنا آمنا خالدا مطمئنا ” أدخلوها بسلام آمنين ” .
و لنعلم أن كرم الله و ما يبعثه من طمأنينة في القلب يطغى على ذنوبنا مهما بلغت و لكن لابد من الإنابة و لابد من الرجوع حتى يشملنا قوله تعالى : ” كتب ربكم على نفسه الرحمة ” .

” عظم يا سيدي أملي و ساء عملي ، فأعطني من عفوك بمقدار أملي ، و لا تؤاخذني بسوء عملي ، فإن كرمك يجلّ عن مجازاة المذنبين ، و حلمك يكبر عن مكافاة المقصرين ، و أنا يا سيدي عائذ بفضلك ، هارب منك إليك ، مُتنجّزٌ ما وعدت من الصفح عمّن أحسن بك ظنا ، و ما أنا يا ربّ و ما خطري ، هبني بفضلك و تصدّق علي بفضلك ..”

الإنسان محصور بين آمال عديدة تحوطه من كل جانب .. يريد الأمن و الأمان و العافية في الدنيا و الآخرة ، يريد رزقا دارا و عيشا قارا و حياة هنيئة و مستقبلا رغدا و حالا جيدا و سعادة دائمة ..
و الإنسان المؤمن بعد ذلك كله يأمل في جنات عالية قطوفها دانية .. جنات الرضوان ” و رضوان من الله أكبر ” جنات الفردوس نزلا .. جنات عدن .. و يأمل في جنة عرضها السموات و الآرض و لكن عندما يصل إلى كلمة ” أعدت للمتقين ” تنتابه الكآبة و تحيط به الخيبة و الحسرة من كل صوب .. يا رب إن كانت الجنة للمتقين و إن كانت السعادة للخالصين و إن كان الرضوان للمقربين فأين أذهب أنا عبدك العاصي الذي لا يرى صفحة بيضاء في سيرته الممتدة من أوان بلوغه إلى أواخر عمره ؟
إلهي أين يذهب عبدك الذي كلما تذكر ذنوبه اقشعر جلده خوفا و خشية و كلما تذكر رجمتك زادته رجاء و أملا ..
و يخاطب الإمام السجاد عليه السلام ربه خطاب عباده المذنبين و يقر بإساءة عمله و بقلة حيلته و لكنه يستدرك كرم ربه و يراه أعظم و أسمى من مجازاة المذنبين و يرى في ملكوت السماء حلم ربه أجلّ و أٍرفع من مكافاة المقصرين فيحسن الظن بربه و يهرب منه إليه .. من غضبه إلى رحمته و من إنتقامه إلى حلمه و من سطوته إلى كرمه و يرجو منه بكل تذلل أن يتصدق عليه بفضلك و كله فضل ثم يدعوه بكل شفافية و وضوح ” و ما أنا يا رب و ما خطري ” .
أجل .. ما خطر كل العاصين و كل المذنبين .. و لكن هنا عاص يخشاه و يقشعر بدنه لرؤية مولاه غاضبا و هناك مذنبون لا يخشون ربهم .. يذنبون دون مبالاة و لا خشية و لا يحسبون حساب الآخرة و لا يهمهم غضب الجبار المنتقم .. فالفرق كبير بين مذنب يهرب من ربه إليه ، يخاف انتقامه و يخشى غضبه و بين مذنب يعصي ربه عالما عامدا دون آبه و لا معتن .
كلنا يا رب مذنبون و لكننا نقر بذنوبنا و نعترف بضعف إيماننا و في الوقت نفسه نصرخ أمام العالم أن لنا ربا رحيما رؤوفا ودودا فنتضرع اليه نطلب الصفح و العفو و نأمل في رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء ..
و هكذا بعلمنا إمامنا المعصوم روحي فداء اسمه المقدس أن نتوسل الى الله و ندعوه في ساعات الليل المظلمة و عندما تنام العيون أن ندعو ربنا و نناجيه مناجاة الخائفين الخاشعين و الآملين لفضله العميم .

« أيْ رَبِّ جَلِّلْني بِسَتْرِكَ، وَاعْفُ عَنْ تَوْبيخي بِكَرَمِ وَجْهِكَ، فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلى ذَنْبي غَيْرُكَ ما فَعَلْتُهُ، وَلَوْ خِفْتُ تَعْجيلَ الْعُقُوبَةِ لاَجْتَنَبْتُهُ، لا لاَِنَّكَ اَهْوَنُ النّاظِرينَ وَاَخَفُّ الْمُطَّلِعينَ، بَلْ لاَِنَّكَ يا رَبِّ خَيْرُ السّاتِرينَ، وَاَحْكَمُ الْحاكِمينَ، وَاَكْرَمُ الاَْكْرَمينَ، سَتّارُ الْعُيُوبِ، غَفّارُ الذُّنُوبِ، عَلاّمُ الْغُيُوبِ، تَسْتُرُ الذَّنْبِ بِكَرَمِكَ، وَتُؤَخِّرُ الْعُقُوبَةَ بِحِلْمِكَ »

يا رب غطني و استرني بسترك و لا تعاتبني أيها الكريم فلو أنني اذنبت و عصيت لا عن تمرد و تكبر بل نفسي سولت لي و زينت لي العصيان فعصيت خجلا مطأطأ الرأس .. عصيت و ها هو قلبي و عقلي يوبخاني على ما فعلت .. عصيتك بجهالة لا لأنني أريد العصيان بل لأنني أعرف حلمك و تجاوزك عن عبادك المذنبين .. أعرف مدى كرمك و احسانك الى العاصين .. أعرف مقدار رحمتك و عفوك عن النادمين .
الهي أذنبت دون علم أحد ولكني على علم و يقين بأنك تراني و لن أستطيع أن أعصيك في خفاء فلا يخفى عليك شيء في الأرض و لا في السماء و أنت أقرب الي من حبل الوريد و أنت مطلع على خائنة الأنفس و ما تخفي الصدور . و هل لي أن أرتكب خطأ أو قبيحا أمام أعين الناظرين .. لا فلا أريد الفضيحة و لا أريد أن أحطم كرامتي أمام الناس و لكني عصيت و أنت تراني .. لا لعدم اكتراثي بربي و خالقي و المطلع على كل سرائري فإني خاضع أمام عظمته و خاشع حقير أمام جلاله و كبريائه و لست يا ربي أهون الناظرين حاشاك أي ربي الجليل فأنت أكرم و أعظم الناظرين و لكني أعلم عفوك و أعرف سترك و أتيقن برحمتك فتغرني رحمتك الواسعة فأذنب و أعصي و أنا أعلم أنك تستر العيوب و تغفر الذنوب لأنك كريم و تؤخر العقوبة لأنك حليم .
ما أحلمك يا ربي بعبد حقير مثلي تراه و هو يأمل أن يحظى بلقاك و لكن بأي شكل و صورة يأتي اليك و يقابلك و أنت رب الأرباب و ملك الملوك و أعظم من كل عظيم بل و لا عظمة أمام عظمتك فالكل عبادك ولو أذنبوا و عصوا . و يا رب لو عصاك المتجبرون كفرا و عنادا فها هو عبدك يعصيك لا عن عناد و لا استكبار بل شيطان نفسه الأمارة بالسوء يعده و يمنيه و يغرر به فيعصيك على استحياء و كل وجوده أمل في الرفق به و التجاوز عن ذنبه و الستر عليه .. لا في دنياه فحسب بل و يوم القيامة أيضا يتمنى أن تستر عيوبه و تحجب فضائح أعماله عن سائر عبادك و أنت الحليم الغفار و الرحيم الجواد .
***
تأملوا في موضوع مهم جدا يتطرق اليه مولانا الإمام السجاد سلام الله عليه و هو العصيان و كأن الله لا يرى العبد .. بالطبع فإن الإمام يتكلم عن لساننا نحن العاصين والا فهو من أقرب الأقربين اليه سبحانه و يتطرق في هذا الفصل الجميل من دعائه الى عصيان العباد بالرغم من أن الله يراهم و يرى كل شيء فلا يخفى عليه شيء و لا يستطيع أحد أن يعمل عملا دون أن يراه ربه و لكنه بيقينه و علمه بأن الله يراه ، يقترف الذنب و يرتكب الجرم و كأن الله لن يراه . و كل ذلك لأن الله يؤخر العقوبة الى يوم القيامة و لا يعجل بها فلو كانت العقوبة تنزل فور وقوع المعصية فلا يمكن لأحد أن يرتكب جريرة أو جرما و الأمر الآخر أن الإنسان المؤمن حتى ولو ارتكب معصية و اقترفت يداه جرما فإنه يطمع في رحمة ربه و غفرانه و هذا هو الذي يجرؤه على ارتكاب المعاصي و لكن على الإنسان أن يعلم أن الله ولو كانت رجمته أوسع من كل شيء فإن عذابه أشد العذاب و لذلك اذا أذنب الإنسان – و هذا أمر طبيعي – فعليه أن يتوب دون تضييع الوقت و أن يجهد لئلا يرجع ثانية الى الذنب فلا يغضب الرب الجليل .
اللهم وفقنا لترك المعاصي و جنبنا سخطك و غضبك .

اَدْعوُكَ يا رَبِّ راهِباً راغباً، راجِياً خائِفاً

و قد نرى أن الإمام سلام الله عليه قد اختار كلمتين للرجاء و كلمتين للخوف حتى يساوي بين الخوف و الرجاء . و بناء عليه يجب أن يكون المؤمن بين الخوف و الرجاء بالتساوي . هكذا نفهم من الدعاء ولو أنني أرى من القرآن الكريم أن الإصرار على الإنذار أكثر من التبشير .. و للجمع بينهما يمكن القول بأن تأثير الخوف من العذاب في المرء أكثر من تأثير الرجاء و البشارة فيه . و لذلك تكرر الإنذار و قل التبشير و أما الحالة التي يجب أن يكون الإنسان عليها هي حالة الخوف و الرجاء نصفٌ للخشية من العذاب و نصفٌ لرجاء الثواب و الله أعلم .

ونلاحظ تكرر قول الأنبياء للناس : ” ما أنا إلا نذير ” .. ” ففروا الى الله اني لكم منه نذير مبين ” .. ” ان أنت الا نذير ”
و كما جاء في سورة الأنعام فشأن نزول القرآن منحصر في الإنذار : قال تعالى : واوحي الي هذا القران لانذركم به ومن بلغ
و حتى اذا جاءت لفظة البشير فإن النذير تأتي معها مباشرة و لكن هناك كثير من الآيات تنحصر فيها النذير دون البشير بل و ان كلمة النذير و مرادفاتها في الكتاب العزيز ضعف كلمة البشير .
اذن فالمسألة صعبة و تحتاج الى توجه أكثر و أرى – و العلم عند الله – أن الخوف أكثر شدة من الرجاء و كما قلت ربما لأن الإنسان يتأثر من ارعابه بالعذاب أكثر من تطميعه في الثواب و لذلك جاء الإصرار في القرآن على الإنذار حتى يعتبر من أراد الإعتبار

فَلَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ وَعَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قَدْرَتِكَ. وَيَحْمِلُنِي وَيُجَرِّؤُنِي عَلى مَعْصِيَتِكَ حِلْمُكَ عَنِّي، وَيَدْعُونِي إِلى قِلَّةِ الحَياءِ سِتْرُكَ عَلَيَّ، وَيُسْرِعُنِي إِلى التَّوَثُّبِ عَلى مَحارِمِكَ مَعْرِفَتِي بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ وَعَظِيمِ عَفْوِكَ، ياحَلِيمُ ياكَرِيمُ ياحَيُّ ياقَيُّومُ ياغافِرَ الذَّنْبِ ياقابِلَ التَّوْبِ ياعَظِيمَ المَنِّ ياقَدِيمَ الاِحْسانِ أَيْنَ سَتْرُكَ الجَمِيلُ ؟ أَيْنَ عَفْوُكَ الجَلِيلُ ؟ أَيْنَ فَرَجُكَ القَرِيبُ ؟ أَيْنَ غِياثُكَ السَّرِيعُ ؟ أَيْنَ رَحْمَتُكَ الواسِعَةُ ؟ أَيْنَ عَطاياكَ الفاضِلَةُ ؟ أَيْنَ مَواهِبُكَ الهَنِيئةُ ؟ أَيْنَ صَنائِعُكَ السَّنِيَّةُ ؟ أَيْنَ فَضْلُكَ العَظِيمُ ؟ أَيْنَ مَنُّكَ الجَسِيمُ ؟ أَيْنَ إِحْسانُكَ القَدِيمُ ؟ أَيْنَ كَرَمُكَ ياكَرِيمُ ؟ بِهِ فَاسْتَنْقِذْنِي وَبِرَحْمَتِكَ فَخَلِّصْنِي
***
الإمام عليه السلام يعلمنا كيف نحمد ربنا و نشكره . فلك الحمد : عندما يتقدم الخبر على المبتدأ و يكون الخبر شبه جملة ( الجار و المجرور ) فإنه يفيد الحصر . أي أن الحمد كله لك و لا يكون الحمد الا لك . أجل يمكن أن نشكر العباد و لكننا لا نحمد أحدا على شيء فالحمد تمام الحمد لله وحده و لا يشاركه فيه أحد مهما أوتي من فضل و كمال .
ثم يأتي بالحلم يسبقه العلم ذلك أن العلم بطبيعته سابق على الحلم فلولم نعلم ماذا في الأمر فلا معنى للحلم . طبيعي أن الصفات بالنسبة للرب كلها واحدة و في مستوى واحد فلا زمن يسبق صفة على صفة بالإضافة الى أن صفاته سبحانه هي عين ذاته و ليس هذا الا تقريبا لأذهاننا و الا فحلمه هو نفس علمه ولو أن العلم لدينا يأتي بالدرجة السابقة على الحلم .
و على عفوك بعد قدرتك : أي أنك بالرغم من قدرتك على كل شيء و بالرغم من أننا لا نستحق العفو لكثرة خطايانا و زلاتنا و لكنك تعفو عنا و تغفر لنا منة علينا و تلطفا بنا . أنت الكريم الذي تجود على المسيئين من عبادك بالعفو و الرحمة و المغفرة . و على هذا الأساس تراني أي رب أتجرأ على عصيانك و عدم الإنصياع الى أوامرك لأنك حليم غفور . و ليتني أستحيي من جبروتك و عظمتك و لكن سترك عني و أنت ستار العيوب يجعلني دون حياء في العصيان . ولولا أنني على علم بسعة رحمتك و عظيم عفوك لما عصيتك . صحيح أنني أخاف من غضبك و سخطك و لكن عظيم عفوك و سعة رحمتك تجرؤني عليك .
ثم بعد ذلك يحدث ربه في صورة خاشعة و بكل خضوع و ضعف و يناجيه بصورة عتاب لا ملامة و عتابا بل احساس بالذنب الكبير و أمل دون حصر في العفو و المغفرة من الرب الجليل :
أ َيْنَ سَتْرُكَ الجَمِيلُ لتستر عيوبي و قبيح ذنوبي ؟
أَيْنَ عَفْوُكَ الجَلِيلُ لتعفو عن العبد الضعيف ؟
أَيْنَ فَرَجُكَ القَرِيبُ لتفرج عني و تزيل همي و غمي ؟
أَيْنَ غِياثُكَ السَّرِيعُ لأستغيث به في ضري و مسكنتي ؟
أَيْنَ رَحْمَتُكَ الواسِعَةُ لتشملني مع من تشمله ؟
أَيْنَ عَطاياكَ الفاضِلَةُ لتمن بها علي ولو أني لست أهلا لها ؟
أَيْنَ مَواهِبُكَ الهَنِيئةُ لتهبني و تمنحني فاستعيد قواي و أدنو منك ؟
أَيْنَ صَنائِعُكَ السَّنِيَّةُ و بدائع خلقتك الجميلة لأستفيد منها في دنياي و عقباي ؟
أَيْنَ فَضْلُكَ العَظِيمُ و كلك فضل و رحمة يا كريم ؟
أَيْنَ مَنُّكَ الجَسِيمُ لتمنّ بها على عبد حسن الظن بمولاه ؟
أَيْنَ إِحْسانُكَ القَدِيمُ الذي طالما تحدث به الغابرون و الحاضرون ؟
أَيْنَ كَرَمُكَ ياكَرِيمُ و يا أكرم من كل كريم حتى تنجوني و تنقذني من مهاوي الهلاك و مزالق الحرمات و تخلصني من كل ما يسيء الى ديني و دنياي فأنت الكريم الرحيم و أنا البخيل اللئيم .

يامُحْسِنُ يامُجْمِلُ يامُنْعِمُ يامُفْضِلُ
***
يا محسن : الحسن هو كل أمر مرغوب من النعم التي تسر الإنسان عندما يتنعم بها في نفسه أو جسمه أو أحواله و يكون الإحسان من الله في الدنيا بكل هذه النعم السارة و في الآخرة بالثواب و الأجر . فعندما يتضرع الإنسان الى الله و يأتي بهذه الصفة المباركة لله (( يا محسن )) فإنه يريد أن يتلقى من الله المحسن كل الإحسان في الدنيا و الآخرة . و لذلك ندعو كما علمنا القرآن ” ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة ” و كل إحسان منشؤه و أصله من الله .

يا مجمل : الجمال أيضا هو الحسن الكثير و انه على قسمين : جمال يختص بالبدن و النفس و جمال يوصل الى الغير . و عندما نقول ” يا مجمل ” أي يا ربنا
الذي زيننا بالخَلق الحسن و الخلقة الكريمة و أجمل علينا من الحسن ما لم يزين به أحدا غيرنا من الكائنات . ” ولقد كرمنا بني آدم ” و عندما ندعوه بالجمال و نصفه بالمجمل فإنه تنبيه على أن منه تفيض الخيرات الكثيرة بل كل الخير منه .


يا منعم : المنعم هو الذي ينعم علينا و يرزقنا و يفيض علينا بالنعم الجسيمة ” و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ” و الإنعام من الله أي ايصال النعم الى العباد فهو المنعم الذي يتنعم بنعمه الوافرة علينا و لا بد في المقابل من الشكر على هذه النعم و احدى عوامل الشكر هو أن ندعوه بأسمائه الحسنى و منها المنعم .

يا مفضل : الفضل هو كل شيء زائد فعندما ندعو الله و نقول يا مفضل أي يا ربنا الذي أعطيتنا و زدتنا من حيث لا نستحق فالفضل كما قلنا يعبّر به عن العطية التي لا تلزم من يعطي يعني أنه ليس لزاما على الله أن يرزقنا و يعطينا و ينعم علينا و لكنه يتفضل علينا بكرمه و جوده و يعطينا مما لا نستحقه أصلا . فهو المفضل .

.

لَسْتُ أَتَّكِلُ فِي النَّجاةِ مِنْ عِقابِكَ عَلى أَعْمالِنا بَلْ بِفَضْلِكَ عَلَيْنا لاَنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ تُبْدِئُ بِالاِحْسانِ نِعَماً وَتَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ كَرَماً، فَما نَدْرِي ما نَشْكُرُ أَجَمِيلَ ماتَنْشُرُ أَمْ قَبِيحَ ماتَسْتُرُ أَمْ عَظِيمَ ما أَبْلَيْتَ وَأَوْلَيْتَ أَمْ كَثِيرَ ما مِنْهُ نَجَّيْتَ وَعافَيْتَ ؟
***
و في هذه الفقرة يعطينا الإمام عليه السلام درسا هاما حيث يصرح دون أي تحفظ أنه لا نجاة من عقاب الله و عذابه بواسطة أعمالنا مهما كانت جيدة صالحة . و عندما يبدأ حديثه يكون بصورة الإفراد و لكن عندما يأتي دور الأعمال يأتي به بصورة الجمع . لست أنا من يتكل على عمله فحسب بل كلنا لا نستطيع الإتكال على أعمالنا . اذن ماذا نعمل و نحن ننتظر الثواب و الأجر ؟
نتكل على فضله و لطفه و منّه و واسع رحمته . لماذا ؟ لأنه أهل التقوى و أهل المغفرة . فعندما خلقنا أحسن الينا من دون أن نطلب منه و رزقنا من جزيل إنعامه و كثير فضله دون أن ندعوه بل و هناك الكثيرون الذين لا يعبدونه و لا يعرفونه ، يتفضل عليهم بالإحسان و الكرم و أما نحن المؤمنون فننتظر منه بالإضافة الى نعمه في الدنيا ، المغفرة عن ذنوبنا في العقبى . و ليس ذلك ببعيد عن كرمه لأنه هو الكريم .
و ها نحن أمام هذه النعم المادية و المعنوية .. فكيف نشكره و على مَ نشكره ؟ على ما أنعم من رزق أم على ما ستر من قبح . فلا أحد غيره يعلم بحالنا حيث نعصيه ( بالطبع الإمام يتحدث كواحد منا و الا فهو العارف لربه حق المعرفة و بالتالي لا يمكن أن يعصيه بالإضافة الى العصمة التي اختصه الله بها ) .
الهي كيف نشكرك على البلاء ففيه تنقية لقلوبنا و أرواحنا و كيف نشكر على ما فضلتنا على كثير من خلقك و أوليتنا دونهم بنعمك الخاصة و منها بل و أعظمها نعمة الولاية . و كيف نشكرك يا الهي على ما نجيتنا من مهاوي الفساد و مزالق الإنحراف و العافية في الدين و البدن ؟
النعم الإلهية


ولو تلاحظوا أي أعزائي فإن الإمام يقسّم النعم التي تحتاج الى الشكر الى ثمانية أقسام أصلية :
1- ابتداء الخالق بالإحسان الى عباده دون طلب منهم .
2- العفو عن كثير مما نعمل من الخطايا . قال تعالى : ” و يعفو عن كثير ” .
3- الإستمرار بالنعم الجسيمة دون مقابل .
4- ستره على أعمالنا القبيحة و معاصينا المخجلة .
5- البلايا و المحن التي تصقلنا و تنقينا و تزيل معاصينا .
6- اختصاصنا بنعم دون غيرنا و منها نعمة الولاية .
7- الأخذ بيدنا و انقاذنا من مزالق الفساد و مهاوي الإنحراف .
8- العافية في الدين و الجسم .
فلنشكر ربنا الكريم على كل هذه النعم الجسيمة و نطلب منه بقلوب خالصة أن يوفقنا لطاعته و يجنبنا معصيته بحق محمد و آله الطاهرين .

ياحَبِيبَ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ وَياقُرَّةَ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ. أَنْتَ المُحْسِنُ وَنَحْنُ المُسِيئُونَ،
***
هنا يبدأ التحبب الى المحبوب و استعطافه و استلطافه . يبدأ الإمام بالتغزل الصادق مع حبيبه ، يخاطبه بالحبيب تارة و بقرة العين تارة أخرى و لكن متى يكون الله قرة عين المعشوق ؟ عندما ينقطع اليه تماما و ينقطع عن كل حب دونه .
يا حبيب من تحبب اليك . اقترب منه قليلا تراه يقترب اليك كثيرا .« و الذين آمنوا اشد حبا لله ».
المحبة يا أعزائي درجة سامية و منزلة شامخة يتنافس فيها المتنافسون فمنهم من أصبح متيما يرى الله في كل شيء و لا يرى غيره و هذا هو الحب الأشد و هذا هو قوت القلب و قرة العين و حياة المحبوب .
ماهو الإنقطاع ؟
الإنقطاع الى الله يعني أنك تحب حبيبك حبا يجعلك تنقطع اليه في كل حركاتك و سكناتك . لا تنجذب اليه فحسب بل تطيعه اطاعة عمياء فمن الحب ما يعمي و يصم . و هذا هو الحب الذي يسمو بالنفوس و يشمخ بها حتى يمتثل لكل أوامر المحبوب و يتجنب كل نواهيه شغفا و عشقا .
و هذا هو حب أولياء الله . لذلك فحتى لو لم تكن العصمة واردة فإن لهم ملكة تمنعهم من العصيان دون اختيار و هذه الملَكة هي الحب المطلق اليه سبحانه . هلا وصلت يا عزيزي السالك الى هذه الدرجة حتى تطمئن اليه و تطمئن الى رضوانه . اللهم آمين .
أنت المحسن يا الهي تحسن اليناو نحن نسيء اليك . أين رأيتم محسنا بهذه الدرجة من الإحسان . الناس بعصيانهم و كفرهم يسيئون اليه و قد خلقهم لكي يعبدونه ( ما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون ) و لازال مستمرا في إحسانه و لطفه .قارن نفسك يا أخي و يا أختي و ربك لترى كم هو محسن اليك و كم أنت تسيء اليه ؟ لم يطلب منك في مقابل هذه النعم الجزيلة و الإحسان العميم الا أن تطيعه سنوات قليلة من عمرك الدنيوي ثم يجازيك اضعاف ما أطعته في الحياة الخالدة الباقية و لا زلت تتمرد أمام بارئك و تسيء الى المحسن المطلق و الكريم المطلق الذي لا يزيد في نعمه كفرك و كفر كل من في الأرض و السماء و لا ينقص من عطائه عصيانك و تمردك أيها المخلوق العاص . يعطيك أضعاف ما تطيعه وهو غير محتاج اليك و لا الى أمثالك من البشر فلو أصبح العالم كله كافرا ملحدا ، لم يتاثر كبرياؤه و لا عظمته بفعلهم و كفرهم فهو الغني المطلق و أنت أيها المتمرد أنت الفقير المطلق .

عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : قال الله تبارك و تعالى : “ لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي ، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم في عبادتي ، كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي و رفيع الدرجات العلى في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، والى حسن الظن بي فليطمئنوا ، فإن رحمتي عند ذلك تدركهم و مني يبلغهم رضواني ومغفرتي تلبسهم عفوي ، فإني أنا الله الرحمن الرحين ، بذلك تسميت .”( الكافي ٢-٧١) أجل .. لولا فضل الله و سعة رحمته لما بلغ أحد مهما اقترب و مهما علا شأنه مرتبة يستحق عليها ذلك الجزاء الكبير و النعيم الخالد بجوار الرب العظيم ، ولكن الله يمنّ على عباده المتقين بذلك الجزاء الوافر الذي لا يُقاس بمثله شيء لأنه الرحمن الرحيم المحسن الكريم .

فَتَجاوَزْ يارَبِّ عَنْ قَبِيحِ ماعِنْدَنا بِجَمِيلِ ما عِنْدَكَ، وَأَيُّ جَهْلٍ يارَبِّ لا يَسَعَهُ جُودِكَ وَأَيُّ زَمانٍ أَطْوَلُ مِنْ أَناتِكَ ؟ وَماقَدْرُ أَعْمالِنا فِي جَنْبِ نِعَمِكَ وَكَيْفَ نَسْتَكْثِرُ أَعْمالاً نُقابِلُ بِها كَرَمَكَ بَلْ كَيْفَ يَضِيقُ عَلى المُذْنِبِينَ ماوَسِعَهُمْ مِنْ رَحْمَتِكَ ؟!

و بعد أن يخاطبه السجاد عليه السلام بقرة عين من لاذ بك و بالمحسن ، يطلب منه أن يتجاوز عن قبيح ما عندنا من المعاصي والآثام بجميل ما عنده من المغفرة و الرحمة و يكرر الكلمة المحببة الى النفس الإنسانية : يا رب .

نعم .. كل ما عندنا قبيح و كل ما عندك جميل فتجاوز أي رب عما عندنا بما عندك فكل نظر منك جميل و كل رحمة منك علينا تؤثر في محو آثار سيئاتنا على كثرتها ونحن نطلب منك طلبا مستمرا أن تعفو و تغفر عنا و أن تزيل سيئاتنا بجميل لطفك و منّك يا أرحم الراحمين . و مهما كان جهلنا كثيرا فإن جودك و كرمك أوسع و أكبر و يا رب كم تصبر على زلاتنا و لا تؤاخذنا بل تعفو عن كثير مما ارتكبنا من آثام لأنك الحليم الودود . ثم هل يمكن لإنسان مهما بلغ من الشأن و المرتبة العالية أن تكافئ أعماله في الدنيا عظيم جزائك في الأخرى ؟ كلا والله ، لا يمكن حتى للأنبياء و الرسل و المقربين و المخلصين أن تكون أعمالهم مكافئة متساوية لجزيل نعمك في الدار الخالدة الأخروية ، فمهما كبرت و حسنت أعمالهم ، ستكون ذرة أمام نعمك و مننك عليهم و علينا يوم الجزاء .. أنت تعطينا الجزاء الأوفى و لكن أعمالنا قليلة زهيدة في مقابل جزائك العظيم الكبير و لذلك فإن المذنبين العاصين أيضا ينتظرون أن تنظر اليهم نظرة رحمة فتجعلهم في فناء رحمتك الواسعة . و من للمذنبين الذين يعترفون بذنوبهم و عصيانهم إلا رحمتك التي وسعت كل شيء يا من سميت بالرحمن الرحيم .

ياوَاسِعَ المَغْفِرَةِ ياباسِطَ اليَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ فَوَعِزَّتِكَ ياسَيِّدِي لَوْ نَهَرْتَنِي مابَرِحْتُ مِنْ بابِكَ وَلا كَففْتُ عَنْ تَمَلُّقِكَ لِما انْتَهى إِلَيَّ مِنْ المَعْرِفَةِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، وَأَنْتَ الفاعِلُ لِما تَشاءُ تُعَذِّبُ مَنْ تَشاءُ بِما تَشاءُ كَيْفَ تَشاءُ وَتَرْحَمُ مَنْ تَشاءُ بِما تَشاءُ كَيْفَ تَشاءُ، لا تُسْأَلُ عَنْ فِعْلِكَ وَلا تُنازَعُ فِي مُلْكِكَ وَلا تُشارَكُ فِي أَمْرِكَ وَلا تُضادُّ فِي حُكْمِكَ وَلا يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ أَحَدٌ فِي تَدْبِيرِكَ، لَكَ الخَلْقُ وَالاَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ العَالَمِينَ.

لقد توسع نطاق مغفرتك يا ربي ليشمل العاصين مثلي و لقد بسطت يديك بالرحمة على عبادك لتظلهم بظلالها الوارفة . واني أقسم بعزتك التي لا يقوم لها شيء و بعظمتك التي ملأت كل شيء أنني لن أبرح من بابك الذي فتحته على عبادك حتى لو نهرتني وأردت إبعادي عنه ، فأين أذهب إذ لا ملجأ و لا منجى منك إلا إليك . و حتى لو نهرتني مرات و مرات فإني أعيد الكرة و أرجع إليك خاضعا خاشعا متملقا لا مستكبرا و لا مستنكفا فأنا عبدك المؤمل كرمك و جودك و الراجي عفوك و رحمتك و العارف قدرتك و عزتك فأنت الفعال لما تشاء تعذب من استحق التعذيب كيفما شئت و ترحم من أردت رحمته كيفما أردت فأنت القاهر فوق عبادك و أنت العزيز الذي لا حول و لا قوة إلا بك . لا ينازعك في ملكك أحد و لا يشارك لإي أمرك أحد ولا يتمكن موجود مهما بلغ من الجاه و المقام أن يعترض على حكمك و يعارضك في تدبيرك تباركت يا رب السموات و الأرضين و يا رب العالمين لك الخلق و الأمر كله “ ألا له الخلق و الأمر “ فالربوبية المطلقة لله تبارك و تعالى و كل التدابير تنتهي اليه ليحكم فيما يشاء دون أن يكون لأحد الإختيار في تغيير أو تبديل مسار حكمه فالأمر اليه تعالى إن شاء أنزل و إن لم يشأ لم ينزله وليس لنا من الأمر شيء أبدا . “… يقولون هل لنا من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله “ فالخلق الذي هو التقدير بضم شيء الى شيء حيث استقر المعنى في الإيجاد والإبداع و الأمر الذي بمعنى الشأن و يستقر معناه في الشؤون التي تصلح وجود الإنسان و سائر المخلوقات و ينظم جميع الحركات و السكنات ، كل هذا الخلق و هذا الإبداع و كل هذا الأمر و هذا الشأن لله تعالى لا ينازعه فيها أحد لأنه هو الرب و لا رب غيره و لذا جاء بالخلق و الأمر معا فالخلق يتعلق بالذوات بينما الأمر يتعلق بآثارها والأوضاع الحاصلة فيها .

فتبارك الله رب العالمين حيث ينزل الله بركاته على كل موجوداته و معبوداته في السموات و الأرض و ما بينهما لأنه ربهم .

يا رَبِّ هذا مَقامُ مَنْ لاذَ بِكَ، وَاسْتَجارَ بِكَرَمِكَ، وَاَلِفَ اِحْسانَكَ وَنِعَمَكَ وَاَنْتَ الْجَوادُ الَّذي لا يَضيقُ عَفُْوكَ، وَلا يَنْقُصُ فَضْلُكَ، وَلا تَقِلُّ رَحْمَتُكَ، وَقَدْ تَوَثَّقْنا مِنْكَ بِالصَّفْحِ الْقَديمِ، وَالْفَضْلِ الْعَظيمِ، وَالرَّحْمَةِ الْواسِعَةِ، اَفَتَراكَ يا رَبِّ تُخْلِفُ ظُنُونَنا، اَوْ تُخَيِّبْ آمالَنا، كَلاّ يا كَريمُ، فَلَيْسَ هذا ظَنُّنا بِكَ، وَلا هذا فيكَ طَمَعُنا

في أواخر الليل من أيام شهر رمضان المبارك و في أفضل ساعات الدعاء و المناجاة ،أفضل مقام للإلتجاء الى رب العالمين . يقول : يا ربي و ينسبه الى نفسه ليكون أكثر إيقاعا من الرب بصورة عامة فأنت ربي و ملاذي و ملجأي والآن في آخر ساعات الليل من أفضل أيام العام أقف على باب رحمتك و أتوسل اليك بربوبيتك و ألتجئ الى جنابك بلطفك و إحسانك و أمدّ يد الرجاء والإستجداء اليك فكم يا الهي و سيدي استجرت اليك و استعنت بك و ألفت برك و إحسانك و أنا واثق أشد الوثوق أنك ترحمني و تعطف عليّ و لا تمد يدي خائبا عن أبواب رحمتك الواسعة فأنت الجواد الذي لا ينقص فضلك و عفوك و لا تقل رحمتك و قد بدا عفوك و صفحك للعاصين و المذنبين و التائبين دائما و أبدا ولو كان رسولك رسول الرحمة يصفح عن أعدائه آل ابي سفيان وقد فتح مكة فتحا بطوليا و بالرغم مما ارتكبته أيديهم من القتل و سفك الدماء إلا أنه عفا عنهم و قال لهم : إذهبوا فأنتم الطلقاء ، فلو كان رسول الله وهو عبدك و حبيبك قد عفا و صفح عن أعدائه فكيف بك يا ربي و أنت أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين . ففي هذا المقام وهو مقام المناجاة و التضرع اليك أرفع يدي بالتوبة و الإنابة إليك و أطلب منك الصفح و العفو ولا يمكن أن تخيب ظني فيك فقد وثق بك أولياؤك و أحباؤك و ها أنا عبدك الضعيف الفقير المسكين المستكين أطلب منك واطمع من جنابك في منتهى الخضوع و الخشوع و الإستكانة و الذل أن ترحمني و تعطف علي و لا تردني خائبا ولن تردني أبدا فليس هذا ظننا بك و لا طمعنا من الوصول الى رحمتك و برك و إحسانك يا أرحم الراحمين .

يارَبِّ إِنَّ لَنا فِيكَ أَمَلاً طَوِيلاً كَثِيراً إِنَّ لَنا فِيكَ رَجاءاً عَظِيما عَصَيْناكَ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْنا وَدَعَوْناكَ وَنَحْنُ نَرْجو أَنْ تَسْتَجِيبَ لَنا فَحَقِّقْ رَجائَنا، مَوْلانا فَقَدْ عَلِمْنا ما نَسْتَوْجِبُ بِأَعْمالِنا وَلكِنْ عِلْمُكَ فِينا وَعِلْمُنا بِأَنَّكَ لا تَصْرِفُنا عَنْكَ حَثَّنا عَلى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ ، وَإِنْ كُنّا غَيْرَ مُسْتَوْجِبِينَ لِرَحْمَتِكَ فَأَنْتَ أَهْلٌ أَنْ تَجُودَ عَلَيْنا وَعَلى المُذْنِبِينَ بِفَضْلِ سَعَتِكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنا بِما أَنْتَ أَهْلُهُ وَجُدْ عَلَيْنا فَإِنّا مُحْتاجُونَ إِلى نَيْلِكَ ..

يا رب كلنا أمل و كلنا رجاء ، و إن كان أملنا كثيرا و طويلا لأننا نحسن الظن بك و نتمنى أن لا تردنا لأنك الراجي لمن يرجو و الآمل لمن يأمل .. نحن يا رب نعصيك و نتمرد عليك لا لجرأة منا عليك و لكننا نفوسنا ضعيفة ، تهوى ما لا تحبّه منا و إن عصيناك فنأمل أن لا تفضحنا أمام الأشهاد و أن تستر علينا و أنت ستار العيوب و كاشف الكروب .. يا رب إن دعوناك فإننا نأمل أملا كبيرا أن تستجيب لنا و تقضي حاجتنا و تحقق رجاءنا و ذلك بالرغم من علمنا بأننا لا نستأهل الإجابة منك فأعمالنا لا تليق بمقام الربوبية و لا تصل إلى درجة القرب منك ولكننا نعلم علم اليقين أنك لا تصرفنا عنك و لا تردنا خائبين و هذا ما يحثنا أن نرغب إليك و نمد يد الحاجة إليك و لو لم نكن مستحقين للإجابة يا مولاي فأنت أهل أن تتكرم علينا لأنك الجواد الكريم و أن تعفو عنا و عن المذنبين العاصين و ذلك لسعة رحمتك و فضلك العميم ، فمنّ علينا أي رب بفضل سعتك و تكرم علينا فإننا محتاجون إلى عطائك و رحمتك يا واسع المغفرة و يا باسط اليدين بالرحمة ، يا سميع كل دعوة و يا عظيم المنّ .

ياغَفَّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنا وَبِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنا وَبِنِعْمَتِكَ أَصْبَحْنا وَأَمْسَيْنا.

يا غفار الذنوب و يا كريم الصفح أنت الذي هديتنا بنورك “ الله نور السموات و الأرض” لأنك ولي الذين آمنوا تخرجهم من ظلمات الجهل و الذنوب إلى نور الإيمان و التقوى .

يقول عليه السلام : “ يا غفار بنورك اهتدينا” ربما كان المقصود من النور ، القرآن الكريم أو الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و ربما الإثنين ، لأن النور يُطلق على الكتب السماوية  في مواضع عديدة في القرآنه كقوله تعالى : “ و لكن جعلناه نورا “ أي القرآن . و كقوله : “ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس “ فالتوراة نور .و قد ورد كناية عن رسول الله صلى الله عليه و آله كقوله تعالى : “ قد جاءكم من الله نور” يعني محمدا صلى الله عليه و آله الذي أنار الله به الحق و أذهب بوجوده ظلمات الباطل فمن اتبعه فقد اهتدى بنور الله . و قد ورد النور أصلا بمعنى الهداية  . قال تعالى : “ أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه “ و قال : “ و يجعل لكم نورا تمشون به “ أي هدى من الله .و ربما كانت إشارة إلى الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها ، والفطرة تقتضي الإهتداء و إنها الهداية الأولى التي يمنحنا الله إياها فمن قبلها استحق الهداية الثانية و من رفضها فقد باء بغضب من الله .. و قد ورد في الحديث النبوي : “ كل مولود يولد على الفطرة ، حتى يكون أبواه يهودانه و ينصرانه “ و الفطرة هي الدين و هي النور الإلهي و هي النعمة الكبرى . قال تعالى : “ و أقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها “.

و يا رب بفضلك أغنيتنا عمن سواك “ واسألوا الله من فضله” .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) : سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يُسأل “  و كأنه تعالى يحرضنا على الطلب منه و السؤال من فضله العميم ، فكل ما عندنا إنما هو فضل منه تعالى و فضله يغنينا عن غيره فنحن الفقراء إليه و لا غني سواه .

و بنعمتك يا رب نقضي أيامنا ، فكل ما عندنا من نعم ظاهرة و باطنة ، كلها منك و من عطائك و مننك . “ و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها “ فنحن لا نستطيع إحصاء نعمة واحدة فكيف بكل هذه النعم الجليلة التي لا يستطيع عدها من في السموات و الأرض

ذُنُوبُنا بَيْنَ يَدَيْكَ نَسْتَغْفِرُكَ اللّهُمَّ مِنْها وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، تَتَحَبَّبُ إِلَيْنا بِالنِّعَمِ وَنُعارِضُكَ بِالذُّنُوبِ خَيْرُكَ إِلَيْنا نازِلٌ وَشَرُّنا إِلَيْكَ صاعِدٌ وَلَمْ يَزَلْ وَلايزالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَأْتِيكَ عَنّا بِعَمَلٍ قَبِيحٍ فَلا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ مُبْدِئاً وَمُعِيداً، تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ وَجَلَّ ثَناؤُكَ وَكَرُمَ صَنائِعُكَ وَفِعالُكَ.

أنت يا الهي أعرف بذنوبنا منا فأنت الخالق و أنت الرب و ها نحن نعترف بأن لنا ذنوبا يا رب أنت تعرفها و إننا نستغفرك و نتوب إليك منها لأنك أنت علمتنا طريق المغفرة . قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : “ أكثروا من الاستغفار، فإن الله عز وجل لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم “ أجل : لقد علمتنا يا رب طريق التحبب إليك و الوصول الى قربك بالإستغفار . و كم مهم هذا الإستغفار و طلب المغفرة فالله تعالى يقول في كتابه الكريم : “ و ما كان الله معذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون “ و اليوم و نحن نعيش في عصرٍ ليس فيها رسولك يا رب لكي تعطف علينا و لا تعذبنا ،و قد أبدلت حزننا بفقدان نبيك ، بالإستغفار حنى تحيطنا برحمتك الواسعة عندما نتضرع اليك و نتوسل اليك بحبيبك محمد صلى الله عليه و آله فيكون توسلنا و استغفارنا سببا لنجاتنا من نار غضبك .

يا رب .. أنت لا تبخل علينا بنعمك و فضلك و إحسانك بالرغم من كثرة معاصينا و ذنوبنا لأنك الجواد الكريم ، فمهما كثرت معاصينا فإنك تتفضل علينا بمزيد من النعم التي لا نستطيع إحصاءها ولو كان البحر مدادا و الأشجار أقلاما . و ما هذا إلا من عظيم إحسانك و جليل امتنانك ، فما أعظم حلمك و ما أجلّ كرمك و ما أوسع رحمتك و ما أجزل إحسانك ، تقدست أسماؤك الحسنى و كرم صنايعك و حسن فعالك و جل ثناؤك . “ و أنت جلّ ثناؤك قلت مبتدئا و تطولت بالإنعام متكرما” أي أنك تفضلت بما ينعم به حال كونك بليغ الكرم والجود . جلّ ثناؤك يا رب كما أثنيت أنت على نفسك و فوق ما يقوله القائلون .

ها عبدك واقف ذليل *** بالباب يمدّ كف سائل

قد عزّ علي سوء حالي *** ما يفعل ما فغلت عاقل

يا أكرم من رجاه راجٍ *** عن بابك لا يُردّ سائل

و ما دام العفو من شأنك يا رب و الكرم من عظيم فعالك و الرحمة مرجوة منك فإني أسعى إلى بابك و إن نهرتني و أرجو  طورا و أخشاك طورا آخر حتى تصفح عني و لا تردّني خائبا آيسا . اللهم إني اعوذبك ان تحيط بي خطيئتي و ظلمي و اسرافي علي نفسي و اتباعي لهواي و اشتغالي بشهواتي فيحول ذلك بيني و بين رحمتك و رضوانك و كرمك فاكون منسيا عندك متعرضا لسخطك و نقمتك يا رب .

أَنْتَ إِلهِي أَوْسَعُ فَضْلاً وَأَعْظَمُ حِلْما مِنْ أَنْ تُقايِسَنِي بِفِعْلِي وَخَطِيئَتِي، فَالعَفْوَ العَفْوَ العَفْوَ سَيِّدِي سَيِّدِي سَيِّدِي اللَّهُمَّ اشْغَلْنا بِذِكْرِكَ وَأَعِذْنا مِنْ سَخَطِكَ وَأَجِرْنا مِنْ عَذابِكَ وَارْزُقْنا مِنْ مَواهِبِكَ وَأَنْعِمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلِكَ وَارْزُقْنا حَجَّ بَيْتِكَ وَزِيارَةَ قَبْرِ نَبِيِّكَ صَلَواتُكَ وَرَحْمَتُكَ وَمَغْفِرَتُكَ وَرِضْوانُكَ عَلَيْهِ وَعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وَارْزُقْنا عَمَلاً بِطاعَتِكَ وَتَوَفَّنا عَلى مِلَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ.

في هذه الفقرة من الدعاء الجليل ، يقايس الإمام عليه السلام سعة فضل ربه و عظم حلمه و كرمه مع فعله هو و خطيئته . بالطبع الإمام يرى نفسه مخطئا ولو أنه معصوم من الخطأ و العصيان ، و لكن يخشى مقام ربه كما جاء في الآية الكريمة .. وليس كما يتصور البعض أن الإمام يريد أن يتكلم مع ربه و يناجيه كما أنمه واحد منا .. لا ، ليس كذلك ، فالإمام بقدر معرفته لربه يرى نفسه حقا مخطئا و عاصيا . ولو كما ذكرت ، لم يعص الله طرفة عين . نعم .. يختلف الأمر عندما نحن نريد أن ندعو و نخاطب ربنا و عندما يريد الإمام المعصوم أن يناديه و يناجيه ، فهو على أرفع درجة من المعرفة و الكمال و عليه فإنه كلما عبد الله و صلى و ذكره و سبحه بكرة و عشيا ‘ فإنه يرى نفسه لا زال مقصرا في الإتيان بالعبادة كما هو حقه جلت عظمته . ولذلك نراه يطلب من ربه العفو و يكرر العفو ثلاث مرات باكيا خاشعا خاضعا.

و بعد الإعتراف بالخطأ أمام سيده و مولاه ، يدعو و يطلب منه أن يشغل كل وقته بذكره حتى لا ينساه طرفة عين , و هو كذلك قطعا و جزما . أشغلني بذكرك أي وفقني لكي يكون كل وقتي في خدمتك و أن أذكرك في كل حالات يومي و ليلي و أعوذ بك يا رب أن يشملني سخطك و غضبك . استجير بك أن تغضب علي ، فلو غضب علي كل الناس كان هينا علي و لكن أعوذ بك أن تغضب علي آنا واحدا فلا طاقة لي الى غضبك .. ليس خوفا من نارك و لكني لشدة حبي لك لا أريد أن أكون من المغضوب عليهم يا مولاي فرضاك عندي أهم من جنتك و لذائذها و لا لذة أكبر و أعظم من لذة قربك و حبك و الدنو منك . وها هو يقول في مناجاة المحبين مخاطبا ربه : “إِلهِي مَنْ ذا الَّذِي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً وَمَنْ ذا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً” فحلاوة حب الله ليس فوقها حلاوة .

و إن كنت يا مولاي رضيت عنا بلطفك و كرمك فأجرنا من عذابك ولا عذاب أشد من غضبه تعالى و بعده عن عبده والعياذ بالله . ثم يدعو الإمام أن يرزقه الله من مواهبه و كل ما يرزقنا ربنا مواهب و فضل منه فليس لأحد على ربه حقا ، إنما نحن عبيده نطلب منه فإن شاء أعطانا من مواهبه الجسيمة و إن شاء منع عنا ، ولابد للعبد أن يشكر ربه على الضراء و السراء و في الشدة و الرخاء . و لكن أئمتنا عليهم السلام أمرونا بالدعاء و الطلب من رب العالمين و أن يرزقنا من لطفه و فضله و قد قال تعالى : “ واسألوا الله من فضله “ .

ثم يدعو الإمام أن يرزقه ربه حج بيته و زيارة قبر  نبيه . و قد ورد كثيرا متواترا في أدعية شهر رمضان الدعاء للتوفيق للحج و العمرة و زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه و آله .ثم يطلب من الله الرحمة و المغفرة و الرضوان على رسوله و أهل بيته الكرام . و بعد الصلوات على رسول الله و أهل بيته الأطهار يتمنى أن يرزقه الله عملا بطاعته طيلة عمره حتى اذا توفاه الله يكون على ملته و سنة رسوله صلى الله عليه و آله . و ملة الله هي نحلته و دينه و منهجه و صراطه القويم و يتمثل في سنة رسول الله صلى الله عليه و آله و الأئمة الميامين عليهم أفضل صلوات المصلين . بناء عليه فملة الله هي نفسه سنة رسول الله صلى الله عليه و آله .

اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لي وَلِوالِدَيَّ وَارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغيراً، اِجْزِهما بِالاِْحسانِ اِحْساناً وَبِالسَّيِّئاتِ غُفْراناً، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ الاَْحياءِ مِنْهُمْ وَالاَْمواِت، وَتابِعْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ بِالْخَيْراتِ اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَشاهِدِنا وَغائِبِنا، ذَكَرِنا وَاُنْثانا، صَغيرِنا وَكَبيرِنا، حُرِّنا وَمَمْلُوكِنا، كَذَبَ الْعادِلُونَ بِاللهِ وَضَلُّوا ضَلالاً بَعيداً، وَخَسِرُوا خُسْراناً مُبيناً،

و في ختام هذه الفقرة من الدعاء يتذكر الإمام والديه فيدعو الله لهما بالغفران و يعلمنا أن لا ننسى طلب المغفرة لوالدين بعد كل دعاء ندعوه ، خاصة اذا كانا متوفيان فلابد للإنسان أنيتذكرهما و يحسن اليهما و الإحسان اليهما بعد وفاتهما هو الدعاء لهما بالمغفرة والرحمة و إعطاء الصدقات و سائر أعمال الخير نيابة عنهما حتى نشركهما في أعمالنا . اللهم اغفر لي ولوالدي و ارحمهما كما ربياني صغيرا .. اجزهما بالإحسان إحسانا و بالسيئات غفرانا ثم الدعاء لجميع المؤمنين و المؤمنات فبعد الدعاء للوالدين يأتي دور المؤمنين و المؤمنات فنجعل لهم نصيبا من دعائنا ، الأحياء منهم و الأموات . ثم يجزئ الدعاء أجزاء مختلفة فيقول : اللهم اغفر ل ١- حينا  ٢- ميتنا ٣- شاهدنا  ٤- غائبنا ٥- ذكرنا  ٦- أنثانا ٧- صغيرنا  ٨- كبيرنا ٩- حرنا  ١٠ – مملوكنا

و في هذه القسمة يقسم المغفورين بحيث يشمل جميع المؤمنين والمؤمنات صغارا أم كبارا ، أطفالا أم شيوخا ، أحرارا أم مماليك حاضرين أم غائبين .

كذب العادلون بالله أي الذين عدلوا و انحرفوا عن الله و مالوا الى غيره و اتخذوا آلهة أخرى لهم ليست الأصنام الحجرية فقط بل الجاه و المال و السلطان والشيطان ، فهناك من يؤمن بالله طرف لسانه و لكنه بعيد عن الله بعد المشرقين فلا يتبع إلا شيطانه أو هواه أو يطيع من يضله عن سبيل الله فكل هؤلاء ضلوا ضلالا كثيرا و خسروا خسرانا مبينا أي أن سوء عملهم سوف يهديهم الى دار البوار جهنم يصلونها و بئس القرار. و هؤلاء بالطبع خارجون عن دعاء الإمام لأنهم كفار أو مشركون أو منافقون . و قوله سلام الله عليه : كذب العادلون بالله اشارة الى الآية الكريمة التي تقول : “ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون “ فالعادلون بالله هم المشركون الذين يعدلون به ما يتصورونه من آلهة و أصنام و لعمري الأصنام البشرية أسوأ من الحجرية أعاذنا الله منها جميعا .

اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاخْتِمْ لي بِخَيْر، وَاكْفِني ما اَهَمَّني مِنْ اَمْرِ دُنْيايَ وَآخِرَتي وَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ مَنْ لا يَرْحَمُني، وَاجْعَلْ عَلَيَّ مِنْكَ واقِيَةً باقِيَةً، وَلا تَسْلُبْني صالِحَ ما اَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، وَارْزُقْني مِنْ فَضْلِكَ رِزْقاً واسِعاً حَلالاً طَيِّباً.

من جملة ما نستفيد من أدعية الأئمة عليهم السلام إصرارهم و تركيزهم على الصلوات على محمد و آله الأطهار قبل الدعاء و بعده .. و قبل كل فقرة مهمة من الدعاء .

جاء في الحديث عن أبي عبدالله الصادق  عليه الصلاة و السلام انه قال : “إذا دعا أحدكم فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه و آله ، فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله مقبولة ، و لم يكن الله ليقبل بعضاً و يرد بعضا.”

و في حديث آخر عن  أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام : “صلوا على محمد و آل محمد فإن الله عز وجل يقبل دعاءكم عند ذكر محمد و دعائكم له ، و حفظكم إياه صلى الله عليه و آله . “

و على هذا الأساس نلاحظ الإمام السجاد عليه السلام يركز على تكرار الصلوات بين حين و آخر و خاصة إذا أراد أن يغير من وجهة الدعاء حتى يكون لنا درسا وعبرة . ثم لا ننسى أن محمدا و آل محمد أحب الناس دون استثناء لدى رب العالمين ، و هذه من نعم الله علينا أن نكون في زمانهم و نتوسل الى الله و نتقرب اليه بهم .

اختم لي بخير .. اختم لي يومي أو سنتي أو عمري .. رب اختم حياتي بخير . وقد ورد في الدعاء أول الغروب أن نقرأ : “ يا من ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه و آله ، اختم لي في يومي هذا بخير و شهري بخير و سنتي بخير و عمري بخير .”

و الدعاء بالخير يعني الطلب من الله أن تكون عاقبتي و نهايتي خيرا، فنحن دائم العصيان في حياتنا الدنيا و علينا أن نطلب من الله دائما أن يحسن عاقبتنا و يجعلها خيرا حتى لا نموت و نحن على الذلال و الإنحراف لا سمح الله بل و أن يجعل الله عاقبة كل أمر من أمورنا الى خير فإن الأعمال بالخواتيم ولذلك جاء في الدعاء نقلا عن رسول الله صلى الله عليه و آله : “ اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها و أجرنا من خزي الدنيا و عذاب الآخرة “.

و اكفني ما أهمني من أمر دنياي و آخرتي .. فالإنسان لا شك له حوائج في الدنيا و أما الآخرة فالحاجة فيها و اضحة لا تحتاج الى بيان .. و الإمام يطلب من ربه أن يقضي حوائجه في الدنيا و الآخرة و أن يعطيه ما يكفيه حتى لا يشتغل بأمور الدنيا و هو الدائم الذكر ، فلا يبعده عن الصلاة و الدعاء و القرآن و الذكر أمر من أمور الدنيا ، لذلك يطلب من الله أن ييسر له ما يحتاج اليه من حوائج الدنيا و أما أمر الآخرة فالجميع محتاجون الى رحمة الله و مغفرته حتى الأنبياء و الأولياء عليهم السلام .. اللهم اكفنا ما يهمنا من أمور الدنيا و أمر الآخرة و توفنا و أنت راضٍ عنا انك حميد مجيد .

و من الأدعية التي ينبغي أن ندعو بها دائما ، أن لا يسلط الله علينا من لا يرحمنا ، فالحياة لن تستقرّ دون حاكم أو أمير ، ظالما كان أو عادلا ، ولكننا ندعو الله أن لا يكون من يحكمنا و يتسلط علينا ظالما بنا و أن يحفظنا الله من كل سوء و كرب . و قد ورد في دعاء كميل : “ اللهم ومن أرادني بسوء فأرده و من كادني فكده … واكفني شر الجن و الإنس من أعدائي “ .

ثم يأتي دور نعم الله التي أنعمها علينا فنحن ندعوه أن يستمر ربنا الكريم في عطائه و نعمائه ، وأن لا يسلبنا نعمه الظاهرة والباطنة جرّاء سوء أعمالنا و أن يرزقنا رزقا واسعا حلالا طيبا ، ذلك لأن الحصول على الرزق الحلال في زمن الفساد والظلم ، من أصعب ما يتوق اليه المرء .. و المشكلة الكبرى في زماننا تفشي الربا في كل أنحاء الموارد الإقتصادية و على هذا فاننا ندعو الله أن يرزقنا رزقا حلالا نظيفا ومالا سائغا هنيئا طيبا .و أن لا يقطع من فضله و كرمه رزقنا و نعمه الكثيرة علينا

يقول الإمام الصادق عليه السلام : “ قل : اللهم ارزقني من فضلك الواسع الحلال الطيب ، رزقا واسعا حلالا طيبا ، بلاغا للدنيا و الآخرة ، صبّا صبّا ، هنيئا مريئا ، من غير كدّ و لا منّ من أحد خلقك إلا سعة من فضلك الواسع فإنك قلت : “ واسألوا الله من فضله” فمن فضلك أسأل و من عطيتك أسأل و من يدك الملأى أسأل “ (الكافي ٢-١٥٥) أجل .. لنسأل الذي يعطي من سأله ومن لم يسأله و من لم يعرفه تحننا منه و رحمة ، نسأله أن يعطينا خير الدنيا و الآخرة و يصرف عنا شر الدنيا و شر الآخرة فإنه غير منقوص ما أعطى و يزيدنا دائما من فضله و كرمه و جوده .

اَللّـهُمَّ احْرُسْني بِحَراسَتِكَ، وَاحْفَظْني بِحِفْظِكَ، وَاكْلاَني بِكِلائَتِكَ، وَارْزُقْني حَجَّ بَيْتِكَ الْحَرامِ في عامِنا هذا وَفي كُلِّ عام، وَزِيارَةَ قَبْرِ نَبِيِّكَ وَالاَْئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وَلا تُخْلِني يا رَبِّ مِنْ تِلْكَ الْمَشاهِدِ الشَّريفَةِ، وَالْمَواقِفِ الْكَريمَةِ

في الوهلة الأولى يُخيل للقارئ أن الإمام سلام الله عليه أراد بإختيار الكلمات الثلاثة ( احرسني ، احفظني ، اكلأني) معنى واحدا وهو الحفظ و لكنه استعمل تلك الكلمات والجمل لتكون مترادفة المعنى و مفارقة الألفاظ اختيارا بديعيا تحسينيا وبالرغم من أن الدعاء مليء بالمحسنات البديعية و التجملات اللغوية و الألفاظ الرتيبة و الكلمات الجميلة إلا أنه مليء أيضا بالمعاني و كأنه بحر لا يصل الى غوره عقل إنسان .نرجع الى الكلمات مرة ثانية و بدقة أكثر لنرى أن كل كلمة لها معنى مغاير للأخرى ولو أنها جميعا متقاربة المعنى ..

احرسني : قال الراغب الأصبهاني في مفرداته : “ الحرَسَ وَالحرّاس جمع حارس ، وهو حافظ المكان ، والحرز والحرس يتقاربان معنى تقاربهما لفظا ، لكنّ الحرز يُستعمل في الناس والأمتعة أكثر ، والحرس يُستعمل في الأمكنة أكثر” و قال آخرون أنه الحفظ و لكننا نرى أن الحراسة حتى في المصطلح العاميّ لها معنى المراقبة فالحارس يراقب المكان أو الشيء لكي يحافظ عليه أي أن الحراسة تأتي في المقدمة لتعقبها المحافظة .. و أما الحفظ فإنها الصورة الكلية للمحافظة على الفرد أو الشيء والجامعة للمعاني الأخرى للحفظ و أما الكلأ فإنها تبعة الشيء فكأنه يقول راقبني للحفظ واذا اقتربت من أي خطر فاحفظني واذا حفظتني فاستمر في الحفظ وأبق على المحافظة حتى أكون دائما تحت حراستك و بعينك التي لا تنام . قال تعالى : “ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن “ أي من يحفظكم إن اتبعكم أمر يزيل صحتك في الليل و النهارمن أمر الرحمن . يقول في مقاييس اللغة أن الأصل في الكلأ ، المراقبة والنظر و في تفسير الآية يقول : أي يحفظكم منه بمعنى لا يحميكم أحد منه وهو الباب الذي ذكرناه أنه المراقبة لأنه اذا حفظه نظر اليه و راقبه .

ثم يطلب من ربه أن يرزقه حجّ البيت الحرام و البيت الحرام هو الكعبة المشرفة “ جعل الله الكعبة البيت الحرام” في عامه هذا و في كل عام .. و هذا دليلٌ على أهمية الحج وزيارة المشاهد المشرفة و أهمها قبر جده رسول الله صلى الله عليه و آله و جدته المظلومة فاطمة الزهراء ثم زيارة عمه الإمام المجتبى عليه السلام فالإمام يحنّ إلى الزيارة كما يحن الى الحج ، لكي نعلم أن من حج البيت أو اعتمر فلم يزر قبر رسول الله صلى الله عليه و آله فهو جافٍ له بل و هو من الأشقياء . هكذا يعلمونا أئمتنا عليهم السلام أن نكون دائما في اتصال روحي من موالينا و على رأسهم رسول الله رسول الرحمة الإلهية لا مثل أتباع بعض المذاهب الذين يترفعون و يتكبرون على زيارة مشاهد العترة الطاهرة و حتى مشهد رسول الله روحي فداه و هناك من يفتخر بأنه قضى أكثر من عشر سنوات و هو يصلي في المسجد النبوي و لم يزر رسول الله زيارة واحدة !! يا لهذا الشقاء . و ذلك بالرغم من ورود روايات متواترة لدى السنة و الشيعة بإستحباب زيارة قبر الرسول (ص) فقد ورد عنه أنه قال ك “ من سلّم عليّ عند قبري سمعت و من سلّم عليّ من بعيد يبلغني “ هذا و نحن نقرأ دوما : أشهد أنك تسمع كلامي و تردّ سلامي ، فإنهم والله لا ينسون من يزورهم حبا و ولاء . ثم يقول سلام الله عليه : “ ولا تخلني يارب …” أي لا تجعلني خاليا من الحضور في تلك المشاهد الشريفة المجيدة والمواقف الكريمة العالية و المشاهد بإعتبار من يشهدها من المسلمين و ربما من الكروبيين . و الكريم يطلق على كل شيء غالٍ و ثمين . أ لم نقل : الأحجار الكريمة أي الغالية الثمن النادرة الوجود و هذه المواقف و المشاهد كريمة أي غالية لا تُقدّر بقيمة ماديّة أبدا فالمقام عالٍ عالٍ تحفّ به ملائكة الرحمن و يملؤه عباد الله المخلصين الذين لا يستكبرون عن عبادته و لا يملّون .

“اللّهُمَّ تُبْ عَلَيَّ حَتَّى لا أَعْصِيكَ وَأَلْهِمْنِي الخَيْرَ وَالعَمَلَ بِهِ وَخَشْيَتَكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ما أَبْقَيْتَنِي يارَبَّ العَالَمِينَ”.

يتبين من هذه الجملة أن هناك توبتان : توبة من العبد و توبة من الله فإن أراد الله أن تتوب يهيئك للتوبة أي أنه يهيء العوامل التي تساعدك للتوبة و الإنابة الى الله و بالطبع لا تأتي هذا إلا إذا كنت صادقا في توبتك و إنابتك فإن كنت مستعدا للتوبة فإن الله يجعل أسباب التوبة مؤاتية لك فتتوب . ربما يستغرب البعض عن ذلك و لكن لا غرابة فالذين انغمسوا في الباطل و تجرّأوا على الله بارتكاب المعاصي دون رادع و لا مانع ، فإن الله لا يهيء لهم أسباب العودة اليه بل يذرهم في حالهم ليزدادوا إثما و عصيانا ولهم عذاب أليم .

أجل .. إذا طهرت قلبك من دنس العصيان و رجعت اليه رجوعا صادقا فإنه يقبل منك التوبة بل و يهيء عوامله و أسبابه حتى تتوب فإن تبت فلن تعصيه . التوبة هي الرجوع و الإنابة و الندامة و المؤمن إذا ندم فإنه قد تاب . والتوبة هي وسيلة النجاة و الله يحب التوابين و يريدنا أن نتوب قال تعالى : “ والله يريد أن يتوب عليكم ..” فإن كنا حقا نحب الله و نحب مجاورته و نود كسب رضاه فإننا نتوب اليه ثم يتوب علينا إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين . و عندما يطلب الإمام من ربه أن يتوب عليه حتى لا يعصيه فكأنما يطلب من الله أن يوفقه و يسدده و يهديه حتى يتوب قال تعالى : “ تاب عليهم ليتوبوا” أي رجع عليهم بفضله ليرجعوا اليه طالبين الغفران منه .

و ألهمني الخير والعمل به : و هذا الخير لا يأتي الا بعد رضاه تعالى و بعد توبته لعبده و عندما يلهمه الخير يعني أنه يريد له الخير و هذه الإرادة الإلهية أعظم النعم فالله إن أراد لك الخير ، فأنت في أعلى مستوى النعمة و الرزق .. وليس الرزق بالمال فحسب بل الأهم أن يرزقك الله توفيق العمل بالخير لذلك فالإمام يطلب من ربه أن يرزقه الخير و يرزقه التوفيق للعمل بالخير ولولا التوفيق ن رب العالمين لما وصلنا الى مرحلة العمل بعد ان اجتزنا الإلهام منه . ثم يرجو من الله أن يلهمه الخشية منه بالليل و النهار أي في جميع ساعات الليل و النهار حتى يرتدع عن المعاصي و ينزجر عن الذنوب و يتجنب الدخول في ميادين الشهوة و الغضب .. و كل هذه المراحل هي مراحل التوبة مكن الله على عبده أن يوفقه لترك المعاصي و فعل الخير و الخشية منه دائما و أبدا . اللهم وفقنا لهذه المراحل الثلاثة و ألهمنا لطفك و فضلك و جنّبنا عصيانك يا أكرم الأكرمين .

دعتء ٢



التصنيفات :كتب

4 replies

  1. السلام عليكم ..

    كنت ابحث عن أمل ينير حياتي ، لإجد قلمك الفائض يملأ عليّ كل ماهو جميل ومريح للقلب ..شرحكم سلسل ولي عودة بإن المولى للقرأءة لترسيخ هذا الشرح العظيم .. وفقكم الله وسهل عليكم ..

    • عليكم السلام و الرحمة و المغفرة
      شكرا دون حصر و أتمنى أن يوفقني الله لإكمال شرح الدعاء بلطفه و منّه
      وفقكم الله لكل خير و أسعدكم في الدارين

  2. شكرا جزيلا وفقكم الله لكل خير لو تكرمت تحيطنا علما بما غفلنا عنه من شرح (اَوْ لَعَلَّكَ رَاَيْتَني آلفَ مَجالِسِ الْبَطّالينَ؛ فَبَيْني وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَني) ومتى يكون العبد في مقام استوجب فيه ان يترك من الباري عز وجل
    واكرر الشكر والثناء على مجهودك المميز وفي ميزان حسناتكم

    • بارك الله فيكم و أعزكم الله عزيزي أبو علي
      هذا الشرح نتاج عمل قديم ولا زلت أطلب من الله أن يوفقني لإكماله فهناك نقصٌ في الشرح .. أرجو أن أتممه خلال الأشهر القادمة ، فقلة الوقت و كثرة الإشتغال بأمور الدنيا بالإضافة الى الشيب وكبر السن أبعدتني عن إتمام ما يجب علي إتمامه و إكماله
      ألتمس منكم الدعاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: