شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

دعاء ٣

لشقيقي السيد محمد رضا حفظه الله :

يروي الثماليُّ عن السجّادِ

هديّةً تُهدى الى العُبّادِ

دعاءَه يتلوه في أسحارٍ

من رمضان يا له من هادِ

أتحفنا بشرحه جوادٌ

فشكرنا للسيد الجوادِ

المقدمة

كنت أقرأ دعاء أبي حمزة و كأني أرى كلمات العشق تخرج من ثنايا شفاه الإمام السجاد روحي فداء اسمه الطاهر ، يمنة و يسرة ، شمالا و جنوبا ، و تذرف آماقه دموع العشق رقراقا على وجنات جبهته المقدسة الطاهرة

لا أخفي عنكم أنني كلما تمادى الليل في طوله خلال الشهر الفضيل ، و امتدت أجنحة الظلام في أعماق الأفق من الساحل إلى امتداد البحر و بدأ النعاس يدبّ إلى عينيّ دبيب النحل إلى الشهد و جثم سلطان النوم على أضلعي ، و الليل لما ينته مسيره و ينصرف نحو الأفول ، كنت أفتح صفحة دعاء أبي حمزة من ثنايا مفاتيح الجنان وأنظر في محتواه المقدس و أتلو أسطره المباركة ،فيتراجع النعاس الى القهقراء و تنشط خلايا الدماغ حتى كدت لا أعرف متى بزغ الفجر إلا و صوت المؤذن يكسر حدة الليل و يشق عباب الظلام : “ الله أكبر”.

يقول سلام الله عليه في بداية الدعاء :

” الهي لا تؤدبني بعقوبتك .. و لا تمكر بي في حيلتك


تأديب الله :

كلمةأدبفي اللغة بمعنى الدعوة إلى الطعام، غير أنها كأغلب المفردات في العربية انتقلت مجازاً من الدلالة المادية إلى المعنوية، ومن الدعوة إلى الغذاء الجسدي إلى الغذاء الروحي و المعنوي كما في عطاء القرآن الكريم والحديث الشريف، والمأثور من الخطب والأدعية الواردة عن أهل البيت (ع)، لأن فيها كل أنواع الغذاء الروحي وفيها إثراء للعقل والقلب، وكل ما ينفع الإنسان في دينه و دنياه .

ان الله يؤدب عبده و يهذبه بكتابه المنزل و بوصايا أوليائه عبر الكتاب أو بصورة مباشرة ، فالقرآن الكريم أكبر مؤدب و أعظمه للأنسان بصورة عامة و لرسول الله صلى الله عليه و آله بصورة خاصة . القرآن يؤدب رسوله و ينصحه و يرشده ونحن اذ أمعنا في الكتاب فلا نغترف منه الا بقدر عقولنا و أما رسول الله و الأئمة الأطهار فانهم يأخذون منه كل معالم الحياة و كل مناهج التقوى و الأيمان .

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم :

” أدبني ربي فأحسن تأديبي

عندما يقول تعالى مخاطبا رسوله : ” ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميمفان القرآن يريد تأديب الرسول . النبي الأعظم واجه ألواناً منوعة من السفاهة ، الجهالة ، الجحود ، و من الإساءة  في الأقوال وفي الأعمال . هل يعقل وهو نبي الله و يمثل دين الله ، أن يدفع هذه الإساءات ، وذاك الجحود وهذه السفاهات ، و الانحرافات ، في الأقوال ، والأعمال والمعاملات والمواقف ، هل يعقل أن يدفعها بإساءات مثلها ؟ هل هذا شأن مقام النبوة ، هل هذا الذي يدعو الناس إلى الله عز وجل بالحسنى يُقيل أن يدفع الإساءة بإساءة ؟ كلا و ألف كلا . و بالرغم من أن الرسول بطبعه كان أحسن الناس خُلقا حتى قال ربه يمدحهو انك لعلى خلق عظيمو لكن يحتاج أيضا الى أن يصقل خلقه ، عند ذاك يأمره الله تعالى : ” خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلينولو أردنا أن نكتب في تأديب الله لرسوله لاحتجنا الى أضعاف ما نكتبه . تكفينا هذه الأشارة العابرة لموضوع مهم جاء في مطلع دعاء زين العابدين صلوات الله عليه .

انه يرجو ربه ان لا يؤدبه بالعقوبة .

فمرة يكون التأديب بالنصح و يأتي القبول من الطرف الآخر دون منازع و هم الأنبياء و الأوصياء و الأولياء و أما اذا كان النصح القرآني لا يؤثر مرة واحدة في قلب المؤمن فانه يؤدبه بفرض عقوبة عليه في الدنيا حتى يرعوي و يسترشد و يرجع الى صوابه ، فمثلا كثيرا ما نلاحظ أننا عندما نرتكب معصية أو نخالف ربنا في قول أو عمل يعاقبنا الله بمصيبة أو بلاء في الدنيا ، بفقد مال أو مرض عزيز أو فقد شيء مهم أو بلاء في البدن أو في الرزق بحيث يُشعرنا ربنا بسخطه و لكن بتأديب منه و هذا التأديب غالبا ما يكون رحمة لنا ليرجعنا الى اليقظة و الصواب و في هذا كله خير لنا و أما الذين لا يحبهم الله فانه يستدرجهم من حيث لا يعلمون و يذرهم يخوضوا و يلعبوا و يلههم الأمل . ” انما نملي لهم ليزدادوا اثما “.

و المرجو من الله تعالى أن لا يجعل عقابنا في الآخرة ، فيعاقبنا في الدنيا بالمرض أو الفقر حتى يطهرنا من كل رجس معنوي و نرجع اليه طاهرين تائبين . و هذا ما يجعل أئمتنا يؤكدون على أن ندعو الله بأن يجعل عاقبة أمورنا الى خير .

و حتى التأديب الدنيوي ان كان بدون عقوبة فانه خير و أحسن بلا ريب . فنتمنى أن يرجعنا ربنا الى الصواب دون عقاب شديد ينمّ عن سخطه و غضبه ، نستجير بالله من غضبه .

الإمام زين العابدين عليه أفضل الصلاة و السلام يدعو ربه أن لا يمكر به :

و لا تمكر بي في حيلتك

ما هو المكر ؟

المكر هو الحيلة ، و يكون محمودا أو مبغوضا فالتحايل على الغير بخداعه أمر مبغوض ينفر منه الضمير الإنساني و المكر المحمود ان كان بواسطة إعمال الفكر في خدمة أو طلب خير للغير .

يقول الراغب الأصبهاني في مفرداته :

المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، و ذلك ضربان: ضرب محمود و ذلك أن يتحرى به فعل جميل و على ذلك قال: و الله خير الماكرين، و مذموم و هو أن يتحرى به فعل قبيح قال: و لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.

و عندما يقول تعالى : و يمكرون و يمكر الله أي أن الله هو الذي يقابل مكرهم وكيدهم وتخطيطهم وتدبيرهم، وهو الذي بيده التدبير وأزمّة الأمور والنتائج وحسم المصائر ومكر الله هو الغالب، وقدرته هي الحاكمة. فالله عندما يمكر ، فانه يمكر على مكر الماكرين لكي يردّ كيدهم و مكرهم الى نحورهم . و بناء عليه فان معنى مكر اللّه سبحانه وخدعته هو جزاؤه الإنسان الماكر والخادع على مكره وخديعته، كما ورد في الخبر أن اللّه عزّ وجلّ لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخريّة وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة; فمعنى لا تمكر بي ولا تخدعني هو: لا تجزني بمكري ولا بخديعتي. و اذا قال : أفأمنوا مكر الله : مكر الله إستعارة لأستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب .

يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان :

” ان ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الإضلال و الخدعة و المكر و الإمداد في الطغيان و تسليط الشيطان و توليته على الإنسان و تقييض القرين و نظائر ذلك جميعها منسوبة إليه تعالى على ما يلائم ساحة قدسه و نزاهته تعالى عن ألواث النقص و القبح و المنكر، فإن جميع هذه المعاني راجعة بالآخرة إلى الإضلال و شعبه و أنواعه، و ليس كل إضلال حتى الإضلال البدوي و على سبيل الإغفال بمنسوب إليه و لا لائق بجنابه، بل الثابت له الإضلال مجازاة و خذلانا لمن يستقبل بسوء اختياره ذلك كما قال تعالى: «يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا و ما يضل به إلا الفاسقين» الآية: البقرة – 26، و قال: «فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم»: الصف – 5، و قال تعالى: «كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب»: المؤمن – 34.”

و اللطيف ما جاء في دعاء للامام الصادق (ع) في القنوت : اللهم كد لي ولا تكد عليّ، وامكر لي ولا تمكر بي
أي امكر لصالحي لا لصدي و عقابي .

و نختم هذا الفصل بكلام للإمام السجاد (ع) في خطبة خطبها يوم الجمعة في مسجد رسول الله (ص :

فاحذروا أيها الناس من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في كتابه الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا فإن الله عزوجل يقول: ” إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرونوأشعروا قلوبكم خوف الله وتذكروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوفكم من شديد العقاب فإنه من خاف شيئا حذره ومن حذر شيئا تركه ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئات فإن الله يقول في محكم كتابه: ” أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوففاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنواأن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب.

من أين لي الخيريا رب ولا يوجد إلا من عندك ، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك .“

الخير كله من عند الله ، يرزق المؤمن و الكافر . يقول تعالى : ” و اذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ..”

كل ما عند الأنسان ملكٌ لله الواحد القهار .فينبغي أن ينفق من مال الله الذي وهبه على عباد الله لا أن يستنكف و يستكبر و يخيل اليه أن المال ماله و أن الخير من عنده ، هو الذي تعب و سعى و حصل على المال قال إنما أوتيته على علم عندي. لا .. فكل مال تسعى للحصول عليه ، فالله هو الذي ييسر لك ادراكه لأن الخير كله من عنده و اذا اقتضت مشيأته أن يأخذها منك فانه يأخذها خلال لحظة واحدةفخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين

قال تعالى : ” و ما بكم من نعمة فمن الله

و قال :  وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منهُ .”

من هذا يتبين أن الخير كله لله ، هو الذي ينفق على من يشاء بقدر معلوم ، فكلما تسعى صباح مساء فان القدر المقدّر من الرزق يأتيك . بالطبع ليس معنى ذلك أن الأنسان يجلس مكتوف اليدين ينتظر الرزق من السماء دون أن يتحرك في طلبه ، فعليه أن يسعى في طلب الرزق الحلال و يتوكل عليه :” اعقلها و توكل

و كل شيء من الله فالخير منه و النجاة منه . هو الذي ينجينا كل يوم من الشرور و البلايا و المصائب ، فلولا رحمته لكنا من الهالكين . فكم من بلاء شديد منعه منا و لكن أين الذي يعتبر .

” فإذا ركبوا البحر دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الله إلى البر إذا هم يشركون ” .

نعم هو الذي يغيث عبده المضطر عندما يلجأ إليه، ولعجيب أمر ه فإنه لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة والشدة، ولا يعود إلى فطرته إلا في ساعة الكربة، وأكثر ما يكون العبد تذكرا لله عندما يقع في الشدائد، و لكن عندما يفرج الله عنه البلاء ينسى الله تعالى في السراء بعد أن يكتب له النجاة من الضراء:

“هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق “.

فإذا أيقن المؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو وحده الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع الذي بيده الأمر كله، فينبغي أن يتجه إلى الله تعالى في كل آنٍ و زمان .

لا الذي أحسن استغنى عن عونك و رحمتك ، و لا الذي أساء و اجترأ عليك و لم يرضك ، خرج عن قدرتك


رحمته وسعت كل شيء :

لا يتمكن المرء كائنا من كان أن يستغني عن عون الله و مساعدته له ، فالإستعانة لا تحصل الا به و باذنه . وهل بإمكان الإنسان الاستغناء عن فضل الله ولطفه في أي آن و لحظة من عمره ؟ نحن باستمرار بحاجة الى لطف الله، ولطفه يأتينا على الدوامخيرك الينا نازل“.

ونحن عاجزون عن شكره. ” و ان تعدوا نعمة الله لا تحصوهاوهذا ان كان قصورا أو تقصيرا فانه يستدعي في كل الأحوال طلب المغفرة ، و الأنابة اليه.

نحن نكرر يوميا على الأقل 17 مرة هذه الآية الكريمة :

” اياك نعبد و اياك نستعين

و اياك تفيد الحصر .. أي أننا لا نعبد أحدا سواك و لا نستعين بأحد الا أنت . ربما يدعي بعض الناس أنه فعلا لا يعبد الا الله و لكن الإستعانة تحصل بغيره . و القرآن عندما يريد أن يؤدبنا بأدبه و يهدينا سبيل الرشد ( اهدنا الصراط المستقيم ) يدعونا قبل طلب الهداية أن نعرف بأن العبادة لا تكون الا لله و الأستعانة به فقط دون غيره . و أما أولئك الذين يدعون أنهم لا يعبدون الا الله ولو أنهم يستعينون بغيره ، فلا شك أنهم يكذبون على أنفسهم لأن من أخلص العبادة لله لا يمكن أن يستعين في أموره الا به .

و ما هي العبادة ؟ انها الإطاعة ليس غير. فاذا أطعنا النفس و اتبعنا الشهوات فان الهوى و النفس الأمارة تكون هي المعبود ، و ان أطعنا الشيطانو العياذ باللهفاننا نعبد الشيطان . قال تعالى : ” ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبينأي أن لا تطيعوا الشيطان فان اطاعته هي عين عبادته .

و لا نبتعد كثيرا عن البحث .. الأستعانة لا تكون الا به ، و ان طلبنا شيئا من أخينا المؤمن ، فان الله هو الذي يستجيب لنا الطلب ، و هو الذي يرشدنا الى نوع الأستعانة و كيفيتها و مقدارها و زمانها ( و في كلٍ بحث ) و لا شك أن الإعانة لن تكون مجدية الا اذا اقتضت مشيأته و ارادته جلت قدرته .

و الله بلطفه و منّه يعين و يرحم المؤمن و الكافر على السواء في الدنيا ، فكل عيش و سعادة و هناء و لذة ( محرمة أو مباحة ) لا يكون الا منه و عنه ، و لا ينحصر لطفه بمن يدعوه و يناجيه و يتقرب اليه فحتى الكافر و الإنسان الذي لا يطيعه و يتمرد على أوامره و نواهيه ، فان الله يعينه في أموره و يرحمه ولو فتح عينيه و استجاب لنداء الضمير فانه يعلم علم اليقين أن كل خير و رزق من الله وحده و كل عون و رحمة منه تعالى و تقدس .

و بالرغم من ذلك اللطف الخفي فان بعض الناسبل و أكثرهميتصورون أن بالإجتراء على الله و عدم كسب رضاه ، يخرجون عن مدى قدرته و مجال سلطته و ان فتح الله عليهم خزائن رحمته و لم يصبهم بمكروه ، يظنون أنهم بذلك قد خرجوا من سيطرته و لكنه تعالى يخيب ظنهم و يقول :

” ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خيرا لأنفسهم انما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين

” ذرهم يخوضوا و يلعبوا و يلههم الأمل

” سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
و من هوان الإنسان و شقائه أن يستدرجه الرب الجليل ليتمادى في عتوه و ضلاله و عدوانه و يملي له ليزداد اثما ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر و يسوقه و نظراءه الى جهنم زمرا.

أعاذنا الله من أن يستدرجنا .. و سوف نبحث عن الإستدراج في مقام آخر باذن الله .

بك عرفتك و أنت دللتني عليك ، و دعوتني اليك و لولا أنت لم أدر ما أنت

تارة نعرف الشيء بالشيء نفسه و تارة نعرفه بآثاره .. و أما معرفة الذات الإلهية عن طريق ذاته ، فإنها أرقى و ألطف و في الوقت نفسه أصعب الطرق للوصول اليه . انه طريق الخواص .. ثلة من الأولين و قليل من الآخرين ، تمكنوا أن يصلوا اليه به .

ليس كل من يدعي العرفان عارفا فالعارف الحقيقي هو الإمام المعصوم المفترض الطاعة و لا غير .
يقول رسول الله صلى الله عليه و آله : ” يا علي ما عرف الله الا أنا و أنت و ما عرفني الا الله و أنت و ما عرفك الا الله و أنا
فهذه المعرفة ليست في مقدورنا و لم تكن من خصائصنا نحن الضعفاء .. فالعقل البشري الذي حبانا به الله و يستطيع أن يعمل المعجزات محدود جدا ، و لا يستطيع أن يدرك كنه الأشياء و ماهيتها و دقة جزيئاتها فكيف به يتمكن من الوصول الى معرفة ذات واجب الوجودو ما أوتيتم من العلم الا قليلا  .”
و لذلك نهانا أئمتنا عن التفكير في ذات الله بل أمرونا بالتفكير في المخلوقات لنصل الى معرفته تعالى .

قال رسول الله صلى الله عليه و آله: “  تفكروا في آلاء الله و لا تفكروا في الله . تفكروا في الخلق و لا تفكروا في الخالق فانكم لا تقدّروه قدره

و جاء في الخبر أن الإمام الصادق عليه السلام كان يمرّ في المسجد فسمع أناسا يتكلمون في ذات الله فالتفت اليهم و نهاهم عن ذلك قائلا: “  يا قوم لا تتكلموا في ذات الله فان قوما تكلموا في ذات الله فتاهوا
اذن علينا أن نصل الى معرفة الله عن طريق الآثار التي تدلّ على وجوده ، فعقولنا محدودة بحدود لا يمكننا تجاوزها .

و أما المعرفة التي ذكرها الإمام عليه السلام في دعائه فبظني لخاصة أولياء الله .
يقول سيد العارفين علي عليه السلام : ” ” يا من دل على ذاته بذاتهو حين سأله أحدهم : بم عرفت ربك ؟ أجاب : ” بما عرّفني نفسه

نعــم ، ان الله معرّف نفسه فكل ما في الوجود من حركة و اشراق و نور و نشاط يدلّ على وجود الخالق . جاء في المثل : ” الشمس دليل على الشمسو ذاته المقدسة دليل على ذاته و ان اشتدّ على البعض معرفته فبسبب شدة ظهور النور حيث لا يمكن النظر الى منبع النور .

و لربما أراد الإمام السجاد عليه السلام أن يذكرنا بالفطرة التي فطر الله الناس عليها :
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله

فبالفطرة لا بد أن نصل اليه فقد أشهدنا على نفسه في يوم قال : ” ألست بربكمو شهدنا على ذلك .. ولولا أنت لم أدر ما أنت .
صدقت يا مولاي

الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني و إن كنت بطيئا حين يدعوني .. و الحمد لله الذي أسأله فيعطيني و إن كنت بخيلا حين يستقرضني .. و الحمد لله الذي أناديه كل ما شئت لحاجتي و أخلو به حيث شئت لسرّي بغير شفيعٍ فيقضي لي حاجتي

ينبئ الإمام السجاد عليه السلام عن أحوالنا نحن البعيدين عن ربنا .. فبينما الإنسان هو الفقير و هو المحتاج ، و الله هو الغنيّ ، و من المفروض أن يسعى الإنسان بكل سعيه ليصل الى ربه و يتوسل بكل الوسائل التي تقربه اليه ، نراه يبتعد عن المحبوب بل و أكثر من ذلك .. يدعوه المحبوب فيرفض الإستجابة له و ان استجاب فإنه بطيء في القبول و كل ذلك من ضغط الأهواء و الشهوات على نفسه الأمّــارة بالسوء .

” و إذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون
أجل ,, بالرغم من أن الله بعظمته و جلاله يدعو هذا الإنسان المحتاج من شعر رأسه الى أنامل رجليه .. و كل ذلك رحمة له و لطفا بعبده فلا حاجة للمولى به و بأقرانه و ان كفر كل الخلق فلا تتأثر كبرياؤه بشيء أبدا و بالرغم من هذه الدعوة المباركة من الرب العظيم فان هذا الفقير المحتاج يستكبر و يتباطأ و يتقهقر و يبتعد ، و ذلك للؤمه الذي يتجلى في التجرؤ على بارئه بارتكاب الذنوب و الخطايا .

” و تتجبب اليّ فأتبغّض اليك

يا لحقارة الإنسان .. رب العزة و العظمة يتحبب اليه لكي يؤويه و يظله تحت ظله يوم لا ظل الا ظله .. و هذا يتبغّض اليه .

الهيأحمدك من رب كريم .. أسألك بكل خضوع أن تعطيني من فضلك ، فلا تخيب ظني و تستجيب لي و ترزقني من نعمك الظاهرة و الباطنة التي لا أستطيعو حقكأن أحصي واحدة منهاو إن تعدّوا نعمة الله لا تحصوهافسجيتك الكرم و شيمتك الإحسان للمسيئين .
و عندما تطلب مني أن أعطي من أموالك شيئا قليلا  للفقراء و المساكين من عبادك ( و ما أكثرهم ) فأمتنع و أكثر من ذلك أنك لا تطالبني بعدم الرد بل تستقرضني
و من يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له

و أنا عالمٌ واثقٌ بأنك سوف تردّ الدرهم بالحرير و الإستبرق في جنان الخلد ( و ما قيمة الأموال أمام نعم الله في الجنة و أعلاها رضوان منه ) و لا أزال بخيلا .. اصرف من مالك على رغباتي و شهواتي و لا أصرف شيئا في سبيلك هي لي حسنى و مثوبة .
يا رب ! كم أنت لطيفٌ بعبادك .. لا ترهبني جبروتك و لا يرعبني كبرياؤك .. فأمدّ يدي اليك دون واسطة و لا شفيع .. أخلو بك .. أناجيك .. أدعوك .. أكلمك .. أسرّ اليك و أطلب منك فلا تردّني بل و تغفر زلّتي و تكشف كربي و تستر عورتي .

الهي ! ان عبدتك و سجدت لعظمتك طوال عمري فلن أفي بأصغر حق من حقوقك .. فما لي أبتعد عنك كأنّ لي التطوّل عليك .. أستجير بالله .

مولاي ! اغفر لعبدك الجاهل و ارحمه بواسع رحمتك و جد عليه بفضل احسانك إنك جوادٌ كريم ٌ .

الحمد لله الذي لا أدعو غيره ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي . و الحمد لله الذي لا أرجو غيره ولو رجوت غيره لأخلف رجائي .”
هل هناك من نلتمس منه حوائجنا غير الله ؟
هل هناك من نلجأ اليه في الشدة و الرخاء غير الله ؟
هل هناك من نرجوه فلا يذلنا الا الله ؟

عندما يخاطب الإمام ربه و يناجيه قائلا : ” الحمد لله الذي لا أدعو غيره … ” فإنما يريد أن يعطينا درسا في كيفية الدعاء . و يريد أن يعلمنا بأن الله هو الذي لا بدّ أن ندعوه في كل صغيرة و كبيرة و نطلب منه و لا من غيره حوائجنا . هو الذي نمدّ اليه بخضوع أيدينا راجين منه لا من غيره أن يستجيب دعاءنا . و من غير الله يستجيب لنا و من غيره يعطينا فكل ما في الوجود ملكه و له و بإرادته .

بالطبع ليس معنى ذلك أن الإنسان يعيش بدون عمل و دون تعاون مع الآخرين و يرفع يديه الى الله ليملؤهما الله فضة و ذهبا .

الإنسان مدني بالطبع و عليه أن يعيش في المجتمع كعضو فعال من أعضائه ، يخدم غيره و يتقاضى الأجر مقابل خدمته و يتعاون مع الآخرين :

الناس للناس من بدو و من حضرٍ ***** كلٌّ لكلٍّ و إن لم يشعروا خدمُ

و لكن عندما كانت له حاجة ملحّة في أمر يستصعبه الآخرون فعليه أن يطلب حاجته من بارئه و خالقه .. هذا بعد أن كان في حياته مستويا كادّا ، يعمل و يؤدي عمله بإخلاص .. ذلك لأن الغير مهما كان أخا و صديقا فغالبا ما يخذل الإنسان و اذا استجاب له ، يُذلّه و يمنّ عليه . و مادام هو مخلوقا مثله فإنه عاجز عن تأدية طلبه و الله هو الغني و هو القادر على كل شيء فإن كان لك طلبا فاطلبه من ربك .

و بالتأكيد لا يتنافى هذا أن يعين و يتعاون مع الآخرين . و الله من وراء القصد

وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي وَكَلَني اِلَيْهِ فَاَكْرَمَني وَلَمْ يَكِلْني اِلَى النّاسِ فَيُهينُوني، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي تَحَبَّبَ اِلَىَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنّي، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي يَحْلُمُ عَنّي حَتّى كَاَنّي لا ذَنْبَ لي، فَرَبّي اَحْمَدُ شَيْيء عِنْدي، وَاَحَقُّ بِحَمْدي

و يا لها من كلمة مباركة تدوي في سماء العظمة و الجمال أن نوكل الأمر كله اليه و نفوض أمورنا اليه و نستسلم له و نضع القيادة بيده و لابد لنا من ذلك فلا خيار لنا و لا اختيار . و ياله من رب رحيم نوكل أمرنا اليه ليرحمنــا و ليعطف بنــا .. لأنه غير محتــاج الى غيــره كالعبيـد . و اذا أوكلنا الى عباده صالحين كانوا أم طالحين فإننـا لسنا في منأى عن التحقير و الإهــانة لأنهم عبيد مثلنا مهما علوا و ارتقوا .
فالحمد و الثناء كله لله الذي أوكل أمورنا اليه . و نعم ما قال أمير المؤمنين سلام الله عليه : ” و الجئ نفسك في امورك كلها الى الهك فانك تلجئها الى كهف حريز ومانع عزيز واخلص فيالمسالة لربك فان بيده العطاء والحرمانإليك يا ربي أرجع كل أمورني لأنك الكهف الحصين المنيع الذي لا ينفذ فيه شيء و أنت المانع الغالب العزيز القوي الرفيع الذي تهب العزة و المنعة لمن تشاء و تمنعها عمن تشاء فإليك إليك دون غيرك مأواي و ملتجاي .

و الحمد لله الذي تحبب الي و هو غني عني

تارة يتحبب فرد الى الآخـر طمعــا في علمه أو مــاله أو جاهــه و سلطــانه أو لأي غرض مشروع أم دنيء من أغراض الدنيا أو حتى الأغراض المعنوية السامية أما كيف يتحبب الينا رب العزة و العظمــة و هو العــزيز الغالب القاهــر الغني . يا ترى كيف يمكن للخالق بعظمته و جلاله و كبريائه أن يتحبب الى معبود فقير لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا ؟!

الله .. المتعال يتحبب الى عبده لا لحاجة منه اليه فلو كفر كل من في الأرض فلا ينقص من عظمته و كبريائه شيء و لا تزيده عبادة العباد و سجودهم شيء .. هو الغني المطلق . و نحن الفقراء اليه . نحن علينا أن نتحبب اليه و أن نستجيب لأمره المطاع حتى لا يغضب منا . و لكننا نرى أن الله لو اقتربنا منه قيد أنملة لاستقبلنا بواسع رحمته و كمال لطفه و منه .

و نراه سبحانه و تعالى يدعونا أن لا نخجل إن ظلمنا أنفسنا من العودة و الرجوع اليه فقد كتب على نفسه الرحمه .. يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.. كيف نقنط من رحمته التي وسعت كل شيء ؟ و إن أذنبنا و عصينا فليس الخالق كالمخلوق ليزجرنا و يطردنا من جنة رحمته بل يدعونا إليه ثانيا و ثالثا و عاشرا لأنه الحليم يحلم على عباده و يتجاوز عنهم و يغفر لهم سيئاتهم إن تابوا و أنابوا اليه و رجعوا بخضوع و خشوع يسجدون له تعبدا و رقا .. نعم .. يحلم عنهم حتى يجد العاصي في نفسه كأنه لا ذنب له .. لا خائف و لا وجل .

يا له من غفور ودود و يا لنا من عباد عصاة نكفر بنعمه و لا نطيعه حق الإطاعة و إن كان مردّ الإطاعة لنا و جزاؤها لصالحنا و هو غني عنا و عن عبادتنا .

الهي أنت بحلمك و لطفك على عبادك و رحمتك الواسعة أحق بالحمد بل الحمد كله لك و الثناء أنت تستحقه لا غيرك فأنت أحمد شيء عندي و أحق بحمدي لا يبلغ كنه محامدك لفظ و لا يحيط بمعاني مدحك وصف

اَللّـهُمَّ اِنّي اَجِدُ سُبُلَ الْمَطالِبِ اِلَيْكَ مُشْرَعَةً، وَمَناهِلَ الرَّجاءِ اِلَيْكَ مُتْرَعَةً، وَالاِْسْتِعانَةَ بِفَضْلِكَ لِمَنْ اَمَّلَكَ مُباحَةً، وَاَبْوابَ الدُّعاءِ اِلَيْكَ لِلصّارِخينَ مَفْتُوحَةً .

يرى الإمام السجاد سلام الله عليه أن جميع الطرق مفتوحة أمامه للدعاء و الوقوف أمام عظمة الرب .. ذلك لأن الله العظيم هو الذي دعانا اليه و هو الذي تفضل على عباده بالإستجابة لهم لطفا و كرما . فمن أراد أن يتوجه الى ربه فليتوجه خاضعا خاشعا و ليطلب ما يريد فإن أبواب الدعاء و الطلب مفتوحة أمامه في كل زمان و مكان .

يقول رسول الرحمة صلى الله عليه و آله و سلم : ” أدعوا الله وأنتم موقنون بالاجابة

أجل : الشرط الأول للدعاء أن تحسن الظن بربك و تطلبه و أنت واثق بالإجابة و متيقن بالإستجابة و اعلم أن نفس الدعاء والطلبفي حد ذاتهمطلوب بل و من أحسن الأعمال و أفضلها و لا ريب أن الله لن يحعل طلبك دون إجــابة و إن كان لا يجيب طلبك الخاص لمصلحة مخفية عليك فإن مجرد التواضع و الخضوع منك يرفع رصيد الأجر و الثواب في حسابك عنده . فلرب حاجة تطلبها بإلحاح ( و يستحسن الإلحاح في الطلب ) و لكن المصالح العامة أو مصلحتك الشخصية تحول دون استجابتها من قبل الرحمن فلا تيأس و لا تقنط من واسع رحمته و تضرع اليه مرات و مرات لعله استجاب لك حاجتك أو أعطاك أضعاف ما تطلب في الآخرة .. و هذا هو الأهم يا أعزائي .. فالدنيا مهما كانت مؤلمة فإنها زائلة لا محالة و أنت تمر على قنطرة الدنيا لكي تصل إلى مسكنك الأبدي في الآخرة .. فلا تكن حاجتك محصورة على أمور دنيوية بحتة و تنس نصيبك من الآخرة فإنها هي الحيَوان و هي دار القرار و هي النعمة الخالدة و الجنة الباقية و السكن الدائم و المنزل المؤبد .

و مادام الرب الرحيم فد أمرنا بأن ندعوه فلا يمكن أن يمنع العطايا من عباده الضعفاء و بيده ملكوت كل شيء .

جاء في الحديث القدسي : ” انا عند ظن عبدى بى فلا يظن بى الا خيرانعم إن باب رحمته مفتوح أبدا للداخلين اليه فلا يمكن أن يمنعسبحانهأحدا من فيض نعمته ووابل رحمته .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” قال الله عزوجلّ : من سألني وهو يعلم أني أضرُّ وأنفع استجبت لهأ لا يكفينا أننا نعلم بأن الله هو الذي يضر و ينفع و فيستجيب الله دعاءنا .
وحسن الظن بالله هو من شعب معرفته سبحانه ، فعلى الداعي أن يحسن الظن باستجابة دعائه فيقبل اليه بكل وجوده و يطلب منه لا من غيره كشف ضره، عالما بأنه لا يخلف الميعاد مؤمنا برحمة الله اللامتناهية، وبأنه تبارك وتعالى لا يمنع أحدا من فيض نعمته، وما التقصير والقصور إلا من العبد نفسه، ولقد جاء في الحديث عن الصادق عليه السلام : ” إذا دعوت فظن حاجتك بالباب، لا أن تدعو وأنت يائس أو قانط أو مستكبر على الله أو مستكثر عليه أنه يستجيب أو مستبعد أن الله يستجيب لك، ادع وأنت مطمئن ومتيقن أن الله سيستجيب لك و توكل عليه و اعلم أن كل سبل المطالب و أبواب الدعاء مشرعة مفتوحة أمامك و استعن بالله عليه التكلان و إليه المصير

ان أهم شرط لاستجابة الدعاء حسن الظن بالله كما جاء في الحديثاذا دعوت فظن حاجتك بالبابو لكن ليس هناك علامة تدعو الى قبول الدعاء و الإستجابة القطعية .

و مهما كان فإن الدعاء إذا استوفى الشروط وحالت المصلحة الإلهية دون تعجيل الإجابة، فانّ هذا الدعاء يدخر لصاحبه، كما ورد في الأحاديث وربما خفف عنه بلاء لم يكن ليعلمه هو، ولم يفكر بالدعاء للخلاص منه، أو سيعوّض الداعي عن عدم إجابة دعوته بالأجر و المغفرة .

و الشروط ليست دائما معيقة للإستجابة فرب دعاء يخرج من القلب دون أي شرط فلا الطهارة و لا الشروط الأخرى المذكورة في الروايات من الشروط الذاتية و الموضوعية ضرورية دائما .. بل توجه من صميم القلب الى البارئ يكفي ليصيب الهدف في آن واحد .

وَاَعْلَمُاَنَّكَلِلرّاجيبِمَوْضِعِاِجابَة،وَلِلْمَلْهُوفينَبِمَرْصَدِاِغاثَة،وَاَنَّفِياللَّهْفِاِلىجُودِكَوَالرِّضابِقَضائِكَعِوَضاًمِنْمَنْعِاْلباِخلينَ،وَمَنْدُوحَةًعَمّافياَيْديالْمُسْتَأثِرينَ،وَاَنَّالِراحِلَاِلَيْكَقَريبُالْمَسافَةِ،وَاَنَّكَلاتَحْتَجِبُعَنْخَلْقِكَإلاّاَنْتَحْجُبَهُمُالاَْعمالُدُونَكَ

بعد أن يحسن الإمام السجاد عليه السلام ظنه بالله و يرى جميع طرق المطالب و سبل الحوائج مفتوحة مشرعة .. يوحي الى السامع بأن الله حقا موضع إجابة دعاء من يرجوه و يغيث كرب من يستغيث به .. و يختلف طلب الحاجة اليه عن طلب الحوائج الى عباده فهاهنا يبخل من يبخل و يستأثر بمنحته من يستأثر و يمنّ عليك من ليس له قدرا و لا كرامة و يحقرك من هو دونك في الفضل و الكمال و الدرجة.. و أما ربك أيها العبد الغافل عنه فإنه قريب اليك و لا يحجبك عنه سوى غفلتك و معصيتك فتقرب اليه و اطلب منه ما بدا لك دون الحاجة الى طي مسافة أو استحياء في ذكر الطلب .

و نعرف من هذه الفقرة الهامة من الدعاء أن أهم شيء ينبغي التوجه إليه، هو ان نعرف بأن الله ليس بعيدا عنا، وأننا جميعا عند ربنا وبين يديه. جاء في الحديث ان إعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله .. هل ربنا بعيد فنناديه، أم قريب فنناجيه؟ فنزل قوله تعالى: ” وإذا سألك عبادي عني فإني قريب

و من الملاحظ أنه حينما يكون الإنسان بعيدا عنك، فإنك ترفع صوتك لكي يسمعك و يتوجه اليك ، اما إذا كان قريبا منك، فإنك تتحدث إليه بهدوء و اطمئنان . وهذا القريب قد لا يكون متوجها أو ملتفتا إليك و لكن ربك الرحمن يختلف عن أي قريب آخر، فهو قريب مجيب ملتفت إلى كل مخلوقاته برحمته وحنانه ومنته و لطفه دائما و أبدا .
و هنا يتبادر الى أذهاننا هذا السؤال : لماذا في بعض الأدعية نكرر القوليا الله ” ” يا رحمن ” ” يا رحيمو غير ذلك من أسمائه الحسنى مع أن مرة واحدة تكفينا لأنه يسمعنا حين نناديه و يلتفت الينا دون حاجة للتكرار ؟

صحيح ان الله يجيبنا من أول نداء ، ولكن ربما نكون غافلين عمن ناديناه . لذا فنحن بحاجة إلى تكرار أسمائه الحسنى ، حتى نشعر بعظمة الرب المنادى. وهذا ما نسميه حضور القلب حين التحدث إلى الله والا فإن الإنسان الداعي إذا كان حاضر القلب، متوجها بكل وجوده إلى الله، فإن نداءا واحدا يكفيه. رب داع يقول من واقع وجدانه و ينادي من صميم فؤاده : ” يا اللهمرة واحدة فيقلب كل موازين القوى في حيثية من حيثيات حياته و يعطيه ربه ما أراد بل و يزيد عليه ما لم يحتسب .

بناء عليه فإن درجات الغفلة والذكر أساس لتفاوت الناس و اختلافهم من حيث القرب والبعد عن الله تبارك وتعالى. فكلما كان الإنسان أكثر ذكراً كان أقرب إليه تعالىفَاذْكُرُونِي أَذكُركُمْحتى ورد الحث و التحريض على ذكر الله في جميع الأحوال .. قال تعالىيَا أَيُّهَا الَّذينَ أَمنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراًبلا حد زماني ولا قيد مكاني . فالذكر خير على كل حال. ولهذا نعتقد بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يذكر الله تعالى في حال يقظته فحسب بل و يذكره حتى في حال نومه ..

و نحن يا أعزائي غافلون عنه سبحانه مع العلم أن الخروج من دوامة الغفلة و الدخول الى بوابة  الذكر قريب جداً فالله معنا دائما و نحن في محضره أين ما كنا و ذهبنامَعَكُم أَينَ مَا كُنتُمْوما علينا إلاّ الالتفات إليه عزّ وجلّ لنكون قريبين منه . اليس هو القائل في الحديث القدسي : “أنا جليس من ذكرنيو ان ما يحجبنا عنه هو أعمالنا التي لا تسمن و لا تغني من جوع . و بالرغم من ذلك فلا ضير أن نتوجه اليه آناء الليل و أطراف النهار . و ان خير ساعة نصل فيه الى ربنا هي ساعات ما قبل الفجران ناشئة الليل هي أشد وطئا و أقوم قيلافاستعينوا على التوجه بكل وجودكم اليه في امتطاء ظلمات الليل السوداء بنور ركعات تصلونها حين تنام الأعين و لتتنحّ جنوبكم عن المضاجع قليلا في الأسحار حتى تصلوا الى مجال القرب الإلهي و تتمغنطوا فيه .

قال الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه : “إن الوصول إلى الله عزّ وجل سفر لا يدرَك إلا بامتطاء الليلفتعرضوا للنفحات الربانية عبر ركعات قليلة تصلّونها في ساعات القرب .

أجل .. إن الله قريب عنا لا يحجبنا عنه سوى غفلة تغشى عيوننا جراء أعمالنا التي لا ترضي ربنا أو معاصي نرتكبها و العياذ بالله و بالرغم من كل ذلك فإن الله يدعوننا اليه رأفة بنا و رحمة : “وَإِذَا سَألكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَريبُ أُجيبُ دَعوةَ الدَّاعِ إِذْا دَعَانِو ما بيننا و بينه حجاب و لا ستر بل هو أقرب الينا منا لأنفسنا : ” وَنَحنُ أَقْربُ إِليهِ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِفاستعينوا بالله و اطلبوا منحه و عطاياه دونما حاجة الى وسائط و اعلموا أن عطاء الرب و نعمه مستمرة دائمة أبدية في الدنيا و الآخرةوَمَا كَانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراًمجرد توجه و التفات فإنه يخرق الحجب السبع و يصلك الى معدن العظمة

وَتَوَجَّهْتُ اِلَيْكَ بِحاجَتي، وَجَعَلْتُ بِكَ اسْتِغاثَتي، وَبِدُعائِكَ تَوَسُّلي مِنْ غَيْرِ اِسْتِحْقاق لاِسْتِماعِكَ مِنّي، وَلاَ اسْتيجاب لِعَفْوِكَ عَنّي، بَلْ لِثِقَتي بِكَرَمِكَ، وَسُكُوني اِلى صِدْقِ وَعْدِكَ، وَلَجَائي اِلَى الاْيمانِ بِتَوْحيدِكَ، وَيَقيني بِمَعْرِفَتِكَ مِنّي اَنْ لا رَبَّ لي غَيْرُكَ، وَلا اِلـهَ إلاّ اَنْتَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ “.

الإنسان كله حاجة و كله احتياج .. فأين يتوجه في حوائجه ؟
إن كنت تريد التوجه إلى إنسان مثلك فقد توجهت إلى محتاج و المحتاج لا يرفع عن غيره الإحتياج إلا أن تتوجه إلى من هو مستغن عن الجميع و الجميع محتاجون إليه و هو الله .. هو الذي يجيب حاجة المحتاجين و يغيث المستغيثين و لا ينقص منه شيء لأنه الغني المطلق . فإذا احتجت شيئاو كلك حاجةفاسلك سبيل الدعاء إلى الرب المتعال دون المرور على أبواب المحتاجين من نظرائك الذين إن طلبت منهم حاجة فقد تذلّ نفسك و فد يذهب حياؤك و قد يُستخفّ بوقارك و قد يُحتقر شأنُك و بالتالي ربما تصل الى نتيجة أقلّ بكثير مما كنت تتوقعه . قال الإمام الصادق عليه السلام : ” طلب الحوائج الى الناس استلاب للعزّ، و مذهبة للحياء ” .
و لا شك أن الله يعلم ما في الضمير و يعلم حاجتك قبل أن تسأله و لكن أئمتنا عليهم السلام علمونا أن نطلب من الله حوائجنا و نلحّ عليها لأن الله تعالى يحب أن يسأله عبده في كل حاجة يطلبها صغيرة كانت أم كبيرة . قال الإمام الصادق عليه السلام : ” انّ الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعاه ، ولكنّه يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج ” .
و الإمام السجاد عليه السلام في هذه الفقرة المباركة من الدعاء بعد أن يجعل كل الإستغاثة اليه وحده و التوسل في الدعاء اليه دون غيره يقول : ” من غير استحقاق لاستماعك منيو يا لها من جملة عظيمة . أجل : فليس على الله أن يستجيب دعاءنا و من نحن حتى نتجاسر و نطلب من العظيم الجليل حاجة و لكنه بجلاله و عظمته أجاز لنانحن المسيئينأن نطلب منه دون وجل أو خوف مع رفعة شأنه و علو مقامه فتراه يقرب نفسه الينا و يطلب منا أن ندعوهوَإذاَ سَأَلَكَ عَبَادِي عَنَّي فَانِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَليَستَجيِبُوا لِي وَليُؤمِنوا بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ
و يا لدناءة الإنسان مع غاية إحتياجه و إفتقاره يولي عن ربه الكريم و يتوجه الى المحتاجين الفقراء بل و اللؤماء فيحرم نفسه من رحمة ربه الواسعة و كرمه الجمّ و إحسانه العميم و نعمه السابغة . فكونوا أعزائي بالله عزوجل أوثق منكم بغيره و لا تقنطواأبدامن رحمة الله . و ادعوه مخلصين له الدين دعاء محتاج مستغيث يعلم واثقا أن الإستعانة محض لله و طلب الحاجة منه لا إلى غيره و ثقوا بكرمه كما وثق زين العباد سلام الله عليه بكرمه و سكن إلى صدق وعده و لجأ إلى الإعتقاد الجازم بوحدانيته و تيقن بأنه وحده لا شريك له هو المستعان و هو المجيب و هو الرب لا رب لنا غيره . و ها نحن نعترف كل يوم أكثر من عشر مرات أن لا استعانة إلا بهإياك نعبد و إياك نستعين ” .

اَللّـهُمَّ اَنْتَ الْقائِلُ وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَوَعْدُكَ صِدْقٌ (وَاسْأَلوُا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ اِنَ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحيماً)، وَلَيْسَ مِنْ صِفاتِكَ يا سَيّدي اِنْ تَأمُرَ بِالسُّؤالِ وَتَمْنَعَ الْعَطِيَّةَ، وَاَنْتَ الْمَنّانُ بِالْعَطِيّاتِ عَلى اَهْلِ مَمْلَكَتِكَ، وَالْعائِدُ عَلَيْهِمْ بِتَحَنُّنِ رَأفَتِكَ

أجل .. إن الله يدعونا الى السؤال و الطلب منه و التضرع اليه .. فلماذا لا يُستجاب لنا غالبا مع ان اللهكما يقول الإمام سلام الله عليهليس من صفاته أن يأمر بالسؤال و يمنع عنا العطاء فهو الذي يمن على جميع العباد مؤمنين و كفارا بمننه السابغة و نعمه الدائمة .. فماذا في الأمر ؟
للدعاء آداب يا أعزائي ..

فكما أنك اذا أردت أن تزور حاكما أو ملكا في الدنيا فانك تلبس أحسن ملابسك و تعطر نفسك أحسن العطور و عندما رأيته تمد يديك باحترام و تجلس القرفصاء أمامه لكي لا يرى فيك اساءة أدب !! فكيف بك اذا أردت زيارة ملك الملوك و التحدث معه كيف تستقبله و كيف تهيء نفسـك لزيـارته ؟

آداب الدعاء

1- الطهارة : ينبغي للداعي أن يتوضأ و يجلس في مسجده ( على سجادته ) و يدعو ربه خاصة اذا كان بعد الصلاةو استعينوا بالصبر و الصلاة

2- الطيب : روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال : «كان أبي إذا طلب الحاجةقدّم شيئاً فتصدق به ، وشمّ شيئاً من طيب ، وراح إلى المسجد.. » و لا حاجة أهم من اظهار حبه و خلوصه لربه و خالقه ليكسب حبه و رحمته .

3- البسملة : ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يُرَدُّ دعاءٌ أوّله بسم الله الرحمن الرحيم »

4- الثناء على الله تعالى : أما ما يجزي من الثناء على الله سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه سئل عن ذلك فقال : «تقول : اللهمّ أنت الاَول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم »

5- الدعاء بالأسماء الحسنى : قال تعالى : ( وللهِ الاَسماءُ الحُسنى فادعوهُ بها ) ، وقوله تعالى : ( قُل ادعوا الله أو ادعُوا الرَّحمن أيّاً ما تدعُوا فلهُ الاَسماءُ الحُسنى ) . قال الاِمام الصادق عليه السلام : «من قال يا الله يا الله عشر مرات قيل له : لبيك ما حاجتك »

6- الصلاة على محمد و آله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يزال الدعاء محجوباً حتى يصلى عليَّ وعلى أهل بيتي »

وقال أمير المؤمنين (ع) : إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجةٌ : فابدأ بمسألة الصلاة على النبيّ وآله ، ثم سل حاجتك ، فإنّ الله أكرم من أن يُسأل حاجتين يقضي أحدهما ويمنع عن الآخر

7- الأقبال على الله : من أهم آداب الدعاء هو أن يقبل الداعي على الله سبحانه بقلبه وعواطفه ووجوده ، وأن لا يدعو بلسانه وقلبه مشغول بشؤون الدنيا ، فهناك اختلاف كبير بين مجرد قراءة الدعاء وبين الدعاء الحقيقي الذي ينضمّ فيه القلب بانسجام تامّ مع اللسان ، تهتزّ له الروح وتحصل فيه الحاجة في قلب الاِنسان ومشاعره .

و اذا تقدمت الى الدعاء بشروطه و آدابه فأنت تسير في خطى وثيقة نحو الله . و قبل كل شيء لا بد من المعرفة .. فالمعرفة تقربك اليه أكثر و أكثر . و لا شك أن معرفتنا مهما أوتينا من العلم قليلة يسيرة لأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا .. و لكن حتى المعرفة البسيطة تؤدي الى المطلوب ان شاء الله فحاولوا أعزائي التعرف على خالقكم أكثر و أكثر بالنظر في خلقه و الإعتبار فيما حدث و يحدث و التأمل في الكون و أخيرا بالإستعانة من القرآن .

اِلهي رَبَّيْتَني في نِعَمِكَ وَاِحْسانِكَ صَغيراً، وَنَوَّهْتَ بِاِسْمي كَبيراً، فَيا مَنْ رَبّاني فِي الدُّنْيا بِاِحْسانِهِ وَتَفَضُّلِهِ وَنِعَمِهِ، وَاَشارَ لي فِي الاْخِرَةِ اِلى عَفْوِهِ وَكَرَمِهِ، مَعْرِفَتي يا مَوْلايَ دَليلي عَلَيْكَ، وَحُبّي لَكَ شَفيعي اِلَيْكَ، وَاَنَا واثِقٌ مِنْ دَليلي بِدَلالَتِكَ، وَساكِنٌ مِنْ شَفيعي اِلى شَفاعَتِكَ
كم مننت علي من نعمك الجسيمة المتتالية لحظة أدخلتني الى الدنيايا الهيحتى كبرت و ترعرعت بتربيتك و تحت كنفك لا يؤودك حفظي من آلاف البلايا و مئات العوارض و الحوادث . و استمرت تربيتك لي و إحسانك المستدام علي حتى أصبحت شابا كامل النمو فعظمت شأني بين أقراني و شهّرتني و رفعت من مقامي و أنا لا أستحق كل ذلك الإفضال و الإنعام .
إلهي .. استمرت النعمة دون انقطاع على عبدك المقر بالذنوب المعترف بالعصيان ساعة بعد ساعة و آناً بعد آنٍ حتى انك من جزيل رحمتك و رأفتك بي بشرتني بالعفو يوم الحساب و ذكرتني بكرمك الذي لا ابتداء له و لا انتهاء فأطمعتني في العفو و الرحمة دون أن يكون لي و لأمثالي من عبادك حق فيها و لكن رحمتك واسعة و جودك متاح للآخـرين .
الهي من يدلني عليك إلا فطرتي فهي التي تعرفني بك إن رجعت إليها فقد عاهدتك مذ لم يكن بشرا على الأرض بل و قبل أن تكون أرض و سماء حينما سالتني و سألت غيري : ” ألست بربكمو عرفتك قبل النشأة الدنيا و قبل أن تسكن روحي في جسدي البالي و هذا الدليل القاطع كان معي قبل أن أكون فكيف تجبرني نفسي الأمارة بالسوء أن أخالف أمرك و أن أعصي مقامك و أراك ظاهرا و ناظرا ، شاهدا و حاكما ، دليلا و عينا .
إلهي مهما بعدت عنك فإن حبي لك يشفعني عندك و هو الذي يقربني إلى مقامك الرفيع .
أجل يا أحبائي يكتسب العبد حب الله تعالى في الدنيا كسبا بمقدار طاعته و معرفته إلا أن أصل الحب لا ينفك عنه مؤمن لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة ولولا تفانينا في حب الدنيا و انغماسنا في مشتهياتها الزائلة و ملذاتها الفانية لعرفنا لذة الحب لله و لتجافينا عن مضاجعنا في سويعات الليل شوقا إلى المحبوب . و إذا عرفنا ربنا أحببناه و إذا أحببناه أقبلنا عليه و إذا أقبلنا عليه ما نظرنا إلى الدنيا بعين الشهوة و ما نظرنا إلى الآخرة بعين الفترة .
أعزائي : اننا إذا قصرنا في حبنا لله فسبب ذلك جهلنا و قصورنا عن الوصول إلى أولى مدارج الحب الحقيقي .. و العجيب أننا نحب أنفسنا و نحب ما خلق ربنا فكيف لا نحب ربنا و هل شعاع الشمس أفضل من الشمس و هل بصيص النور أقوى و أقوم من النور المحض .
فتعالوا نفتح صفحة عريضة في قلوبنا من حب الله حتى نخرق الحجب السبع .

أدعوك يا سيدي بلسان قد أخرسه ذنبه . رب أناجيك بقلب قد أوبقه جرمه ، أدعوك يا رب راهبا راعبا راجيا خائفا . إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت ، و إذا رأيت كرمك طمعت ، فإن عفوت فخير راحم ، و إن عذبت فغير ظالم “.

بعد أن بحث الإمام طويلا في معرفة الله .. ينتقل الى حالة جديدة للعبد بين يدي الله عز و جل .. يناجيه بلسان ألكن قد أخرسته كثرة الذنوب و المعــاصي .
هل وقفت يوما أمام أبيك و أنت صغير قد اقترفت يدك تمردا و عصيانا ؟ هل سبق أن أخطأت في الإمتحان حطأ فادحا فأوقفك المعلم في عصبية أمام الفصل يسألك ؟ لماذا لم تذاكر الدرس ؟
كيف تجيب ؟ لا شك أنك تتلعثم في الجواب و تتقهقر أمام رؤية العقاب . فما بالك أيها العاصي و أنت تقف أمام الخلق كلهم من بدو الخليقة إلى آخر الزمان و الجميع ينظر اليك و أنت واقف في صف الحساب ، يسألك الرب : كيف صرفت عمرك بالباطل ؟ يا صاح ماذا تجيب ؟ كيف ترد على سؤال العظيم الجبار في صف المحشر ؟


و أما الإمام السجاد سلام الله عليه فهو في الدنيا يرى ملكوت السموات و الآرض .. ينكشف له غطاء العين فيرى كل ما لا تراه عيوننا لأنه عرف الله حق معرفته فيرى ما سوف نراه بعد ملايين السنين .
انه يحس بعظمة الخالق فيقشعر بدنه خوفا و خشية منه ثم يرق جلده بعد أن يتذكر سعة رحمته و مغفرته .

و مهما كان مقامه و منزلته عند الله فإنه يشعر بالإحتقار و الذل أمام عظمة ربه فيدعوه بقلب يصفه بقلب ملأ جرما و جريرة .. هذا علي بن الحسين ، زين العباد يشعر بالذل و الحقارة لأنه يعرف عظمة الرب فيخشى مقام ربه .
و لربما أراد أن يعلمنا كيف ندعو ربنا .. فعندما نرى ذنوبنا و ما أكثرها ، تقشعر جلودنا خوفا من نار غضبه و لكن الإمام يخشى مقام ربه و شتان بيننا و بينه .. على كل حال نحن أمام ذنوبنا نخاف غضب الجبار فنفزع و لكن أين نهرب فلا منجأ و لا منجى الا اليه .. نفرّ من ذنوبنا الى رحمة ربنا و نناجيه بلسان أخرسته كثرة الذنوب لأن الإنسان المذنب لا يستطيع أن يتكلم أمام الحاكم فيتلعثم و يتزعزع إلا أن هناك لا زالت أمام أعيننا خيوط أمل نسجتها رحمة ربنا بلطفه و كرمه حتى نبقى بين الخوف و الرجاء لعل الله يغفر لنا من فضله و يعتقنا من نار غضبه .. نستجير بالله منها و نرجو رحمته و عفوه .
يا رب عملي محدود وأملي لا تحده حدود فلا تعاملني بالعدل و لا تعطني ما أستحق من خائب عملي بل أعطني بمقدار أملي الذي ليس له حد مثلما لا حدّ لواسع رحمتك و لأفق مغفرتك فأنت العفوّ الكريم الذي يحلم عن مجاراة العاصين و يكفر عن معاصي المذنبين و يصفح عن آثام المقصرين و أنا يا إلهي مقر بالذنوب ، معترف بالمعاصي و كل وجودي رجاء و أمل .
لاحظوا أعزائي أن الإمام سلام الله عليه عندما يريد تبيان حاله يقول في خضوع و خشية : ” أدعوك يا رب راهبا راعبا راجيا خائفافيستعمل ثلاث كلمات للخوف و لفظا واحدا للرجاء حتى يوضح لنا نقطة هامة جدا و هي أن الخوف ثلاثة أضعاف الرجاء و هكذا يجب أن نكون ..
صحيح أننا نأمل و نرجو رحمة ربنا و أصحّ منه أن رحمة ربنا وسعت كل شيء و لكن الخوف و الوجل و الخشية تبقى في المقدمة و تحتل ثلاثة أرباع حالة المؤمن .. فقبل أن نرجو ، علينا أن نخشى .. نخشى من غضب الجبار فإن نتيجته بلاء تطول مدته و يدوم مقامه و لا يخفف عن أهله لأنه لا يكون الا عن غضبه و انتقامه و سخطه و هذا ما لا تقوم له السموات و الآرض .. أستجير بالله من غضب الله .
و ها نحن أمام خوف يحتل ثلاثة أرباع القلب و رجاء يحتل ثلثا فعلينا أن نقلل من ساحة الخوف بالعبادة و الطاعة و أداء الفرائض و الكف عن المحارم و قد صدق رسول الرحمة صلوات ربي عليه و آله إذ أعلن أن الكف عن المحارم من أفضل الأعمال و أقرب القربات في هذا الشهر المبارك .
ثم لا ننسى يا أعزائي أن الله إن أراد أن يعاملنا بعدله فحتى الأولياء لا يستطيعون مقاومة الحساب .. إذن فإن أراد أن يعذبنا بذنوبنا فلا ظلم أبدا لأننا نعرف مقدار خطايانابل الإنسان على نفسه بصيرةو نعرف أن العدل يقتضي بقاءنا أحقابا في نار جهنمو العياذ باللهلذلك فإننا نرجوه و نتضرع اليه كما الإمام زين العُباد سلام الله عليه و نكرر مع إمامنا مذعنين : ” فإن عفوت فخير راحم ، و إن عذبت فغير ظالم

عفوك يا رب

حجتي يا الله في جرأتي على مسألتك مع إتياني ما تكره ، جودك و كرمك ، و عُدّتي في شدتي مع قلّة حيائي رأفتك و رحمتك و قد رجوت أن لا تخيب بين ذين و ذين مُنيتي فحقق رجائي و اسمع دعائي يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راج .”

عندما يشرق قلب الإنسان المؤمن بالرجــاء من الله ، تختلط الهيبة و الإستحياء بالرجاء و الطمع فيحقق المؤمن أروع إرتباط بينه و بين ربه و يمشي على خطوات متثاقلة من شدة الإستحياء و لكنها ثابتة محكمة ، يزيد في ثباتها أفق الرحمة الواسعة من طرف المولى حيث تحتل مساحة السموات و الأرض و ما بينهمــا
و هكذا فإن السائل عندما ينظر إلى ذنوبـه و موبقات آثامــه و جرأته على ربه تنحسر خطواته و تذرف دموعه و يتقهقر خجلا و رعبا و لكنه في الحين نفسه ينظر إلى كرم ربه و جـوده الذي لا يحده حـذ فهو الكرم المحض و الجود المحض ، إذ ذاك تذرف عيناه دموع الشوق و تتبدل حاله من القنوط إلى الرجـاء فيمشي متماسكا نحو المعبود و يا لها من إنابة و أوبة تعني الكثير من المعاني السامية .
و ها هو إمامنا صلوات ربي و سلامه عليه بلخص مناجاة الراجي الخائف في كلمات جزيلة جليلة تلخص الرؤية التي لا بد لكل مؤمن أن يرى بها .. رؤية المعترف بالذنب المقر بالمعصية و لكن الراجي عفو ربـه و الطالب غفرانه و هو يعلم علم اليقين أن ربه واسع المغفرة أرحم من كل رحيم و أجود من كل جواد :
ّ يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راجو بهذا الوصف البليغ يتوسل اليه رافعا يديه نحو السماء متذللا خاشعا يطلب منه أن يسمع دعاءه و يحقق رجاءه .
و ياترى ما هو دعاء سيد الساجدين ؟
هل يفكر كما نحن نفكر ؟
هل يريد شيئا من حطام الدنيا قد انبهر به !
لا و ألف لا .. إنه لا يريد من ربه حتى الجنة .. يريد شيئا واحدا هو كل رجائه و كل أمنيته ؛ يريد رضاه . و لا شيء أكبر و أعم و أشمل من رضا الله .. و جنة الرضوان مستقر أولياء الله و منتهى آمالهم و طلباتهم .


و نحن يا اعزائي ولو اننا لن نصل ابدا الى ما وصلوا اليه و لكن لنحذو حذوهم و نقتفي شيئا من آثارهم المباركة .. فلا نجعل كل دعواتنا متمثلة في حوائج الدنيا الزائلة بل لنسمو قليلا فنطلب شعاعا من نور الله نستنير به في حياتنا الدنيا و في حياتنا الخالدة الأبدية و لتسمو دعواتنا إلى ما يجعل مستقرنا آمنا خالدا مطمئناأدخلوها بسلام آمنين ” .
و لنعلم أن كرم الله و ما يبعثه من طمأنينة في القلب يطغى على ذنوبنا مهما بلغت و لكن لابد من الإنابة و لابد من الرجوع حتى يشملنا قوله تعالى : ” كتب ربكم على نفسه الرحمة ” .

عظم يا سيدي أملي و ساء عملي ، فأعطني من عفوك بمقدار أملي ، و لا تؤاخذني بسوء عملي ، فإن كرمك يجلّ عن مجازاة المذنبين ، و حلمك يكبر عن مكافاة المقصرين ، و أنا يا سيدي عائذ بفضلك ، هارب منك إليك ، مُتنجّزٌ ما وعدت من الصفح عمّن أحسن بك ظنا ، و ما أنا يا ربّ و ما خطري ، هبني بفضلك و تصدّق علي بفضلك ..”

الإنسان محصور بين آمال عديدة تحوطه من كل جانب .. يريد الأمن و الأمان و العافية في الدنيا و الآخرة ، يريد رزقا دارا و عيشا قارّا و حياة هنيئة و مستقبلا رغدا و حالا جيدا و سعادة دائمة ..
و الإنسان المؤمن بعد ذلك كله يأمل في جنات عالية قطوفها دانية .. جنات الرضوانو رضوان من الله أكبرجنات الفردوس نزلا .. جنات عدن .. و يأمل في جنة عرضها السموات و الآرض و لكن عندما يصل إلى كلمةأعدت للمتقينتنتابه الكآبة و تحيط به الخيبة و الحسرة من كل صوب .. يا رب إن كانت الجنة للمتقين و إن كانت السعادة للخالصين و إن كان الرضوان للمقربين فأين أذهب أنا عبدك العاصي الذي لا يرى صفحة بيضاء في سيرته الممتدة من أوان بلوغه إلى أواخر عمره ؟
إلهي أين يذهب عبدك الذي كلما تذكر ذنوبه اقشعر جلده خوفا و خشية و كلما تذكر رحمتك زادته رجاء و أملا ..
و يخاطب الإمام السجاد عليه السلام ربه خطاب عباده المذنبين و يقر بسوء عمله و بقلة حيلته و لكنه يستدرك كرم ربه و يراه أعظم و أسمى من مجازاة المذنبين و يرى في ملكوت السماء حلم ربه أجلّ و أرفع من مكافاة المقصرين فيحسن الظن بربه و يهرب منه إليه .. من غضبه إلى رحمته و من إنتقامه إلى حلمه و من سطوته إلى كرمه و يرجو منه بكل تذلل أن يتصدق عليه بفضله و كله فضل ثم يدعوه بكل شفافية و وضوحو ما أنا يا رب و ما خطري ” .
أجل .. ما خطر كل العاصين و كل المذنبين .. و لكن هنا عاص يخشاه و يقشعر بدنه لرؤية مولاه غاضبا و هناك مذنبون لا يخشون ربهم .. يذنبون دون مبالاة و لا خشية و لا يحسبون حساب الآخرة و لا يهمهم غضب الجبار المنتقم .. فالفرق كبير بين مذنب يهرب من ربه إليه ، يخاف انتقامه و يخشى غضبه و بين مذنب يعصي ربه عالما عامدا دون آبه و لا معتن .
كلنا يا رب مذنبون و لكننا نقر بذنوبنا و نعترف بضعف إيماننا و في الوقت نفسه نصرخ أمام العالم أن لنا ربا رحيما رؤوفا ودودا فنتضرع اليه نطلب الصفح و العفو و نأمل في رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء ..
و هكذا بعلمنا إمامنا المعصوم روحي فداء اسمه المقدس أن نتوسل الى الله و ندعوه في ساعات الليل المظلمة و عندما تنام العيون أن ندعو ربنا و نناجيه مناجاة الخائفين الخاشعين و الآملين لفضله العميم .

« أيْ رَبِّ جَلِّلْني بِسَتْرِكَ، وَاعْفُ عَنْ تَوْبيخي بِكَرَمِ وَجْهِكَ، فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلى ذَنْبي غَيْرُكَ ما فَعَلْتُهُ، وَلَوْ خِفْتُ تَعْجيلَ الْعُقُوبَةِ لاَجْتَنَبْتُهُ، لا لاَِنَّكَ اَهْوَنُ النّاظِرينَ وَاَخَفُّ الْمُطَّلِعينَ، بَلْ لاَِنَّكَ يا رَبِّ خَيْرُ السّاتِرينَ، وَاَحْكَمُ الْحاكِمينَ، وَاَكْرَمُ الاَْكْرَمينَ، سَتّارُ الْعُيُوبِ، غَفّارُ الذُّنُوبِ، عَلاّمُ الْغُيُوبِ، تَسْتُرُ الذَّنْبِ بِكَرَمِكَ، وَتُؤَخِّرُ الْعُقُوبَةَ بِحِلْمِكَ »

يا رب غطني و استرني بسترك و لا تعاتبني أيها الكريم فلو أنني اذنبت و عصيت لا عن تمرد و تكبر بل نفسي سولت لي و زينت لي العصيان فعصيت خجلا مطأطأ الرأس .. عصيت و ها هو قلبي و عقلي يوبخاني على ما فعلت .. عصيتك بجهالة لا لأنني أريد العصيان بل لأنني أعرف حلمك و تجاوزك عن عبادك المذنبين .. أعرف مدى كرمك و احسانك الى العاصين .. أعرف مقدار رحمتك و عفوك عن النادمين .
الهي أذنبت دون علم أحد ولكني على علم و يقين بأنك تراني و لن أستطيع أن أعصيك في خفاء فلا يخفى عليك شيء في الأرض و لا في السماء و أنت أقرب الي من حبل الوريد و أنت مطلع على خائنة الأنفس و ما تخفي الصدور . و هل لي أن أرتكب خطأ أو قبيحا أمام أعين الناظرين .. لا فلا أريد الفضيحة و لا أريد أن أحطم كرامتي أمام الناس و لكني عصيت و أنت تراني .. لا لعدم اكتراثي بربي و خالقي و المطلع على كل سرائري فإني خاضع أمام عظمته و خاشع حقير أمام جلاله و كبريائه و لست يا ربي أهون الناظرين حاشاك أي ربي الجليل فأنت أكرم و أعظم الناظرين و لكني أعلم عفوك و أعرف سترك و أتيقن برحمتك فتغرني رحمتك الواسعة فأذنب و أعصي و أنا أعلم أنك تستر العيوب و تغفر الذنوب لأنك كريم و تؤخر العقوبة لأنك حليم .
ما أحلمك يا ربي بعبد حقير مثلي تراه و هو يأمل أن يحظى بلقاك و لكن بأي شكل و صورة يأتي اليك و يقابلك و أنت رب الأرباب و ملك الملوك و أعظم من كل عظيم بل و لا عظمة أمام عظمتك فالكل عبادك ولو أذنبوا و عصوا . و يا رب لو عصاك المتجبرون كفرا و عنادا فها هو عبدك يعصيك لا عن عناد و لا استكبار بل شيطان نفسه الأمارة بالسوء يعده و يمنيه و يغرر به فيعصيك على استحياء و كل وجوده أمل في الرفق به و التجاوز عن ذنبه و الستر عليه .. لا في دنياه فحسب بل و يوم القيامة أيضا يتمنى أن تستر عيوبه و تحجب فضائح أعماله عن سائر عبادك و أنت الحليم الغفار و الرحيم الجواد .
***
تأملوا في موضوع مهم جدا يتطرق اليه مولانا الإمام السجاد سلام الله عليه و هو العصيان و كأن الله لا يرى العبد .. بالطبع فإن الإمام يتكلم عن لساننا نحن العاصين والا فهو من أقرب الأقربين اليه سبحانه و يتطرق في هذا الفصل الجميل من دعائه الى عصيان العباد بالرغم من أن الله يراهم و يرى كل شيء فلا يخفى عليه شيء و لا يستطيع أحد أن يعمل عملا دون أن يراه ربه و لكنه بيقينه و علمه بأن الله يراه ، يقترف الذنب و يرتكب الجرم و كأن الله لن يراه . و كل ذلك لأن الله يؤخر العقوبة الى يوم القيامة و لا يعجل بها فلو كانت العقوبة تنزل فور وقوع المعصية فلا يمكن لأحد أن يرتكب جريرة أو جرما و الأمر الآخر أن الإنسان المؤمن حتى ولو ارتكب معصية و اقترفت يداه جرما فإنه يطمع في رحمة ربه و غفرانه و هذا هو الذي يجرؤه على ارتكاب المعاصي و لكن على الإنسان أن يعلم أن الله ولو كانت رحمته أوسع من كل شيء فإن عذابه أشد العذاب و لذلك اذا أذنب الإنسانو هذا أمر طبيعيفعليه أن يتوب دون تضييع الوقت و أن يجهد لئلا يرجع ثانية الى الذنب فلا يغضب الرب الجليل .
اللهم وفقنا لترك المعاصي و جنبنا سخطك و غضبك .

اَدْعوُكَ يا رَبِّ راهِباً راغباً، راجِياً خائِفاً

و قد نرى أن الإمام سلام الله عليه قد اختار كلمتين للرجاء و كلمتين للخوف حتى يساوي بين الخوف و الرجاء . و بناء عليه يجب أن يكون المؤمن بين الخوف و الرجاء بالتساوي . هكذا نفهم من الدعاء ولو أنني أرى من القرآن الكريم أن الإصرار على الإنذار أكثر من التبشير .. و للجمع بينهما يمكن القول بأن تأثير الخوف من العذاب في المرء أكثر من تأثير الرجاء و البشارة فيه . و لذلك تكرر الإنذار و قل التبشير و أما الحالة التي يجب أن يكون الإنسان عليها هي حالة الخوف و الرجاء نصفٌ للخشية من العذاب و نصفٌ لرجاء الثواب و الله أعلم .

ونلاحظ تكرر قول الأنبياء للناس : ” ما أنا إلا نذير ” .. ” ففروا الى الله اني لكم منه نذير مبين ” .. ” ان أنت الا نذير
و كما جاء في سورة الأنعام فشأن نزول القرآن منحصر في الإنذار : قال تعالى : واوحي الي هذا القران لانذركم به ومن بلغ
و حتى اذا جاءت لفظة البشير فإن النذير تأتي معها مباشرة و لكن هناك كثير من الآيات تنحصر فيها النذير دون البشير بل و ان كلمة النذير و مرادفاتها في الكتاب العزيز ضعف كلمة البشير .
اذن فالمسألة صعبة و تحتاج الى توجه أكثر و أرىو العلم عند اللهأن الخوف أكثر شدة من الرجاء و كما قلت ربما لأن الإنسان يتأثر من ارعابه بالعذاب أكثر من تطميعه في الثواب و لذلك جاء الإصرار في القرآن على الإنذار حتى يعتبر من أراد الإعتبار

فَلَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ وَعَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قَدْرَتِكَ. وَيَحْمِلُنِي وَيُجَرِّؤُنِي عَلى مَعْصِيَتِكَ حِلْمُكَ عَنِّي، وَيَدْعُونِي إِلى قِلَّةِ الحَياءِ سِتْرُكَ عَلَيَّ، وَيُسْرِعُنِي إِلى التَّوَثُّبِ عَلى مَحارِمِكَ مَعْرِفَتِي بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ وَعَظِيمِ عَفْوِكَ، ياحَلِيمُ ياكَرِيمُ ياحَيُّ ياقَيُّومُ ياغافِرَ الذَّنْبِ ياقابِلَ التَّوْبِ ياعَظِيمَ المَنِّ ياقَدِيمَ الاِحْسانِ أَيْنَ سَتْرُكَ الجَمِيلُ ؟ أَيْنَ عَفْوُكَ الجَلِيلُ ؟ أَيْنَ فَرَجُكَ القَرِيبُ ؟ أَيْنَ غِياثُكَ السَّرِيعُ ؟ أَيْنَ رَحْمَتُكَ الواسِعَةُ ؟ أَيْنَ عَطاياكَ الفاضِلَةُ ؟ أَيْنَ مَواهِبُكَ الهَنِيئةُ ؟ أَيْنَ صَنائِعُكَ السَّنِيَّةُ ؟ أَيْنَ فَضْلُكَ العَظِيمُ ؟ أَيْنَ مَنُّكَ الجَسِيمُ ؟ أَيْنَ إِحْسانُكَ القَدِيمُ ؟ أَيْنَ كَرَمُكَ ياكَرِيمُ ؟ بِهِ فَاسْتَنْقِذْنِي وَبِرَحْمَتِكَ فَخَلِّصْنِي
***

جاء في كثير من الأدعية جملة : ”الحمد لله على حلمه بعد علمهفيا ترى ماذا تعني هذه الجملة و منها ما جاء في دعاء الإمام السجاد عليه السلام حيث يخاطب ربهفلك الحمد على حلمك بعد علمك؟

نحن لا نعلم خفايا الناس و بواطنهم .. فمنهم من يكون لطيفا حسن الأخلاق طيبا جميل المنظر مبتسما مع الجميع و لكن ربما كان في الباطن رجلا شريرا خبيثا خسيسا ، فنحن نتعامل مع مثل هذه الأشخاص باللطف طبعا لأننا لا نعلم ما يضمرون و اذا علمنا ما يضمر لنا من شر فإننا نتعامل معه بكل قسوة و شدة حتى قبل أن يعمل شيئا !و لكن الله عالمٌ بخفايا الناس جميعا بل و يعلم ما يخفى على الشخص نفسه من نواياه و بالرغم من علمه بالنوايا و بما سيفعله الفرد طوال عمره فنراه سبحانه و تعالى حليما عفوا غفورا يصفح و يستر و لا يُظهر مساوئ الأشخاص الى الآخرين بل و يعطيهم فرصة لكي يتوبوا و يُصلحوا ما بداخلهم من خبث و شر و كيد.
الإمام عليه السلام يعلمنا كيف نحمد ربنا و نشكره . فلك الحمد : عندما يتقدم الخبر على المبتدأ و يكون الخبر شبه جملة ( الجار و المجرور ) فإنه يفيد الحصر . أي أن الحمد كله لك و لا يكون الحمد الا لك . أجل يمكن أن نشكر العباد و لكننا لا نحمد أحدا على شيء فالحمد تمام الحمد لله وحده و لا يشاركه فيه أحد مهما أوتي من فضل و كمال .
ثم يأتي بالحلم يسبقه العلم ذلك أن العلم بطبيعته سابق على الحلم فلولم نعلم ماذا في الأمر فلا معنى للحلم . طبيعي أن الصفات بالنسبة للرب كلها واحدة و في مستوى واحد فلا زمن يسبق صفة على صفة بالإضافة الى أن صفاته سبحانه هي عين ذاته و ليس هذا الا تقريبا لأذهاننا و الا فحلمه هو نفس علمه ولو أن العلم لدينا يأتي بالدرجة السابقة على الحلم .
و على عفوك بعد قدرتك :

نعم .. اذا عفا عنك رجلٌ ضعيف فلا قيمة لعفوه و لكن إذا عفا عنك القويّ  وهو يقدر عليك و يغلبك على كل حال ، هناك الرجولة و الشهامة .. والله تعالى قادر على كل شيء ، وغالبٌ على كل مقتدر قوي و لكنه يعفو و كثيرا ما يعفو عن عباده . قال  تعالى : ”وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ”.

على عفوك بعد قدرتك ، أي أنك بالرغم من قدرتك على كل شيء و بالرغم من أننا لا نستحق العفو لكثرة خطايانا و زلاتنا و لكنك تعفو عنا و تغفر لنا منة علينا و تلطفا بنا . أنت الكريم الذي تجود على المسيئين من عبادك بالعفو و الرحمة و المغفرة . و على هذا الأساس تراني أي رب أتجرأ على عصيانك و عدم الإنصياع الى أوامرك لأنك حليم غفور . و ليتني أستحيي من جبروتك و عظمتك و لكن سترك عني و أنت ستار العيوب يجعلني دون حياء في العصيان . ولولا أنني على علم بسعة رحمتك و عظيم عفوك لما عصيتك . صحيح أنني أخاف من غضبك و سخطك و لكن عظيم عفوك و سعة رحمتك تجرؤني عليك .

و أنا يا رب أرى حلمك و أتيقن بلطفك و فضلك فأتجرأ على معصيتك ، لا جسارةً و لا عدم مبالاة و لكن النفس غالبا تواقة الى العصيان ولو كنت أرى غضبك و أحسّ بالعقوبة في الدنيا لما تجرأت على العصيان و لكن حلمك الكبير و عفوك المتواصل و لطفك الشامل و فضلك العميم يحمّلني على التمرد أحيانا فالعفو العفو سيدي يا حليم يا كريم و يا من تقبل التوبة عن عبادك و تغفر الذنب عن العاصين و يا عظيم المنّ مُنّ علي برحمتك الواسعة و أحسن اليّ يا قديم الإحسان و يا منّان .

ثم بعد ذلك يحدث ربه في صورة خاشعة و بكل خضوع و ضعف و يناجيه بصورة عتاب لا ملامة و عتابا بل احساس بالذنب الكبير و أمل دون حصر في العفو و المغفرة من الرب الجليل :
أ َيْنَ سَتْرُكَ الجَمِيلُ لتستر عيوبي و قبيح ذنوبي ؟
أَيْنَ عَفْوُكَ الجَلِيلُ لتعفو عن العبد الضعيف ؟
أَيْنَ فَرَجُكَ القَرِيبُ لتفرج عني و تزيل همي و غمي ؟
أَيْنَ غِياثُكَ السَّرِيعُ لأستغيث به في ضري و مسكنتي ؟
أَيْنَ رَحْمَتُكَ الواسِعَةُ لتشملني مع من تشمله ؟
أَيْنَ عَطاياكَ الفاضِلَةُ لتمن بها علي ولو أني لست أهلا لها ؟
أَيْنَ مَواهِبُكَ الهَنِيئةُ لتهبني و تمنحني فاستعيد قواي و أدنو منك ؟
أَيْنَ صَنائِعُكَ السَّنِيَّةُ و بدائع خلقتك الجميلة لأستفيد منها في دنياي و عقباي ؟
أَيْنَ فَضْلُكَ العَظِيمُ و كلك فضل و رحمة يا كريم ؟
أَيْنَ مَنُّكَ الجَسِيمُ لتمنّ بها على عبد حسن الظن بمولاه ؟
أَيْنَ إِحْسانُكَ القَدِيمُ الذي طالما تحدث به الغابرون و الحاضرون ؟
أَيْنَ كَرَمُكَ ياكَرِيمُ و يا أكرم من كل كريم حتى تنجوني و تنقذني من مهاوي الهلاك و مزالق الحرمات و تخلصني من كل ما يسيء الى ديني و دنياي فأنت الكريم الرحيم و أنا البخيل اللئيم .

***

يامُحْسِنُ يامُجْمِلُ يامُنْعِمُ يامُفْضِلُ

يا محسن : الحسن هو كل أمر مرغوب من النعم التي تسر الإنسان عندما يتنعم بها في نفسه أو جسمه أو أحواله و يكون الإحسان من الله في الدنيا بكل هذه النعم السارة و في الآخرة بالثواب و الأجر . فعندما يتضرع الإنسان الى الله و يأتي بهذه الصفة المباركة لله (( يا محسن )) فإنه يريد أن يتلقى من الله المحسن كل الإحسان في الدنيا و الآخرة . و لذلك ندعو كما علمنا القرآنربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنةو كل إحسان منشؤه و أصله من الله .

يا مجمل : الجمال أيضا هو الحسن الكثير و انه على قسمين : جمال يختص بالبدن و النفس و جمال يوصل الى الغير . و عندما نقوليا مجملأي يا ربنا الذي زيننا بالخَلق الحسن و الخلقة الكريمة و أجمل علينا من الحسن ما لم يزين به أحدا غيرنا من الكائنات . ” ولقد كرمنا بني آدمو عندما ندعوه بالجمال و نصفه بالمجمل فإنه تنبيه على أن منه تفيض الخيرات الكثيرة بل كل الخير منه .


يا منعم : المنعم هو الذي ينعم علينا و يرزقنا و يفيض علينا بالنعم الجسيمةو إن تعدوا نعمة الله لا تحصوهاو الإنعام من الله أي ايصال النعم الى العباد فهو المنعم الذي يتنعم بنعمه الوافرة علينا و لا بد في المقابل من الشكر على هذه النعم و احدى عوامل الشكر هو أن ندعوه بأسمائه الحسنى و منها المنعم .

يا مفضل : الفضل هو كل شيء زائد فعندما ندعو الله و نقول يا مفضل أي يا ربنا الذي أعطيتنا و زدتنا من حيث لا نستحق فالفضل كما قلنا يعبّر به عن العطية التي لا تلزم من يعطي يعني أنه ليس لزاما على الله أن يرزقنا و يعطينا و ينعم علينا و لكنه يتفضل علينا بكرمه و جوده و يعطينا مما لا نستحقه أصلا . فهو المفضل .


لَسْتُ أَتَّكِلُ فِي النَّجاةِ مِنْ عِقابِكَ عَلى أَعْمالِنا بَلْ بِفَضْلِكَ عَلَيْنا لاَنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ تُبْدِئُ بِالاِحْسانِ نِعَماً وَتَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ كَرَماً، فَما نَدْرِي ما نَشْكُرُ أَجَمِيلَ ماتَنْشُرُ أَمْ قَبِيحَ ماتَسْتُرُ أَمْ عَظِيمَ ما أَبْلَيْتَ وَأَوْلَيْتَ أَمْ كَثِيرَ ما مِنْهُ نَجَّيْتَ وَعافَيْتَ ؟
و في هذه الفقرة يعطينا الإمام عليه السلام درسا هاما حيث يصرح دون أي تحفظ أنه لا نجاة من عقاب الله و عذابه بواسطة أعمالنا مهما كانت جيدة صالحة . و عندما يبدأ حديثه يكون بصورة الإفراد و لكن عندما يأتي دور الأعمال يأتي به بصورة الجمع . لست أنا من يتكل على عمله فحسب بل كلنا لا نستطيع الإتكال على أعمالنا . اذن ماذا نعمل و نحن ننتظر الثواب و الأجر ؟
نتكل على فضله و لطفه و منّه و واسع رحمته . لماذا ؟ لأنه أهل التقوى و أهل المغفرة . فعندما خلقنا أحسن الينا من دون أن نطلب منه و رزقنا من جزيل إنعامه و كثير فضله دون أن ندعوه بل و هناك الكثيرون الذين لا يعبدونه و لا يعرفونه ، يتفضل عليهم بالإحسان و الكرم و أما نحن المؤمنون فننتظر منه بالإضافة الى نعمه في الدنيا ، المغفرة عن ذنوبنا في العقبى . و ليس ذلك ببعيد عن كرمه لأنه هو الكريم .
و ها نحن أمام هذه النعم المادية و المعنوية .. فكيف نشكره و على مَ نشكره ؟ على ما أنعم من رزق أم على ما ستر من قبح . فلا أحد غيره يعلم بحالنا حيث نعصيه ( بالطبع الإمام يتحدث كواحد منا و الا فهو العارف لربه حق المعرفة و بالتالي لا يمكن أن يعصيه بالإضافة الى العصمة التي اختصه الله بها ) .
الهي كيف نشكرك على البلاء ففيه تنقية لقلوبنا و أرواحنا و كيف نشكر على ما فضلتنا على كثير من خلقك و أوليتنا دونهم بنعمك الخاصة و منها بل و أعظمها نعمة الولاية . و كيف نشكرك يا الهي على ما نجيتنا من مهاوي الفساد و مزالق الإنحراف و العافية في الدين و البدن ؟
النعم الإلهية


ولو تلاحظون أي أعزائي فإن الإمام يقسّم النعم التي تحتاج الى الشكر الى ثمانية أقسام أصلية :
1-
ابتداء الخالق بالإحسان الى عباده دون طلب منهم .
2-
العفو عن كثير مما نعمل من الخطايا . قال تعالى : ” و يعفو عن كثير ” .
3-
الإستمرار بالنعم الجسيمة دون مقابل .
4-
ستره على أعمالنا القبيحة و معاصينا المخجلة .
5-
البلايا و المحن التي تصقلنا و تنقينا و تزيل معاصينا .
6-
اختصاصنا بنعم دون غيرنا و منها نعمة الولاية .
7-
الأخذ بيدنا و انقاذنا من مزالق الفساد و مهاوي الإنحراف .
8-
العافية في الدين و الجسم .
فلنشكر ربنا الكريم على كل هذه النعم الجسيمة و نطلب منه بقلوب خالصة أن يوفقنا لطاعته و يجنبنا معصيته بحق محمد و آله الطاهرين .

ياحَبِيبَ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ وَياقُرَّةَ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ. أَنْتَ المُحْسِنُ وَنَحْنُ المُسِيئُونَ،
***
هنا يبدأ التحبب الى المحبوب و استعطافه و استلطافه . يبدأ الإمام بالتغزل الصادق مع حبيبه ، يخاطبه بالحبيب تارة و بقرة العين تارة أخرى و لكن متى يكون الله قرة عين المعشوق ؟ عندما ينقطع اليه تماما و ينقطع عن كل حب دونه .
يا حبيب من تحبب اليك . اقترب منه قليلا تراه يقترب اليك كثيراو الذين آمنوا اشد حبا لله ».
المحبة يا أعزائي درجة سامية و منزلة شامخة يتنافس فيها المتنافسون فمنهم من أصبح متيما يرى الله في كل شيء و لا يرى غيره و هذا هو الحب الأشد و هذا هو قوت القلب و قرة العين و حياة المحبوب .
ماهو الإنقطاع ؟
الإنقطاع الى الله يعني أنك تحب حبيبك حبا يجعلك تنقطع اليه في كل حركاتك و سكناتك . لا تنجذب اليه فحسب بل تطيعه اطاعة عمياء فمن الحب ما يعمي و يصم . و هذا هو الحب الذي يسمو بالنفوس و يشمخ بها حتى يمتثل لكل أوامر المحبوب و يتجنب كل نواهيه شغفا و عشقا .
و هذا هو حب أولياء الله . لذلك فحتى لو لم تكن العصمة واردة فإن لهم ملَكة تمنعهم من العصيان دون اختيار و هذه الملَكة هي الحب المطلق اليه سبحانه . هلا وصلت يا عزيزي السالك الى هذه الدرجة حتى تطمئن اليه و تطمئن الى رضوانه . اللهم آمين .
أنت المحسن يا الهي تحسن اليناو نحن نسيء اليك . أين رأيتم محسنا بهذه الدرجة من الإحسان . الناس بعصيانهم و كفرهم يسيئون اليه و قد خلقهم لكي يعبدونه ( ما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون ) و لازال مستمرا في إحسانه و لطفه .قارن نفسك يا أخي و يا أختي و ربك لترى كم هو محسن اليك و كم أنت تسيء اليه ؟ لم يطلب منك في مقابل هذه النعم الجزيلة و الإحسان العميم الا أن تطيعه سنوات قليلة من عمرك الدنيوي ثم يجازيك اضعاف ما أطعته في الحياة الخالدة الباقية و لا زلت تتمرد أمام بارئك و تسيء الى المحسن المطلق و الكريم المطلق الذي لا يزيد في نعمه كفرك و كفر كل من في الأرض و السماء و لا ينقص من عطائه عصيانك و تمردك أيها المخلوق العاصي . يعطيك أضعاف ما تطيعه وهو غير محتاج اليك و لا الى أمثالك من البشر فلو أصبح العالم كله كافرا ملحدا ، لم يتاثر كبرياؤه و لا عظمته بفعلهم و كفرهم فهو الغني المطلق و أنت أيها المتمرد أنت الفقير المطلق .

عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : قال الله تبارك و تعالى : “ لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي ، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم في عبادتي ، كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي و رفيع الدرجات العلى في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، والى حسن الظن بي فليطمئنوا ، فإن رحمتي عند ذلك تدركهم و مني يبلغهم رضواني ومغفرتي تلبسهم عفوي ، فإني أنا الله الرحمن الرحين ، بذلك تسميت .”( الكافي ٢٧١) أجل .. لولا فضل الله و سعة رحمته لما بلغ أحد مهما اقترب و مهما علا شأنه مرتبة يستحق عليها ذلك الجزاء الكبير و النعيم الخالد بجوار الرب العظيم ، ولكن الله يمنّ على عباده المتقين بذلك الجزاء الوافر الذي لا يُقاس بمثله شيء لأنه الرحمن الرحيم المحسن الكريم .

فَتَجاوَزْ يارَبِّ عَنْ قَبِيحِ ماعِنْدَنا بِجَمِيلِ ما عِنْدَكَ، وَأَيُّ جَهْلٍ يارَبِّ لا يَسَعَهُ جُودِكَ وَأَيُّ زَمانٍ أَطْوَلُ مِنْ أَناتِكَ ؟ وَماقَدْرُ أَعْمالِنا فِي جَنْبِ نِعَمِكَ وَكَيْفَ نَسْتَكْثِرُ أَعْمالاً نُقابِلُ بِها كَرَمَكَ بَلْ كَيْفَ يَضِيقُ عَلى المُذْنِبِينَ ماوَسِعَهُمْ مِنْ رَحْمَتِكَ ؟!

و بعد أن يخاطبه السجاد عليه السلام بقرة عين من لاذ بك و بالمحسن ، يطلب منه أن يتجاوز عن قبيح ما عندنا من المعاصي والآثام بجميل ما عنده من المغفرة و الرحمة و يكرر الكلمة المحببة الى النفس الإنسانية : يا رب .

نعم .. كل ما عندنا قبيح و كل ما عندك جميل فتجاوز أي رب عما عندنا بما عندك فكل نظر منك جميل و كل رحمة منك علينا تؤثر في محو آثار سيئاتنا على كثرتها ونحن نطلب منك طلبا مستمرا أن تعفو و تغفر عنا و أن تزيل سيئاتنا بجميل لطفك و منّك يا أرحم الراحمين . و مهما كان جهلنا كثيرا فإن جودك و كرمك أوسع و أكبر و يا رب كم تصبر على زلاتنا و لا تؤاخذنا بل تعفو عن كثير مما ارتكبنا من آثام لأنك الحليم الودود . ثم هل يمكن لإنسان مهما بلغ من الشأن و المرتبة العالية أن تكافئ أعماله في الدنيا عظيم جزائك في الأخرى ؟ كلا والله ، لا يمكن حتى للأنبياء و الرسل و المقربين و المخلصين أن تكون أعمالهم مكافئة متساوية لجزيل نعمك في الدار الخالدة الأخروية ، فمهما كبرت و حسنت أعمالهم ، ستكون ذرة أمام نعمك و مننك عليهم و علينا يوم الجزاء .. أنت تعطينا الجزاء الأوفى و لكن أعمالنا قليلة زهيدة في مقابل جزائك العظيم الكبير و لذلك فإن المذنبين العاصين أيضا ينتظرون أن تنظر اليهم نظرة رحمة فتجعلهم في فناء رحمتك الواسعة . و من للمذنبين الذين يعترفون بذنوبهم و عصيانهم إلا رحمتك التي وسعت كل شيء يا من سميت بالرحمن الرحيم .

ياوَاسِعَ المَغْفِرَةِ ياباسِطَ اليَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ فَوَعِزَّتِكَ ياسَيِّدِي لَوْ نَهَرْتَنِي مابَرِحْتُ مِنْ بابِكَ وَلا كَففْتُ عَنْ تَمَلُّقِكَ لِما انْتَهى إِلَيَّ مِنْ المَعْرِفَةِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، وَأَنْتَ الفاعِلُ لِما تَشاءُ تُعَذِّبُ مَنْ تَشاءُ بِما تَشاءُ كَيْفَ تَشاءُ وَتَرْحَمُ مَنْ تَشاءُ بِما تَشاءُ كَيْفَ تَشاءُ، لا تُسْأَلُ عَنْ فِعْلِكَ وَلا تُنازَعُ فِي مُلْكِكَ وَلا تُشارَكُ فِي أَمْرِكَ وَلا تُضادُّ فِي حُكْمِكَ وَلا يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ أَحَدٌ فِي تَدْبِيرِكَ، لَكَ الخَلْقُ وَالاَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ العَالَمِينَ.

لقد توسع نطاق مغفرتك يا ربي ليشمل العاصين مثلي و لقد بسطت يديك بالرحمة على عبادك لتظلهم بظلالها الوارفة . واني أقسم بعزتك التي لا يقوم لها شيء و بعظمتك التي ملأت كل شيء أنني لن أبرح من بابك الذي فتحته على عبادك حتى لو نهرتني وطردتني وأردت إبعادي عنه ، فأين أذهب إذ لا ملجأ و لا منجى منك إلا إليك . و حتى لو نهرتني مرات و مرات فإني أعيد الكرة و أرجع إليك خاضعا خاشعا متملقا لا مستكبرا و لا مستنكفا فأنا عبدك المؤمل كرمك و جودك و الراجي عفوك و رحمتك و العارف قدرتك و عزتك فأنت الفعال لما تشاء تعذب من استحق التعذيب كيفما شئت و ترحم من أردت رحمته كيفما أردت فأنت القاهر فوق عبادك و أنت العزيز الذي لا حول و لا قوة إلا بك . لا ينازعك في ملكك أحد و لا يشارك في أمرك أحد ولا يتمكن موجود مهما بلغ من الجاه و المقام أن يعترض على حكمك و يعارضك في تدبيرك تباركت يا رب السموات و الأرضين و يا رب العالمين لك الخلق و الأمر كلهألا له الخلق و الأمرفالربوبية المطلقة لله تبارك و تعالى و كل التدابير تنتهي اليه ليحكم فيما يشاء دون أن يكون لأحد الإختيار في تغيير أو تبديل مسار حكمه فالأمر اليه تعالى إن شاء أنزل و إن لم يشأ لم ينزله وليس لنا من الأمر شيء أبدا . “… يقولون هل لنا من الأمر شيء قل إن الأمر كله للهفالخلق الذي هو التقدير بضم شيء الى شيء حيث استقر المعنى في الإيجاد والإبداع و الأمر الذي بمعنى الشأن و يستقر معناه في الشؤون التي تصلح وجود الإنسان و سائر المخلوقات و ينظم جميع الحركات و السكنات ، كل هذا الخلق و هذا الإبداع و كل هذا الأمر و هذا الشأن لله تعالى لا ينازعه فيها أحد لأنه هو الرب و لا رب غيره و لذا جاء بالخلق و الأمر معا فالخلق يتعلق بالذوات بينما الأمر يتعلق بآثارها والأوضاع الحاصلة فيها .

فتبارك الله رب العالمين حيث ينزل الله بركاته على كل موجوداته و معبوداته في السموات و الأرض و ما بينهما لأنه ربهم .

يا رَبِّ هذا مَقامُ مَنْ لاذَ بِكَ، وَاسْتَجارَ بِكَرَمِكَ، وَاَلِفَ اِحْسانَكَ وَنِعَمَكَ وَاَنْتَ الْجَوادُ الَّذي لا يَضيقُ عَفُْوكَ، وَلا يَنْقُصُ فَضْلُكَ، وَلا تَقِلُّ رَحْمَتُكَ، وَقَدْ تَوَثَّقْنا مِنْكَ بِالصَّفْحِ الْقَديمِ، وَالْفَضْلِ الْعَظيمِ، وَالرَّحْمَةِ الْواسِعَةِ، اَفَتَراكَ يا رَبِّ تُخْلِفُ ظُنُونَنا، اَوْ تُخَيِّبْ آمالَنا، كَلاّ يا كَريمُ، فَلَيْسَ هذا ظَنُّنا بِكَ، وَلا هذا فيكَ طَمَعُنا ”.

في أواخر الليل و في أفضل ساعات الدعاء و المناجاة ، أفضل مقام للإلتجاء الى رب العالمين .

يقول : يا ربي و ينسبه الى نفسه ليكون أكثر إيقاعا من الرب بصورة عامة فأنت ربي و ملاذي و ملجأي والآن في آخر ساعات الليل من أفضل أيام العام أقف على باب رحمتك و أتوسل اليك بربوبيتك و ألتجئ الى جنابك بلطفك و إحسانك و أمدّ يد الرجاء والإستجداء اليك.

فكمياالهيوسيدياستجرتبكرمكواستعنتبكوألفتبركوإحسانكوأناواثقأشدالوثوقأنكترحمنيوتعطفعليّولاتمديديخائباعنأبوابرحمتكالواسعةفأنتالجوادالذيلاينقصفضلكوعفوكولاتقلرحمتكوقدبداعفوكوصفحكللعاصينوالمذنبينوالتائبيندائماوأبدا.

ماهي الإستجارة؟

استجار فلاناً ، اي سأله أن يؤمّنه ويحفظه ، أو أن يوفِّر له الأمنَ والحماية . قال تعالى : ” وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ  و يقال في المثل : ”كالمستجير بالرمضاء من النار ، و يُضرب هذا المثل لمن يفرّ من شر فيقع فيه وأما الإستجارة بالله فهي الإستغاثة به و الإلتجاء اليه .

و اني يا رب أستجير بك و أستغيثك و أتوسل اليك فأجرني . ولو كان رسولك رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله) يصفح عن أعدائه آل ابي سفيان وقد فتح مكة فتحا بطوليا و بالرغم مما ارتكبته أيديهم من القتل و سفك الدماء إلا أنه عفا عنهم و قال لهم : ”إذهبوا فأنتم الطلقاء، فلو كان رسول الله وهو عبدك و حبيبك قد عفا و صفح عن أعدائه فكيف بك يا ربي و أنت أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين .

ففيهذاالمقاموهومقامالمناجاةوالتضرعاليكأرفعيديبالتوبةوالإنابةإليكوأطلبمنكالصفحوالعفوولايمكنأنتخيبظنيفيكفقدوثقبكأولياؤكوأحباؤكوهاأناعبدكالضعيفالفقيرالمسكينالمستكينأطلبمنكواطمعمنجنابكفيمنتهىالخضوعوالخشوعوالإستكانةوالذلأنترحمنيوتعطفعليولاتردنيخائباولنتردنيأبدافليسهذاظننابكولاطمعنامنالوصولالىرحمتكوبركوإحسانكياأرحمالراحمين .

يارَبِّ إِنَّ لَنا فِيكَ أَمَلاً طَوِيلاً كَثِيراً إِنَّ لَنا فِيكَ رَجاءاً عَظِيما عَصَيْناكَ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْنا وَدَعَوْناكَ وَنَحْنُ نَرْجو أَنْ تَسْتَجِيبَ لَنا فَحَقِّقْ رَجائَنا، مَوْلانا فَقَدْ عَلِمْنا ما نَسْتَوْجِبُ بِأَعْمالِنا وَلكِنْ عِلْمُكَ فِينا وَعِلْمُنا بِأَنَّكَ لا تَصْرِفُنا عَنْكَ حَثَّنا عَلى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ ، وَإِنْ كُنّا غَيْرَ مُسْتَوْجِبِينَ لِرَحْمَتِكَ فَأَنْتَ أَهْلٌ أَنْ تَجُودَ عَلَيْنا وَعَلى المُذْنِبِينَ بِفَضْلِ سَعَتِكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنا بِما أَنْتَ أَهْلُهُ وَجُدْ عَلَيْنا فَإِنّا مُحْتاجُونَ إِلى نَيْلِكَ ..

يا رب كلنا أمل و كلنا رجاء ، و إن كان أملنا كثيرا و طويلا لأننا نحسن الظن بك و نتمنى أن لا تردنا لأنك الراجي لمن يرجو و الآمل لمن يأمل ..

نحنياربنعصيكونتمردعليكلالجرأةمناعليكولكننفوسناضعيفة،تهوىمالاتحبّهمناوإنعصيناكفنأملأنلاتفضحناأمامالأشهادوأنتسترعليناوأنتستارالعيوبوكاشفالكروب ..

ياربإندعوناكفإننانأملأملاكبيراأنتستجيبلناوتقضيحاجتناوتحققرجاءناوذلكبالرغممنعلمنابأننالانستأهلالإجابةمنكفأعمالنالاتليقبمقامالربوبيةولاتصلإلىدرجةالقربمنكولكننانعلمعلماليقينأنكلاتصرفناعنكولاتردناخائبينوهذامايحثناأننرغبإليكونمديدالحاجةإليكولولمنكنمستحقينللإجابةيامولايفأنتأهلأنتتكرمعلينالأنكالجوادالكريموأنتعفوعناوعنالمذنبينالعاصينوذلكلسعةرحمتكوفضلكالعميم .

فمنّعليناأيرببفضلسعتكوتكرمعلينافإننامحتاجونإلىعطائكورحمتكياواسعالمغفرةوياباسطاليدينبالرحمة،ياسميعكلدعوةوياعظيمالمنّ .

ياغَفَّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنا وَبِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنا وَبِنِعْمَتِكَ أَصْبَحْنا وَأَمْسَيْنا.

يا غفار الذنوب و يا كريم الصفح أنت الذي هديتنا بنوركالله نور السموات و الأرضلأنك ولي الذين آمنوا تخرجهم من ظلمات الجهل و الذنوب إلى نور الإيمان و التقوى .

يقول عليه السلام : “ يا غفار بنورك اهتديناربما كان المقصود من النور ، القرآن الكريم أو الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و ربما الإثنين ، لأن النور يُطلق على الكتب السماوية  في مواضع عديدة في القرآنه كقوله تعالى : “ و لكن جعلناه نوراأي القرآن . و كقوله : “ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناسفالتوراة نور .و قد ورد كناية عن رسول الله صلى الله عليه و آله كقوله تعالى : “ قد جاءكم من الله نوريعني محمدا صلى الله عليه و آله الذي أنار الله به الحق و أذهب بوجوده ظلمات الباطل فمن اتبعه فقد اهتدى بنور الله . و قد ورد النور أصلا بمعنى الهداية  . قال تعالى : “ أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربهو قال : “ و يجعل لكم نورا تمشون بهأي هدى من الله .و ربما كانت إشارة إلى الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها ، والفطرة تقتضي الإهتداء و إنها الهداية الأولى التي يمنحنا الله إياها فمن قبلها استحق الهداية الثانية و من رفضها فقد باء بغضب من الله .. و قد ورد في الحديث النبوي : “ كل مولود يولد على الفطرة ، حتى يكون أبواه يهودانه و ينصرانهو الفطرة هي الدين و هي النور الإلهي و هي النعمة الكبرى . قال تعالى : “ و أقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها “.

ويارببفضلكأغنيتناعمنسواكواسألوا الله من فضله” .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) : سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يُسأل  و كأنه تعالى يحرضنا على الطلب منه و السؤال من فضله العميم ، فكل ما عندنا إنما هو فضل منه تعالى و فضله يغنينا عن غيره فنحن الفقراء إليه و لا غني سواه .

و بنعمتك يا رب نقضي أيامنا ، فكل ما عندنا من نعم ظاهرة و باطنة ، كلها منك و من عطائك و مننك . “ و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوهافنحن لا نستطيع إحصاء نعمة واحدة فكيف بكل هذه النعم الجليلة التي لا يستطيع عدها من في السموات و الأرض

ذُنُوبُنا بَيْنَ يَدَيْكَ نَسْتَغْفِرُكَ اللّهُمَّ مِنْها وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، تَتَحَبَّبُ إِلَيْنا بِالنِّعَمِ وَنُعارِضُكَ بِالذُّنُوبِ خَيْرُكَ إِلَيْنا نازِلٌ وَشَرُّنا إِلَيْكَ صاعِدٌ وَلَمْ يَزَلْ وَلايزالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَأْتِيكَ عَنّا بِعَمَلٍ قَبِيحٍ فَلا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ مُبْدِئاً وَمُعِيداً، تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ وَجَلَّ ثَناؤُكَ وَكَرُمَ صَنائِعُكَ وَفِعالُكَ.

أنت يا الهي أعرف بذنوبنا منا فأنت الخالق و أنت الرب و ها نحن نعترف بأن لنا ذنوبا يا رب أنت تعرفها و إننا نستغفرك و نتوب إليك منها لأنك أنت علمتنا طريق المغفرة . قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : “ أكثروا من الاستغفار، فإن الله عز وجل لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكمأجل : لقد علمتنا يا رب طريق التحبب إليك و الوصول الى قربك بالإستغفار . و كم مهم هذا الإستغفار و طلب المغفرة فالله تعالى يقول في كتابه الكريم : “ و ما كان الله معذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرونو اليوم و نحن نعيش في عصرٍ ليس فيها رسولك يا رب لكي تعطف علينا و لا تعذبنا ،و قد أبدلت حزننا بفقدان نبيك ، بالإستغفار حنى تحيطنا برحمتك الواسعة عندما نتضرع اليك و نتوسل اليك بحبيبك محمد صلى الله عليه و آله فيكون توسلنا و استغفارنا سببا لنجاتنا من نار غضبك .

يا رب .. أنت لا تبخل علينا بنعمك و فضلك و إحسانك بالرغم من كثرة معاصينا و ذنوبنا لأنك الجواد الكريم ، فمهما كثرت معاصينا فإنك تتفضل علينا بمزيد من النعم التي لا نستطيع إحصاءها ولو كان البحر مدادا و الأشجار أقلاما . و ما هذا إلا من عظيم إحسانك و جليل امتنانك ، فما أعظم حلمك و ما أجلّ كرمك و ما أوسع رحمتك و ما أجزل إحسانك ، تقدست أسماؤك الحسنى و كرم صنايعك و حسن فعالك و جل ثناؤك . “ و أنت جلّ ثناؤك قلت مبتدئا و تطولت بالإنعام متكرماأي أنك تفضلت بما ينعم به حال كونك بليغ الكرم والجود . جلّ ثناؤك يا رب كما أثنيت أنت على نفسك و فوق ما يقوله القائلون .

ها عبدك واقف ذليل *** بالباب يمدّ كف سائل

قد عزّ علي سوء حالي *** ما يفعل ما فغلت عاقل

يا أكرم من رجاه راجٍ *** عن بابك لا يُردّ سائل

و ما دام العفو من شأنك يا رب و الكرم من عظيم فعالك و الرحمة مرجوة منك فإني أسعى إلى بابك و إن طردتني و أرجو  طورا و أخشاك طورا آخر حتى تصفح عني و لا تردّني خائبا آيسا . اللهم إني اعوذبك ان تحيط بي خطيئتي و ظلمي و اسرافي علي نفسي و اتباعي لهواي و اشتغالي بشهواتي فيحول ذلك بيني و بين رحمتك و رضوانك و كرمك فاكون منسيا عندك متعرضا لسخطك و نقمتك يا رب .

أَنْتَ إِلهِي أَوْسَعُ فَضْلاً وَأَعْظَمُ حِلْما مِنْ أَنْ تُقايِسَنِي بِفِعْلِي وَخَطِيئَتِي، فَالعَفْوَ العَفْوَ العَفْوَ سَيِّدِي سَيِّدِي سَيِّدِي اللَّهُمَّ اشْغَلْنا بِذِكْرِكَ وَأَعِذْنا مِنْ سَخَطِكَ وَأَجِرْنا مِنْ عَذابِكَ وَارْزُقْنا مِنْ مَواهِبِكَ وَأَنْعِمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلِكَ وَارْزُقْنا حَجَّ بَيْتِكَ وَزِيارَةَ قَبْرِ نَبِيِّكَ صَلَواتُكَ وَرَحْمَتُكَ وَمَغْفِرَتُكَ وَرِضْوانُكَ عَلَيْهِ وَعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وَارْزُقْنا عَمَلاً بِطاعَتِكَ وَتَوَفَّنا عَلى مِلَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ.

في هذه الفقرة من الدعاء الجليل ، يقايس الإمام عليه السلام سعة فضل ربه و عظم حلمه و كرمه مع فعله هو و خطيئته . بالطبع الإمام يرى نفسه مخطئا ولو أنه معصوم من الخطأ و العصيان ، و لكن يخشى مقام ربه كما جاء في الآية الكريمة .. وليس كما يتصور البعض أن الإمام يريد أن يتكلم مع ربه و يناجيه كما أنه واحد منا .. لا ، ليس كذلك ، فالإمام بقدر معرفته لربه يرى نفسه حقا مخطئا و عاصيا . ولو كما ذكرت ، لم يعص الله طرفة عين . نعم .. يختلف الأمر عندما نحن نريد أن ندعو و نخاطب ربنا و عندما يريد الإمام المعصوم أن يناديه و يناجيه ، فهو على أرفع درجة من المعرفة و الكمال و عليه فإنه كلما عبد الله و صلى و ذكره و سبحه بكرة و عشيا , فإنه يرى نفسه لا زال مقصرا في الإتيان بالعبادة كما هو حقه جلت عظمته . ولذلك نراه يطلب من ربه العفو و يكرر العفو ثلاث مرات باكيا خاشعا خاضعا.

و بعد الإعتراف بالخطأ أمام سيده و مولاه ، يدعو و يطلب منه أن يشغل كل وقته بذكره حتى لا ينساه طرفة عين , و هو كذلك قطعا و جزما . أشغلني بذكرك أي وفقني لكي يكون كل وقتي في خدمتك و أن أذكرك في كل حالات يومي و ليلي و أعوذ بك يا رب أن يشملني سخطك و غضبك . استجير بك أن تغضب علي ، فلو غضب علي كل الناس كان هينا علي و لكن أعوذ بك أن تغضب علي آناً واحداً فلا طاقة لي الى غضبك .. ليس خوفا من نارك و لكني لشدة حبي لك لا أريد أن أكون من المغضوب عليهم يا مولاي فرضاك عندي أهم من جنتك و لذائذها و لا لذة أكبر و أعظم من لذة قربك و حبك و الدنو منك . وها هو يقول في مناجاة المحبين مخاطبا ربه : “إِلهِي مَنْ ذا الَّذِي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً وَمَنْ ذا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاًفحلاوة حب الله ليس فوقها حلاوة .

و إن كنت يا مولاي رضيت عنا بلطفك و كرمك فأجرنا من عذابك ولا عذاب أشد من غضبه تعالى و بعده عن عبده والعياذ بالله . ثم يدعو الإمام أن يرزقه الله من مواهبه و كل ما يرزقنا ربنا مواهب و فضل منه فليس لأحد على ربه حقا ، إنما نحن عبيده نطلب منه فإن شاء أعطانا من مواهبه الجسيمة و إن شاء منع عنا ، ولابد للعبد أن يشكر ربه على الضراء و السراء و في الشدة و الرخاء . و لكن أئمتنا عليهم السلام أمرونا بالدعاء و الطلب من رب العالمين و أن يرزقنا من لطفه و فضله و قد قال تعالى : “ واسألوا الله من فضله “ .

ثم يدعو الإمام أن يرزقه ربه حج بيته و زيارة قبر  نبيه . و قد ورد كثيرا متواترا في أدعية شهر رمضان الدعاء للتوفيق للحج و العمرة و زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه و آله .ثم يطلب من الله الرحمة و المغفرة و الرضوان على رسوله و أهل بيته الكرام . و بعد الصلوات على رسول الله و أهل بيته الأطهار يتمنى أن يرزقه الله عملا بطاعته طيلة عمره حتى اذا توفاه الله يكون على ملته و سنة رسوله صلى الله عليه و آله . و ملة الله هي نحلته و دينه و منهجه و صراطه القويم و يتمثل في سنة رسول الله صلى الله عليه و آله و الأئمة الميامين عليهم أفضل صلوات المصلين . بناء عليه فملة الله هي نفسه سنة رسول الله صلى الله عليه و آله .

اَللّـهُمَّاغْفِرْليوَلِوالِدَيَّوَارْحَمْهُماكَمارَبَّيانيصَغيراً،اِجْزِهمابِالاِْحسانِاِحْساناًوَبِالسَّيِّئاتِغُفْراناً،اَللّـهُمَّاغْفِرْلِلْمُؤْمِنينَوَالْمُؤْمِناتِالاَْحياءِمِنْهُمْوَالاَْمواِت،وَتابِعْبَيْنَناوَبَيْنَهُمْبِالْخَيْراتِاَللّـهُمَّاغْفِرْلِحَيِّناوَمَيِّتِنا،وَشاهِدِناوَغائِبِنا،ذَكَرِناوَاُنْثانا،صَغيرِناوَكَبيرِنا،حُرِّناوَمَمْلُوكِنا،كَذَبَالْعادِلُونَبِاللهِوَضَلُّواضَلالاًبَعيداً،وَخَسِرُواخُسْراناًمُبيناً،

و في ختام هذه الفقرة من الدعاء يتذكر الإمام والديه فيدعو الله لهما بالغفران و يعلمنا أن لا ننسى طلب المغفرة لوالدين بعد كل دعاء ندعوه ، خاصة اذا كانا متوفيين ، فلابد للإنسان أن يتذكرهما و يحسن اليهما و الإحسان اليهما بعد وفاتهما هو الدعاء لهما بالمغفرة والرحمة و إعطاء الصدقات و سائر أعمال الخير نيابة عنهما حتى نشركهما في أعمالنا . اللهم اغفر لي ولوالدي و ارحمهما كما ربياني صغيرا .. اجزهما بالإحسان إحسانا و بالسيئات غفرانا ثم الدعاء لجميع المؤمنين و المؤمنات فبعد الدعاء للوالدين يأتي دور المؤمنين و المؤمنات فنجعل لهم نصيبا من دعائنا ، الأحياء منهم و الأموات . ثم يجزئ الدعاء أجزاء مختلفة فيقول : اللهم اغفر ل ١حينا  ٢ميتنا ٣شاهدنا  ٤غائبنا ٥ذكرنا  ٦أنثانا ٧صغيرنا  ٨كبيرنا ٩حرنا  ١٠مملوكنا

و في هذه القسمة يقسم المغفورين بحيث يشمل جميع المؤمنين والمؤمنات صغارا أم كبارا ، أطفالا أم شيوخا ، أحرارا أم مماليك حاضرين أم غائبين .

كذب العادلون بالله أي الذين عدلوا و انحرفوا عن الله و مالوا الى غيره و اتخذوا آلهة أخرى لهم ليست الأصنام الحجرية فقط بل الجاه و المال و السلطان والشيطان ، فهناك من يؤمن بالله طرف لسانه و لكنه بعيد عن الله بعد المشرقين فلا يتبع إلا شيطانه أو هواه أو يطيع من يضله عن سبيل الله فكل هؤلاء ضلوا ضلالا كثيرا و خسروا خسرانا مبينا أي أن سوء عملهم سوف يهديهم الى دار البوار جهنم يصلونها و بئس القرار. و هؤلاء بالطبع خارجون عن دعاء الإمام لأنهم كفار أو مشركون أو منافقون .

و قوله سلام الله عليه : كذب العادلون بالله اشارة الى الآية الكريمة التي تقول : “ ثم الذين كفروا بربهم يعدلونفالعادلون بالله هم المشركون الذين يعدلون به ما يتصورونه من آلهة و أصنام و لعمري الأصنام البشرية أسوأ من الحجرية أعاذنا الله منها جميعا .

اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاخْتِمْ لي بِخَيْر، وَاكْفِني ما اَهَمَّني مِنْ اَمْرِ دُنْيايَ وَآخِرَتي وَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ مَنْ لا يَرْحَمُني، وَاجْعَلْ عَلَيَّ مِنْكَ واقِيَةً باقِيَةً، وَلا تَسْلُبْني صالِحَ ما اَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، وَارْزُقْني مِنْ فَضْلِكَ رِزْقاً واسِعاً حَلالاً طَيِّباً.

من جملة ما نستفيد من أدعية الأئمة عليهم السلام إصرارهم و تركيزهم على الصلوات على محمد و آله الأطهار قبل الدعاء و بعده .. و قبل كل فقرة مهمة من الدعاء .

جاء في الحديث عن أبي عبدالله الصادق  عليه الصلاة و السلام انه قال : “إذا دعا أحدكم فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه و آله ، فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله مقبولة ، و لم يكن الله ليقبل بعضاً و يرد بعضا.”

و في حديث آخر عن  أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام : “صلوا على محمد و آل محمد فإن الله عز وجل يقبل دعاءكم عند ذكر محمد و دعائكم له ، و حفظكم إياه صلى الله عليه و آله . “

و على هذا الأساس نلاحظ الإمام السجاد عليه السلام يركز على تكرار الصلوات بين حين و آخر و خاصة إذا أراد أن يغير من وجهة الدعاء حتى يكون لنا درسا وعبرة . ثم لا ننسى أن محمدا و آل محمد أحب الناس دون استثناء لدى رب العالمين ، و هذه من نعم الله علينا أن نكون في زمانهم و نتوسل الى الله و نتقرب اليه بهم .

اختم لي بخير .. اختم لي يومي أو سنتي أو عمري .. رب اختم حياتي بخير . وقد ورد في الدعاء أول الغروب أن نقرأ : “ يا من ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه و آله ، اختم لي في يومي هذا بخير و شهري بخير و سنتي بخير و عمري بخير انك على كل شيء قديرٌ .”

و الدعاء بالخير يعني الطلب من الله أن تكون عاقبتي و نهايتي خيرا، فنحن دائم العصيان في حياتنا الدنيا و علينا أن نطلب من الله دائما أن يحسن عاقبتنا و يجعلها خيرا حتى لا نموت و نحن على الضلال و الإنحراف لا سمح الله بل و أن يجعل الله عاقبة كل أمر من أمورنا الى خير فإن الأعمال بالخواتيم ولذلك جاء في الدعاء نقلا عن رسول الله صلى الله عليه و آله : “ اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها و أجرنا من خزي الدنيا و عذاب الآخرة “.

و اكفني ما أهمني من أمر دنياي و آخرتي .. فالإنسان لا شك له حوائج في الدنيا و أما الآخرة فالحاجة فيها و اضحة لا تحتاج الى بيان .. و الإمام يطلب من ربه أن يقضي حوائجه في الدنيا و الآخرة و أن يعطيه ما يكفيه حتى لا يشتغل بأمور الدنيا و هو الدائم الذكر ، فلا يبعده عن الصلاة و الدعاء و القرآن و الذكر أمر من أمور الدنيا ، لذلك يطلب من الله أن ييسر له ما يحتاج اليه من حوائج الدنيا و أما أمر الآخرة فالجميع محتاجون الى رحمة الله و مغفرته حتى الأنبياء و الأولياء عليهم السلام .. اللهم اكفنا ما يهمنا من أمور الدنيا و أمر الآخرة و توفنا و أنت راضٍ عنا انك حميد مجيد .

و من الأدعية التي ينبغي أن ندعو بها دائما ، أن لا يسلط الله علينا من لا يرحمنا ، فالحياة لن تستقرّ دون حاكم ، ظالما كان أو عادلا ، ولكننا ندعو الله أن لا يكون من يحكمنا و يتسلط علينا ظالما بنا و أن يحفظنا الله من كل سوء و كرب . و قد ورد في دعاء كميل : “ اللهم ومن أرادني بسوء فأرده و من كادني فكدهواكفني شر الجن و الإنس من أعدائي “ .

واجعل علي منك باقية واقية : البقاء هو الدوام و الوقاية من وقي أي حفظ

يعني يا الهي هناك الكثيرون من الظالمين في الأرض ، يظلمون الناس بغير جرم اقترفوه و أنا لست مستثنى منهم فالأرض لا تخلو من المفسدين الذين يفسدون في الأرض و يظلمون الناس ، لذلك فإني أرجو منك يا الهي أن تمنّ علي بحراسة دائمة تحرسني و تحفظني و تبعّد عني كيد الكائدين و جور الجائرين و مكر الماكرين و ظلم الظالمين .

ثم يأتي دور نعم الله التي أنعمها علينا فنحن ندعوه أن يستمر ربنا الكريم في عطائه و نعمائه ، وأن لا يسلبنا نعمه الظاهرة والباطنة جرّاء سوء أعمالنا و أن يرزقنا رزقا واسعا حلالا طيبا ، ذلك لأن الحصول على الرزق الحلال في زمن الفساد والظلم ، من أصعب ما يتوق اليه المرء .. و المشكلة الكبرى في زماننا تفشي الربا في كل أنحاء الموارد الإقتصادية و على هذا فاننا ندعو الله أن يرزقنا رزقا حلالا نظيفا ومالا سائغا هنيئا طيبا . و أن لا يقطع من فضله و كرمه رزقنا و نعمه الكثيرة علينا

يقول الإمام الصادق عليه السلام : “ قل : اللهم ارزقني من فضلك الواسع الحلال الطيب ، رزقا واسعا حلالا طيبا ، بلاغا للدنيا و الآخرة ، صبّا صبّا ، هنيئا مريئا ، من غير كدّ و لا مَنّ من أحد خلقك إلا سعة من فضلك الواسع فإنك قلت : “ واسألوا الله من فضلهفمن فضلك أسأل و من عطيتك أسأل و من يدك الملأى أسأل “ (الكافي ٢١٥٥)

أجل .. لنسأل الذي يعطي من سأله ومن لم يسأله و من لم يعرفه تحننا منه و رحمة ، نسأله أن يعطينا خير الدنيا و الآخرة و يصرف عنا شر الدنيا و شر الآخرة فإنه غير منقوص ما أعطى و يزيدنا دائما من فضله و كرمه و جوده .

اَللّـهُمَّ احْرُسْني بِحَراسَتِكَ، وَاحْفَظْني بِحِفْظِكَ، وَاكْلاَني بِكِلائَتِكَ، وَارْزُقْني حَجَّ بَيْتِكَ الْحَرامِ في عامِنا هذا وَفي كُلِّ عام، وَزِيارَةَ قَبْرِ نَبِيِّكَ وَالاَْئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وَلا تُخْلِني يا رَبِّ مِنْ تِلْكَ الْمَشاهِدِ الشَّريفَةِ، وَالْمَواقِفِ الْكَريمَةِ

في الوهلة الأولى يُخيل للقارئ أن الإمام سلام الله عليه أراد بإختيار الكلمات الثلاثة ( احرسني ، احفظني ، اكلأني) معنى واحدا وهو الحفظ و لكنه استعمل تلك الكلمات والجمل لتكون مترادفة المعنى و مفارقة الألفاظ اختيارا بديعيا تحسينيا وبالرغم من أن الدعاء مليء بالمحسنات البديعية و التجملات اللغوية و الألفاظ الرتيبة و الكلمات الجميلة إلا أنه مليء أيضا بالمعاني و كأنه بحر لا يصل الى غوره عقل إنسان .نرجع الى الكلمات مرة ثانية و بدقة أكثر لنرى أن كل كلمة لها معنى مغاير للأخرى ولو أنها جميعا متقاربة المعنى ..

احرسني : قال الراغب الأصبهاني في مفرداته : “ الحرَسَ وَالحرّاس جمع حارس ، وهو حافظ المكان ، والحرز والحرس يتقاربان معنى تقاربهما لفظا ، لكنّ الحرز يُستعمل في الناس والأمتعة أكثر ، والحرس يُستعمل في الأمكنة أكثرو قال آخرون أنه الحفظ و لكننا نرى أن الحراسة حتى في المصطلح العاميّ لها معنى المراقبة فالحارس يراقب المكان أو الشيء لكي يحافظ عليه أي أن الحراسة تأتي في المقدمة لتعقبها المحافظة .. و أما الحفظ فإنها الصورة الكلية للمحافظة على الفرد أو الشيء والجامعة للمعاني الأخرى للحفظ و أما الكلأ فإنها تبعة الشيء فكأنه يقول راقبني للحفظ واذا اقتربت من أي خطر فاحفظني واذا حفظتني فاستمر في الحفظ وأبق على المحافظة حتى أكون دائما تحت حراستك و بعينك التي لا تنام . قال تعالى : “ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمنأي من يحفظكم إن اتبعكم أمر يزيل صحتك في الليل و النهارمن أمر الرحمن . يقول في مقاييس اللغة أن الأصل في الكلأ ، المراقبة والنظر و في تفسير الآية يقول : أي يحفظكم منه بمعنى لا يحميكم أحد منه وهو الباب الذي ذكرناه أنه المراقبة لأنه اذا حفظه نظر اليه و راقبه .

ثم يطلب من ربه أن يرزقه حجّ البيت الحرام و البيت الحرام هو الكعبة المشرفةجعل الله الكعبة البيت الحرامفي عامه هذا و في كل عام .. و هذا دليلٌ على أهمية الحج وزيارة المشاهد المشرفة و أهمها قبر جده رسول الله صلى الله عليه و آله و جدته المظلومة فاطمة الزهراء ثم زيارة عمه الإمام المجتبى عليه السلام فالإمام يحنّ إلى الزيارة كما يحن الى الحج ، لكي نعلم أن من حج البيت أو اعتمر فلم يزر قبر رسول الله صلى الله عليه و آله فهو جافٍ له بل و هو من الأشقياء . هكذا يعلمونا أئمتنا عليهم السلام أن نكون دائما في اتصال روحي من موالينا و على رأسهم رسول الله رسول الرحمة الإلهية لا مثل بعض الناس الذين يترفعون و يتكبرون على زيارة مشاهد العترة الطاهرة و حتى مشهد رسول الله روحي فداه و هناك من يفتخر بأنه قضى أكثر من عشر سنوات و هو يصلي في المسجد النبوي و لم يزر رسول الله زيارة واحدة !! يا لهذا الشقاء . و ذلك بالرغم من ورود روايات متواترة لدى السنة و الشيعة بإستحباب زيارة قبر الرسول (ص) فقد ورد عنه أنه قال : “ من سلّم عليّ عند قبري سمعت و من سلّم عليّ من بعيد يبلغنيهذا و نحن نقرأ دوما : أشهد أنك تسمع كلامي و تردّ سلامي ، فإنهم والله لا ينسون من يزورهم حبا و ولاء . ثم يقول سلام الله عليه : “ ولا تخلني يارب …” أي لا تجعلني خاليا من الحضور في تلك المشاهد الشريفة المجيدة والمواقف الكريمة العالية و المشاهد بإعتبار من يشهدها من المسلمين و ربما من الكروبيين . و الكريم يطلق على كل شيء غالٍ و ثمين . أ لم نقل : الأحجار الكريمة أي الغالية الثمن النادرة الوجود و هذه المواقف و المشاهد كريمة أي غالية لا تُقدّر بقيمة ماديّة أبدا فالمقام عالٍ عالٍ تحفّ به ملائكة الرحمن و يملؤه عباد الله المخلصين الذين لا يستكبرون عن عبادته و لا يملّون .

اللّهُمَّ تُبْ عَلَيَّ حَتَّى لا أَعْصِيكَ وَأَلْهِمْنِي الخَيْرَ وَالعَمَلَ بِهِ وَخَشْيَتَكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ما أَبْقَيْتَنِي يارَبَّ العَالَمِينَ”.

يتبين من هذه الجملة أن هناك توبتان : توبة من العبد و توبة من الله فإن أراد الله أن تتوب ، يهيئك للتوبة أي أنه يهيء العوامل التي تساعدك للتوبة و الإنابة الى الله و بالطبع لا تأتي هذا إلا إذا كنت صادقا في توبتك و إنابتك فإن كنت مستعدا للتوبة فإن الله يجعل أسباب التوبة مؤاتية لك فتتوب . ربما يستغرب البعض عن ذلك و لكن لا غرابة فإن لم تكن منغمسا في الذنوب و الكبائر وكان في قلبك و وجدانك شيء من الخجل و الحياء و كنت تعصي لا عن جرأة على الله بل جهل و شهوة تعتريك فتنسيك الرجوع و الإنابة شيئا ما ، فربما نظر اليك الرب نظر رحمة و أخرجك من وادي الفساد و الذنب و طهرك من دنس الكبائر و أزال عن عينيك غشاوة الضلال . و أما الذين انغمسوا في الباطل و تجرّأوا على الله بارتكاب المعاصي دون رادع و لا مانع ، فإن الله لا يهيء لهم أسباب العودة اليه ، بل يذرهم في حالهم ليزدادوا إثما و عصيانا ولهم عذاب أليم .

أجل .. إذا طهرت قلبك من دنس العصيان و رجعت اليه رجوعا صادقا فإنه يقبل منك التوبة بل و يهيء عوامله و أسبابه حتى تتوب فإن تبت فلن تعصيه . التوبة هي الرجوع و الإنابة و الندامة و المؤمن إذا ندم فإنه قد تاب . والتوبة هي وسيلة النجاة وهي سبب الفوز و الغلبة على عدوه اللدود الشيطان ، الذي أقسم أن يضلّ بني آدم .و أما  الله فيريدنا أن نعود الى فطرتنا ونحارب الشيطان و نبتعد عنه و لا شك أنه يحب التوابين و يحب المتطهرين .

قالتعالى : “ والله يريد أن يتوب عليكم ..” فإن كنا حقا نحب الله و نحب مجاورته و نود كسب رضاه فإننا نتوب اليه ثم يتوب علينا فنصبح في دائرة الرحمة الواسعة الإلهية إن شاء الله. و عندما يطلب الإمام من ربه أن يتوب عليه حتى لا يعصيه فكأنما يطلب من الله أن يوفقه و يسدده و يهديه حتى يتوب قال تعالى : “ تاب عليهم ليتوبواأي رجع عليهم بفضله ليرجعوا اليه طالبين الغفران منه .

و ألهمني الخير والعمل به : و هذا الخير لا يأتي الا بعد رضاه تعالى و بعد توبته لعبده و عندما يلهمه الخير يعني أنه يريد له الخير و هذه الإرادة الإلهية أعظم النعم فالله إن أراد لك الخير ، فأنت في أعلى مستوى النعمة و الرزق .. وليس الرزق بالمال فحسب بل الأهم أن يرزقك الله توفيق العمل بالخير لذلك فالإمام يطلب من ربه أن يرزقه الخير و يرزقه التوفيق للعمل بالخير ولولا التوفيق من رب العالمين لما وصلنا الى مرحلة العمل بعد ان اجتزنا الإلهام منه . ثم يرجو من الله أن يلهمه الخشية منه بالليل و النهار أي في جميع ساعات الليل و النهار حتى يرتدع عن المعاصي و ينزجر عن الذنوب و يتجنب الدخول في ميادين الشهوة و الغضب .. و كل هذه المراحل هي مراحل التوبة من الله على عبده أن يوفقه لترك المعاصي و لفعل الخير و الخشية منه دائما و أبدا . اللهم وفقنا لهذه المراحل الثلاثة و ألهمنا لطفك و فضلك و جنّبنا عصيانك يا أكرم الأكرمين .

اللّهُمَّإِنِّيكُلَّماقُلتُقَدْتَهَيّأْتُوَتَعَبّأْتُوَقُمْتُللصَّلاةِبَيْنَيَدَيْكَوَناجَيْتُكَأَلْقَيْتَعَلَيَّنُعاساًإِذاأَناصَلَّيْتُوَسَلَبْتَنِيمُناجاتَكَإِذاأَناناجَيْتُ،مالِيكُلَّماقُلْتُقَدْصَلُحَتْسَرِيرَتِيوَقَرُبَمِنْمَجالِسِالتَّوّابِينَمَجْلِسِيعَرَضَتْلِيبَلِيَّةٌأَزالَتْقَدْمِيوَحالَتْبَيْنِيوَبَيْنَخِدْمَتِكَ،

يا رب ! كلما نويت أن أتهيأ وأستعدّ (تعبأ وعَبَأْتُ المتاع عَبئاً: إذا هَيَّأتَه)  للقيام بالصلاة بين يدي الرب العظيم ، جبار السماوات و الأرض، لأصلي و أناجي و أتعبد وأذكر الله في خضوع و خشوع تام ، رأيت أني في حال نعاس و كسل .. فعندئذ يخيب ظني و أيأس من الإستمرار في تلك الحالة المزرية .. يا رب لماذا هذا النعاس و الكسل و أنا وددت و نويت أن أصلي و أقوم بأحسن مصاديق العبادة و التذلل و الخضوع ؟أجل .. إن كان هذا حالي فإني لم أستلذ بلذيذ مناجاتك ولم أصل الى أعلى مشاعر الحب و الود للمحبوب الحقيقي !

و هذه الحالة التي يذكرها الإمام سلام الله عليه بالطبع صادقة في أمثالنا و إلا فهو سيد الساجدين و زين العابدين .. اذا أراد أن ينوي الصلاة بين يدي ربه العظيم تتجسد أمام بصيرته تلك العظمة فيقشعرّ بدنه و يصفرّ لونه لأن بصر قلبه خرق حجب النور وصل الى معدن العظمة وصارت روحه معلقة بعزّ قدسه أما نحن وأمثالنا فإننا لم نتعدّ الحجب الظلمانية لكي نصل إلى الحجب النورانية مثل الشيطان الذي خالف أمر الله ولم يسجد لآدم، لأنه استكبر و رأي العظمة في نفسه بدلا من أن يراها في ربه  ، فقد كان متوغلا في الحجب الظلمانية وقال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ !!

و نحن ولو أننا نريد مخالفة الشيطان و مخالفة النفس التي هي نسخة داخلية من ابليس و نحاول ذلك ولكنه أمرٌ شاقٌّ قل من استطاع أن يفلت من حبائله فعلينا حقا أن نحطم أصنام الإنية في أنفسنا و نحاول قدر المستطاع الخروج من ظلمات الحجب الظلمانية لكي نصل الى الطريق الولائي الذي لو اتبعناه و سرنا فيه سنكون ربانيين بإذن الله و لا نخشى حينئذ الكسل و الإرهاق عند ذكر الله و حين يتذوق المؤمن فاكهة الجنة في الإستغفار وقت الأسحار.

ولو ألقينا نظرة غير عابرة على آية الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، نصل الى ذلك الحب العميق الذي يشعر به المؤمن حينما يقوم آخر الليل تواقا الى ربه مشتاقا الى عبادته حين تنام العيون ، يقوم غير متثاقل و لا كسل ، بل بكل نشاط و شوق يدعو ربه تضرعا و خيفة  والذين آمنوا أشدّ حبا لله ”. أو حينما يرسم لنا القرآن حالة المؤمن القائم بالليل : ” كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * و بالأسحار هم يستغفرونفإنه يكتفي بقليل من النوم لتتجافى جنبه عن مضجعه فيقوم الى مسجده و مكان عبادته .. يصلي و يقرأ القرآن و يستغفر الله و يذكره رغبة و رهبة و شوقا الى الحبيب المعبود . اللهم اكتبنا منهم .

مالِي كُلَّما قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتِي وَقَرُبَ مِنْ مَجالِسِ التَّوّابِينَ مَجْلِسِي عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزالَتْ قَدْمِي وَحالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ”.

ثم نرى الإمام سلام الله عليه يتحدث نيابة عنا : مالي كلما قلت قد صلحت سريرتي .. المهم و قبل كل شيء أن يتم تصليح السريرة ثم الدخول في مجلس التوابين .

ما هي السريرة ؟

سريرة الإنسان سره و ما يكتمه .. يقال : سيرة المرء تنبئ عن سريرته أي عما يكتمه و يسره . طيب السريرة أي صافي النية ، سليم القلب . جاء في الكتاب العزيز : ” يوم تُبلى السرائراي يوم تُكشف ما يكتمه الإنسان . حقا انه يومٌ عصيب .

سريرة المرءِ تبديها شمائلُهُحتى يرى الناسُ ما يخفيه إِعلاناً

والسريرةكنايةعمايختلجفيقلوبنامنحبأوبغض .. فإن كان الإنسان نظيف السريرة صالحها فإنه لا يخفي في نفسه بغضا و حقدا و حسدا للآخرين بعكس من تكون سريرته فاسدة فإنه ربما يُظهر محبة للآخر و لكن يُخفي حقدا و بغضا و شنآنا و سوف تظهر هذه السريرة للملأ بمرور الأيام و الأعوام .. و شتان ما بين صالح سريرةٍ و فاسدها .

إن صلحنا سريرتنا ، فعلينا أن ندخل في مجالس التوابين .. طبعا ليس المقصود الدخول الظاهري في مجلس يجلس فيه التوابون ، إنما هذا كناية عن الدخول في مضمار التوابين الأوابين و في مجموعهم .. و أن يكون الإنسان دائم التوبة كثيرها ، لا يعجز عندما يفعل صغيرة أو كبيرةوالعياذ باللهأن يتوب و يعود الى رشده ، الى عقله ، و الى قلبه فيندم على ما فعله و يطلب من الله أن يغفر له خطيئته و لا يحاول قدر المستطاع عدم تكرار المعصية ولو غلبه الشيطان و أغواه مرة أخرى فليرجع و يتوب الى بارئه لعل الله يكفر عنه سيئاته و يدخله مدخل التوابين .

هنا نعود الى مقال الإمام حيث بعد أن يفكر المرء أنه قد صلحت سريرته و دخل مدخل التوابين ، فقد تعرض له بلية تحول بينه و بين خدمة ربه أي بينه و بين العبادة الخالصة . و هذا أمر قد يحدث كثيرا ، فربما أراد الله أن يمتحنك ( وهذا معنى عرض البلية عليك) ليعلم صدق نواياك و صلاح سريرتك ، فعليك أن تكون مستعدا لتقبل البلاء من الرب الجليل و لا تزلّ قدمك عن الإستمرار في العبادة بشتى أشكالها.

كان لي زميل عمل فيما مضى ، فسألته مرة : لماذا لا تصلي؟ أ لست مسلما ؟

قال : أنا مسلم و أعتقد بوجوب الصلاة ! قلت : إذن لم المماطلة و التسويف ؟

قال : بصراحة قبل عدة أعوام تبت  الى الله و عزمت على الرجوع اليه .. و ما أن توضأت و جئت الى سجادة العبادة لكي أصلي إلا انحرفت رِجلي و سقطت على الأرض ، و اشتدّ بي الوجع و تورمت قدمي و عندما أخذوني الى المستشفى قال لي الطبيب : رِجلك مكسورة!!

و هكذا ابتعدت عن الصلاة و عزمت على عدم إقامتها حتى أعيش بسلام !!
أنظروا الى هذا التفكير الغبي الذي لا يحتاج الى تعليق . نعم .. لقد نوى الرجل أن لا يصلي حتى لا يقع في البلاء .أي أنه لم يتحمل الإمتحان الإلهي و سقط في أول امتحان و رسب في الصف الأول ليبقى طول عمره ساقطا راسبا مثقل الخطايا .. وهو يحسب أنه يحسن صنعا و لقد ابتعد عن رضوان الله بعد المشرقين . استجير بالله منه ومن أمثاله .

سَيِّدِي لَعَلَّكَ عَنْ بابِكَ طَرَدْتَنِي وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِفا بِحَقَّكَ فَأَقْصَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأيْتَنِي مُعْرِضا عَنْكَ فَقَلَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقامِ الكاذِبِينَ فَرَفَضْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شاكِرٍ لِنَعْمائِكَ فَحَرَمْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجالِسِ العُلَماءِ فَخَذَلْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الغافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلِفُ مَجالِسَ البَطَّالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ لَمْ تُحِبَّ أَنْ تَسْمَعَ دُعائِي فَباعَدْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِجُرْمِي وَجَرِيرَتِي كافَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِقِلَّةِ حَيائِي مِنْكَ جازَيْتَنِي ؟

و لكن الإمام الرؤوف عندما يتراءى له بعض الكسل في العبادة ، يخشى أن يكون الله قد طرده عن بابه و نحّاه عن رحمته ، فيبكي و يتألم و يضج بالبكاء خوفا و خشية من الجبار العظيم و يقرّ بالذنب والغفلة (ولو للحظة واحدة) طالبا منه العفو و الصفح .

و في هذه الجمل التي تسيل منها الدموع مدرارا يشير الإمام الى بعض النقاط لكي يحذرنا و يدعونا الى أخذ الحيطة و الحذر :

١أن لا يستخف أحدنا بحق من حقوق الله ، فتكون النتيجة بُعده عن رحمته الواسعة و العياذ بالله.

٢أن لا يكون الإنسان مُعرِضا بوجهه و قلبه عن ربه . والإعراض عن الله ، إعراض عن ذكره و إعراض عن أحكام شريعته و إعراض عن إطاعة أوليائه .

٣الحذر ثم الحذر من أن تكذب على ربك .. فالله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض و السماء مهما كان صغيرا أو كبيرا ، لا تحاول أن تخدع ربك و تكذب عليه بإظهار الحب له و أنت كاذب في إدعائك ، فإته أمر عظيم يجعلك في مقام الجاحدين .

٤مما يوجب حرمان الإنسان من رحمة الله أن يكون جاحدا للنعم ، كافرا لها . كفران النعم يوجب الحرمان . و نحن والله لا نستطيع شكر نعمة واحدة من نعم الله فكيف إن كان الكفران للنعم كلها . شكر النعمة أمر يقتضيه العقل قبل النقل ، فالله الذي أنعم علينا بنعمه السابغة ، نعما لا تُعد و لا تحصى كثرة و أهمية و فائدةً ، يدعونا الى الشكر و الحمد ، حتى يكتبنا في سجل الشاكرين و مجلس الحامدين لا أن نعرض عنه و عن نعمه الجليلة.

٥تحريض الإمام أن يأنس الإنسان بالعلماء و يكثر حضور مجالسهم و يستزيد منهم العلم و الحكمة و المعرفة ، أمرٌ في غاية الأهمية . و بالتأكيد الحضور في مجالسه العلماء كناية عن ضرورة الإستفادة من علومهم و مواعظهم و حكمهم ، فليس الأمر مقصورا على الحضور. هناك من لا يستطيع الحضور كثيرا في المجالس و لكن عليه أن يجعل لنفسه وقتا كل يوم لمطالعة كتبهم أو الإستفادة منهم حسب الوسائل الموجودة .. ففي زماننا أصبح الأمر سهلا و يتمكن كل شخص من الإستماع الى مواعظ العلماء و علومهم وفقا للوسائل السمعية و البصرية .. و لكن أرى أن من الضروري الحضور في مجالس العلماء كلما أمكن حتى لا يكون ابتعاده عن العلماء سببا في الإنجرار الى الماديات و الشهوات . فالحضور أمرٌ مهم للطرفين . فإن أبطأت و أبطأ غيرك في الحضور فلن يكون للعالم مجالٌ في التحدث و الموعظة و بالتالي لا يتشجع لإظهار علمه و بثّه بين العوام .

٦الغفلة .. و ما أدراك ما الغفلة ! الإنسان بطبعه يميل الى الشهوات ولو كان مؤمنا صالحا فقد تكون رغباته و شهواته مباحة .. و لكن مهما كات في تلذذ بنعم الله ، عليه أن لا يغفل عن ربه وعن الموت المحدق به و عن يوم الحساب حتى لا ينساه الرحمان من رحمته .”قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى “.

٧آلف مجالس البطالين : آلف أي أأنس .. فالأنس مع البطالين الغافلين يوجب الخذلان قطعا .. و اذا اضطر الإنسان لحضور مجالسهم لبعض الأغراض الدنيوية المشروعة فليكن مختصرا و لا يقبل عليهم بقلبه و لبّه بل بجسمه و بدنه فقط حتى لا ينجرف و لا ينحرف نحوهم . ويطلب السداد من الله.

٨هل يمكن أن يصل الإنسان الى مرحلة لا يحب الله أن يسمع دعاءه ؟ نعم .. إذا استهزأت بمؤمن فقير أو حقّرت يتيما أو مسكينا أو اذا عصيت الله وباعتقادك أنك لم تعصه معصية كبرى أي انك استصغرت معصيته و من قيبل هذه الأعمال ربما تبعد الإنسان عن ربه .. فالحذر كل الحذر من أن تحقر انسانا مهما كان فإن الله يخفي أولياءه بين البشر والحذر من استصغار معصية مهما كانت بنظرك صغيرة فلربما كانت كبيرة عند الله . أ لم ترعو من عمل الشيطان الذي استكبر على ربه بعدم السجود و ذلك بحجة أنه مخلوق من النار و المسجود مخلوق من الطين ، فأرداه الله و أبعده عن رحمته وحبط كل عمله و هو الذي كان يعبد الله آلاف السنين حسب النقل ؟!

٩أن يكافؤك الله بجرمك و معصيتك فيبعدك عن رحمته أو يبعدك عن ذكره و عبادته . و هذا أمر خطير جدا . نأمل أن لا يعاملنا الله بعدله بل يعاملنا بلطفه و رحمته ، و لا يؤاخذنا بجرمنا و جريرتنا.

١٠و نأمل أن لا يجازينا ربنا بقلة حيائنا . و هذه أيضا نقطة هامة يتطرق اليها المعصوم ، فالمفروض أن يكون المؤمن كثير الحياء ، فلو كان كذلك فلا شك أن الحياء يمنعه من ارتكاب الفواحش بل وارتكاب المعاصي الصغيرة و اللمم . جاء في الأثر أن الله حيي يحب أهل الحياء و الحيي أي كثير الحياء. فعلينا أن نتصف بهذه الصفة المانعة حتى نتجنب المعاصي ان شاء الله .

فَإِنْ عَفَوْتَ يارَبِّ فَطالَما عَفَوْتَ عَنْ المُذْنِبِينَ قّبْلِي لاَنَّ كَرَمِكَ أَيْ رَبِّ يَجِلُّ عَنْ مُكافاةِ المُقَصِّرِينَ، وَأَنا عائِذٌ بِفَضْلِكَ هارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ مُتَنَجِّزٌ ما وَعَدْتَ مِنَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَحْسَنَ بِكَ ظَنّاً.

يقال ان العفو من شيم الكرام .. و نحن هنا أمام أكرم الأكرمين ، فلا شك أنه العفوّ الرحيم .

هنا نظرية بديعة للإمام  و هي المقارنة بين كرم الرب و مجازاة المذنبين ، فلا شك أن الكرم الإلهي أكبر و أعظم من مكافاة و مجازاة المقصرين العاصين من عباده و هذا الكرم هو الذي يحسن ظننا بالله تعالى . طبعا لا يصحّ أن نعتمد على الكرم ثم نعصيه والعياذ بالله . قال تعالى : “ يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريمفكثيرا ما نسمع بعض العوام عندما تعترض عليه في تقصيره و ذنبه يرد عليك : الله كريم !! أجل .. الله كريم و لكن لا يجوز أن تجعل كرمه تعالى مجوّزا لك أن تفعل ما تشاء !!

ثم يذكر الإمام أمرا في غاية الأهمية : الهروب منه اليه

لماذا يهرب الإنسان ؟ الهروب عادة يحصل عندما يشعر المرء بخطر محدق به .. و هل هناك خطرٌ اشدّ و أخطر من غضب الله سبحانه على الإنسان ؟! و إن كان رضوانه تعالى أكبر من كل النعم و ألذّها فإن نقمته لا شك أشد من جميع أنواع العذاب .

يهرب الإنسان من غضب الله و يخشى مقامهوَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ“.. و لكن الى أين ؟ هل هناك مكان يستطيع أن يهرب اليه لا يكون تحت سيطرة الرب ؟ القرآن يجيب على هذا التساؤل : “ ففروا الى اللهفروا منه اليه . لا ملجأ و لا منجى منه الا اليه . و هذه الآية بصراحة تحكي الخوف و الرجاء معا .. فنحن ملزمون أن نخاف مقام ربناو نخشى غضبه وانتقامه و سخطه  و في نفس الوقت نرجو رحمته و مغفرته و لطفه .ففروا الى الله يا عباد الله بتجنب معاصيه حتى لا يحل عليكم غضبه و ارجوا رحمته و عفوه حتى ينجيكم و يرحمكم .

هاربٌ منكَ إليك ** دلّه الخوفُ عليك

ليس من عذرٍ لديه ** سوفينجيهلديك

غرّه سترٌ عليه ** ساقه الشوق إليك

فارحم اللهم عبدًا** ساجدًا بين يديك

مُتَنَجِّزٌ ما وَعَدْتَ مِنَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَحْسَنَ بِكَ الظَنّ

أنا متمسك بوعدك يا الهي حيث وعدت من حسن الظن بك بالرحمة و العفو و أنا أصرّ عليه لأنك لا تقول جزافا و مزاحا والعياذ بالله العظيم ، و أنا يا رب من الذين يحسنون الظن بك فأرجو أن يقر عليّ صفحك و عفوك و مغفرتك .

روي عن  الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: “أحسن الظن بالله، فإن الله عز وجل يقول: أنا عند حسن ظن عبدي المؤمن بي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر” (بحار الأنوار ج 67 ص 366)

و جاء في الحديث القدسي أيضا : “ أنا عند ظن عبدي بي و أنا معه إذا دعاني ”. و في المقابل يعبر الله تعالى عن الظن السوء به ظن الجاهلية . يقول : ” يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ” .

هنا لا بد من الإشارة الى أن العبد المؤمن يجب أن يظن خيرا بربه و لكن هذا الظن يجب أن يكون حقا أيضا فالله هو الحق و من ظن به غير الحق فهو الباطل و هو الجاهل .  ولا يعني حسن الظن ، التواكل على رحمته دون أن يكون لنا عملٌ صالح ! فهناك من الناس من يعمل الكبائر و لا يعتني بالصغائر واذا اعترضنا عليه فإنه يقول : أنا أحسن الظن بالله ! هذا يكذب على الله .. و أصلا لا يمكن أن يجتمع في القلب حسن الظن بالله مع اقتراف الموبقات و الجرائم و الكبائر .

نعم .. نحن نحسن الظن بالله وفي نفس الوقت نبتعد عن المعاصي و نتجنب الدخول في المحرمات . نحسن الظن بالله و في الوقت نفسه ، نعمل الصالحات و نقوم بالفرائض و الواجبات و نحن واثقون أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا و أنه سوف يضاعف لنا الأجر و يعفو عن كثير من معاصينا للطفه و كرمه و فضله .

و نحسن الظن بالله في كل أمور الحياة ففي الرزق ، مثلا نعمل و نجدّ لنكسب الرزق الحلال و لكن نحسن الظن به فنتوكل عليه و بالطبع لا يخيب ربنا ظننا و نحسن الظن بالله في جهادنا مع الأعداء و ألدّهم النفس الأمارة بالسوء ، و نحن مطمئنون أن الله يساعدنا و يعيننا في النصر على أعدائنا و هذا الظن الحسن هو الذي يهيئنا نفسيا و عمليا للنصر المؤزر ان شاء الله . و في كل الأمور علينا أن نتوكل عليه بعد أن نجد في الحصول على ما نبتغيه ليأتينا النصر و الفوز بإذن الله .

اِلهي اَنْتَ اَوْسَعُ فَضْلاً، وَاَعْظَمُ حِلْماً مِنْ اَنْ تُقايِسَني بِعَمَلي اَوْ اَنْ تَسْتَزِلَّني بِخَطيئَتي، وَما اَنَا يا سَيِّدي وَما خَطَري، هَبْني بِفَضْلِكَ سَيِّدي، وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ، وَجَلِّلْني بِسَتْرِكَ، وَاعْفُ عَنْ تَوْبيخي بِكَرَمِ وَجْهِكَ.“

ثم يقارن الإمام بين فضل الله و عمله وبين حلم الله و عقوبته فيعترف بأن ربه أوسع فضلا من أن يقايس فضله الواسع بعمل عبده الحقير .. فمهما عمل الإنسان و اجتهد فيه ، لا يمكنه أبدا أن يكون في مستوى الشاكر لأنعم الله التي لا تُحصى ، لذلك فحتى الأنبياء و الأولياء يشعرون بضعف عملهم أمام ما يتطلبه شكر المتفضل على ما أنعم . و على هذا الأساس نراهم يتضرعون الى الله و يبكون خاشعين أن لا يؤاخذهم و أن يتفضل عليهم بالرحمة و الرضوان .

وياترىما هي حقيقة الحلم ؟

حقيقة الحلم هي أن تعفو عمن أساء اليك و أنت في موضع القدرة و القوة والغلبة ، فالضعيف الذي لا يقدر على الإنتقام إن خالفه أحد أو أساء اليه فصبر ، فإن صبره لا يُعتبر حلما ، لأن الحلم لا يأتي إلا عند القدرة و لا شك أنه لا يوجد حلمٌ كحلم الله تعالى فهو الحليم كما يصف نفسه به لأن الله هو القادر و هو القوي و هو العزيز و هو الغالب ، فإذا عفاو غفر لأحد فإنه حلمٌ و الإمام يرجو من ربه أن لا يقارن عمله بفضله و أن لا يعاقبه على خطيأته لأنه الحليم على الإطلاق .
الخطر : الخطر بمعنى الشأن و الأهمية . يقال : خطير الشأن : اي رفيع شريف و ذو مكانة بارزة  وخطُر الرجل أي عظم قدره و شأنه .

بعد أن طلب الإمام من ربه أن لا يقايس عمله بحلمه و فضله ، يعترف بأنه لا خطر و لا أهمية له ، فمهما توسع الإنسان في العصيان فلا يضرّ بربه لأن الله غني عن العالمين .

لذلكيرجوالإمامأنيهبهالعفوبفضلهوكرمهعليه . و أن يتصدق عليه بالعفو  والرحمة و يغفر له زلاته و خطيئاته و يستر عليه .يقول : جللني بسترك .جلّل : اي غطّاه و كساه بغطاء . يقال : جلّل الحياء و جهها ، أي من شدة الحياء ، غطّت وجهها . ولذلك يطلب الإمام أن يغطي الله ذنوبه بستره عليها حتى لا تنكشف للناس أو حتى تُباد و تُمحى و هذا هو الأصل .

ويقسمعليهبكرموجههأنيعفوعنتقصيرهأيأنلايلومهولايعاتبهفالتقصيرهواللوموالعتاب . و ربما أراد الإمام من التوبيخ ، التقصير أي أن لا يقابل تقصيره بالعقاب بل يعفو عنه .

وكرم الوجه هو الشرافة و النزاهة و العظمة . وكرم وجهك كناية عن الذات المقدسة  المتعالية فكأنه يقسم عليه بعظمته و كرم ذاته أن يعفو عن تقصيره . اللهم اعف عنا بكرم وجهك يا كريم .

سَيِّدي اَنَا الصَّغيرُ الَّذي رَبَّيْتَهُ، وَاَنَا الْجاهِلُ الَّذي عَلَّمْتَهُ، وَاَنَا الضّالُّ الَّذي هَدَيْتَهُ، وَاَنَا الْوَضيعُ الَّذي رَفَعْتَهُ، وَاَنَا الْخائِفُ الَّذي آمَنْتَهُ، وَالْجايِعُ الَّذي اَشْبَعْتَهُ، وَالْعَطْشانُ الَّذي اَرْوَيْتَهُ، وَالْعاري الَّذي كَسَوْتَهُ، وَالْفَقيرُ الَّذي اَغْنَيْتَهُ، وَالضَّعيفُ الَّذي قَوَّيْتَهُ، وَالذَّليلُ الَّذي اَعْزَزْتَهُ، وَالسَّقيمُ الَّذي شَفَيْتَهُ، وَالسّائِلُ الَّذي اَعْطَيْتَهُ، وَالْمُذْنِبُ الَّذي سَتَرْتَهُ، وَالْخاطِئُ الَّذي اَقَلْتَهُ، وَاَنَا الْقَليلُ الَّذي كَثَّرْتَهُ، وَالْمُسْتَضْعَفُ الَّذي نَصَرْتَهُ، وَاَنَا الطَّريدُ الَّذي آوَيْتَهُ.“

ثم يذكر الإمام سلام الله عليه بعض النعم التي أنعم الله عليه .. و نحن إذ نرى هذه الجمل المباركة ، نستغرب من أننا كيف لم نكن نعرفها من قبل . لابد من الإمام المعصوم ليذكرنا بها و نعرف مدى لطف الله بنا و فضله علينا .

١منذ الصغر أنت كنت المربي و المؤدب لي . فكل شيء بإذنك و بأمرك و بمشيتك . فإذا رباني أبويّ فإنك أنت الذي أمرتهم بذلك و أهديتهم اليه.

٢من الولادة لم أكن متعلما .. و لكنك أنت يا رب مننت عليّ بتعليمي و تهذيبي والا بقيت جاهلا أميا لا يتقن الكتابة و القراءة .. فهذه نعمة عظيمة مننت عليّ.

٣الهداية كلها من الله تعالى .. فهناك الهداية الأولية و التي تدعى بالفطرةو هديناه النجدينو هناك الهداية الثانية التي يمنها على بعض عباده من الذين يستحقونها .. فكل من لا يرعوي من الأولى لا يمكن أن يهتدي بالثانية .. و أنا يا رب ممن هديتني الهداية الأولى و الثانية و لا نعمة أهم و أعظم من الإهتداء الى صراطك السوي ، صراط الذين أنعمت عليهم ، صراط محمد و آله الأطهار .

٤لا شرف و لا كرامة للإنسان إلا إن كان الله يريد له ذلك .. فعندما يولد الشخص ربما كان في بيئة وضيعة أو بيت غير مشهور بالفضل و العلم و الأدب و لكن إذا أراد الله له الخير فيرفع من شأنه . و كثيرا ما رأينا علماء عظام كانوا في بيئات فقيرة غير مشهورة و لكن أراد الله لهم الرفعة و الشهرة فرفعهم و أكرمهم و جعلهم كالنار على المنار .

٥الأمن و الأمان من الله .. فكل إنسان يخاف و يخشى أن لا يستقر به المقام في بيته أو في مجتمعه أو بين أقرانه .. و لكن إذا أراد الله له الخير فقد يمنحه الأمن حتى لو كان في بيئة متوحشة . ” فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف“. فالله تعالى أيضا يمنّ على البشر بهاتين النعمتين الكبيرتين . وتوفير الأمن و الأمان من متطلبات الحياة الضرورية و على الدول والمجامع الدولية تأمين الأمان للجميع .

٦كم من أناس يموتون جوعا و فقرا ( أستجير بالله ) و لكننا نعيش في حالة غنى و وضع مادي جيد لأن الله أراد بنا الخير و أطعمنا من جوع فلنشكر الله دائما و أبدا على نعمه التي لا تُحصى. طبعا موارد الحياة الطبيعية تكفي لإعاشة كل البشر الموجودين في الدنيا و لكن بسبب ظلم المستكبرين و قلة حيلة المستضعفين و عدم احقاق حقوق العامة و استئثار بعض الممولين و الأغنياء على أكبر مصادر الطعام ، وُجدت هذه الفروق الكبيرة في الإعاشة .

٧الجوع و العطش متلازمان .. فالذي أطعمني من جوع ، يرويني من العطش . و إن الماء الذي يحيي به الله كل شيء ، يُعتبر دعامة الحياة و أطيب النعم . فإن رُزقنا بماء طيب عذب فقد كانت رحمة الله محيطة بنا من كل صوب .“ والذي هو يطعمني و يسقين“. سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن طعم الماء، فقال : ”سل تفقها ولا تسأل تعنتا، طعم الماء طعم الحياة“ . فالحياة لن تستقر بدونه أبدا لأنه اكسير الحياة و طاقة البقاء و عماد العيش على وجه الغبراء و قد ذُكر في القرآن في ٤٦ موضعا منها : ”وأنزلنا من السماء ماء طهورا،و أنزلنا من السماء ماء مباركا ”..

٨اللباس الذي يستر عليّ عيوبي و يقيني كوارث البرد و الحر من النعم الجليلة التي قلّ ما نتعرف عليها لأننا نعيشها .. مَثلنا مثل السمكة في الماء ، لا تعرف مقدار النعمة إلا بعد زوالها والعياذ بالله .

٩كاد الفقر أن يكون كفرا ، ولو كان الفقر رجلا لقتلته . الفقر من أكبر الدواعي و أهمها لارتكاب الجرائم و الموبقات الا من منّ الله عليه فأخرجه من الفقر و رزقه الطيبات من الرزق . ”فأما بنعمة ربك فحدث ”.

لا بد من الإشارة أيضا أن العالم مليء بالموارد الطبيعية لإعاشة البشر في راحة و سلام و لكن الرأسمالية و الإستكبار العالمي هو الذي حول الدنيا الى قطبين : غني و فقير. و نحن نحتاج الى مصلح عادل يأتي ان شاء الله ليذهب عنا الحزن و يرفع عن العالم سوط المستكبرين و يعيش الدنيا في عهده الميمون في سلام و راحة و اطئنان . و ننتظر طلوع الشمس بفارغ الصبر.

١٠الله هو القوي و لا حول و لا قوة إلا به وكلنا نحن الضعفاء و لكنه منّ علينا بشيء من القوة حتى نتحدى كوارث الدهر و نبقى مدة من الزمان .. وكم هي نعمة عظيمة أن يمنحنا الله القوة على من ظلمنا ومن يعادينا والقوة أيضا على ما حولنا من بلاء و مكروه و مكروب و مرض .

١١لولا لطف من الله ، لما كنا في عزة و مكانة بين الناس .. والعزة كلها لله ، فإذا أراد بعبده الخير منحه من العزة و كرّمه بين العِباد و إلا بقي ذليلا .

قال تعالى : ” ولله العزة و لرسوله وللمؤمنينفالعزة حصرها الله له و لرسوله و للمؤمنين . و لكن من أين تأتي العزة ؟ قال تعالى :“ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاو أصل العزة ، الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة ، عَزَاز .وحتى في زماننا نرى كثيرا من المسلمين يطلبون العزة و الغلبة من الكفار والقوى الإستكبارية و ينسون أو يغفلون أن العزة لله ، هو المعز و هو المذل ، يعز من يشاء و يذل من يشاء .

١٢الشفاء و العافية من الله فقط .. و عندما نمرض يجب علينا أن نتعافى منه بواسطة الأطباء و الأدوية ، وهذا أمر واضح و لكن مهما كان العلاج فإن الشفاء يكون من الله (هو الشافي) و ليس من الطبيب و لا من الدواءو إذا مرضت فهو يشفين“.

١٣الرزق من الله .. و بالرغم من أن علينا أن نعمل و نسعى لاكتساب الرزق بكدّ يدينا و بالتعب في الحصول عليه و لكن موارد الرزق منه تعالى و هو الذي يدلنا عليها و يرشدنا اليهاإن الله هو الرزاق ذو القوة المتينأي لا رَزَّاق ، ولا ذا قوة ، ولا متين إلا الله ، فكل ما يصل الينا والى جميع البشر بل و حتى الحيوانات و البهائم ، من خير و نعمة فمن الله تعالى .

١٤يصف الإمام المذنب بأن الله يستر عليهوالمذنب الذي سترتهففي الدنيا ليس المجال مجال المغفرة بل النعمة العظمى أن يستر الله علينا ذنوبنا فلا يكشفها للناس والستر من أرقى النعم . ولو أراد الله لكشف الذنوب للعباد و بقينا في ذل و خزي الى يوم المعاد و العياذ بالله و لكن الله رأفة بعباده يسترها عليهم لعلهم يعودوا الى رشدهم و يتوبوا الى بارئهم .

١٥– ”الخاطئ الذي أقلتهأنا الذي أخطأت في حقك يا الهي و لكنك لم تؤاخذني بسرعة في الدنيا بل أمهلتني و تركتني . الإقالة هي الترك .. ا لم نقل ان فلانا استقال يعني أنه ترك منصبه و عمله .

١٦و من نعم الله علي أنني كنت وحيدا و لكن الله منّ علي كما من على كثير من عباده بأن يرزقني أولادا و ينجبون لهم أولادا ، بنين و بنات فبعد ما كنت وحيدا في الدنيا جعل لي بنين و حفدة فأصبحت كثيرا بفضل من الله . وبالطبع هناك من يجعله عقيما و لكنه يعوضه عن ذلك بنعم أخرى في الدنيا و في الآخرة .

١٧النصر دائما من عند اللهوما النصر الا من عند اللهو ان كنت مستضعفا لا حول لي و لا قوة ، فإن الله نصرني على نفسي الأمارة بالسوء  و على أعدائي من الجن و الإنس الذين يحيطون بي و يكيدون لي ولكن ربي تفضل علي فنصرني بعد الإستضعاف .

١٨لا ملجأ و لا منجى الا اليه فهو الذي يأوي اليه اللاجئون . ولربما كنت طريدا في أمتي و بين قبيلتي و لكن الله آواني و نصرني و كرّمني و رفع من شأني . فهناك الكثيرون الذين كانوا مشردين مطرودين و لكن الله آواهم و هداهم و أعانهم ولا معين الا الله . ” أ لم يجدك يتيما فآوى و وجدك ضالا فهدى و وجدك عائلا فأغنى .“

اَنَا يا رَبِّ الَّذي لَمْ اَسْتَحْيِكَ فِى الْخَلاءِ، وَلَمْ اُراقِبْكَ فِى الْمَلاءِ، اَنَا صاحِبُ الدَّواهِي الْعُظْمى، اَنَا الَّذي عَلى سَيِّدِهِ اجْتَرى، اَنَا الَّذي عَصَيْتُ جَبّارَ السَّماءِ، اَنَا الَّذي اَعْطَيْتُ عَلى مَعاصِى الْجَليلِ الرُّشا، اَنَا الَّذي حينَ بُشِّرْتُ بِها خَرَجْتُ اِلَيْها اَسْعى، اَنَا الَّذي اَمْهَلْتَني فَما ارْعَوَيْتُ، وَسَتَرْتَ عَلَيَّ فَمَا اسْتَحْيَيْتُ، وَعَمِلْتُ بِالْمَعاصي فَتَعَدَّيْتُ، وَاَسْقَطْتَني مِنْ عَيْنِكَ فَما بالَيْتُ، فَبِحِلْمِكَ اَمْهَلْتَني وَبِسِتْرِكَ سَتَرْتَني حَتّى كَاَنَّكَ اَغْفَلْتَني، وَمِنْ عُقُوباتِ الْمَعاصي جَنَّبْتَني حَتّى كَاَنَّكَ اسْتَحْيَيْتَني.“

بعد ما أعدّ الإمام سلام الله عليه ، نعم الله الكثيرة بتعبيره الرائع و كلماته النورية و أسلوبه المبدع ، يقوم بمعاتبة النفس و إلقاء اللوم عليها حيث أن المفروض للإنسان الواعي أن يشكر الباري على تلك النعم الجسيمة و يحمده ، و لكن النفس البشرية دائما تأمر بالسوء و لا تتناهى عن المنكر .. بالطبع هذه صفة النفس البشرية و أما الإمام فلا يليق بمقامه الرفيع هذا العتاب و لكنه ربما تكلم على لسان قومه أو ربما رأى في نفسه التقصير حقا ، و هذا مقام العارفين بالله ، حيث أن المعصوم يرى نفسه مقصرا في أداء حق الشكر و الحمد أمام المنعم .

و هنا لابد من الإشارة الى أن المعصية أمر نسبي فالإمام المعصوم عليه السلام لا يذنب أبدا بل و لا يتخيل المعصية و لكنه يخشى مقام ربه فإذا صدر منه أي غفلة ولو للحظات يعتبرها معصية فيتوب و يرجع الى ربه و يستغفر ولو أنه لم يرتكب أي خطأ . فالأمر يخص المعرفة و الإمام لمعرفته الكاملة بالله واشعاع أنوار المعرفة الربانية على قلبه الشريف و معرفته لحقائق الكثير من الأشياء وتقواه و ورعه العظيم يخشى مقامه خشية كبيرة و يقف إجلالا و تواضعا و خضوعا أمام ربه خصوصا عند صلاته و عبادته .

ولذلك قيل ان حسنات الأبرار سيئات المقربين  فالحسنات الصغيرة مثلا يترفع بها المقربون لعظم الخالق في قلوبهم فلو أن أحدا من عامة الناس صلى صلاة الليل أو الشفع والوتر مثلا قبل نومه فإنه حسنة و حسنة كبيرة ولكن الإمام لا يمكن أن يقتنع بمثل هذا العمل فإنه لا يصلي صلاة الليل إلا قبيل الفجر و يستيقظ مدة طويلة قبل الفجر للصلاة و القرآن و الذكر .و أكثر من هذا فالإمام لا يترك أمرا مستحبا و لا يمكن القيام بأي مكروه مهما كان صغيرا و حقيرا .

الإستحياء في الخلاء:

الأصل أن يكون الإنسان دائم الحياء و أن يرى الله ماثلا أمام عينيه فلا يقترب من المعاصي و لا يتمرد على الخالق في الملأ و في الخلاء ، في العلن و في السر ، في الجمع و في العزلة . و كم ترى من المتظاهرين بالإيمان و التقوى ، عندما يجلسون في المجالس ، تراهم خُضّعاً خُشّعا و لكنهم في السر لا يرعوون بل و كثيرا ما يرتكبون الموبقات دون خشية و وجل و كم رأينا من أناس ظاهري الصلاح ، يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع دون خوف من رب العباد .

و كم نرى أناسا يتظاهرون بالعبادة و الذكر و التسبيح أمام الملأ و لكنهم في الخفاء يرتكبون كل منكر دونما رادع .

وهنالابدأنأشيرالىالذكر،فالأفضلأنيكونالإنساندائمالذكرولكنليسمنالضروريأنيذكراللهعلناأمامالغيرويكفيأنيذكرربهبالقلبولوأنالذكراللفظيلمنلايريدالرياءأمرمباح،بلوفيهالأجرولكنلابأسبأنتذكرربكبذكرلاتتحركفيهالشفتانمثلتكرارقولكلا اله إلا اللهأو أن تذكر ربك في قلبك و لا تأخذك الأحاديث الجانبية الى الإبتعاد عن الرب ولو للحظات .

و مما يعاتب الإمام نفسه ، قوله : ” أنا صاحب الدواهي العظمى

الداهية هي الأمر العظيم أو الأمر المنكر العظيم أو المصيبة والنازلة  الكبرى ، جمعها أدهية و دواهٍ , فهنا يعترف العبد أنه ارتكب منكرا عظيما بل و منكرات كثيرة .

أنا الذي على سيده اجترى : اجترى من الجرأة والجرأة مصدر جَرُأو معناه واضح أنه تجرأ و عمل ما لا يرضاه سيده و مولاه .

أنا الذي عصيت جبار السماء : الجبار هو المتكبر المتسلط المتعال و هو القوي العزيز الغالب . طبعا هذه الصفة للإنسان ، قبيحة مذمومة لأنها صفة يختص بها الله فهو المتكبر المتعال . عندما نقول : الله أكبر أي أنه أكبر و أعظم و أعلى من أن يوصف فهو الكبير المطلق . و اضافة الجبار الى السماء كناية عن الله تعالى ، ليس لأنه المتعال في السماء فقط دون الأرض بل لأن السماء كناية عن  العلو و الرفعة . و من هذا الباب يقال ان السماء مسكن الملائكة ، أي باعتبار علو المقام و الا فالملائكة موجودون في كل مكان و هم أكثر المخلوقات عددا و قدرة .

قيل للجبار ، جبارا من قولهم : جبرت العقير لأنه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه وقيل لأنه يجبر الناس أي يقهرهم على ما يريده .

وكذلك الجبار في أوصافه **** والجبر في أوصافه قسمان

جبر الضعيف وكل قلب قد غدا*** ذا كسرة فالجبر منهُ دان

والثاني جبر القهر بالعز الذي *** لا ينبغي لسواه من إنسان

وله مسمى ثالث وهو العلو **** فليس يدنو منه إنسان

منقولهمجبارةللنخلةالعليـــــــاالتيفاقتلكلبنان

أنا الذي أعطيت على معاصي الجليل الرُّشا :

المعاصي جمع معصية كما هو واضح والمعصية خلاف الطاعة و الجليل هو العظيم . أما الرُّشابضمّ الراءجمع الرشوة . رَشَوات ورَشْوات ورَشَاوَى و رُشا : ما يُعطى بدون حقّ لقضاء مصلحة أو إحقاق باطل أو إبطال حقّ و الكلمة واضحة المعنى و كأنه أعطى الرشوة في معصية الجبار العظيم ، ومهما كانت الرشوة فليس لها أثر البتة. و لكنه يتجاهر بذنبه و خطائه أمام بارئه و يعاتب نفسه و كأنما يريد أن يرتشي برشوة ليفك رقبته من العقاب و لكن دون جدوى .

أنا الذي حين بُشرت بها .. أنا الذي حين سمعت بمثل هذه المعاصي ، فبدلا من أرعوي و أتوب الى ربي ، بدأت أسعى و أمشي اليها سريعا مستقبلا إياها و كأنني استبشرت بها بدلا من أن أستحيي منها. و هذه نقطة خطيرة جدا يتعرض لها الإمام فهناك الكثيرونمع الأسفيتباهون و يتجاهرون بفسقهم و عنادهم و عصيانهم بل و حتى بالمنكرات و الفواحش و كأنهم أبطال استطاعوا أن يكسروا سد الحياء مع الله و مع الناس فعملوا المنكر دون حياء و خجل بل و يستبشرون بمنكرهم و العياذ بالله .

أنا الذي أمهلتني يا رب و رفقت بي و لكني لم أرعو و لم أكفّ عن العصيان و لم أتراجع عن الذنب . إرعوى إرعواء . مصدر رعا : كفّ و امتنع عنه . يقال : رعا عن الجهل أي رجع عنه وامتنع .

ثمانكسترتعليوهذاأيضانوعآخرمنالإمهالففيالدنيايستراللهعلىعبدهذنوبهحتىلايخذلهولايذلّهأمامأعينالأشهادولكنهلايرعويأيضاولايستحييبلويصرّعليهاإصراراوكأناللهغافلعمايعملوالعياذ باللهفيستمر المذنب دون خجل في ارتكاب الذنوب و ينسى التوبة و الإستغفار والرجوع الى بارئه  . و إذا أصر على ذنوبه فإن الله يُسقطه من عينه أي يسقطه من الإعتبار فيتمادى فيها ( استجير بالله) عندئذ يعاقبه بالإملاء . ” إنما نملي لهم ليزدادوا إثماأي يتركهم الله ليرتكبوا ذنوبا أكثر لأنهم أصروا على ارتكاب المعصية دون أن يندموا و يتركوها .

ورد في الحديث عن الإمام الرضا عليه السلام انه قال :“ واللّه ما عذّب اللّه بشيء أشدّ من الإملاءأستجير بالله من الإملاء . أملى اللَّهُ لَهُ وأَمْلى له في غَيِّه : أطال له وأَمهله . قال تعالى : ” وَأُمْلي لَهُمْ إِنَّ كَيْدي مَتينٌ ”. و ان الإستدراج و الإملاء نوع من الكيد و كيد الله متين أي أنه قوي لا يمكن للمكيد الإنفلات منه .

والإملاء شبيه بالإستدراج . قال تعالى : “ و نستدرجهم من حيث لا يعلمون“ . و الإستدراج أن يرزقه الله النعم و يُنسيه الإستغفار و الشكر فيتمادى في النكران و يتوسع في العصيان ويبعّد الله عنه كل مصيبة و بلاء حتى يستدرجه فينسى ربه و ينحو نحو الكفر والعياذ بالله . و الإستدراج هو بلوغ غاية الإمهال للعاصي ، ثم يأخذه ربه و يؤاخذه بأعماله السيئة و يجازيه بما هو أهل له من العقوبة و العذاب . و في الحقيقة الإستدراج و الإملاء نوع من المكر ، يمكر الله به المستدرَج الذي ضل طريقه دون اهتداء و يرى أن الله يحسن اليه بإنزال النعم عليه و عدم إصابته بالبلاء و المصيبة في الدنيا و لكن لا يعلم أنه يريد استدراجه من حال حسن في الدنيا الى أسوأ حال في الآخرة رعم أنفه . ”نسوا الله فأنساهم أنفسهم ”.

و يتذكر الإمام حلم ربه حيث أنه يحلم على عباده المؤمنين العاصين و يمهلهم لا ليستدرجهم بل لكي لا يفضحهم  بين الناس لعلهم تابوا و رجعوا  اليه و هذا هو حال المؤمن ، فإذا ارتكب ذنبا فإن الله يستر عليه و لكن لا يتركه بل يعاقبه بالبلاء و المصائب و الأمراض و المشاكل في الدنيا حتى لا ينسى ربه و يرجع اليه مستغفرا من ذنوبه .. و يا له من حلم عظيم يشبهه الإمام بأن الله بالرغم من قدرته و قوته يتغاضى عن عبده كأنه يستحي منه ، كل ذلك حتى لا يشهّره في أعين الناس فيستهزؤون منه و يحقّرونه ، ولعله رجع الى خالقه و ندم على خطيئته و استغفر من معصيته فتاب عليه انه هو التواب الرحيم .

اِلهي لَمْ اَعْصِكَ حينَ عَصَيْتُكَ وَاَنَا بِرُبُوبِيَّتِكَ جاحِدٌ، وَلا بِاَمْرِكَ مُسْتَخِفٌّ، وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌّ، وَلا لِوَعيدِكَ مُتَهاوِنٌ، لكِنْ خَطيئَةٌ عَرَضَتْ وَسَوَّلَتْ لي نَفْسي، وَغَلَبَني هَوايَ، وَاَعانَني عَلَيْها شِقْوَتي، وَغَرَّني سِتْرُكَ الْمُرْخى عَلَىَّ، فَقَدْ عَصَيْتُكَ وَخالَفْتُكَ بِجَهْدي، فَالاْنَ مِنْ عَذابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُني، وَمِنْ اَيْدي الْخُصَماءِ غَداً مِنْ يُخَلِّصُني، وَبِحَبْلِ مَنْ اَتَّصِلُ اِنْ اَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنّي

المؤمن حتى إذا عصى ربه و أذنب فلن يكون في إحدى الحالات الأربعة التي يشير اليها الإمام:

١منكرا لربوبية الرب لأنه لا ينكر ربوبية الرب الا كل معاند مستكبر أو كافر مشرك أو ملحد ضال.

٢مستحقرا و مستهزئا بأوامر الله و نواهيه ومنتهكا حرماته.

٣معرضا نفسه للعقوبة لأنه لا يخشى ربه (أستجير بالله) كما قال الكفار من قبل : ” اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.“

٤مستخفّاً لتهديد الله بعذاب العاصين و عقابهم.

واذا أذنب المؤمن فليس عن جحود و لا انكار و لا استخفافكما أسلفناو لكن النفس الأمارة بالسوء ربما أغفلته فارتكب ذنبا و ما يعينه على ذلك حلم الله و عدم استعجال العقوبة و ستره على العاصي بلطفه و كرمه حتى لا يفضحه أمام الأشهاد .

و عندئذ يتوب المؤمن الى ربه و يندم على ما اقترفت يده من إثم و يرجع خاضعا خاشعا الى بارئه رافعا يديه الى السماء يطلب من ربه العفو و الرحمة في حال بكاء و خشية .. الهي لا أمل لي إلا رضاك و لا رجاء إلا منك فإن لم تعف عني ففي يوم الحساب من يستطيع أن ينقذني من نار غضبك و جحيم سخطك و بمن أستغيث إن أنت لم تغثني و الى من ألتجئ ان أنت لم تنظر الي و مع من أتحدث إن أنت لم تكلمني و بمن أتوسل إن أنت قطعت حبال الرحمة عني ؟

في هذه الفقرة نلاحظ أدب الإعتذار .. فالإمام لا يطلب العفو والرحمة ابتداء بل يبدأ أولا بالإقرار بالذنب و عدم الطاعة ، ثم يعلل ذلك أي يبين سبب عصيانه فإنه لم يكن من قبيل الجحود و انكار حقوق الله و لا مستهزءاً بأوامر الله و نواهيه بل يعترف بها و يقرها و لا يبدي اعتراضا عليها ثم انه لا يستخف بوعيد الله و تهديده للمجرمين . و بعد ذلك يبين السبب أنه الضعف الذي يوجد في كل انسان ، الضعف أمام مشتهيات النفس الأمارة بالسوء و العصيان و غلبة الأهواء على العقل و رجحان كفة الجهل على العلم (مثلا) . قال تعالى : ” و خُلق الإنسان ضعيفا“. لابد من الإشارة ان الإمام بريء من كل هذه الصفات و لكنه يناجي ربه و يدعوه كواحد منا .

و بعد ذكر الأسباب و العلل التي أدت الى ارتكابه المعاصي مع الإقرار بها ، يرجو رحمة ربه و يطلب منه الصفح و العفو بقلب كسير و خضوع بيّن .

” فَواسَوْاَتا عَلى ما اَحْصى كِتابُكَ مِنْ عَمَلِيَ الَّذي لَوْلا ما اَرْجُو مِنْ كَرَمِكَ وَسَعَةِ رَحْمَتِكَ وَنَهْيِكَ اِيّايَ عَنِ الْقُنُوطِ لَقَنَطْتُ عِنْدَما اَتَذَكَّرُها، يا خَيْرَ مَنْ دَعاهُ داع، وَاَفْضَلَ مَنْ رَجاهُ راج.“

وافضيحتاه ! كيف ألاقيك يا رب و أنا أحمل على ظهري كل تلك الآثام و الجرائر ، ولم استطع أن أخفيها فقد أحصاها و سجلها ملكاك المقربان ، فقد ثبت الإتهام ولا مفر منك إلا إليك .

واسوأتاه: السوأة هي الخَلّة القبيحة والفاحشة وكل عمل سيء وأمر شائن قبيح . جاء في القرآن : ” يواري سوأة أخيهأي العورة  أو الجيفة . وأما الكلمة واسوأتاه كناية عن شدة استحياء المرء لما ارتكب من الأعمال المنكرة . اضافة الى أنه يخجل من كتابة سيئاته حتى بعد الغفران لأن مجرد تسجيل السيئات فضيحة كبرى يوم اللقاء . و الإمام هنا يذكرنا بأمر هام جدا و هو أن كل صغيرة و كبيرة سوف تُكتب و تسجل في صحيفة أعمالنا دون تردد لأن هناك ملكان مقربان مع كل انسان يكتبان حسناته و سيئاته . قال تعالى : ” لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاهافي يوم القيامة و عندما يوضع الكتاب و يأتي الدور للمحاسبة و يُعطى كل إنسان صحيفة عمله ، هنالك يستغرب المجرم والفاسق من أن هذا الكتاب لم يحذف أي شيء طوال مدة عمره فقد سجّل و بصدق كل الأعمال دون استثناء بل و الأعمال بنفسها حاضرة يوم القيامة . فالحذر الحذر من أي عمل سيء أو حرام منهي عنه حتى يكون كتاب العمل مبشرا لنا و يعطوننا كتابنا بأيماننا و يحاسبوننا حسابا يسيرا.

و يضيف الإمام بعد ذكر المكتوب المسجل : لولا أنني أعرف سعة رحمتك و مدى كرمك ولولا أنك نهيت عن اليأس من رحمتك ، ليأست إياساً كبيرا و أنا أتذكر تلك المعاصي النكراء .

ثميأتيدورالدعاءوالإستغاثةبربالعباد :  أدعوك يا خير من دعاه داع و استغاث اليه طالبا للإغاثة و رجا فضله راجٍ ، يا قاضي الحاجات يا رفيع الدرجات يا مجيب الدعوات يا رب الأرض و السماوات هب لنا ما سألنا و حقق رجاءنا فيما تمنيناه يا رب العالمين .

هنا نقطة مهمة أخرى يشير اليها الإمام و هي عدم اليأس من رحمة الله . فهناك الكثيرونمع الأسفمن المسلمين ، عندما يحاسبون أنفسهم و يرون أنهم قد اقترفوا محارم كثيرة ، يأخذهم اليأس و القنوط فيتركوا كل عمل حسن و يتركوا الصلاة والعبادات و لا يحسنوا الى البائسين و الفقراء ظنا منهم أنهم قد امتلأوا ظلما و فسادا فالأفضل أن يتركوا كل شيء و يهيموا على أنفسهم كالبهائم! و هذا اليأس عن رحمة الله أخطر بكثير من تلك الأعمال القبيحة الشانئة .

لذلك لا أقول أننا نتكل تماما على رحمة ربنا دون أن تكون لنا أعمال صالحة فهذا غير كافٍ لبلوغ الغاية المرجوّة و لا أقول أننا نترك كل عمل حسن لأننا وصلنا الى حافة جهنم ! بل يجب أن يكون المؤمن دائما و في كل الحالات ، بين الخوف و الرجاء . الخوف من قبح العمل و الرجاء من رحمة المولى . و حتى الذي انغمس في المحرمات اذا تاب و رجع و عمل عملا صالحا فإن الله يتوب عليه و يغفر له .

و قد جاء كثيرا في الكتاب العزيز تأكيد على عدم اليأس من رحمة الله . قال تعالى :“ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيمو الإسراف على النفس هو ظلم النفس و ظلم النفس كناية عن ارتكاب الحرام و المنكر بشتى أنواعه .

اللهم إننا لا نيأس من رحمتك التي وسعت كل شيء و ندعوك أن تغفر لنا خطايانا و ما أكثرها يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راجٍ.

اَللّـهُمَّ بِذِمَّةِ الاِْسْلامِ اَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ، وَبِحُرْمَةِ الْقُرْآنِ اَعْتَمِدُ اِلَيْكَ، وَبِحُبِّيَ النَّبِيَّ الاُْمِّيَّ الْقُرَشِيَّ الْهاشِمِيَّ الْعَرَبِيَّ التِّهامِيَّ الْمَكِّيَّ الْمَدَنِيَّ اَرْجُو الزُّلْفَةَ لَدَيْكَ، فَلا تُوحِشِ اسْتيناسَ ايماني، وَلا تَجْعَلْ ثَوابي ثَوابَ مَنْ عَبَدَ سِواكَ، فَاِنَّ قَوْماً آمَنُوا بِاَلْسِنَتِهِمْ لِيَحْقِنُوا بِهِ دِماءَهُمْ فَاَدْرَكُوا ما اَمَّلُوا، َوَإنّا آَمّنا بِكَ بِاَلْسِنَتِنا وَقُلُوبِنا لِتَعْفُوَ عَنّا، فَاَدْرِكْنا ما اَمَّلْنا، وَثَبِّتْ رَجاءَكَ في صُدُورِنا، وَلا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنا، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً اِنَّكَ اَنْتَ الْوَهّابُ .“

الذمة : الحق و الحرمة و الكفالة و الكنف و الجوار

اللهم بحق الإسلام و حرمته أتوسل اليك . التوسل : الإبتهال ، الإستشفاع ، الإسترحام فالإنسان عندما يتوسل كأنه يجعل النبي أو الولي أو حتى عمله الصالح واسطة أو وسيلة إلى الله تعالى رجاء القبول . و هنا نرى الإمام يتوسل الى الله بحرمة الإسلام و حرمة القرآن و بحبه للنبي صلى الله عليه و آله .

التوسل الى الإسلام و القرآن و محمد و آل محمد عليه و عليهم السلام ، من خالص منهج أئمتنا عليهم السلام و سنتهم و ديدنهم. وهذا ما يقتضيه العقل أيضا فإذا أردنا أن يستجيب ربنا دعواتنا و يقضي حوائجنا فإننا نتوسل اليه بأحسن مخلوقاته و نتذرع اليه بأفضل ما جعله لنا و هكذا يتقرب اليه المتقربون .

جاء في إحدى مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام :

” …اللهم اني بذمة الإسلام أتوسل اليك و بحرمة القرآن أعتمد عليك و بمحمد المصطفى صلى الله عليه وآله أستشفع لديك فاعرف اللهم ذمتي التي رجوت بها قضاء حاجتي يا أرحم الراحمين

و مما جاء في آداب زيارة النبي صلى الله عليه و آله عن الشيخ المفيد :

اللهم اني أتوسل اليك بنبيك و أهل بيته حججك على خلقك و آياتك في أرضك أن تستجيب لي دعائي و تبلغني في الدين و الدنيا أملي و رجائي“. حيث يدعو الله بمحمد و آل محمد لقضاء حوائج الدين و الدنيا و الآخرة .

و في مناجاة أخرى لأمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول فيها :

فبك ياربَِّ أسألك وبنبيكَّ محمد صلى الله عليه وآله وبأخي نبيك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وبفاطمة الطاهرة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين وبالأئمة الصادقين الطاهرين الذين أوجبت حقوقهم وأفترضت طاعتهم وقرنتها بطاعتك على الخلق أجمعين.“ البحار(97/423)

ونلاحظأنالإماميريدأنيعلمناكيفيةالتوسلالىاللهفيدعوربهمتوسلاالىالنبيواليه (أميرالمؤمنين) والى فاطمة و الى الأئمة المعصومين عليهم جميعا أفضل الصلاة و السلام . ثم يقول فيها : ”إلهي وسيدي دللتني على سؤال الجنة وعرفتني فيها الوسيلة إليك وأنا أتوسل إليك بتلك الوسيلة محمد وآله صلى الله عليهم أجمعين“. فالوسيلة الى الله هم الرسول وأهل بيته المنتجبين المعصومين المطهرين عليهم السلام .

و كثيرا ما جاء في أدعيتنا مثل هذا التوسل و الإستشفاع مثل : ”اللهم وأتقرب إليك بوليك وخيرتك من خلقكاللهمَّ فبحقه عليك وبحق محبيه من أهل السموات والأرض إغفر لي ولوالدي

وعن شرحبيل الكندي ، عن أبي جعفر (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قال : إذا أردت أمراً تسأله ربك ، فتوضأ وأحسن الوضوء ثم صل ركعتين ، وعظم الله وصل على النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ، وقل بعد التسليم : اللهم إني أسألك بأنك ملك ، وأنك على كل شيء قدير مقتدر ، وبأنك ما تشاء من أمر يكون. اللهم إني أتوجه اليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك الى الله ربك وربي ، لينجح لي طلبتي (تهذيب الأحكام : ٣ / ٣١٣)

و ليس فقط التوسل لقضاء الحاجات بل للتقرب الى الله ، فالإمام يتقرب الى ربه بحبه للنبي الأمي القرشي الهاشمي العربي التهامي المكي المدني . والتهامي نسبة الى تهامة و هي مكة المكرمة . و ماذا أقول عن حب رسول الله و أهل بيته ، فإنه لا خير بعده و لا شرف أشرف منه ولا عزة أعز منه و هو الزاد الى المعاد والجواز على الصراط و صكّ البراءة من النار . اللهم زدنا حبا لنبيك و أهل بيته الكرام .

الإستيناس مأخوذة من الأنس و هي ضد الوحشة . نقول أنِس به ؛ أي سكن إليه وذهبت به وحشتُه و ألِفه  واطمأنّإليه

والإستيناس أو الأنس بمناجاة الله تعالى من أحسن ما يقرب الإنسان اليه و الإمام يدعو ان لا يتحول الإستئناس الى وحشة فيبتعد عن ربه والعياذ بالله . ذلك لأن كثيرا من الناسو للأسفتغلب عليهم الكآبة و النعاس و الضجر عندما يقفون في مكان العبادة للصلاة ، فما بالك بمن يمضي ساعات من يومه أو ليله في تلاوة القرآن و مناجاة ربه حيث أن المؤمنين و أولياء الله و الصديقين ، لا تضجرهم العبادة فحسب بل وانهم يتلذذون بمناجاته و التحدث معه لأن الذين آمنوا أشدّ حبا لله .

ثمإنهآمنبقلبهولسانهولميكنإيمانهكإيمانالمنافقينأوالذينآمنوالأجلالوصولالىمآربدنيويةوإلىالحكموالسلطةمثلافكثيرامانرىبعضالناسيؤمنونبالظاهرحتىيسلموامنالعقابولكنهملميؤمنوابقلوبهم . قال تعالى : ”وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم (أئمة الكفر) قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون وقال : ” ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر و ماهم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرونو كم من مؤمن في الظاهر و قلبه مليء بالكفر و الفسق و الفجور أعاذنا الله منهم و من أشكالهم و أمثالهم .

و عندما يقول الإماملا تجعل ثوابي ثواب من عبد سواكفبالتأكيد لا يعتبر عبادة من يعبد غير الله ثوابا بل هذا تعريض له لأنه لن يرى أي أثر للأجر الا اللهم أجر الكافر و المشرك فإنه عقاب أليم و عذاب شديد وأي عذاب أكبر من سخط الله و غضبه أجارنا الله منه .

ثم يؤكد الإمام على أننا آمنا بك باللسان و بالقلب فالمهم أن لا يكون الإيمان مجرد تفوّه دون واقعية بل يؤمن بقلبه قبل أن يتفوه بلسانه ، لينتج منه عملا صالحا يتقرب به الى ربه و بارئه .

ثبت رجاءك أي اللهم اقذف رجاءك في قلبي و ارسخه حتى لا أرجو أحدا غيرك . لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا : ما هو الزيغ ؟

زيغ القلب هو انحرافه و يتسبب عن عوارض تعرض للعقل لتتحول فضائل الأخلاق لديه الى رذائل فقولنا لا تزغ قلوبنا أي لا تملها فتصرفها عن هُداك بعد إذ هديتنا له و وفقتنا للإيمان والرشاد . فالزيغ معناه الميل . يقال : زاغت الشمس اذا مالت فقولنا لا تزغ قلوبنا أي لا تمل قلوبنا عن الهداية بعد إذ ثبتنا عليها ومكنتنا منها. و باعد اللهم بيننا و بين الزيغ وبين الضلال الذي فيه فساد القلب و عمى البصيرة . لا بد من الإشارة العابرة الى أنه ليس معنى الدعاء بعدم الإزاغة أن الله يريغ قلب من يشاء و يحرفه ! نعم كل شيء بيده و بأمره و بإذنه و لكن اذا هداك للإيمان فلا يزغ قلبك الى الضلالة الا اذا أنت حبذت ذلك لنفسك و تركت الهداية الإلهية و جالست الفاسقين و المجرمين و تركت  مجالسة عباد الله الصالحين ؛ عندئذ لا مناص من الإنحراف و البعد عن الحق و الضلال و العياذ بالله .

اللهم ثبّت رجاءك في قلبي و اقطعني عمن سواك . اللهم ثبتني على دينك و نهجك و صراطك القويم ولا تمل قلبي عن الهدى بعد إذ أقمته عليه وهب لي من لدنك رحمة تثبت بها قلبي وتزيدني بها ايمانا و يقينا انك أنت كثير الهبة والعطاء.

فَوَعِزَّتِكَ لَوِ انْتَهَرْتَني ما بَرِحْتُ مِنْ بابِكَ، وَلا كَفَفْتُ عَنْ تَمَلُّقِكَ لِما اُلْهِمَ قَلْبي مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِكَرَمِكَ وَسَعَةِ رَحْمَتِكَ، اِلى مَنْ يَذْهَبُ الْعَبْدُ إلاّ اِلى مَوْلاهُ، وَاِلى مَنْ يَلْتَجِئُ الَْمخْلُوقُ إلاّ اِلى خالِقِهِ“.

و عزّتك : الواو واو القسم يعني قسما بعزتك و جلالك و كبريائك. نهر الشخص ، نَهَره أي أغضبه و زجره و أبعده . قال تعالى : ” و أما السائل فلا تنهرأي لا يصدر منك كلام أو عمل لتردّه دون أن تكرمه ولو بخُلقك . و قال تعالى في الإحسان الى الوالدينولا تنهرهماأي فلا تزجرهما وتدفعهما عنك .

ما برحت من بابك : برح بمعنى ترك و فارق و غادر.

ولا كففت عن تملقك : الكف هو الإمتناع أي ما امتنعت عن تملقك . انكفّ عن الأمر أي انصرف .التملق : التودد اليه و التذلل له والتضرع له كثيرا وابداء الود و الحب له .والملق ، شدة لطف الود والحب .

روى الشيخ الكليني في الكافي عن رسول الله صلى الله عليه و آله : ” افضل الناس من عشق العبادة فعانقها ، وأحبها بقلبه و باشرها بجسده ، و تفرّغ لها ، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم يسر

و هذه العلاقة و الحب تجعل المتيم يتيم في حب مولاه الى درجة انه لا يمكنه الإبتعاد عنه لحظة واحدة .. يعانق العبادة بقلبه و بدنه ، لا تؤلمه حوادث الدهر و مصائب الزمان و لا تثنيه الأمراض و النكبات عن التوجه بقلبه الى معبوده توجه عائق هائم على وجهه و لذلك نرى هذا المحب المتيم يقسم بعزة رب العباد أنه حتى لو أبعده عن بابه و لم ينظر اليه ، فإنه يرجع باكيا ذا حسرة ، يطرق الباب مرة و مرتين بل و آلاف المرات حتى يُفتح له الباب ,, و لا يتوانى عن التملق والتودد اليه و التذلل أمام بابه رجاء عفوه عنه و اكرامه بعد الحسرة . و بالطبع تختلف درجات الحب بمقدار المعرفة فالذي يعرف ربه كأنه يراه ، يحبه أكثر حبا ممن ليست له تلك المعرفة العميقة .

حبيبي ليس يعدله حبيب *** و لا لسواه في قلبي نصيبُ

حبيبٌ غاب عن بصري و سمعي *** و لكن في فؤادي ما يغيب

نعم .. نحن نرجو رحمة ربنا و لكننا لا نعرف مدى هذه الرحمة لأننا لا نعرفه حق المعرفة و هذه المعرفة الحقة مقتصرة على خواص أوليائه سلام الله عليهم .

الى من يلجأ العبد الا الى مولاه ، فالعبد مهما بلغ به من ذنب فإنه لا مجال لهروبه و لا أحد يستطيع أن يجعله في أمان ، فما على العبد الآبق الا الرجوع الى مولاه و مالكه . و نحن يا رب ، ما لنا شفيع و لا حميم الا بإذنك و لا نستعين الا بك و لا نرجع الا اليك ، لا بطيب خاطر بل رغما عنا فالرجوع أخيرا اليك و الإنابة الى محضرك يا رب .. فاعف عن عبيدك المذنبين بفضل كرمك و واسع رحمتك يا أرحم الراحمين .

اِلهي لَوْ قَرَنْتَني بِالاَْصْفادِ، وَمَنَعْتَني سَيْبَكَ مِنْ بَيْنِ الاَْشْهادِ، وَدَلَلْتَ عَلى فَضايِحي عُيُونَ الْعِبادِ، وَاَمَرْتَ بي اِلَى النّارِ، وَحُلْتَ بَيْني وَبَيْنَ الاَْبْرارِ، ما قَطَعْتُ رَجائي مِنْكَ وَما صَرَفْتُ تَأميلي لِلْعَفْوِ عَنْكَ، وَلا خَرَجَ حُبُّكَ مِنْ قَلْبي“.

الحب الخالص يُعمي البصر فلا يرى الا جمال المحبوب و لا يسمع إلا نداءه و لا يستمع الا الى كلامه ولا يخضع الا له و لا يعاشر الا هو.

ثم هناك بحث يجريه الإمام عليه السلام على لسان مناجاته لتدرج العقوبة على العصاة المذنبين ، من شدّ بالوثاق و منع بالعطاء و أمر بإدخال النار و آخرها و أشدها ، الحيلولة بينه و بين الأبرار . من هنا يتضح أن أكبر نعمة من الله في الجنان التنعم بمرافقة الأبرار و صحبة الأخيار و الجلوس في محضر سيد الأنام و أهل بيته الكرام عليه و عليهم صلوات الملك المنان .

القرن : الشد .قرن الشيء الى الشيء : وصله و شدّه اليه .و الأصل فيه الجمع ، فكأنما يُجمع بين ما يوثق به و بين الأيدي و الأرجل مثلا .

الأصفاد : جمع صَفد . بمعنى القُيود ، الأغلال ، السلاسل ، والحلقات الحديديّة لتقييد كاحل أو رسغ السَّجين 

يقول تعالى عن المجرمين : ” و ترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفادوكأنه بالغ في شَدِّهم وتكبيلهم بالحبال . و جاء في الحديث : ”اذا جاء رمضان ، فُتحت أبواب الجنة و غُلّقت أبواب النار و صُفّدت الشياطين ”. و صفدت هنا كناية عن عدم قدرة الشيطان للوسوسة في قلوب بني آدم إلا إذا كان الشخص بعيدا عن أجواء الشهر الفضيل و لاهيا عنه و متفرغا للفسق والفجور و العياذ بالله .

السيب : مصدر سابَ ، العطاء والمعروف والخير .

الأشهاد : جمع شاهد ، كناية عن الحاضرين يوم الحساب .

اذا شدني ربي بالوثاق كما المجرمين و منع العطاء عني من بين الخلائق أجمعين و لم يستر علي ذنوبي بل فضحها و جعلها مكشوفة أمام العالمين ثم أمر بي الى النار و أكثر من كل هذه العقوبات أن حال بيني و بين معاشرة الأبرار و مصاحبة الأولياء الأخيار ، ما قطعت الرجاء و الأمل برحمة رب العالمين بل و لم يخرج حبه من قلبي .

يالهذهالكلمةمندويّبينالكلمات ! الله أكبر من هذا الحب الحقيقي الخالص حيث لا تمنع المرء كل تلك العقوبات الشديدة من الحب للمعبود . و أ ليس الإنسان يتغاضى عن كل جرائم طفله لأجل ذلك الحب البسيط ؟ و العاشق ينسى جحود معشوقه المادي للحب المادي البحت ؟ فكيف برب العباد الذي لو أصابنا ببلاء ، فيكون ذلك سببا لخير الجزاء و لو صبرنا قليلا على ما نتعرض لها في الدنيا الفانية من علل و كوارث و مصائب فإنه يجزينا أضعافا مضاعفة من الثواب الجزيل في الحياة الباقية الأبدية الخالدة ،لأنه أكرم الأكرمين . و أين نحن من موالينا و أئمتنا عليهم السلام !

و لننظر الى نفوسنا اللئيمة الضعيفة حيث لا نصبر على أبسط البلاء و اذا أُصبنا بمصيبة فإننا ننسى ربنا ، بل و منا من ينكر كل نعم المعبود و يعاتب ربه على ما أصابه و العياذ بالله .

ما صرفت تأميلي للعفو عنك : التأميل هو الرجاء و الأمل . يعني ما صرفت أملي عنك لتعفو عني .أي أنني لازلت آملُ عفوك و صفحك و لن أحيد عنه أبدا.

أنا إن لم أجدْ من الحبِّ وصلاً **رمت في النار منزلاً ومقيلا

ثُمّ أزعجت أهلَها بندائي  ** بكرةً في حميمها وأصيلا

معشرَ المشركين نوحوا عليَّ ** أنا عبدٌ أُحبُّ مولىً جليلا

لم أكن في الذي ادّعيت محقّاً ** فجزائي به العذاب طويلا

اللهم اجعل في قلوبنا شيئا من هذا الحب الإلهي حتى نصبر على البلاء و نشكرك في السراء و الضراء يا وهاب .

اَنَا لا اَنْسى اَيادِيَكَ عِنْدي، وَسِتْرَكَ عَلَيَّ في دارِ الدُّنْيا، سَيِّدي اَخْرِجْ حُبَّ الدُّنْيا مِنْ قَلْبي، وَاجْمَعْ بَيْني وَبَيْنَ الْمُصْطَفى وَآلِهِ خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَخاتَمِ النَّبِيّينَ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَانْقُلْني اِلى دَرَجَةِ الَّتوْبَةِ اِلَيْكَ، وَاَعِنّي بِالْبُكاءِ عَلى نَفْسي،“.

الأيادي : جمع اليد و الغرض منها النعم .

انه لا ينسى نعم الله الجسيمة التي رزقه إياها بكل ما تحتوي كلمة النعم من معنى .. فالنعم ليست منحصرة على المادية و الدنيوية بل الأفضل نعمة الإيمان و الولاية و التقوى . و لا ينسى أن الله ستر عليه في الدنيا حتى لا يعلم الناس عنه شيئا مما يعمل و هذه أيضا نعمة كبرى ، فلولا ستر الله على الإنسان لانفضح أمره بين العباد لا سمح الله حيث لا يمكنه العيش في المجتمع الذي كان يعيش فيه .

ثم يا سيدي و يا مولاي أخرج حب الدنيا من قلبي لأن حب الدنيا راس كل خطيئة كما جاء في الخبر . و يظهر أن من الصعب التخلي عن الدنيا و شهواتها و ملذاتها إلا إذا أراد الله ، فلولا عونه تعالى لبقي المؤمن متشبثا بزينة الدنيا ، يجذبه زبرقها و زبرجها . و هذا أمر طبيعي .

جاء في الحديث عن أبي عبد اللّه عليه السلام انه قال :

من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه ، جعل اللّه الفقر بين عينيه ، وشتّت أمره ، ولم ينل من الدنيا إلّا ما قُسِّم له . ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همّه ، جعل اللّه الغنى في قلبه وجمع له أمره.“ طبعا الحديث لا يقول ان الإنسان لا يسعى و يكدّ لطلب الحلال و اعاشة أهله و عائلته اعاشة مرفّهة بل يجب ان لا يكون كل همّ الإنسان الحصول على الدنيا و يجب أن يكون همّه الأكبر ، الآخرة و هذا أمر عقلائي فالسعي الأكثر للحياة الأبدية لا الحياة الفانية .

فعلينا أن ندعو ربنا ليخرج حب الدنيا الذي هو من طبيعة الوجود ، يخرجه من قلوبنا حتى نفوز برضاه تعالى ثم يكون لنا شرف اللقاء مع رسول الله و أهل بيته عليه و عليهم السلام في الآخرة ، فهناك تلازمٌ بين الأمرين . وهذا هو أعظم النعم الإلهية على الإطلاق . ولذلك يقال انه بمقدار صلاحية المؤمن و حسناته ، يتشرف بزيارة الرسول و الأئمة عليهم السلام ، فكلما كانت أعماله الصالحة أكثر كلما كانت زيارته أكثر و قربه اليهم أكثر .. فعلينا أن نرفع رصيد الحسنات عندنا ليكون لنا لقاءات كثيرة و يجمع الله بيننا و بين موالينا ان شاء الله في جنات النعيم .

و لكي يخرج حب الدنيا من قلوبنا الآثمة نرجوه تعالى أن يوفقنا للتوبة و الإنابة . و اللطيف في كلام الإمام أنه جعل للتوبة درجة ، و كأن المؤمن يحتاج الى مراحل من المراقبة و محاسبة النفس حتى يصل الى هذه الدرجة العالية و يكون من التوابين . قال تعالى

ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُفقد جعل  الله توبته عليهم مقدّمة لتوبتهم ، أي أنه تاب عليهم بالتوفيق للتوبة ثم تابوا و أصبحوا من التوابين . فإذا تاب الله على المؤمن فإنه يفيض عليه الخير من كل جانب ، ولا خير أعلى و أفضل من غفران الذنوب و صحبة الأولياء والشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا . ولكن كما قلنا يحتاج الى أن يتوب بحسن نية لا مجرد تلفظ بالإستغفار قال تعالى : ” إلا من تاب و آمن و عمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسناتفالإيمان القلبي و العمل الصالح نتيجة التوبة المقبولة ، عندئذ لم يغفر الله سيئاته فحسب  بل و يبدل سيئاته الى حسنات و هذا قمة في الكرم و العطاء من المنان الوهاب . نسأل الله أن يمنّ علينا بهذه النعمة الكبرى فيبدل سيئاتنا و ما أكثرها الى حسنات ، انه غفور رحيم .

فَقَدْ اَفْنَيْتُ بِالتَّسْويفِ وَالاْمالِ عُمْري، وَقَدْ نَزَلْتُ مَنْزِلَةَ الاْيِسينَ مِنْ خَيْري ”.

ثقافة البكاء :

البكاء حالة نفسية غير اختيارية غالبا ، تحصل للإنسان من انفعال في باطنه و قلبه وهذا الإنفعال ينشأ عادة عن  حزن أو خوف أو شوق أو فرح . و المؤمن عندما يزداد خشوعا و خضوعا أمام الله فإنه قطعا يتأثر بضعف عمله و قلة ايمانه و كثرة ذنوبه فتنشأ له حالة شبيهة باليأس ان لم تكن يأسا حقيقةً ، فينهار خصوصا عندما يقرأ آيات من القرآن فيها تحذير من العقاب و العذاب و غضب الرحمن أو آيات من التبشير بالجنة للعباد الصالحين و يرى بُعد نفسه عن تلك المقامات الصالحة ، فيبكي وهذا البكاء قطعا ممدوح لأن فيه دلالة على التأثر القلبي و اشارة الى الخوف و الرجاء .

سمعت أحدهم يقول : وهل الرجل يبكي ؟ قلت له : إن لم يكن قسي القلب . فهذا أمير المؤمنين و سيد البكائين سلام الله عليه يبكي في محراب العبادة بكاء طفل فقد أبويه .

هو البكاء في المحراب ليلا ** هو الضحاك اذا اشتد الضِّراب

ففي ميدان المبارزة و الجهاد لو تضافرت العرب على قتاله لما ولّى منها و لسقى آخرها بكأس أولها و لكنه أرق الناس قلبا ، يبكي لمشاهدة طفل يتيم أو النظر الى بائس مسكين و أكثر ساعات بكائه عندما يناجي ربه فيتواضع أمام جبار السموات و الأرض تواضع عبد ذليل مقر بالتقصير فينهار دون اختيار و يبكي بكاء شديدا . روحي فداه.

من النتائج الحاصلة للقلب التائب أنه كلما يتذكر ذنوبه و معاصيه تحصل له حالة البكاء على ما اقترفته يداه من موبقات و ذنوب فيبكي. قال تعالى : ” و يخرّون للأذقان يبكون و يزيدهم خشوعاأي و تزيدهم آيات القرآن خشوعا و خضوعا . والبكاء من خشية الله دليل على صدق الإيمان و صفاء النفس . جاء في الحديث النبوي : ”عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ” . و قد ورد حديث عجيب من الإمام الباقر عليه السلام فيثواب الأعمالأنه قال :“مااغرورقت عين بمائها من خشية الله عزوجل الا حرم الله جسده على النار ولافاضت دمعة على خد صاحبها فرهق وجهه قتر ولا ذلة يوم القيامة وما من شيء من اعمال الخير الا وله وزن واجر الا الدمعة من خشية الله فان الله يطفئ بالقطرة منها بحاراً من نار يوم القيامة وان الباكي ليبكي من خشية الله في امةٍ فيرحم الله تلك الامةٍ ببكاء ذلك المؤمن فيها“.

و نُقل عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : “ …أوحى الله إلى موسى عليه السلام أن عبادي لم يتقربوا إلي بشئ أحب إلي من ثلاث خصالالزهد في الدنيا، والورع عن المعاصي، والبكاء من خشيتيفالذي يبكي من خشية الله و خوفا من غضبه فإنه في الرفيق الأعلى عند ربه .

و عندما يقول الإمام السجاد سلام الله عليه : فقد أفنيت بالتسويف و الآمال عمري ، فإنه يتأسف و يتحسر على فناء عمره في الآمال حتى أصبح من اليائسين والقانطين . و التسويف هو التأخير ، مأخوذ من كلمة سوف ، يعني أنه كلما أراد أن يعمل خيرا يتباطأ و لا يعمله و لكنه يوعد نفسه بأنه سوف يعمل الخير !! و هذا التسويف يمنع الإنسان من اتباع الحق والتهيئة للآخرة .. فالأجل يأتي بغتة دون سابق إنذار و على الإنسان أن يكون دائما في حالة الأهبة و الإستعداد للموت الذي لا مفرّ منه ، و إنه لحق و إنه تكامل لو عرفناه و ما أفضله إن كان فيه لقاء الله و لكننا من شدة تعلقنا بالدنيا و ملذاتها فإننا لا نرى لذة إلا اللذائذ المادية الفانية و لا نحسب حسابا للحياة الأبدية الخالدة التي تبدأ من ساعة الموت .. و لذلك نرى أن أمير المؤمنين عليه السلام يتمنى لقاء ربه و ينتظره بفارغ الصبر ليرتاح من هموم الدنيا و يصل إلى جنة اللقاء .فتراه يصرّح و يقول : ”واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمِّه“. وله عليه السلام كثير كلام في الإستعداد للموت :
يقول عليه السلام مشيراً إلى استعداده:

والله ما فاجأني من الموت وارد كرهته ، ولا طالع أنكرته ، و ما كنت إلا كقارب ورد، و طالب وجد، وما عند الله خيرٌ للأبرار

و نراه عليه السلام ينصح الآخرين أيضا أن يستعدوا له فيقول :

واستعدوا للموت فقد أظلكمذلك لأن الذي يذكر الموت و يستعد له ، فإنه قطعا يسارع الى الخيرات ولا يتبع الشهوات ويكثر من البر و الإحسان .

منزلة الآيسين : يعني أن التسويف و عدم الإستعداد للقاء الرحمن ، جعلني في درجة اليائسين و استولى على قلبي القنوط فلا خير فيما أعمل . و بالطبع هذه اشارة الى امكانية وصول الإنسان الى هذه الدرجة و لكنها غير محببة ، فالإمام يدعونا دائما أن لا نيأس من رحمة الله و أن نكون راجين لفضله و غفرانه انه غفار رحيم .

فَمَنْ يَكُونُ اَسْوَأ حالاً مِنّي إنْ اَنَا نُقِلْتُ عَلى مِثْلِ حالي اِلى قَبْري، لَمْ اُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتي، وَلَمْ اَفْرُشْهُ بِالْعَمَلِ الصّالِحِ لِضَجْعَتي، وَمالي لا اَبْكي وَلا اَدْري اِلى ما يَكُونُ مَصيري، وَاَرى نَفْسي تُخادِعُني، وَاَيّامي تُخاتِلُني، وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأسي اَجْنِحَةُ الْمَوْتِ، فَمالي لا اَبْكي اَبْكي، لِخُُروجِ نَفْسي، اَبْكي لِظُلْمَةِ قَبْري، اَبْكي لِضيقِ لَحَدي، اَبْكي لِسُؤالِ مُنْكَر وَنَكير اِيّايَ، اَبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري عُرْياناً ذَليلاً حامِلاً ثِقْلي عَلى ظَهْري، اَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَميني وَاُخْرى عَنْ شِمالي، اِذِ الْخَلائِقِ في شَأن غَيْرِ شَأني (لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأنٌ يُغْنيهِ * وُجوُهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجوُهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) وَذِلَّةٌ

ان أنا أفنيت بالتسويف و التأخير عمري ثم أدركني الموت فماذا أجيب ربي ولم يكن أحدٌ أسوء مني حالا عند ذاك حيث انتقلت بالمساوئ والذنوب الى منزلي .. نعم ، القبر هو المنزل الأخير و يحتاج الى أن نمهد لمنزلنا و نبنيه بالأعمال الحسنة والصلاة و الصيام و الخيرات و الطيبات و الأذكار و الإنفاق في سبيل الله و مجاهدة النفس الأمارة بالسوء و الأخلاق الحسنة و الخصال الحميدة .

وقدصدقأميرالمؤمنينعليهالسلامحيثقال : ”إنّ من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر“. ولنكن ممن يخاطبه القبر عندما يدخله : مرحبا بك فقد نزلت في منزلك المفروش بورود الحسنات الزاكيات ويخاطبه الملائكة : ”سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ”.

و المؤمن دائما في حالة خوف و رجاء ، يخشى أن تكون عاقبته الخسارة و الخذلان و يكون قبره حفرة من حفر النيران بدل أن يكون روضة من رياض الجنة . و لذلك فتراه يبكي خوفا للمنقلب و المصير . يبكي لأنه لا يعلم ماذا يكون مصيره فعندما ينظر الى أعماله يراها ناقصة لا تصل إلى درجة الأولياء و الصالحين و عندما يتذكر كرم الله و رحمته ، يرجو رحمة ربه و يتمنى أن تسعه تلك الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء .

يبكي لخروج النفس .. بالطبع ليس المهم خروج الروح من البدن لأن الجميع صائرون الى بارئهم و لكن الخوف أن يكون خروج الروح في وقت لم نستعد للقاء الله .

لظلمةالقبر .. هذه كناية و الا فالبدن لا يهمه إن كان في مكان مظلم أو منير . كناية عن ظلمة عالم البرزخ إن لم يكن الإنسان مستعدا للدخول فيه .

لضيق اللحد.. و هذا التعبير أيضا لكي يكون مؤثرا معبرا عن فقر الإنسان و فاقته وهو يوضع في لحده ، فكل تلك الأموال و القصور و الأثاث التي جمعها طوال سنين محدودة من عمره الى الفناء و الزوال .

لسؤالمنكرونكير .. بالتأكيد يخشى المؤمن أن لا يتمكن من الإجابة على أسئلة الملكين المقربين الذين يسألانه عما فعل طيلة عمره و عما يعتقد من اعتقادات إن كانت سليمة أو بتراء ناقصة .

وأخيراللخروجمنالقبرذليلاحاملاثقلأوزارالذنوبعلىظهره . فعالم البرزخ يسير بسرعة البرق . و لذا جاء في الأثر : ” من مات قامت قيامته ” . و هناك يبدأ الحساب و الفائزون هم الذين يسيرون بخطى ثابتة نحو المصير المعلوم . شاكرين الله على ما أنعم عليهم من النعيم المقيم .

ورد هذا الدعاء عن الإمام الصادق عليه السلام:

اللّهمّ بارك لي في الموت ، اللّهمّ أعنّي على سكرات الموت ، اللّهمّ أعنّي على غمّ القبر ، اللّهمّ أعنّي على ضيق القبر ، اللّهمّ أعنّي على ظلمة القبر ، اللّهمّ أعنّي على وحشة القبر..“

وقال أمير المؤمنين عليه السلام  :

نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يُوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأُذنه ، على صحّةٍ من عقله ، وبقاءٍ من لبّه ، يفكّر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره ”.

وقال السجاد عليه السلام في دعاء آخر له :

اللهم صل على محمد و آله ، وبارك لنا في حلول دار البلى ،وطول المقامة بين اطباق الثرى، واجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا ،وافسح لنا رحمتك في ضيق ملاحدنا ولا تفضحنا في حاضري القيامة بموبقات آثامنا .“

ففيذلكاليومنرىوجوهاضاحكةمشرقةمستبشرةبمامنحهااللهمنالنعيمالأبديوالكرامةفيجنانالخلودونعمةالرضوانالعظمى (ورضوان من الله أكبر) و في المقابل نرى وجوها باكية عليها غبار الهم و الغم  والكآبة و الحزن تغشوها الظلمة والسواد . والعياذ بالله .

سَيِّدي عَلَيْكَ مُعَوَّلي وَمُعْتَمَدي وَرَجائي وَتَوَكُّلي، وَبِرَحْمَتِكَ تَعَلُّقي، تُصيبُ بِرَحْمَتِكَ مَنْ تَشاءُ وَتَهْدي بِكَرامَتِكَ مَنْ تُحِبُّ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ما نَقَّيْتَ مِنَ الشِّرْكِ قَلْبي ”.

عوّلعليهأوبه : اعتمد عليه ، اتّكل عليه ، استعان به . عوّلنا عليه فوجدناه نعم المعوّل . ومن هنا جاءت كلمة العائلة ، فالعيال هم الذين يعتمدون على مُعيلهم في حياتهم .

والتوكل هو الإعتماد الكلي عليه . قال الراغب : «التوكيل أن تعتمد على غيرك وتجعله نائبا عنكوالتوكّل يقال على وجهين : يقال : توكّلت لفلان ؛ بمعنى تولّيت له ، ويقال : وكّلته فتوكّل لي وتوكّلت عليه ؛ بمعنى اعتمدته» و انما ذكر التوكل بكثرة في القرآن الكريم للإشارة الى أن الإعتماد الكلي التام الكامل يجب أن يكون على الله دون غيره . قال تعالى : ” وعلى الله فليتوكل المتوكلونو تقديم الجار و المجرور في الجملة دليل على الحصر يعني يجب التوكل على الله فقط دون غيره . انت يا ربي و سيدي و مولاي و معتمدي و رجائي .. لا أتوكل إلا عليك و لا أستعين إلا بك (إياك نعبد و إياك نستعين) وبحبل رحمتك الوثيق أتعلق ، هذه الرحمة التي تصيب بها من تشاء ، و من ليست فيه القابلية فإنه يكون بعيدا عن رحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء .

نعم ، ذاك الإنسان الذي هداه النجدين و سهّل له الطريقين و فتح له الصراطين و لكنه لم يحبذ الطريق الأقرب الى بارئه بل اختار الطريق الأبعد الى الله ؛ طريق الشهوة و الفساد و الفسق و الفجور فطرده الله من ميدان رحمته التي تحيط بكل الموجودات الأخرى من نباتات و حيوانات و جمادات و أرضين و سماوات .

أما الإنسان فهو الموجود الأسمى الذي خلقه الله بيديه (الخلقة الكاملة) ليكون خليفته في الأرض و لكنه أبى و استكبر و اتبع الشيطان وأطاع هواه و غفل عن ربه ، فمصيره الطرد من رحمة الله الواسعة و اللعنة في الدنيا و الآخرة . اللهم إنا نستجير بك أن تؤاخذنا بعدلك فنكون ضمن المغضوب عليهم أو الضالين و العياذ بك ، و نرجو أن ترحمنا برحمتك في الدنيا و الآخرة .

تصيب برحمتك من تشاء :

اللهم اجعلنا ممن تصيبهم برحمتك . قال تعالى : «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ »قال الراغب : ”الصوب الإصابة ، يقال : صابه وأصابه ، وجعل الصوب نزول المطر“. و جاءت هذه الفقرة من الآية بعد ذكر يوسف عليه السلام و ما أصابه من الخير في الدنيا و الملك جزاء صبره و خدماته الجليلة و احسانه الى الآخرين لأن الله لا يضيع أجر المحسنين لا في الدنيا و لا في الآخرة .

و تهدي بكرامتك من تحب :

واهدنابكرامتكواجعلنامنالمحبوبينلديك . قال الراغب : ” الكرم إذا وُصِف اللّه تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر ، نحو قوله : إنّ ربّي غني كريم ، وإذا وُصِف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة الّتي تظهر منه ، ولا يقال هو كريم حتّى يظهر ذلك منه .“ الظاهر ان الهداية بالكرامة أقوى و أخص من الإصابة بالرحمة فالإصابة بالرحمة تشمل كل الموجودات و المخلوقات الا من اسودّ قلبه فخرج منه الإيمان و أصبح من الخاسرين . و أما الكرامة من الله فلا لا تشملحسب الدعاءإلا من يحبه الله . ربما كانت إشارة الى الهداية الثانية التي يمنحها عباده المؤمنين الذين خلصوا دينهم  لله و اتبعوا النور الذي أرسله الله و أصبحوا في عداد الصالحين و نحن نتمنى أن تشملنا هذه الكرامة الربانية و هذه النفحة النورانية .

و نرى أنه بعد ذكر الكرامة من الله ـ يحمد ربه على نقاء قلبه  . فالحمد لله على تصفية قلوبنا من الشرك و هدايتنا الى التوحيد فإن الإبتعاد عن الشرك و الوحدانية لله تعالى من أعظم نعم الله على الإنسان و لا يلقاها إلا المؤمنون المتقون الذين طهر الله قلوبهم من دنس الشرك و رجس عبادة غير الله .. فالشرك لا يختص بعبادة الأصنام بل عبادة كل ما سوى الله شرك فالذي يعبد الشيطان أو يعبد الإنسان أو يعبد الحجر كلهم مشركون إلا ان درجات الشرك تختلف من واحد الى آخر.اللهم نقّ قلوبنا من الشرك الكثير و الخفيف والجلي و الخفيّ حتى لا نعبد إلا الله و لا نستعين الا بالله  ولا نتوكل الا على الله .

وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى بَسْطِ لِساني، اَفَبِلِساني هذَا الْكالِّ اَشْكُرُكَ، اَمْ بِغايَةِ جُهْدي في عَمَلي اُرْضيكَ، وَما قَدْرُ لِساني يا رَبِّ في جَنْبِ شُكْرِكَ، وَما قَدْرُ عَمَلي في جَنْبِ نِعَمِكَ وَاِحْسانِكَ . اِلهي اِنَّ جُودَكَ بَسَطَ اَمَلي، وَشُكْرَكَ قَبِلَ عَمَلي .“

و لك الحمد يا رب أن جعلت لساني قادرا على التكلم و التحدث ، و لكنه عاجز عن شكرك و حمدك فكيف أستطيع بهذا اللسان العاجز أن أشكرك ولو أنك بسطته و مهدته لي لأسترسل في الحديث دون عناء و لكنه كالّ عاجز عن أداء شكر نعمة واحدة من نعمك التي لا تُحصى . جاء في الحديث :

«أوحى اللّه إلى داوود عليه السلام : اشكرني حقّ شكري ، قال : إلهي أشكرك حقّ شكرك وشكري إيّاك نعمة منك ، فقال : الآن شكرتني ، وقال داوود عليه السلام : ياربّ وكيف كان آدم يشكرك حقّ شكرك وقد جعلته أب أنبيائك وصفوتك ، وأسجدت له ملائكتك؟ فقال : إنّه عرف أنّ ذلك من عندي ، فكان اعترافه بذلك حقّ شكري».

بسط لساني : البسط ، الإفاضة ، الإمتداد ، السعة ، الإنطلاق و بسط اللسان ، انطلاقه . و البسط نقيض القبض . و من أسماء الله تعالى : الباسط و هو الذي يَبْسُطُ الرزق لعباده ويوسّعه عليهم بجُوده ورحمته ويبسُط الأَرواح في الأَجساد عند الحياةبسط الله الرزق ، كثّره و وسّعه . قال تعالى : ” إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء و يقدرو بسط اليد ، امتدادها وكثرة عطائها . قال تعالى : ” يداه مبسوطتان ، ينفق كيف يشاء ” .

بناء عليه فإن بسط اللسان هو القدرة على التكلم و التحدث و هذه دون شك ، نعمة كبرى من نعم الله التي لا تُحصى .

ثم هل يرضيني ما أعمله في مقابل تلك النعم و ذلك الثواب الجزيل في الآخرة الذي لا يمكن مقارنته بأعمالنا البسيطة الضعيفة ، هذا إذا كان لنا عملٌ صالح .. و أما بعد أن اسودت صحيفة أعمالنا بالسيئات و الذنوب ، فكيف نتوقع ذلك الثواب الأخروي ؟! إلا أننا نعيش في عالَم الرجاء و نرجو من الله ما لا يرجوه منه الآخرون بالرغم من ضآلة أعمالنا و ضحالتها.

الهي إن جودك بسط أملي : و هنا مرة أخرى تتكرر كلمة بسط . أي أن جودك و كرمك جعل أملي طويلا متسعا . ثم ان الشكر لله جعل عملي مقبولا . و هذا أمر في غاية الأهمية فالعمل يُقبل إن كان مقترنا بالشكر و الحمد للذي تعمل له . و أما الذي يقوم بالأعمال الحسنة أو حتى الفرائض و لكنه من دون رضى و شكر للمنعم ، فكأنه لم يعمل شيئا . نعم الإتيان بالفرائض يُسقط التكليف و لا يؤاخَذ كمن لا يعمل و لكن عملٌ دون روح . على هذا فإننا نسجد شكرا  لله دائما بعد الفريضة حتى يتم قبول صلواتنا و فرائضنا بلطفه و منّه . و ربما كان الغرض من الشكر شكرٌ من الله لقبول العمل و الشكر من الله يعني المكافأة على شكر النعم من قبَل العبد . و الشكر من الله ـ الذي أحد أسمائه الشاكرهو مقابلة الإحسان بالإحسانهل جزاء الإحسان الا الإحسانوالله تعالى و هوالمحسن بالذات فإنه يكافئ العبد مكافأة مضاعفة بل و أضعافا مضاعفة و كأنه يشكره على أعماله و لو لم يكن لأحد حتى الأنبياء و الأولياء الحق على الله تعالى حتى يستوجب شكره و لكن ، تفضل من الله و نعمة فوق ما نتصور من النعم و هو الغني عن العالمين .

، سَيِّدي اِلَيْكَ رَغْبَتي، وَاِلَيْكَ رَهْبَتي، وَاِلَيْكَ تَأميلي، وَقَدْ ساقَني اِلَيْكَ اَمَلي، وَعَلَيْكَ يا واحِدي عَكَفَتْ هِمَّتي، وَفيـما عِنْدَكَ انْبَسَطَتْ رَغْبَتي، وَلَكَ خالِصُ رَجائي وَخَوْفي، وَبِكَ أَنِسَتْ مَحَبَّتي، وَاِلَيْكَ اَلْقَيْتُ بِيَدي، وَبِحَبْلِ طاعَتِكَ مَدَدْتُ رَهْبَتي .يا مَوْلايَ بِذِكْرِكَ عاشَ قَلْبي، وَبِمُناجاتِكَ بَرَّدْتُ اَلَمَ الْخَوْفِ عَنّي

رغب :رغِب الشَّيءَرغِب في الشَّيء : أرادهوحرَصعليهوطمِعفيهوأحبَّه

رهب : الرهبة مصدر من رهبَ بمعنى الخوف و الخشية . قال تعالى : ” و أوفوا بعهدي أوف بعهدكم و إياي فارهبونفالخشية من الله تعالى دليل على التقوى و الإيمان به .

و وردت الكلمتان في آية واحدة قال تعالى : ” إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ”. وقال تعالى : ” وادعوه خوفا و طمعافالخوف هو الرهبة و الطمع هو الرغبة .

التأميل : مصدر أمّل و الأمل هو الرجاء . اليك تأميلي : يعني أنني لا أرجو غيرك يا رب . و عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال : «لا يرجونّ أحد منكم إلّا ربّه» والرجاء  من الأَمل نقيض اليأس . وهو الطمع في فضل الله و رحمته أو هو النظر إلى سعة رحمة الله والثقة بجوده . والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، و الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل على الله . و لهذا فإن الرجاء لا يصلح الا مع العمل . قال تعالى : ” إن الذين يتلون كتاب الله و أقام الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم سرا و علانية ، يرجون تجارة لن تبورو انها حقا ثواب الله و مكافأته للذين يعملون الصالحات و أعدها الله في هذه الآية الكريمة بتلاوة القرآن و الصلاة و الإنفاق في سبيل الله .

قال الراغب : «العكوف : الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له ، قال سبحانه : «يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ » وقال تعالى : «وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ » فالعكوف هو الحبس و كأنه يقول لزمت و حبست همتي و توجه قلبي عليك ، فلا أتوجه بالقلب إلا بك . ثم جاء بكلمة يا واحدي ، فكٰنه يريد حصر الهمة و التوجه القلبي الى الله لا غير ثم يذكر رغبته مع بارئه لا مع غيره فكأنه يريد منه فقط أن يقضي حوائجه المادية و المعنوية .

ولكخالصرجائيوخوفيفالرجاءوالخوفمناللهفيآنواحدمعالخلوصوصفاءالنية

وَبِكَ أَنِسَتْ مَحَبَّتي، وَاِلَيْكَ اَلْقَيْتُ بِيَدي، وَبِحَبْلِ طاعَتِكَ مَدَدْتُ رَهْبَتي :

و بك لا غيرك أنست محبتي ، فالأنس بالله وحده و هذا حب العارفين لله . واليك ألقيت بيدي أي انني استسلمت لك و فوضت الأمور كلها اليك  و عالجت خوفي بطاعتك أي بمناجاتك بردت نار الخشية والخوف منك . وهذا أمر طبيعي فالإنسان الذي يعشق أحدا فإنه يأنس بلقائه و بالتحدث معه و بمناجاته حتى انه يزول رعبه و خوفه في السكون اليه و الحديث معه. و الإمام لشدة معرفته بالله يشتد حبه له (والذين آمنوا أشد حبا لله ) لذلك فإنه لا يأنس بأحد مثل ما يأنس بربه و يتلذذ بالتحدث معه (بالدعاء) و سماع قوله (القرآن) . و الملاحظ في كل هذه الفقرات تقديم حرف الجر مما يفيد الحصر .

مولاي مأخوذة من كلمةوليأي الذي يتولى أموري والولي هو الحليف الذي ينصر مولاه والمولى معناه : المأمول منه النَّصر والمعونة ؛ لأنه الملك ، ولا ملجأ للمملوك إلا لمالكه :“ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مولى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مولى لهم ” وهو من أسماء الله تعالى الحسنى وهو أيضا بمعنى الخالق و الرازق و الباعث والمالك لعبيده . قال تعالى : ” الله ولي الذين آمنواان قلبي يعيش بذكرك أي أنني دائم الذكر لك و لن أنساك أبدا حتى إن قلبي ينبض بذكرك ويرتاح لمناجاتك و مناجاتك هي التي تزيل همي و غمي و خوفي و وحشتي . قال تعالى : ” ألا بذكر الله تطمئن القلوب“.

فَيا مَوْلايَ وَيا مُؤَمَّلي وَيا مُنْتَهى سُؤْلي فَرِّقْ بَيْني وَبَيْنَ ذَنْبِيَ الْمانِعِ لي مِنْ لُزُومِ طاعَتِكَ، فَاِنَّما اَسْاَلُكَ لِقَديمِ الرَّجاءِ فيكَ، وَعَظيمِ الطَّمَعِ مِنْكَ، الَّذي اَوْجَبْتَهُ عَلى نَفْسِكَ مِنَ الرَّأفَةِ وَالرَّحْمَةِ“.

الأمل : الرجاء و المؤمّل : اسم مفعول من الأمل أي المرجوّ . أي يا من أرجوه لكل طلبتي و حوائجي.

منتهى : اي النهاية و الغايةفالله هو غاية المحبين و المريدين و المطيعين . و منتهى سؤلي يعني غاية ما أطلب و أسأل عنه .فكأنما يحاول الإنسان أن يطلب حوائجه من نظرائه من البشر و لكنه أخيرا لا يرى من يقضي حاجته و يدفع عنه المرض و الكرب و الشدة و البلاء ، فينتهي الأمر الى الطلب من الله الذي هو من يطلب الجميع منه و يمد يد الذل اليه و يحدق ببصره الى عطائه و يلتجئ الى نواله و ثوابه و هو الغني على الإطلاق و هو القادر على كل شيء .

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء كميل : ” يا غاية آمال العارفين“. أي منتهى رجاء العارفين . فرّق : اي افصل . افصل يا رب بيني و بين ذنوبي التي تمنعني من إتيان الفرائض والواجبات على أكمل وجه و اجتناب المحرمات حتى أطيعك على معرفة و أدعوك دعاء خاضع متذلل خاشع . وهذا الفصل بمعنى التوفيق من الله لكي لا أذنب .

و اني اذ أسألك يا رب أن تفرق بيني و بين الذنوب و توفقني للإبتعاد عنها لأني اعتمدت على الرجاء منك والتوكل عليك .. لقديم الرجاء أي لأني دائما أرجو منك و لا من غيرك فأنت رجائي و معتمدي .. و لأنني أطمع في رجائك طمعا كثيرا و قد أوجبت على نفسك الرحمة و الرأفة .

و الرأفة هي المحبة و اللين و الشفقة و قيل أنها أشد و أعظم من الرحمة . قال ابن الأثير : الرأفة أرقّ من الرحمة ، ولا تكاد تقع في الكراهة ، والرحمة تقع في الكراهة للمصلحة .

قال تعالى : ” بالمؤمنين رؤوف رحيمو الرؤوف من أسماء الله الحسنى و غالبا ما يُذكر مع الرحيم . ” إن ربكم لرؤوف رحيم  أو يُذكر لوحدهوالله رؤوف بالعباد“. الرؤوف بعباده  ، اي العطوف على عباده بألطافه و مننه . و لأنه تعالى أوجب على نفسه الرحمة و الرأفة بعباده فيطمع العبد في رحمته بالرغم من كثرة ذنوبه .

عن الإمام الصادق عليه السلام : ” إن الرجل يذنب الذنب فيُحرم صلاة اللّيل ، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللّحم ”.وايضا ورد منه سلام الله عليه قوله : ” كان أبي يقول : ”ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة ، إنّ القلب ليواقع الخطيئة ، فلا تزال به حتّى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفلهفكثرة الذنوب و عدم التوفيق للإستغفار و الندم على ما اقترفه من ذنب ،  يجعل على قلب الإنسان رينا و سوادا و غشاوة حتى يصير الأمر الى أن يكذب بآيات الله معاذ الله . قال تعالى : ” ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوآى أن كذبوا بآيات الله ”. و قد لاحظنا أحد الأشخاص حيث كان في البداية يعترض على العلماء و على التقليد والمسائل الفقهية و كأنه هو الفقيه العارف لكل مسائل الحلال و الحرام و لا يحتاج الى المراجع و العلماء فقيل له: بعد زمن قليل ربما اعترضت على الأئمة المعصومين عليهم السلام ثم يأتي دور رسول الله صلى الله عليه و آله لأن الشيطان عادة يزين لأمثال هؤلاء أعمالهم القبيحة فيبدؤوا بالتدريج الى أن يصل الأمر بهم الى الإلحاد و تكذيب آيات الله . و لا شك أن التعريض بالمسائل الفقهية و الأحكام الشرعية ، تكذيب في حد ذاته . و العجيب أن ذلك الشخص تمادى في غيه و استهزأ بالعقائد و أنكر إمامة الأئمة و حتى أنكر جميع الأحاديث الشريفة و يقول انه لا يصدق الا القرآن و لربما استهزأ بالقرآن أيضا كما فعل أشباهه  فهناك أحدهم و هو سيد يلبس العمامة السوداء و يستهزئ بالقرآن و آياته بل و يقدم نهج البلاغة عليه والعياذ بالله .

و لذلك فالإنسان يحتاج الى مساعدة ربه حتى في ترك الذنوب فنرى الإمام السجاد عليه السلام يطلب من ربه بعد الحاح أن يفرق بينه و بين الذنوب و أي ذنب ؟ الذنب الذي يمنعه من الإلتزام بطاعة الله و رسوله و الإلتزام بشريعته و أحكامها . ويضيف الى رجائه بالطمع منه لأنه رؤوف بالعباد و رحيم بهم . اللهم وفقنا الى ترك عصيانك و رغب الينا طاعتك و طاعة رسولك و الأئمة الميامين عليهم السلام .

فَالاَْمْرُ لَكَ، وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيالُكَ وَفي قَبْضَتِكَ، وَكُلُّ شَيْي خاضِعٌ لَكَ تَبارَكْتَ يا رَبَّ الْعالَمين.“

العيال :عالَ يَعِيلُ عَيلاً وعَيْلة وعُيولاً وعِيُولاً ومَعِيلاً : افتقروالعيّل : الفقير ، وكذلك العائل .. وعيال الرجل : أهل بيته و أولاده الذين ينفق عليهم . عال اليتيم : كفله و قام بأمر معاشه .

و باعتبار أن الله هو الذي يرزق الخلق فالخلق كلهم عيال الله لأنهم محتاجون اليه ليأمن عيشهم و يضمن رزقهم و يقوم بمصالحهم و يربيهم و يدبر أمورهم ..

جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله: ”الخلق كلهم عيال الله فأحبهم الى الله عز وجل أنفعهم لعياله ”.

و ورد في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال : ”قال الله عز و جل :الخلق عيالي فأحبهم الي الطفهم وأسعاهم في حوائجهم ”. و نقرأ في دعاء كميل : ” يا سيدي ، يا من عليه معولي ”.

و يقول أبوالعتاهية : عيال الله أكرمهم عليه ** أبثهم المكارم في عياله . ولم نرَ مثنيا في ذي فعال ** عليه قط أفصح من فعاله.

الأمر لك وحدك يا رب في المنع و العطاء ، لا شريك لك ولا منازع ينازعك في أمرك وعبادك كلهم فقراء اليك و أنت الذي تعطيهم و تغنيهم و تنفق عليهم من خزائنك التي لا تفنى و لا تنقص قال تعالى : ” و وجدك عائلا فأغنىأي كنت فقيرا فأغناك .

وفي قبضتك : اي أنك انت المتكفل برزقهم و إغنائهم من الفقر . والقبضة من الشيءِ : ما قبضت عليه من ملء كفِّك ، : المراد : في مِلكه وحوزته وتحت سلطانه وقدرته و سيطرته . فالخلق في قبضتك يعني أنت لا غيرك المسيطر عليهم و كل شيء في الوجود خاضع لك أي منقاد لك . الخضوع هو التضامن و التطامن كما جاء في اللغة. خضع يَخْضَع خَضْعاً وخُضُوعاً واخْتَضَع : ذلّ

تباركت و تقدست و تعاليت يا رب العالمين . تبارك اللهُ : تقدَّسَ وتنزَّه وتعالى وتعاظَم وكثُرت خيراتُه وعمَّت بركاتُه . قال تعالى : ” تبارك الذي بيده الملكفتبارك مشتق من البركة . وأصل البركة النماء والزيادة حسية كانت أو عقلية وكثرة الخير ودوامه، ونسبتها إلى الله عز وجل باعتبار تعاليه جل وعلا عما سواه في ذاته وصفاته . و قوله عليه السلام : ” تباركت يا رب العالميناقتباس من الآية القرآنية التي تقول : ” تبارك الله رب العالمين ” . فكل بركة و خير في الكون من آثار رحمته . وبركة الله هي مجده و قدسه و نزاهته لأنه جامع صفات الكمال .

والرب هو المالك و المتصرف و العالمين أي كل العوالم المادية و المعنوية . ” قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ”. و ربما كان المقصود من العالمين العوالم المختلفة للأمم و الأصناف وحتى التخصصات ، كقولنا عالم الملائكة أو عالم الجن أو عالم الإنس أو عالم الكواكب أو عالم النبات . و الغرض أن كل شيء بيده وتحت قدرته ، و هو رب كل ما خلق . والله العالم .

اِلهي ارْحَمْني اِذَا انْقَطَعَتْ حُجَّتي وَكَلَّ عَنْ جَوابِكَ لِساني، وَطاشَ عِنْدَ سُؤالِكَ اِيّايَ لُبّي، فَيا عَظيمَ رَجائي لا تُخَيِّبْني اِذَا اشْتَدَّتْ فاقَتي، وَلا تَرُدَّني لِجَهْلي، وَلا تَمْنَعْني لِقِلَّةِ صَبْري، اَعْطِني لِفَقْري وَارْحَمْني لِضَعْفي،

الحجة : البرهان والدليل القاطع و البينة على المدعى . كلّ : تعب و أعيا . و كلّ لسانه أي ثقُل و ضعُف لسانه عن الجواب .طاش : مالَ و انحرف و ضلّ. طاش اللب أي خفّ و تشتت العقل فجهل و أخطأ .

الفاقة هي الفقر و الحاجة .

هنا الإمام في مقام الإلتجاء يوم الحساب و المساءلة فيطلب منه تعالى أن يرحمه ويعينه اذا انقطعت دلائله و لم يستطع الإجابة عن سؤال السائلين يوم الحساب الصعب .

وقفوهم إنهم مسؤولونأي احبسوهمأيها الملائكةمؤقتا للمحاسبة و السؤال الدقيق . و لعمري إنه من أشد المواقف على الإنسان فإن استطاع الخروج مرفوع الرأس من هذا الموقف الصعب فلا ضير بعده ولا مشكلة تعتريه و لا حساب غيره . ولذلك علينا جميعا أن نتحرز من يوم المحاسبة أشد التحرز خصوصا فيما اذا كانت في سجل أعمالنا مَظلمة للزوجة و الأبناء أو للعاملين و الضعفاء أو لأي أحدوقد خاب من حمل ظلما ” . و هنالك الويل للظالمين الذين يظلمون الناس فلربما رحمنا الله بواسع رحمته من ظلمنا لأنفسنا و لكن لا تفريط في حقوق الآخرين أبدا .. حتى الشهداء الذين يغفر الله لهم كل ذنوبهم ، لابد أن يقفوا في هذا الموقف الصعب و يجيبوا على أسئلة الملائكة حول حقوق الناس . و ان من أهم مايُسأل المرء يومئذ فهو السؤال عن الولاية التي هي النعيم في قوله تعالىو لتسألنّ يومئذ عن النعيموالإمام السجاد عليه السلام أحد عناصر النعيم روحي فداه .

كلّ لساني : اي عجز لساني . طاش لبي : طاش أي اضطرب و مال عن الهدف و اللب هو العقل . يصور الإمام موقف المساءلة تصويرا مرعبا حتى يحذر الناس من الدخول الى ذلك الموقف فكيف ينحرف اللب عن السؤال ؟ عندما تُطرح الذنوب الكبيرة على ساحة العرض فيعجز اللسان عن الجواب و يطيش اللب .

و كلما تشتد الفاقة و تصعب الأمور يلجأ الإنسان الى مولاه و سيده ليرجوه حتى دون كلام بل بمجرد نظرة فيها عَبرة ليطلب منه الإنقاذ و المغفرة . فلو كنتُ يا ربي جاهلا حين عصيتك فلا تؤاخذني اليوم بجهلي فأنا ضعيف فقير ، ضعيف أمام عظمة الموقف و فقير في حسناتي فارحمني يا مولاي لجهلي و ضعفي و فقري . ثلاث أعذار يأتي بها الإمام ، إظهارا لنقص في روحنا نحن الآدميين فهو الكامل و لكنه يحكي عن لساننا نحن الجهال و الضعفاء .. ولو أنهمكما أسلفت و كررتيعتبرون أنفسهم مقصرين أمام عظمة الخالق لأنهم يعرفونه تمام المعرفة سلام الله عليهم.

الأعذار الثلاثة هي : الجهل والضعف و الفقر . عادة الإنسان عندما يعصي ربه ، يعتذر اليهإن أراد التوبةبجهله و حتى الله تعالى يريد أن يغفر له و يرحمه فيقول : ” كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيموالمراد من قوله ( بجهالة ) ليس هو الخطأ والغلط بعينه لأن الجهل بهذا المعنى لا يحتاج الى التوبة وطلب العفو ، بل المراد منه ، العصيان و الإقدام عليه من دافع الشهوة ، ومحصلة الأمر أن المؤمن إذا أقدم على الذنب بالرغم من علمه بكونه ذنبا ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته . و أما الضعف أيضا فربما كان بسبب ضعف في الإيمان أي ضعفا معنويا أو ماديا فالإنسان الضعيف في الحالتين ربما ارتكب ذنبا و لكنه سرعان ما يعلم بمعصيته فإن رجع و تاب ، تاب الله عليه و أما الفقر و ما أدراك ما الفقر ؟ الفقر ، العلة الأصلية لكثير من الذنوب . ” كاد الفقر أن يكون كفراولو كان الفقر رجلا لقتلتهو في هذا بحث طويل يحتاج الى مقال مفصل . و المؤمنون تكفيهم الإشارة .

سَيِّدي عَلَيْكَ مُعْتَمَدي وَمُعَوَّلي وَرَجائي وَتَوَكُّلي، وَبِرَحْمَتِكَ تَعَلُّقي، وَبِفَنائِكَ اَحُطُّ رَحْلي، وَبِجُودِكَ اَقْصِدُ طَلِبَتي“.

المعوّل : اسم مفعول من عوّل ، أي اعتمد عليه و لجأ اليه في حاجته . و عندما يخاطب الإمام ربه : عليك معتمدي و معولي و رجائي و توكلي يعني حصر الإعتماد و التوكل على الله . أنت و لا غيرك من أعتمد عليه  في المشكلات و ألجأ اليه في الملمات و أتوكل عليه في أموري كلها فعلى الله فليتوكل المتوكلون . التوكل على الله من لوازم الإيمان بل و ربما تتوقف سائر العبادات عليه .

قالتعالى : ” و مالنا ألا نتوكل على الله و قد هدانا سبلناأي و لماذا لا نتوكل على الله و قد هدانا الله الى سبيله الحق و صراطه العدل و طريقه المستقيم فإن من اتبع الله و اتبع من يجب عليه اتباعه ، فإن الله يضمن له النصر و الفوز و الفلاح و الغلبة . و طبعا ليست الغلبة دائما بالنصر الدنيوي الظاهري فالحسين عليه السلام ضحى بأهله و عشيرته و أصحابه في سبيل الله و لأنه كان متوكلا على الله تمام التوكل فقد نصره الله نصرا كبيرا ، ولولا توكله و إقدامه على التضحيات في سبيل الحق ، لكان دين جده قد قُضي عليه والعياذ بالله . ولذلك نقرأ في الآية المباركة بعد ما جاء بيان التوكل على الله لأتباع الحق : ” و لنصبرنّ على ما آذيتموناثم يؤكد الله على أن المتوكلين يتوكلون على الله فبالرغم من المشقات و الآلام التي يجب على المتوكل أن يتحملها في سبيل الوصول الى الهدف الأسمى ، فإن العاقبة و النتيجة الحتمية هي النصر المؤزّر والفوز المحتّم . و يتبين من الآية أيضا أن التوكل على الله مفتاح كل خير و مقدمة كل نصر .

و برحمتك تعلقي و بفنائك أحطّ رحلي : حطَّ الرحال : اي استقرّ و أقام وحطّ الرحل : أنزله ، والرحل ما يوضع على البعير للركوب ، ثمّ يعبّر به عن البعير ، وتارةً عمّا يجلس عليه في المنزل أو المنزل بصورة عامة . قال الشاعر : الله أنجحَ ما طلبتَ بهوالبرُّ خيرُ حقيبةِ الرحل .

وأماالتعلقفمعناهالتمسكأيأننيأتمسكدائمابرحمتك . و الفناء هو الساحة الممتدة أمام المنزل . اي أنني وفدت عليك و جئت اليك معتمدا عليك فارحمني و جد علي فإني بغير زاد و متاع و أنت الكريم الجواد . وفدت على الكريم  بغير زاد * من الحسنات و القلب السليم . و حمل الزاد أقبح كل شيء * إذا كان الوفود على الكريم .

و بجودك أقصد طلبتي : الطَّلِبة اي الطلبات و هي كناية عن الحوائج و في مقدمتها المغفرة من الله. والقصد هو الهدف و النية . أنا أقصدك يا ربي أن تلبي طلباتي و تقضي حوائجي لأنك الجواد الذي يقصده المحتاجون و يطلب منه الطالبون و أنت يا رب من لا يخيب الملحين عليه و لا يجبه بالرد أهل الدالّة عليه وقد امتلأت بفيض جودك أوعية الطلبات و أنت يا رب بابك مفتوح للراغبين و جودك متاحٌ للسائلين  وخيرك مبذول للطالبين  واغاثتك قريبة من المستغيثين .

وَبِكَرَمِكَ اَيْ رَبِّ اسْتَفْتِحُ دُعائي، وَلَدَيْكَ اَرْجُو فاقَتي، وَبِغِناكَ اَجْبُرُ عَيْلَتي“.

الدعاء  وما أدراك ما الدعاء ؟

الدعاء في الحقيقة هو العبادة و العبادة هي الدعاء . و لذلك جاء في الحديث : الدعاء مخ العبادة . . و الدعاء هو مفتاح السماء . فإن أردت أن تفتح أبواب السماء ليستجيب لك الله طلبك و يقضي حاجتك فعليك أن تستعين بمفتاح السماء و الدعاء هو المفتاح . ولا تظننّ أن الله لا يستجيب لك طلبك بل ادع الله و أنت موقن بالإجابة كما ورد مكررا في الحديث . وتيقن أنه إن فتح الله عليك باب الدعاء فقد فتح عليك باب الرحمة و المغفرة . و لا يهمك إن أعطاك الله حاجتك من الدنيا أم لم يعطك لمصلحة أنت لا تعرف عنها شيئا . بل المهم أنك تدعو و تتقرب اليه تعالى بالدعاء و الطلب و الإلحاح و الإصرار . و اعلم أن الله إذا منّ عليك بتوفيقك للدعاء فإنه قد فتح عليك آفاقا من الرحمة و الرضوان فأقبل عليه بغاية الفقر و الذل و الخضوع و بالِغ في الخشوع و السكينة و الهدوء و أظهر الخشية من مقام ربك بالتذلل و البكاء و التضرع فإن هذا هو حق العبادة و مقتضى الخلقة .

و الإمام يستفتح دعاءه بكرم ربه أي أنه يرجو من كرم ربه الكريم أن يغفر له و يكرمه . و هناك من يفتتح الدعاء بحمد ربه و النتيجة واحدة فما نطلبه بكرم الله هو ما نطلبه بحمده .

و لديك أرجو فاقتي : الفاقة هي شدة الفقر و الحاجة . وكلنا فقراء الى الله . كل الناس دون استثناء فقراء والله هو الغني على الإطلاق . فإن أردت الغنى فاعبد ربك فإن يكن الله معك فلا تحس بالفقر والفاقة ولو كنت في أمس الحاجة و العوز . و لكن المشكلة أننا نحس بالحاجة المادية و لا نحس بالغنى المعنوي .. غنى النفس عن كل ما في الحياة من زينة و لذة و شهوة . ولو كان الإنسان يرى كإبراهيم ملكوت السموات و الأرض لعلم أن ما عند الله خير و أبقى و لعلم ماذا أخفى الله له من قرة أعين و لو لم يصل الى تلك الدرجة الرفيعة و يرى بعين البصيرة ما لا يراه يعين المادة ، لما كُشف له من هذا الغطاء شيء .

و بغناك أجبر عيلتي : بغناك : اي بسبب غناك . أجبر أي أصلح جبر العظمَ المكسورَ : أصلح كسرَه . جاء في الحديث : اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني و اهدني . اجبرني يعني أصلح حالي . و جبر العيلة يعني إصلاح الفاقة والفقر بالإستعانة بالغني على الإطلاق . ورد في الكتاب الكريم : ” يا أيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد ”. أي انكم محتاجون اليه في كل شيء وهو المتفرد بالغنى وحده لا شريك له .. انتم الفقراء في الإيجاد و في الإعداد و في الإمداد وفي التعليم وفي دفع المكاره وازالة الشدائد و في البقاء والحياة وأنتم الفقراء بكل اعتبار شعرتم بذلك أم لم تشعروا والله هو الغني من جميع الوجوه فلا يفتقر الى شيء و لا يحتاج الى شيء لأنه هو الحميد في ذاته و أسمائه و صفاته وهو الجواد المنعم بغناه و من لطفه و منّه على عباده وعلى الكائنات كلها .

وَتَحْتَ ظِلِّ عَفْوِكَ قِيامي، وَاِلى جُودِكَ وَكَرَمِكَ اَرْفَعُ بَصَري، وَاِلى مَعْرُوفِكَ اُديمُ نَظَري“.

الظل : عتمة تغشى مكانا حجب عنه أشعة ضوئية حاجز غير شفاف . وظل الليل سواده . والظل من السحاب : ما وراء الشمس . و هو في ظل فلان أي في كنفه . والظل هو الذي يحجب حرارة الشمس . قال تعالى : ” أ لم تر الى ربك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله سكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ” . و يعبّر عن الظل أيضا بالعزة و المكانة العالية . كما يطلق على الراحة و الرفاهية . قال تعالى : ” إن المتقين في ظلال و عيونفالمراد بالظلال ، ظلال القصور و الأشجار العالية . و تحت ظل عفوك أي بالإستعانة بعفوك قيامي و قعودي و كل حركاتي و سكناتي .

و الى جودك و كرمك أرفع بصري :  البصر جمعه أبصار و البصيرة جمعها بصائر . الظاهر أن المقصود ليس النظر بالعين بل المقصود البصر بالقلب ولو أن التحدق بالعين يفي بالغرض أحيانا. اي أنني أحدق ببصري و قلبي و بصيرتي الى جودك و كرمك يا أكرم الأكرمين أن تعفو عني و تغفر لي و ترحمني و تجعلني في كنف رعايتك و عنايتك ، أنظر اليك نظر فقير محتاج يتطلع الى كرم ربه و سيده ومولاه ليجبر فاقته و يصلح أمره و يقضي حاجته .

والى معروفك أديم نظري : المعروف هو الإحسان والخير و المعروف هو الصنيعة التي يسديها أحد الى غيره . جاء في الحديث : ” اذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى أهل المعروف فقال : قد غفرت لكم على ما كان فيكمفالمعروف هو الإحسان و الخير الى الغير . والمعروف كل ما عُرف بالشرع أو بالعقل حسنه . قال تعالى : ” يا بنيّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكرفالمعروف في الحقيقة كل ما أمر الله به من الأحكام و الخصال الشريفة و الصفات الحميدة . و هناك من المفسرين من يفسر المعروف في كلمة واحدة بالطاعة و المنكر بالمعصية . وأما المعروف من الله فهو الإحسان و الذي يتمثل قطعا بالرحمة و الغفران .

ادامة النظر : يعني الإستمرار والثبات  في النظر من دام يدوم . و المقصود أنني أرجو خيرك و معروفك لي باستمرار دون انقطاع فمن لوازم ادامة النظر عدم الإنفكاك . والله تعالى مستمر في عطائه و معروفه الى عباده بل و الى الخلق كلهم دون انقطاع أبدا و لكن قليل من عباده الشكور .

فَلا تُحْرِقْني بِالنّارِ وَاَنْتَ مَوْضِعُ اَمَلي، وَلا تُسْكِنِّىِ الْهاوِيَةَ فَاِنَّكَ قُرَّةُ عَيْني ”.

الإحراق : هو اشعال النار في الشيء .الموضع : اسم مكان من وضعَ وموضع الأمل يعني مكان الأمل ومحطّ الرجاء . و الأمل هو الرجاء والتفاؤل الشديد .

بعد أن طلب الرحمة من ربه بخضوع و خشوع يطلب منه طلباً ، هو ما يطلبه كل مؤمن من ربه وهو أن لا يحرق بدنه الضعيف بالنار و ذلك لأن الفوز و الفلاح في الزحزحة عن النار حيث قال تعالى : “ فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فازفالزحزحة عن النار هي التنحية  والبعد عنها ، فمن كانت نتيجة أعماله البعد عن النار و النجاة عن لهيبها و سعيرها فقد فاز فوزا عظيما . يا كريم العطاء  ويا حكيما يستر الخطاء ويا احدا في الذات و الصفات ويا خالقا له العزة و القدرة و الغلبة بعز جلالك و بعظمة جمالك أقسمك أن لا تحرقني و لا تدخلني النار لأن أملي فيك كبير و لا أمل لأحد غيرك فلا تخيب ظني و أملي فيك و لا تحرمني من رحمتك التي وسعت كل شيء ، أن تسعني .

و لا تسكني الهاوية . السكون : الهدوء و الصمت . و سكن الشيء أي هدأ و توقفت حركته . و يستعمل في المسكن و الموطن . قال تعالى بلسان ابراهيم الخليل عليه السلام  : ” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ” . أي انني أسكنتهم في مكان للراحة و ليبيتون فيه بعد الحركة و يأمنون البرد و الحر و الأعداء. فالمسكن مكان السكون والراحة . و أما الهاوية فإنها اسم من أسماء جهنم و الهاوية مأخوذة من كلمةهوى يهويأي سقط . والهاوية تقال أيضا لحفرة عميقة يمكن السقوط فيها من الأعلى . قال تعالى : ” فأمه هاويةأي مأواه و مسكنه جهنم ، يهوي فيها . فلا تجعل مسكني ومأواي الأبدي جهنم يا ربي لأنك قرة عيني . و معنى قرة العين أي لا تطمح العين الا اليه ولا تطمع الا فيه  أو ما يصادف الإنسان به سرورا وفرحا وراحة و اطمئناناً فلا تطمح العين الى ما سواه لما فيه من لذة و أمان وسكون. والقرة هي الرغد و الطيب . فالمحصلة أنك منتهى أملي و آخر رغبتي و نهاية حبي و مطمح عيني  وبك أسكن و الى رحمتك أرنو و بإسمك أهدأ و بذكرك تطيب لي الحياة و الممات . اللهم اجعلنا من الراجين و الآملين رحمة ربه و اجعلنا من المرحومين في الدنيا و الآخرة يا أرحم الراحمين  .

يا سَيِّدي لا تُكَذِّبْ ظَنّي بِاِحْسانِكَ وَمَعْرُوفِكَ فَاِنَّكَ ثِقَتي، وَلا تَحْرِمْني ثَوابَكَ فَاِنَّكَ الْعارِفُ بِفَقْري

يا سيدي .. لا تكذب ظني بإحسانك :

ما هو الظن ؟

الظن كما في معاجم اللغة ، هو إِدراكُ الذهن الشيءَ مع ترجيحه ، وقد يكون مع اليقين ، جاء في الحديث : ” إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث ” . وبالرغم من أن الظن هو التردد الراجح بين طرفي الإعتقادغير الجازم و لكنه أيضا يصلح أن يكون عِلما في حد ذاتهعلى ذلك فإن المقصود من الظن في هذه الفقرة من الدعاء هو العلم و اليقين بإحسانه تعالى لعباده .. و بما أنك أنت يا ربي تحسن الى عبادك قطعا و يقينا، فأحسن اليّ بمعروفك و فضلك لأني واثقٌ بك معتمد عليك . الثقة : مصدر من وثِق . وهو مَن يُعتمد عليه في الأقوال والأفعال ، وقد تُستعمل كذلك للمثنّى والجمع للرجل و المرأة على السواء فيقال رجل ثقة و امرأة ثقة . والوثوق هو الإعتماد و التوكل .. فأنت يا رب ثقتي لأني لا أعتمد ولا أتوكل إلا عليك .“ اياك نعبد و اياك نستعين ”- فكما أن العبادة خاصة بالله تعالى ، فالإستعانة أيضا لا تكون الا به سبحانه .

وَلاتَحْرِمْنيثَوابَكَفَاِنَّكَالْعارِفُبِفَقْري

لا تحرمني أي لا تمنعني .

ما هو الثواب ؟

الثواب هو الجزاء حيث يكون في الخير والشرِّ إلا أنه في الخير أخصّ ، و أكثر استعمالاً ، عكسه عقاب . يقال : نال الثواب من الله ، وجاء في القرآن الكريم : ”فآتاهُمُ اللَّهُ ثواب الدُّنْيا وَحُسْنَ ثواب الآخِرَة“. و جاء أيضا : ” والله عنده حسن الثواب ”. أي الجزاء و العطاء. لا تمنعني ثوابك و عطاءك لأنك تعلم شدة فقري والفقر اشارة الى الفقر المعنوي و ليس المادي فكلنا نفتقر الى ثواب الله و عطائه في الدنيا و الآخرة . والجميع محتاجون الى الثواب الإلهي والعطاء الأخروي . قال تعالى : ”وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ”.

أريد ثواب الله لا شيء غيره ** و رضوانه في جنة و نعيم  

والثواب من الله تعالى ليس إلا تفضّل منه و منة على عبده و إلا فلا يُعقل أن يطلب أحد الجزاء على أعماله مهما كانت صالحة وقيّمة فما يعمله الأولياء أيضا ليس إلا جزءا من شكر الله على نعمائه و لذا نراهم صلوات الله عليهم عندما يقال لأحدهم : لماذا كل هذا التعب و أنت مرضي عند الله ؟ يقول : ألم أكن عبدا شكورا؟

ورد في الكافي عن أبي بصير عَنْ الإمام محمد الباقر ( عليه السَّلام ) أنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) عِنْدَ عَائِشَةَ لَيْلَتَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تُتْعِبُ نَفْسَكَ وَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: “يَا عَائِشَةُ، أَ لَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً

و هذا جابر بن عبدالله الأنصاري يرى كيف يتعب امامه السجاد عليه السلام في العبادة فيقول لهيا ابن رسول الله أما علمت أن الله إنما خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟!

فقالله علي بن الحسين: ” يا صاحب رسول الله أما علمت أن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآلهقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبدبأبي هو وأميحتى انتفخ الساق وورم القدم،وقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : ”أفلا أكون عبدا شكورا؟

ولكن الله بفضله يجازي المؤمنين و يثيبهم في أعمالهم الصالجة بل و يعطيهم أكثر مما يتوقعون . قال تعالى : ”فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَوقال : ”مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِهاوكل ذلك بالرغم من أن كل أعمال العبد لنفسه فالله غني عن العالمين . نعم ، هناك من يعبد الله لا طمعا في جنته و لا خوفا من ناره بل يراه أهلا للعبادة فيعبده و كل ما أجهد نفسه يراها مقصرة في شكر نعماء الله . و أين نحن منهم ؟

اِلهي اِنْ كانَ قَدْ دَنا اَجَلي وَلَمْ يُقَرِّبْني مِنْكَ عَمَلي فَقَدْ جَعَلْتُ الاْعْتِرافَ اِلَيْكَ بِذَنْبي وَسائِلَ عِلَلي ”.

دنا : من يدنو ، دنواً ودناوة ، أي اقترب . جاء في القرآن يحكي قصة الرسول (ص) في المعراج واقترابه من العلي الأعلى : ” ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى“ . دنا أجلي : اي اقترب أجلي

ما هو الأجل ؟

الأجل هو الوقت الذي يُحدَّد لإنتهاء الشيء أو حلوله وهو غاية الوقت المحدد لشيء ما . جاء في الكتاب المجيد : ” وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا“. و ورد أيضا قوله تعالى : ” وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ، كتاباً مؤجّلا“. وجاء أيضا بهذا المعنى :” ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها“ .

نعم .. إن كان قد انتهى أمد بقائي في الدنيا و بلغ العمر نهايته و اقتربت من الموت ولقائك يا رب وليس عندي من عملي ما يقربني منك ولكن وسيلتي للنجاة هي فقط اعترافي اليك بذنوبي فأنا مقر بالذنوب . الهي قلبي محجوب ونفسي معيوب وعقلي مغلوب وهوائي غالب وطاعتي قلية ومعصيتي كثيرة ولكن لساني مقرّ بالذنوب ، معترف بالآثام والمعاصي ولا حيلة لي إلا طلب عفوك و مغفرتك يا ستار العيوب ويا علام الغيوب ويا كاشف الكروب .

التقرب الى الله أساس العبادة

التقرب الى الله غاية العبادة وأصلها و أساسها فكل العبادات يجب أن تكون لأجل التقرب الى الله وإلا فتكون هباء منثورا . قال تعالى : ” وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا“. فهناك الكثير من العباد من يعمل عملا صالحا و لكنه لا يريد فيه التقرب الى الله بل عمل لأجل مصالح مادية أو التكسب أو حب الناس أو خدمة المجتمع و غير ذلك من الأهداف المعلنة أو المخفية و لكن هذه الأعمال مهما كانت مثمرة و جيدة و تعود منافعها الى الأمة فإنها لا ترقى الى السماء ، سماء الإخلاص و القرب ، لذلك فليس لها نتيجة نافعة و محصلة مفيدة لأن الغرض لابد أن يكون خالصاً لا يشوبه شرك . ولذلك ترى كثيرا من الناس يعملون أعمالا مفيدة وصالحة أيضا و لكن لا يريدون فيما يعملون تقربا الى الله و ليس في عملهم هدف مرضيّ عند الله ، فلا تكون لأعمالهم نتيجة في الآخرة . نعم ، لا شك أن الله يوفقهم في الدنيا و يعطيهم ما يتمنونه من محبة الناس ولكن ليس لهم في الآخرة من أجر لأن العمل لا يتقبله الله إلا إذا كان خالصا لوجهه ، يقصد به التقرب اليه سبحانه .

قالتعالى : ” مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيدو ليست هذه النتيجة الحتمية لعمل الكافر ، فحتى المؤمن المسلم إن لم يكن عمله خالصا لله فيكون باطلا و لا يفيده يوم الآخرة . قال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبواو كل هذه الأمثال يضربها الله في كتابه العزيز لتقريب المعنى الى الأذهان أنه لا يفيد أي عمل إلا إذا كان لوجه الله ، فهناك الكثير من الناس يصرفون آلاف بل ملايين الدنانير و الدراهم لبناء المستشفيات و المدارس و المساجد ولا ينوون التقرب الى الله فلا تفيدهم كل هذه الأعمال مهما كانت مثمرة مفيدة للناس . أتذكر أحد المؤمنين العوام قال لي يوم افتتاح مسجد النقي ، و كان هذا أول مسجد جميل آنذاك للشيعة ، قال بالكلمة الواحدة : سوف أبني مسجدا أجمل و أحلى من هذا المسجد !!! أي أنه ينوي حتى في بناء المسجد و مكان العبادة ، المنافسة في الطراز و البناء والجمال!

وأما المؤمن الصالح فإنه يتقرب الى الله في كل ما يعمل من عمل ، صغيرا كان أو كبيرا ، فذلك الفقير الذي ينفق دنانير قليلة من أمواله قربة الى الله ، فإنه يتقرب الى الله أميالا كثيرة بينما يبتعد من الله من ينفق الملايين دون التقرب اليه سبحانه ، بقدر ما ينفق من أموال . وشتان بينهما . وبناء عليه فإن كيفية العمل هي التي تؤدي الى النجاة لا كميته . نعم لا شك أن الكمية مفيدة فكلما زادت الأعمال الصالحة زاد الأجر و الثواب قطعا و لكن المهم أن تكون النية خالصة و الهدف هو الله . اللهم اجعل في أعمالنا و أفعالنا و أقوالنا خلوصا و نية صادقة حتى نتقرب اليك و ندنو منك وترضى عنا يا كريم .

إلهي إن عفوت فمن أولى منك بالعفو وإن عذّبت فمن أعدل منك في الحكم

العفو هو الصفح و الغفران بعد ارتكاب الذنب . يقول الراغب في مفرداته : ”عفوت عنه : قصدت إزالة ذنبه صارفا عنهوالعفو في الأصل بمعنى الفضل و الزيادة . قال تعالى : ”و يسألونك ماذا ينفقون ، قل العفوأي ما عندهم من المال الزائد . والعفو من الله هو ترك عقوبة المذنب مع استحقاقه للعقوبة . و بما أن الله كثير العفووكان الله عفوّا غفورافإنه يعفو عن عباده الكثير .

يقول أبو نواس في شعره :
يا كثير الذنب ، عفو الله من ذنبك أكبر

أكثرُ العصيان في أصغر عفو الله يصغر

أجل .. الله عفوٌّ كثير العفو و هو يقول : ” ويعفو عن كثيرو لكن ليس معنى هذا أن الإنسان يتجرأ على ربهوالعياذ باللهو يعصيه دون اكتراث ، رجاء عفوه ! فالله في نفس الوقت الذي هو غفور رحيم ، فإنه شديد العقاب . قال تعالى : ” كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده و أصلح فانه غفور رحيم ”. الله يغفر لمن عمل سوءا بجهالة ثم تاب من عمله وأصلح بعد التوبة ، عندئذ يرى الله توابا رحيما. كل انسان معرّض للخطأ و للعصيان الا من عصمه الله ولكن عليه أن لا يتمادى في عصيانه ولا يستمر في ذنبه بل يكثر من الإستغفار و التوبة حتى يرضى عنه ربه و يغفر له و يعفو عنه .

و إن عذبت فمن أعدل منك في الحكم

لا شك أن الله لا يظلم أحدا مثقال ذرة و قد كرر في كتابه المجيد ذلك وأن الله ليس بظلام للعبيد . يقول الإمام في دعاء آخر له : ” وقد علمتُ أنه ليس في حكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة وإنَّما يعجل من يخاف الفوت وإنَّما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علوّاً كبيرا“. ولكن المشكلة أنه لو أراد أن يعاملنا بعدله و يحكم علينا بأفعالنا و أعمالنا فالويل لنا مما اقترفت أيدينا من ذنوب و معاصي وزلات حيث لا طاقة لنا أبدا بعدله الدقيق في الحكم علينا من خلال أفعالنا و أعمالنا .

جاء في دعاء آخر : ”يا من لا يُسأل إلاّ عفوُه يا من لا ينظر إلاّ برّه يا من لا يُخاف إلاّ عدلُهأي أن العدل الإلهي لو يُطبّق علينا بحذافيره فلن ينجو منا أحدٌ أبدا ً و لذلك فكل إنسان يأمل أن لا يعامله الله بعدله بل أن يعامله بفضله و لطفه و إحسانه . فتبارك الله أن يوصف إلا بالإحسان والكرم .

ارْحَمْ في هذِهِ الدُّنْيا غُرْبَتي، وَعِنْدَ الْمَوْتِ كُرْبَتي، وَفِي الْقَبْرِ وَحْدَتي، وَفِي اللَّحْدِ وَحْشَتي، وَاِذا نُشِرْتُ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْكَ ذُلَّ مَوْقِفي

الغربة هي في الواقع البعد عن الوطن . وعندما يقول الإمام ارحم في هذه الدنيا غربتي ، كأنما يعتبر نفسه غريبا في الدنيا لأن الوطن الحقيقي هو الجنة و لقاء الله ولذلك يحسب نفسه في الدنيا غريبا . وهناك احتمال آخر أن الإمام كغيره من أئمتنا عليهم السلام يرى و يحس ظلم المجتمع عليهم و غصب حقوقهم فيشعر بالغربة بين أمة ما رعيت حق ذوي القربى من رسول الله صلى الله عليه و آله . يكفي قول أمير المؤمنين عليه السلام : ” أرى تراثي نهبا“ . فعندما يرى الإمام أن الحكام يبعدون الناس عنهم سلام الله عليهم ولا يسمحون لشيعتهم و أتباعهم أن يزوروا إمامهم و يأخذوا منه أحكام دينهم إلا بشق الأنفس ، عندئذ يرى نفسه غريبا في البلاد . يكفي إلقاء نظرة عابرة على التاريخ الإسلامي لنرى كيف عاش أئمتنا عليهم السلام في ضيق و حصر و حبس و غربة و كيف كان الوصول اليهم في غاية الصعوبة و المشقة . ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .

وارحم .. عند الموت كربتي .

الكَرب و الكُربة : الغم و الحزن الذي يأخذ بالنفس . وكربه الأمر والغم يكربه كربا : اشتد عليه فهو مكروب و كريب والإسم الكُربة ،وإنه لمكروب النفس . والكرائب : الشدائد .جاء في الكتاب العزيز : ” ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ” .

و المحصلة أن الموت يأتي مصاحبا للغم و الشدة .. طبعا الإمام لا يخشى الموت ، حاله كحال سائر الأولياء و الأصفياء و لكن أولا يحكي حالنا لأننا نخاف الموت و نخشاه لعدم معرفتنا بما وراءه .

ثانيا :ولو أراد الموت بعينه و لم لا ، فالإنسان مهما بلغ من القرب عند الله فإنه يخشى نتيجة أعماله ، هل عملَ بما يُرضي الله أم أن في أعماله بعض النواقص لا سمح الله . والإمام لشدة معرفته بالله يخشى مقام ربه في حين أنه يحب لقاءه أشد حبوالذين آمنوا أشد حبا لله

ثالثا: كل إنسان يشعر بالهم و الغم حين الموت لأنه فراق للأحبة .والإمام غير مستثنى من ذلك . فبالرغم من أنه يشتاق الى لقاء ربه اشد اشتياق فإنه يؤلمه فراق أهله و أحبته و عائلته .

عن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: لما حضرت الحسن بن علي عليهما السلام الوفاة بكى فقيل : يا ابن رسول الله أتبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله مكانك الذي أنت به وقد قال فيك رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال، وقد حججت عشرين حجة ماشيا، وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل؟ فقال عليه السلام: ”إنما أبكي لخصلتين: لهول المطَّلع، وفراق الأحبة.“

و أما الموت فالحقيقة إنه تكامل للإنسان فالدنيا ليست كاملة بل إنها مجرد جسر للعبور يأخذ فيها المؤمن متاع الآخرة ليرتحل إلى وطنه الأصلي و منزله الدائم وإقامته الكاملة . و عندما تخرج روحه من جسده فإن الأفاق تنفتح أمام عينيهفبصرك اليوم حديدو يرى الملائكة و يشعر بلقاء الله و يتمكن من رؤية أوليائه و أئمته عليهم السلام فعالم البرزخ ، عالَم التكامل ، بالنسبة للدنيا و ما بعده يكون التكامل في أوجه و غايته .

نعم .. كلنا نخشى من العاقبة لأننا لم نستغل هذه السنوات القليلة من سني الدنيا في العمل الصالح و فيما يقربنا الى الله ، إلا اليسير اليسير و هذا ما يجعلنا نخاف الموت و نكره الدخول الى عالم التكامل .

جاء في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى : ” إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقامواأي على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ” تتنزل عليهم الملائكةقال: عند الموت ” ألا تخافوا ولا تحزنوا و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنياقال : كنا نحرسكم من الشياطينوفي الآخرةأي عند الموت ” ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعونيعني في الجنةنزلا من غفور رحيم “.

وفيمن لا يحضره الفقيهسئل رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف يتوفى ملك الموت المؤمن؟ فقال: إن ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقف العبد الذليل من المولى فيقوم هو وأصحابه لا يدنو منه حتى يبدأ بالتسليم ويبشره بالجنة.

و أحسن من هذا كله قول الله تعالى في كتابه الكريم :“ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكمفالملائكة عند موت المؤمن يأتي و يلقي عليه سلام الرب الرحيم ليطمئن قلبه ثم يقبض روحه ليكون مع أولياء الله حتى يوم اللقاء الأكبر .

وَفِي الْقَبْرِ وَحْدَتي، وَفِي اللَّحْدِ وَحْشَتي، وَاِذا نُشِرْتُ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْكَ ذُلَّ مَوْقِفي

بالطبع الإنسان وحيد في قبره و الوحدة هنا ليست بمعنى الوحدة في عالم الدنيا ففي عالم البرزخ الوحدة تعني أنك مرهون بعملك إن كنت من الصالحين فالقبر يكون بمثابة روضة من رياض الجنة و إن كنت من الطالحينوالعياذ باللهفالقبر يكون حفرة من حفر النيران . و القبر أو اللحد ليس فقط بمعنى الحفرة الضيقة التي يُدفن فيها الميت فإن الله جعل للميت المسلم كرامة لكي يُدفن لا كالبهايم و الحيوانات . و أما اللحد ليس فقط هذه الحفرة فهناك من يموت في البحر أو في البر أو يبتلعه الحيوان أو تنفجر ذراته في الفضاء فلا يبقى لجسده أثرٌ حتى يُدفن ، لذلك فالقبر كناية عما بعد الموت أي عالم البرزخ . و في هذا المكان أو العالم يرجو الإمام من ربه أن يرحم غربته و وحشته والوحشة هي الخوف الناتج عن تلك الوحدة .

جاء في أمالي الطوسي أنه كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر كتابا جاء فيه: ” ياعباد اللّه ، ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشدّ من الموت ، القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته ، إنّ القبر يقول كلّ يوم : أنا بيت الغربة ، أنا بيت التراب ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدود والهوام ، والقبر ، روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النار“.

علىكلحال،الإماميريدأنيصورلناتصويراموحشامخيفاعنالوحدةوالوحشةالتيتنتظرنافيعالمالبرزخحتىيشجعناويحرضناعلىالعملالصالحوالعبادةالخالصةوكلمايقربناالىاللهفتحصللناالطمأنينةمنعدمالوحشةفيذلكالعالم،لأنالمؤمنلايرىمنذموتهإلاخيراولطفاوفضلاوكرامةمنربه.

وَاِذانُشِرْتُلِلْحِسابِبَيْنَيَدَيْكَذُلَّمَوْقِفي

النشر معناه البسط و الكلمة مأخوذة من نشر الثوب أي بسطه و مدّه . و يوم النشر : يوم القيامة و نشر الله الموتى : اي بعثهم و أحياهم أو بعثهم من القبور للحساب و الجزاء. جاء في سورة الملك : ” و إليه النشورأي واليه وحده ابتعاثكم من قبوركم للحساب . وورد في القرآن أيضا : ” ثم اذا شاء أنشرهأي بعثه بعد موته فالنشور يراد به سريان الحياة في الأموات .

و كما جاء في كلام الإمام فالمقصود من النشر هو الحياة بعد الموت و الخروج الى يوم الجزاء للحساب . و بالتأكيد يكون الإنسان في ذلك اليوم خاضعا تماما لكل ما يشاء الله دون أن يكون له أي اختيار و في ذلك الحشر العجيب الذي يُحضر فيه كل الخلائق من لدن آدم الى آخر  فرد من البشر ، يقف الإنسان ذليلا أمام ربه ، يقف في محضر المستجوبين للإجابة وأمام تلك المحكمة الإلهية العليا لا يرجو إلا رحمة ربه و اللطف به وانفساه من موقفنا بين يدي الرحمن في ذلك الموقف  حيث تنسى الأم فلذة كبدها و ينسى الأب قرة عينه، لكل امرئ منهم شأن يُغنيهجاء في دعاء لأميرالمؤمنين عليه السلام : ”اِلهي وَ سَيِّدى اَتُراكَ راحِماً تَضَرُّعي وَ ناظِراً ذُلَّ مَوْقِفي بَيْنَ يَدَيْكَ وَ وَحْشَتي مِنَ النَّاسِ وَ اُنْسي بِكَ يا كَريمُ، لَيْتَ شِعْري اَبِغَفَلاتي مُعْرِضٌ اَنْتَ عَنّي اَمْ ناظِرٌ اِلَىَّ، بَلْ لَيْتَ شِعْري كَيْفَ اَنْتَ صانِعٌ بي وَ لااَشْعُرُ

يا أرحم الراحمين ارحمنا في ذلك اليوم برحمتك الواسعة .

وَاغْفِرْ لي ما خَفِيَ عَلَى الآدَمِيّينَ مِنْ عَمَلي، وَاَدِمْ لي ما بِهِ سَتَرْتَني، وَارْحَمْني صَريعاً عَلَى الْفِراشِ تُقَلِّبُني اَيْدي اَحِبَّتي، وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ مَمْدُوداً عَلَى الْمُغْتَسَلِ يُقَلِّبُني صالِحُ جيرَتي، وَتَحَنَّنْ عَلَيَّ مَحْموُلاً قَدْ تَناوَلَ الاَْقْرِباءُ اَطْرافَ جَِنازَتي، وَجُدْ عَلَيَّ مَنْقُولاً قَدْ نَزَلْتُ بِكَ وَحيداً في حُفْرَتي، وَارْحَمْ في ذلِكَ الْبَيْتِ الْجَديدِ غُرْبَتي، حَتّى لا اَسْتَاْنِسَ بِغَيْرِكَ

واغفر لي : الغفران هو الستر . و غفر له أي سامحه و عفا عنه بالستر عليه والغفور ، اسم من أسماء الله الحسنى ، ومعناه : الذي يعفو ويصفح ويغفر الذُّنوب ويستر صاحبَها فلا يشهِّر به لا في الدُّنيا ولا في الآخرة . والإمام يرجو ربه أن يستر عليه ذنوبه في الآخرة و التي سترها عليه في الدنيا فلم يفضحه أمام الأشهاد .والآدمي ، نسبة الى آدم ابو البشر عليه السلام أي الإنسان . و الآدميين ، جمع آدمي . جاء في الحديث : ” ما ملأ آدميٌّ وعاء شرا من بطن أو من بطنه ”.

اللهم استر علي ذنوبي وعيوبي و لا تفضحني في الآخرة كما لم تفضحني في الدنيا فكم من معصية ارتكبتُها ولم يعلم منها أحد من البشر (طبعا هذا بلساننا فالإمام معصوم من كل ذنب) وما دمت قد سترت علي في الدنيا فاستمر في الستر علي في الآخرة و عندما أكون أحوج من الستر .

وارحمني صريعا على الفراش : الصريع : المطروح على الأرض لا حراك فيه أي الميت . قال الشاعر:

إذا اليوم مُتُّ صريع الطِّلا ** سيعفو غدا عن رميم العظام

ارحمني عندما تتوفاني و أنا على الفراش بدون حراك ، يقلبني أحبتي و يحملوني الى المغتسل ثم يحملوني و يشيعوني الى المقبرة ؛ الى بيت الغربة والوحدة و الوحشة . ارحمني يا رب في هذه المواقف التي لا حول لي فيها و لا قوة وارحم غربتي في البيت الجديد حتى لا أستأنس الا بك . ومن كان الله معه فلا يبالي .

تحنن علي : الحنين هو الإشتياق و العطف . حنّ للشيء : اشتاق و تاقت نفسه اليه . قال الشاعر :

تحنّن علي ، هداكَ المليك ** فإن لكل مقامٍ مقالا.

والحنانمنالله،العطفواللطف . قال تعالى : ” وحناناً من لدناأي رحمة و رأفة و رقة و لطفا منا.

والجِنازة (بالكسر) بمعنى السرير و بالفتح بمعنى الميت نفسه . أطراف جنازتي : يعني أطراف سريري الذي يحملونني عليه و أنا ميت ، نحو القبر .

جُد علي منقولا : جُد من جاد يجود أي تكرّم . الجواد هو الكريم الذي يجود بماله على الآخرين والجود ليس فقط بالمال بل بكل شيء يحتاجه الإنسان فالله عندما يجود علينا فيجود بكل النعم و بعد الموت يجود علينا بالرحمة و الرأفة .

قال الشاعر : إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها ** على الناس طُرّا ، إنها تتقلب. أي إذا أنعم الله عليك فأنعم بها على غيرك لأن أحوال الإنسان غير مستقرة ، يوم لك و يوم عليك فاستغل اليوم الذي لك لتجود بما جاد الله عليك .

حتى لا أستأنس بغيرك : الأنس هو الألفة بعكس التنفر . و الإستئناس بالله من شيم المؤمنين الصالحين فإنهم و كما يستأنسون بربهم في الدنيا فيقومون عندما تنام الأعين ، حبا و وشوقا الى بارئهم و يعبدونه استئناسا و محبة ، فإنهم في القبر لا يحسون بالوحشة من الوحدة لأن الله يبدل غربتهم الى الأُلفة و وحشتهم الى الأُنس . جاء في نهج البلاغة لأمير المؤمنين عليه السلام : ”اللّهمّ إنّك آنس الآنسين لأوليائك“ . جاء في دعاء للإمام الصادق عليه السلام يدعو به للموتى : ” اللهم .. أسكن إليهم من رحمتك ما تصل به وحدتهم ، وتؤنس به وحشتهم ، إنّك على كلّ شيء قدير“ . ولو أننا لا نستوعب كيف يكون الإستئناس في عالم البرزخ ولكن هناك من الأخبار ما تدلّ على أن الأعمال الصالحة و الخيرات في الدنيا تتجسم في عالم الغُربة للمرء فيأنس بها أكثر أنسا بذويه وصحبه في الدنيا . والله على كل شيء قديرٌ.

يا سَيِّدي اِنْ وَكَلْتَني اِلى نَفْسي هَلَكْتُ، سَيِّدي فَبِمَنْ اَسْتَغيثُ اِنْ لَمْ تُقِلْني عَثَرْتي، فَاِلى مَنْ اَفْزَعُ اِنْ فَقَدْتُ عِنايَتَكَ في ضَجْعَتي، وَاِلى مَنْ اَلْتَجِئُ اِنْ لَمْ تُنَفِّسْ كُرْبَتي سَيِّدي مَنْ لي وَمَنْ يَرْحَمُني اِنْ لَمْ تَرْحَمْني، وَفَضْلَ مَنْ اُؤَمِّلُ اِنْ عَدِمْتُ فَضْلَكَ يَوْمَ فاقَتي، وَاِلى مَنِ الْفِرارُ مِنَ الذُّنُوبِ اِذَا انْقَضى اَجَلي، سَيِّدي لا تُعَذِّبْني وَاَنَا اَرْجُوكَ، اِلهي حَقِّقْ رَجائي، وَآمِنْ خَوْفي، فَاِنَّ كَثْرَةَ ذُنُوبي لا اَرْجُو فيها إلاّ عَفْوُكَ .“

إن وكلتني الى نفسي هلكت : التوكيل هو تفويض الأمر الى الشخص ليعمل نيابة عن الموكل ما يراه مناسبا له والتوكيل هو إقامة من يملك التصرف غيره مقام نفسه في التصرف . والتوكيل الى النفس أي أن أتصرف بنفسي في كل الأمور دون رادع و مراقب يراقب أموري . تعبير التوكيل الى النفس كناية عن تفويض الأمور الى النفس دون العقل وعندئذ لا شك فإن فيه هلاك المرء بإعتبار أن النفس ، عادة أمارة بالسوء فمن اتبع نفسه في مشتهياتها و نسي أن يعالجها بعقله أو اغتفل عنه فإنه يكون من الخاسرين البتة .

رايت في بعض مكتوبات الفضلاء أن الهلاك لا يكون إلا لعوام الناس  بل وللمجرمين دون الصلحاء ولا يُطلق تعبير الهلاك على الأنبياء و الأولياء العظام وحتى للمؤمنين و لكني أراه غير متوازن بل وغير صحيح  فقد جاء في القرآن عبارةهلكليوسف عليه السلام حيث قال : ”وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إذا هلك قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًاوالهلاك هو الموت أو الإبادة و الفناء وحتى جاء في الكتاب العزيز : ” كل شيء هالكٌ إلا وجههوفي هذا يتساوى الأولياء و الصالحون ، مع الظالمين و الفاسقين . ولذلك لا يعتبر الهلاك عقوبة أو ذما ولو أن الناس عادة يطلقون كلمة الموت على المؤمنين و الهلاك على المجرمين . وهذا غلطٌ مشهورٌ.

والهلاك في هذه الجملة للإمام سلام الله عليه ، لا يعني الموت بل الإنحراف عن الجادة و الضلال . و يعبر عن هذه الحالة بالهلاك لأن الإنسان المنحرف ، في الحقيقة ، ميتٌ بين الأحياء والحياة بالعلم و الإيمان و الصلوح لا مجرد أكل و شرب كالبهيمة المربوطة همها علفها .

سيدي فبمن أستغيث إن لم تقلني عثرتي :

الغوث : الإعانة و النصرة . أغاثه الله برحمته : خلّصه من الشدة و الحاجة .واغاثة البائس : تقديم العون و المساعدة له . جاء في الكتاب العزيز : ” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكمأي تستجيرون به من عدوكم فأجاب طلبكم و دعاءكم . و الإستغاثة هو الإستعانة و طلب المساعدة .

أقال الله عثرته : صفح عنه وترك ذنْبَه ، أنهضه من سقوطه ، ساعده في محنته ، أغاثه في شدته وأعانه في مشكله .والأصل في الإقالة الفسخ و النكث والإعفاء . فالمدير يقيل موظفا من عمله ، أي ينحيه و يعفيه من الإستمرار في العمل . وقراءة بعضهم في الآية الكريمةفاقتلوا أنفسكم  ،  فأقيلوا أنفسكمأي فابتعدوا و تنحوا عن المعاصي والتزموا الطاعة .

وجاء في الحديث : ” من أقال مسلما عثرته ، أقال الله عثرته يوم القيامةواقالة عثرة المسلم ، أي العفو عن زلته و كظم الغيظ عنه أو مساعدته في حاجته . فمن فرّج عن مسلم و كشف كربته أو تغاضى عن ذنبه ، فإن الله يفرج عنه كربته يوم القيامة و يصفح عنه و يغفر له زلاته و ذنوبه إن شاء الله .

فَاِلى مَنْ اَفْزَعُ اِنْ فَقَدْتُ عِنايَتَكَ في ضَجْعَتي، وَاِلى مَنْ اَلْتَجِئُ اِنْ لَمْ تُنَفِّسْ كُرْبَتي سَيِّدي مَنْ لي وَمَنْ يَرْحَمُني اِنْ لَمْ تَرْحَمْني

الفزع الى شخص : اللجوء اليه و الإستغاثة والإحتماء به . وأصل الفزع هو الخوف و الخشية فعندما يخشى أحد غيره أو شيئا ما فإنه يلجأ الى من يزيل عنه الفزع و يخرجه من الخوف و الخشية . جاء في المثل العربي : يفزع الى أبيه عند الخشية . و جاء في الحديث : ” إنكم لتكثرون عند الفزع و تقلون عند الطمع“ . وفُزِّع عنه أي أزيل عنه الخوف قال تعالى : ” حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم “. أي عندما زال الفزع عن قلوبهم . و الخلاصة أن الفزع إن جاءت معإلىفتفيد معنى الإلتجاء و الإحتماء .

العناية : مصدر عني بمعنى الرعاية والإهتمام و الحفظ . الضجعة عبارة عن الخلود الى النوم  والإستلقاء و الإستراحة في مكان ما والرقود. ضجع الرجل أي وضع جنبه على الأرض . و هنا الضجعة  كناية عن الموت و النوم الدائم في اللحد .

يصور الإمام منظرا للميت الذي أصبح وحيدا في مكان موحش بعيد عن الأنظار بعد ما كان بين أهله و أحبته . و في هذا المكان الموحش لا شك أنه يحتاج الى من يؤنس وحشته و يُخرجه من هذه الحالة البائسة فينادي ربه : ليس لي هنا مغيث و لا مجير الا انت فأجرني و أغثني و أخرجني من هذه الوحشة و الوحدة فلا أحد غيرك يفرج عني و يستطيع اغاثتي و الأستئناس بي .

والى من ألتجئ ان لم تنفس كربتي ؟ الإلتجاء هو اللجوء و الإعتصام والإستناد الى من يسنده و يغيثه . لجأ الى فلان : استند اليه واعتصم به . والملجأ هو المعقل و الملاذ والحصن . لجأ الشخص الى مكان ما أو شخص ما : أي قصده و احتمى به . قال الشاعر : إِن الرجال إِذا ما أُلْجِئوا لجأواإِلى التعاونِ فيها جَلَّ أو حَزَبا.

التنفيس هو التلطيف والترفيه و تفريج الهم و كشف الغم وازالة الحزن وقضاء الحاجة . نفّس عنه كربته : فرّجهاو كشفها . والكربة جمعها كروب ، هو الغم و الحزن . اشتد به الكرب : أي حزن حزنا شديدا . قال تعالى : ” و نجيناه و أهله من الكرب العظيم ”. وجاء في الحديث : من فرّج عن مسلم (أو مؤمن) كربة من كُرَب الدنيا فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ” . والكرب والكروب جمع كربة و هي الشدائد و المحن والهموم .

الى من ألتجئ ان لم تنفس كربتي ؟ ففي تلك الحالة ليس للإنسان مفزعٌ يتوجه اليه و منفسٌ لكرباته وأحزانه ومشاكله وهمومه الا الله تعالى . ” ففرّوا الى اللهفالله هو الكاشف وهو المنفس للغم و هو الملجأ و المغيث دون غيره . ونعم بالله تعالى مغيثا و منفسا للكربات .

سيدي من لي و من يرحمني إن لم ترحمني

الرحمة هي الرقة و الشفقة واللطف . قال تعالى : ” ربنا آتنا من لدنك رحمةأي الطف بنا و ارأف بنا يا رحيم . والإنسان يحتاج دائما الى رحمة ربه في الدنيا و الآخرة . جاء في الدعاء :  اللهم اجعلنا من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين ” . والرحمة أيضا كناية عن الخير والنعمة و المغفرة . قال تعالى : ”واذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهمفالرحمة هنا بمعنى الفرج بعد الكرب و قيل بمعنى المطر بعد القحط والخصب بعد الجدب والرخاء بعد الشدة  والراحة بعد البلاء والنعمة بعد الفقر.

سيدي من لي أي من هو كائن لي و من الذي يرحمني و يفرج عني و يذهب بحزني و غمي إن لم ترحمني وتفرج عني و تغفر لي يا كريم .

وَفَضْلَ مَنْ اُؤَمِّلُ اِنْ عَدِمْتُ فَضْلَكَ يَوْمَ فاقَتي، وَاِلى مَنِ الْفِرارُ مِنَ الذُّنُوبِ اِذَا انْقَضى اَجَلي

الفضل هو الإحسان ابتداء من دون سؤال  ومن دون علة و سبب . والفضل في الأصل بمعنى الزيادة فكلما يأتينا من ربنا فضل وليس لأحد حق على الله تعالى حتى الأنبياء و الأولياء الا ما أوجب هو على نفسه . والفضل أيضا كناية عن النعمة و الهبة . والفضل كناية عن الدرجة الرفيعة فالرجل الفاضل هو ذو المكانة العالية من حيث العلم و الأدب . قال تعالى : ”واسألوا الله من فضلهو الفضل هنا نكرة تعني الكثير و منها الخير والنعمة و الرزق . و أصلا كل ما يأتينا من الله هو مما يتفضل علينا. ومن أدب السؤال مع الرب العظيم أن تطلب منه حاجتك لا من غيره و أن لا تعين كيفية رفع الحاجة و قضائها بل تسأله مما عنده فهو الخبير والعالم بما تحتاج اليه فاطلب من فضله أي مما يريد هو أن يتفضل عليك من خير لا تعلم كمه و لا كيفه فهو أخبر بحالك البتة .

أؤمل فعلٌ من التأميل الذي هو الرجاء . فضل من أؤمل أي أرجو و أترقب و أنتظر ففي يوم الفقر و الفاقة لا أحد يتمكن من إغاثتي و تأميلي الا أنت خصوصا في العالم الآخر الذي لا يمكن أن يغيثني أحد الا أنت . والإنسان يجب أن تكون كل آماله و رجائه و دعائه في الدنيا و الآخرة من الله . و بالأحرى في القبر فإن الإنسان منفصل عن الدنيا و لا أحد يؤمله و يغيثه الا الواحد الأحد الذي لا منجى ولا ملجأ الا اليه . وهناك لا مجال للعمل فالعقل يحكم أن نقدم عملا صالحا ليفرش لنا القبر الكئيب الموحش فيصبح جنة خضراء و دارا مليئة بالنعم الإلهية المنتقاة . والإمام ، يحدثنا عبر الدعاء لكي نعتبر و نعمل . صحيح أننا في عالم البرزخ و العوالم الأخرى نحتاج الى عناية  ولطف و فضل من الرب الرؤوف الرحيم و كل إنسان يحتاج اليه خاصة في تلك العوالم و لكن لنعلم أن مجال العمل و الإرتقاء هنا في عالم الدنيا ، فإن عملنا خيرا فإن الأمل كبيرٌ أن يعاملنا الرب بلطفه و إحسانه وهو قديم الإحسان و هو اللطيف البرّ الرحيم .

والى من الفرار من الذنوب اذا انقضى أجلي :

ما هو الذنب ؟ الذنب يُطلق على الإثم و العصيان و التمرد وعدم الطاعة  و مخالفة الرحمان .والأصل في الذنب الذيل و التبعة و آخر الشيء . ويقال له التبعة لأن له أثر في نتيجة العمل فالتبعة هي الضرر والعاقبة السيئة للإنسان جراء عمل غير مناسب صدر عنه . و هكذا الذنب فإن له ذلك الأثر السيء بعد الموت ، هناك تُبان التبعات و تظهر الآثار و تتوالى النتائج المشينة .. قال تعالى : ” فأخذهم الله بذنوبهمأي أخذهم الله بسيئات أعمالهم التي هي تبعات الأعمال . و الذنب هو المعصية و الإثم و الجُرم والخطيئة و الفسق و الفجور و المنكر والحَوب و عندما يكبر يكون فاحشة وساء سبيلا و كل هذه المعاني و الألفاظ وردت في القرآن للدلالة على الذنب .

و كما قلنا فإن الذنب في الحقيقة هو التبَعة حيث تظهر التبعات تِباعا ، لذلك فالإمام يشير الى ذلك العالم بأنه لا مكان للفرار من تبعات الأعمال فإذا انقضى الأجل و انتهى أمد الحياة و جاءت سكرة الموت بالحق ، لا ملجأ و لا منجى إلا إليه سبحانه . و بالطبع مهما كان الإنسان صالحا و له حسناتٌ فإنه يحتاج الى فضل ربه و رحمته و مغفرته عند انقضاء أجله . اللهم ارحمنا برحمتك و امنحنا عفوك و رأفتك يا رؤوف .

سيدي لا تُعَذِّبْني وَاَنَا اَرْجُوكَ، اِلهي حَقِّقْ رَجائي، وَآمِنْ خَوْفي، فَاِنَّ كَثْرَةَ ذُنُوبي لا اَرْجُو فيها إلاّ عَفْوَكَ، سَيِّدي اَنَا اَسْاَلُكَ ما لا اَسْتَحِقُّ وَاَنْتَ اَهْلُ التَّقْوى وَاَهْلُ الْمَغْفِرَةِ

لا تعذبني .. ما هو العذاب ؟ العذاب هو العقاب و النكال و كلّ ما شقّ على النفس وآلمها ، فهناك عذابٌ روحيّ يقصف بالروح و يؤلمه و هناك عذاب بدني يؤذي الجسم و يجرحه ويصيبه بالألم والوجع . قال تعالى : ”ومن يُعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صَعَداأي عذابا شديدا موجعا مؤلما لا راحة فيه . والإعراض عن ذكر الله ، الغرض منه الإعراض و الإبتعاد عن كتاب الله و عدم العمل بما فيه. وتتعدد أنواع العذاب في جهنم من الأكل و الشرب و الحالة والقيود ونضج الجلود والذل و الهوان  والعياذ بالله .

لا تعذبني يا سيدي و ربي لأنني أرجو المغفرة والعفو منك . و جملةأنا أرجوك، فهي جملة حالية يعني لا تعذبني يا ربي حال كوني دائم الرجاء منك و دائم الطلب منك . ثم يفصل في كلمة الرجاء فيطلب من ربه أن يحقق رجاءه و يأمنه من العذاب .

آمن خوفي : أي اعطني أمانا حتى لا أخاف .آمِن ، مصدره أمان . قال تعالى : ” الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوفأي آمنهم ربهم من كل ما يخافون منه إن كان خوفهم من الأعداء أو الأمراض أو غير ذلك . آمنه من الخطر أي جعله في مأمن . والأمان هو الإستقرار والبلد الآمن ، الذي لا اضطراب فيه و لا فوضى . قال تعالى : ” و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناأي اجعل مكة آمنا من الخوف ، لا يُرعَب أهله . أو آمنا من الطغاة و الجبابرة أو آمنا من عذاب الإستئصال و عقوبات الله في الأرض كالخسف و الزلزال .

ثم يعرض الإمام لذنوبه و انها على كثرتها لا يرجو فيها الا عفو ربه . طبعا الإمام معصوم و ليس له ذنوب و لكنه يقرّ بالذنب لأن كل عدم توجه الى الله ولو للحظة يعتبره ذنبا له وكل إقبال على لذة من لذائذ الدنيا ولو كانت مشروعة ، يعتبره الإمام نوعا من الذنب بالنسبة له . وأخيرا فإن هذا درس لنا نحن العصاة حيث لا نيأس من رحمة الله مهما كثرت ذنوبنا لأن عفو الله أكبر من ذنوبنا و مغفرته و رحمته تشمل كل شيء فلتشملنا نحن عباده مع كثرة ما علينا من معاصي و آثام . الهي ، اسمك راحة الروح  ونداؤك مفتاح الفتوح وسلامك دواء الجروح فلندعوك باسمك الأعظم و أسمائك الحسنى أن تستجيب لنا دعاءنا و تغفر لنا زلاتنا و تمسح بقلم العفو على صفحة أعمالنا يا كريم .

سيدي أنا أسألك ما لا أستحق و أنت أهل التقوى و أهل المغفرة . نعم كلنا نسأل ربنا و نطلب منه حاجاتنا التي أهمها و أولاها مغفرته و رضاه و لكننا طبعا لا نستحق على الله شيئا و حتى الأنبياء و الأئمة عليهم السلام لا يستحقون من الله شيئا فكل ما يأتي من الرب فضل منه و إحسان .

أهل التقوى و أهل المغفرة : أي هو أهل ٌ أن يُخاف من غضبه وهو أهلٌ أن يُتقى و يُعبد لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة الا له  وهو حقيق و مستأهل بالتقوى . وهو أهلٌ أن يغفر ذنب من أناب اليه و تاب ورجع اليه و اتبع رضاه فلا يغفر الذنوب كلها جميعا الا الله والله مستأهل و حقيق بأن يغفر ذنوب عباده  و يؤويهم و ينصرهم و يسكنهم جنات عدن .. اللهم ارزقنا اياها بحق أقرب الناس اليك محمد وآله الأطهار.

فَاغْفِرْ لي وَاَلْبِسْني مِنْ نَظَرِكَ ثَوْباً يُغَطّي عَلَيَّ التَّبِعاتِ، وَتَغْفِرُها لي وَلا اُطالَبُ بِها

بما أنك أنت أهل التقوى و أهل المغفرة فاغفر لي . البسني ثوبا : اللباس هو ما يغطي المرء به جسمه ليكون ساترا و في نفس الوقت يكون جميلا و حسنا . واللباس كل ما يُستتر به ويُكتسى به . قال تعالى : ” يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم و ريشافقد جعل الله اللباس لنستر به العورات بالإضافة الى التجمل .

ثم يقول : ” ولباس التقوى ذلك خيرفلباس التقوى ، هو الإيمان أو الحياء الذي يؤدي الى الإيمان ذلك لأن الحياء يجعلك في ستر عن الأجنبي ويحفظك من النظرات المسمومة  و أيضا ربما كان المقصود من لباس التقوى ، العمل الصالح . وقيل ان لباس التقوى كل ما يُتواضع به لله تعالى ويُتعبد له فهذا خيرٌ من كل شيء .

و الإمام يطلب من ربه أن يٌلبسه و يغطيه من نظره ثوبا أي غطاء يحجب عنه التبعات و كما قلنا فالتبعات هي ما يترتب على العمل من خير أو شر و بالطبع لا يريد الإنسان أن تُمحى آثار الخير من أعماله بل يريد محو آثار الشر و هي الذنوب حيث ان آثارها تبقى مع الإنسان و الإمام يطلب من ربه أن يُمحي هذه الآثار السيئة من أعماله حتى لا ينفضح أمام الأشهاد يوم القيامة . وربما كان الغرض من التبعات ، الظلامات فكم من انسان ظلمته في حياتي عن عمد أو سهو فأريد أن تُلبسني  يارب بثوب رحمتك حتى لا تبقى هذه الظلامات معي .

من نظرك : ما المقصود من نظر الله ؟ النظر هو التبصر و الرؤية و التأمل والملاحظة و الدقة و غير ذلك و لكن النظر من الله أمرٌ آخر في غاية اللطف و الجمال . نظر الله الى عبده ، هو رحمته و لطفه و بالتالي مغفرته له .

قال تعالى :

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌإنّ الذين يستبدلونبتركهم عهد الله الذي عهد إليهم، ووصيته التي أوصاهم بها في الكتب التي أنـزلها الله إلى أنبيائه، باتباع محمد وتصديقه والإقرار به وما جاء به من عند اللهوبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرّم الله عليهم من أموال الناس ، بدلا خسيسا من حطام الدنيا ، فلا حظّ لهم في الآخرة ولا نصيب لهم من نعيم الجنة و أكثر من هذا و أسوأ نتيجةً أن الله لا يكلمهم و لا ينظر اليهم نظر رحمة و عطف و رأفة ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم ولهم عذاب أليم موجع . فنظر الله هو الرحمة و الرأفة من الله . وهكذا نظر المرء الى الله فقطعا ليس نظرا حسيا ماديا لاستحالة النظر الى الله فالله ليس جسما و ليس كمثله شيء بل نظر الإنسان الى ربه ، رؤية القلب و الإدراك و ليست الرؤية المادية كما ينظر الإنسان الى الأشياء فقوله تعالى : ” الى ربها ناظرةأي ان المؤمن ينظر الى رحمة ربه و ربما الى نعيم ربه فلو نظرت الى ما يرزقك الله من نعيم خالد في الجنة فكأنك تنظر اليه سبحانه . وأما الذي لا ينظر اليه ربه يوم القيامة فهو الخاسر الذي خسر رحمة الله الواسعة بسبب كفره وجحوده . و قد ورد في الأحاديث الكثيرة موارد عن الذين لا ينظر الله اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فمنهم من يجحدون إمامهم ومنهم من يأت بالفواحش دون حياء و منهم الذي يسأل الناس وهو في غنى ! و غير ذلك .

وجاء في تفسير العياشي : ”ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المرخي ذيله من العظمة، والمزكي سلعته بالكذب، ورجل استقبلك بود صدره فيواري وقلبه ممتلئ غشاًوكل من لا ينظر اليه الله يوم القيامة ، يعني كل من لا يرحمه الله لفسقه و فجوره وارتكابه الفواحش دونما توبة والعياذ بالله .

ولاأطالَببها :أي لا أعاقَب و لا أؤاخَذ بتلك الذنوب والمعاصي يا أرحم الراحمين.

” ” اِنَّكَ ذُو مَنٍّ قَديم، وَصَفْح عَظيم، وَتَجاوُز كَريم، اِلهي اَنْتَ الَّذي تُفيضُ سَيْبَكَ عَلى مَنْ لا يَسْأَلُكَ وَعَلَى الْجاحِدينَ بِرُبُوبِيَّتِكَ، فَكَيْفَ سَيِّدي بِمَنْ سَأَلَكَ وَاَيْقَنَ اَنَّ الْخَلْقَ لَكَ، وَالاَْمْرَ اِلَيْكَ، تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ يا رَبَّ الْعالَمينَ، سَيِّدي عَبْدُكَ بِبابِكَ أقامَتْهُ الْخَصاصَةُ بَيْنَ يَدَيْكَ يَقْرَعُ بابَ اِحْسانِكَ بِدُعائِهِ، فَلا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ الْكَريمِ عَنّي، وَاَقْبَلْ مِنّي ما اَقُولُ، فَقَدْ دَعَوْتُ بِهذَا الدُّعاءِ وَاَنا اَرْجُو اَنْ لا تَرُدَّني، مَعْرِفَةً مِنّي بِرَأفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ، 

اِنَّكَ ذُو مَنٍّ قَديم، وَصَفْح عَظيم، وَتَجاوُز كَريم“ .

منّ عليه : أي أنعم عليه من غير تعب . منّ اللهُ عليه : وهبه نعمةً طيّبة ، فإمّا إطلاقا دون مقابل وإمّا أخذًا للفدية .والمَنّ، تعداد الفضل والاحسان يَمُنُّ بِمَا أَعْطَى ، ويَعْتَدُّ بِهِ اعْتِداداً. والمنّة لله على الناس في كل نعمة يمنّها عليهم و يرزقهم إياها و أما من العباد فإن المنّة أمرٌ مستقبح . فإذا مرّ عليك فقيرٌ مثلا ، فأعطه مما رزقك الله دون مِنّة عليه . جاء في الكتاب العزيز : ”يمنّون عليك أن أسلموا ، قل لا تمنّوا عليّ إسلامكمأي أنهم يمنون بإسلامهم و متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه و آله أو حتى لنصرته في غزواته ، و بالطبع فإن الله يستقبح منتهم هذه و ينكرها عليهم و يقول لرسوله : قل لا تمنوا علي اسلامكم ، لماذا ؟ لأن المنة لله تعالى فقط . و نقرأ تباعا : ” بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمانـ فالمنة كلها لله تعالى أن تفضل عليكم و أرشدكم للإيمان به و برسوله . وجاء في موضع آخر : ” لقد منّ الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ..“ فالله دائما هو المتفضل و هو الذي يمنّ على البشر و هنا أيضا يمن على المؤمنين بأنه يبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آيات كتابه و يطهرهم من دنس الأوثان و الشرك و يعلمهم القرآن و الحكمة . فالمنّة من الله لهم لأمرين : الأول أنه لم يبعث فيهم رسولا من فئذ غير البشر ، من الملائكة مثلا و المنة الثانية أن هذا الرسول الذي هو منهم و يتكلم مثلهم و يعرفونه تماما ، ولكنه ليس مثلهم في العلم و الحكمة و العبادة و معرفة الله ، و اليوم جاء هذا الرسول العظيم اليهم ليتلو عليهم  كتاب الله و يزكيهم و يعلمهم الحكمة . فالمنّة تفضل و إحسانٌ من العالي الى العبيد و لاتصح أن تكون للناس بين أنفسهم . وهذه المنّة قديمة أي أن الله عوّد عباده منذ خلقهم بالإحسان والتفضل عليهم فهو الذي هداهم بل و أوجد فيهم منذ الخلقة ، فطرة الهداية التي فطرهم عليها  . نقرأ في بعض الأدعية : و إن إحسانك قديم . ومنّه تعالى هو إحسانه بلا ريب .

و صفح عظيم : الصفح هو التجاوز و العفو و الإعراض عن ذنب الطرف الآخر  . جاء في القرآن : ”وليعفوا وليصفحوا  ألا تحبون أن يغفر الله لكمو هنا أمرٌ للناس بأن يصفحوا عن زلات إخوانهم و يعفوا عنهم وقد ورد في الكتاب موارد كثيرة للترغيب في الصفح و العفو فنراه تعالى عندما يأمرنا بالصفح عن الآخرين ، يعقب ذلك بقوله  ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ و من لا يحب ذلك ؟! فمعنى الآية أنك إن عفوت و صفحت عن ظلم المؤمنين إياك فالله تعالى أولى بالصفح عنك و تجاوز سيئاتك على كثرتها . و جاء أيضاوَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌوهنا استخدم الرب ثلاث كلمات للتأكيد على أهمية العفو فأتي بالعفو و الصفح و الغفران ثم يعقب عليه بأن الله غفور رحيم يعني إن صفحت و عفوت فالله يصفح عنك و يغفر لك .وأخيرا فإن من عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له والنتيجة أن يكون من المحسنين والله يحب المحسنين . وماذا بعد محبة الله للإنسان .

و عندما يقرنه الإمام بالعظمة أي أن هذا الصفح شاملٌ لكل كرامة و فضل و خير و شرف . وتجاوز كريم : والتجاوز أيضا بمعنى العفو و الصفح و قد تكرر أهمية الأمر بالنسبة للعبد . فالإمام يأتي بمرادفات مسألة يهمه إياها فيقرن العفو بالصفح والتجاوز . و هذا التجاوز من الله أيضا كرم وتفضل منه فنحن لا نستحق ذلك و لكن الله بكرمه يتجاوز عن سيئاتنا . و ربما كان الكريم صفة للتجاوز كما هو واضح فيعني أن تجاوز الله عنا تجاوز كامل شامل فنحن إن تجاوزنا في الدنيا عمن ظلمنا ربما يبقى شيء في قلوبنا، ولكن الله تعالى عندما يمنّ على العبد بالعفو و التجاوز فلا يؤثر فيه شيء لأنه غني على الإطلاق و لا يحتاج شيئا وليس الرب جسما ماديا والعياذ بالله ليؤثر فيه شيء ، تعالى الله علوا كبيرا .

اِلهي اَنْتَ الَّذي تُفيضُ سَيْبَكَ عَلى مَنْ لا يَسْأَلُكَ وَعَلَى الْجاحِدينَ بِرُبُوبِيَّتِكَ، فَكَيْفَ سَيِّدي بِمَنْ سَأَلَكَ وَاَيْقَنَ اَنَّ الْخَلْقَ لَكَ، وَالاَْمْرَ اِلَيْكَ، تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ يا رَبَّ الْعالَمين

تفيض من الفيض و الفيض معناه الكثير الغزير و يُطلق على إفراغ الماء بالإفاضة . و رجلٌ فيض أي كثير الخير . و أفاض الماء : سكبه و أفرغه . , افاض بالحديث : توسّع فيه و أطنب و أسهب و تكلم طويلا . قال تعالى : ” لمسّكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيمأي أكثرتم اللَّغط والافتراء فيه . و قال : ” هو أعلم بما تفيضون فيهأي تخوضون فيه من التكذيب . والإفاضة في الشيء : الخوض فيه والاندفاع . أفاضوا في الحديث أي : اندفعوا فيه بحماس .و يقال لانصراف الحجاج عن الموقف في عرفات ، الإفاضة لأن حجاج بيت الله يسيرون مندفعين  بكثرة حيث العدد الهائل من الناس. قال تعالى : ” فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ”. ويقال لصب الماء الإفاضة أيضا . قال تعالى : ”ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماءيعني صبوا على رؤوسنا الماء ، لإحساسهم بشدة الحر والعياذ بالله .

السَّيب : هو العطاء و هو المعروف . ويقال لمجرى الماء ، السّيب . ساب الماء أي جرى و سال و ساح . وفي حديث الإستسقاء : ” واجعله سَيبا نافعاأي عطاءً أو مطرا جاريا . والأصل في السيب كما قلنا ، العطاء .

الجاحد : من الجحود و هو الإنكار للفضل . ويقال : جحد فلان حقه : اي أنكره و لم يعترف به و بحقه عليه . كان جاحدا للنعم : كان كافرا بها ، ناكرا لها . يقول الشاعر : فيا عجبا كيف يُعصى الإله ** أم كيف يجحده الجاحدُ ؟ على كل حال يُطلق لفظ الجاحد على كل منكر لأنعم الله عليه .

الهي و ربي ، أنت لا تبخل حتى على الجاحدين بك و المنكرين لك و الملحدين فيك ، لا تبخل عليهم بنعمك و عطائك الوافر و تعطيهم من النعم الكثيرة دون حساب ، بالرغم من جحودهم و إنكارهم حقك و كفرهم بك ، فكيف تعامل يا ربي من يؤمن بك و لا ينكرك و عندما يسألك سؤالا فإنه غير شاكّ فيك بل على يقين من أن الخلق لك ولا اله غيرك  و الأمر كله اليك . قال تعالى : ” إليه يُرجع الأمر كلهوقال : ” بل لله الأمر جميعا  أي التدبير و التصرف في الأمور كلها بقدرته و حكمته .أو أن الأمور كلها ترجع اليه و الى حكمه يوم القيامة لأن في ذلك اليوم لا مُلك لأحد الا الواحد القهار ومادامت الأمور مآلها كلها اليه فحقيق أن يُعبد ربنا و يُتوكل عليه في الأمور كلها .

تباركت وتعاليت يا رب العالمين :تباركت أي تنزّهت و تقدّست .تبارك الله أي تقدّس وتعالى وتَنَزَّه وتعاظَم وكثُرت خيراتُه وعمَّت بركاتُه . و تبارك به : تفاءل و تيمّن . والتبارك أيضا مرادف للتعالي و العظمة . فقوله تعاليت : يعني تقدست و جل شأنك و عظم جاهك و ترفعت عن كل نقص و تكبّرت على الخلق جميعا فأنت المتكبر المتعال العظيم . ”فتعالى الله الملك الحق“ .

سَيِّدي عَبْدُكَ بِبابِكَ أقامَتْهُ الْخَصاصَةُ بَيْنَ يَدَيْكَ يَقْرَعُ بابَ اِحْسانِكَ بِدُعائِهِ، فَلا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ الْكَريمِ عَنّي، وَاَقْبَلْ مِنّي ما اَقُولُ، فَقَدْ دَعَوْتُ بِهذَا الدُّعاءِ وَاَنا اَرْجُو اَنْ لا تَرُدَّني، مَعْرِفَةً مِنّي بِرَأفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ

نلاحظ في كثير من الفقرات بأن الإمام يخاطب ربه بالسيد ، يقول : سيدي . قياترى ما معنى سيد؟

السيد هو الملك  وهو المالك و هو المولى الذي له كثير من العبيد و الخدم . والسيد كل من افترضت طاعته . وساد فلان قومه أي حكمهم و سيطر و هيمن عليهم . فالسيد هو المسيطر و هو المهيمن و هو الكبير وهو العظيم و هو المجيد فالسيادة تعني المجد و الكرامة و سيد كل شيء أرفعه و أشرفه . و أخيرا فإن السيد ، اسم من أسماء الله الحسنى و نعم بالله و بأسمائه . فمن أعظم و أكرم و أعلى منه . والسيد هو الله حقا لأنه هو الملك و المالك و كل الناس عباده و كل الخلائق رهن إشارته وهو المهيمن المتعال .

سيدي عبدك ببابك : يشبه الإمام نفسه بالسائل الذي يدق الباب طلبا للإحسان من صاحب البيت . أقامته الخصاصة بين يديك . أقامته الخصاصة أي جعله الفقر أمامك . الفقر حلّ به فلم يجد بُدّا الا أن يأتي الى باب مولاه و يطلب منه الإحسان اليه و اللطف به والتنعم عليه و إكرامه .

الخصاصة هي الفقر و الحاجة و العوز والضيق وسوء الحال . قال تعالى : ” ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةـ أي يفضلون غيرهم في الإنفاق عليهم من أموالهم بالرغم من أنهم أحوج الى المال لفقرهم و قلة باعهم و سوء حالهم .

يقول الشاعر : واذا افتقرت فكن لعرضك صائنا ** وعلىالخصاصةبالقناعةفاستتر

أي أنك عندما تصبح فقيرا فاحفظ كرامتك و لا تطلب حاجتك من لئام الناس مهما كانت شدة فقرك ، فالأولى أن تقنع بما عندك . طبعا الأمر ليس بالسهلأبعده الله عناو لكن المؤمن يصبر على الفقر والعُسر و لا يسأل الناس الحافا . قال تعالى : ” للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ”. وفي الآية حثّ على انفاق المال على الفقراء الذين يصبرون على سوء حالتهم المادية و لا يسألون الناس إلحاحاً لعفة أنفسهم و كرامتهم  حيث يراهم الرائي أغنياء و هم في شدة الفقر و المسكنة .

العبد أقبل اليك و وقف أمام بابك ، يقرعه طالبا إحسانك .. و كيف يقرع الباب ؟ بالدعاء ! الدعاء هو الوسيلة المثلى لقرع باب المولى و لمناجاة ذي العُلى . فبالدعاء و التضرع الى الله ، يتقرب العبد الى ربه و ينال الفرج في شدائده كلها .. وما أهمية شدائد الدنيا مقابل هولٍ من أهوال يوم الفاقة الكبرى . فنحن نريد النجاة من تلك الشدائد المهولة والنجاة محفوفة بالدعاء .

فلا تعرض بوجهك الكريم عني :الإعراض هو الصدّ و المنع والتجاهل والجفاء بعكس الإقبال .أعرض عنه أي أدار ظهره عنه غير مكترث ولا مهتمّ به . جاء في القرآن : ” يوسف أعرض عن هذاأي تنحّ عنه و لا تقبل على هذا العمل . و جاء أيضا : ”واذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نآ بجانبه ”. اي أنه كفر بالنعمة و جحد بها . وقال تعالى أيضا : ” و ان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ”.أي إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها ، أو يعرض عنها ويدير ظهره غير مكترث بها .

و قال تعالى : ” و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاأي الذي يترك ذكر الله أو يترك العمل بكتابه الكريم الذي هو الذكر بعينه ، فإننا نجعل معيشته ضيقة صعبة نتيجة إعراضه عن ذكر ربه .

والوجههوأشرفمافيالجسموهوالذيتراهأولماترىالشخص . و الوجه هو المبدأ و الواجهة للشيء واصلا يقال للرجل العظيم ذي الجاه و المنزلة ، الوجيه نسبة الى الوجاهة و مأخوذة من الوجه . و وجه القوم هو سيدهم و أشرفهم . و وجه الله هو الذات الإلهية . قال تعالى : ” كل شيء هالك الا وجههاي الا ذاته المتعالية . فلا تعرض بوجهك الكريم عني أي بذاتك المقدسة و اسمك العظيم . و قد ورد في كثير من الأدعية المأثورة عبارة وجهك الكريم . اللهم بوجهك الكريم نسألك أن لا تردنا و أن تقضي حوائجنا بحق محمد و آله الأطهار . آمين

وَاَقْبَلْ مِنّي ما اَقُولُ، فَقَدْ دَعَوْتُ بِهذَا الدُّعاءِ وَاَنا اَرْجُو اَنْ لا تَرُدَّني، مَعْرِفَةً مِنّي بِرَأفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ إلهي أنتَ الَّذي لايُحفيكَ سائِلٌ  ولا يَنقُصُكَ نائِلٌ أنتَ كَما تَقولُ وفَوقَ ما نَقولُ اللّهُمَّ إنّي أسأَلُكَ صَبرا جَميلاً وفَرَجا قَريبا وقَولاً صادِقا وأجرا عَظيما

يرجو ربه أن يقبل منه قوله وطلبه لأنه لم يدع بهذا الدعاء إلا و أنه واثق من ربه أن لا يردّه و لا يخيب ظنه لأنه عارفٌ برحمته و رأفته . فالله هو الذي وصف نفسه بالرحمن و الرحيم وهكذا بالرؤوف والودود في كتابه الكريم . جاء في الحديث الشريف : ” أدعوا الله و أنتم موقنون بالإجابةأي ادعوا الله في حال أنكم متيقنون تماما بأن الله لا يخيبكم و لا يردكم لسعة كرمه و رحمته بالإضافة الى قدرته و علمه . و لكن في بعض الحالات فإن الله يؤخر الإجابة لمصلحة الإنسان وربما لم يستجب له طلبه و دعاءه حسب الظاهر ولكنه لا يمكن أن يتركه و شأنه فالدعاء بحضور القلب و التوجه الى الله من موجبات المغفرة و من وفقه الله للدعاء فإنه يستجيب له إما ظاهرا و إما باطنا يعني أن الله يدّخر دعاءه ليوم هو أحوج اليه من يومه في الدنيا .

فعندمايقولتعالىادعوني أستجب لكموهذا وعد صادق من رب رحيم قادر حكيم ، فإنه يستجيب دعاءنا قطعا و بتّا و لكن يشتبه الأمر علينا فإننا نريد جوابا حاضرا سريعا ولكنه لحكمته و رحمته يؤجل الإجابة إما في الدنيا بعد حين و إما في الآخرة حين نكون في أحوج الأوضاع و الأحوال للإستجابة . وعلى هذا الأساس نراه سلام الله عليه يؤكد على أن الله لن يردّ طلبه لمعرفته التامة بأنه رؤوف رحيم . والرحمة ، رقة تقتضي المغفرة وانعطاف يقضي الى الإحسان و أما الرأفة فهي الرحمة في أوجها و أشدها وأرقها . رؤفَ بالمسكين : أي أشفق عليه و رحمه أشد الرحمة . جاء في وصف نبي الرحمة صلى الله عليه و آله في الكتاب المجيد : ” بالمؤمنين رؤوف رحيمأي شديد الرحمة و الرأفة بهم أكثر من آبائهم و أمهاتهم عطفا و رقة لهم . والرؤوف أيضا اسم من أسماء الله الحسنى المتعالية .

إلهي أنتَ الَّذي لايُحفيكَ سائِلٌ  ولا يَنقُصُكَ نائِلٌ

الإحفاء في السؤال : هو الإلحاح و المبالغة . قال تعالى : ”إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوااي إن يسألكم ربكم أن تنفقوا أموالكم في سبيله ويلحّ عليكم بطلبها منكم تبخلوا بها و تمنعوها إياها ظنا منكم أن الله عندما يسألكم بإلحاح ، هو المستفيد منكم و هو الغني على الإطلاق و عنده خزائن السموات و الأرض و لكن الله يمن عليكم بالهداية لمصلحتكم فالفائدة تعود عليكم بالثواب و الأجر يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

و جاء في وصف الفقراء المؤمنين و الذين لهم كرامة و عزة في النفسلا يسألون الناس إلحافاأي أنهم لا يلحون في الطلب و السؤال من الناس لكرامة في أنفسهم و عفة .

و عندما يقول الإمام : أنت الذي لا يحفيك سائل : اي أنه كلما يلح السائل و يطلب حاجته بإلحاح منك فإن سؤاله لا يحفي كرمك و إحسانك لأنه لك خزائن السموات و الأرض فلا يزيدك الإلحاح و الإلحاف إلا جودا و كرما.

جاءفيدعاءالإفتتاح :“الذي لا تنقصُ خزائنه، ولا تزيدُهُ كثرةُ العطاء إلا جوداً و كرماً ، انه هو العزيزُ الوهاب“. وذلك لان عطاء الله سبحانه انما هو من خزائن عظيمة لا تنفذ، فهو المالك لكل شيء لذلك فإنه يستتبع عطاء بعطاء آخر ونعمة بنعمة أخرى دون توقف . وقد جاء ردا على كلام اليهود أن يد الله مغلولة قوله تعالى : ”غلت أيديهم ولعنوا بما قالوابل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء“ – أُمسكت أيديهم عن الخيرات و قُبضت من العطيات و أُبعدوا من رحمة الله بهذا القول والإفتراء على الله فإن يدي الله مبسوطتان ممدتان بالبذل و العطاء لعباده غير مغلولتين و مقبوضتين كالبخلاء أمثال اليهود . طبعا يداه مبسوطتان كناية عن عطاء الله و كرمه . وحتى في العُرف اللغوي عندما يقول أحدهم : لك عندي يد أي لك عندي نعمة .

ولا ينقصك نائل :نائل اسم فاعل من الفعل نال ينال .النيل هو المكسب و ما يراد تحققه واحرازه . ناله أوفر منال أي أعطاه أوفر العطاء والنوال ، النصيب و العطاء . و كثير النوال أي كثير العطاء . فالله لا ينقصه كل ما يعطي الآخرين من عطاء و إحسان .

أنتَ كَما تَقولُ وفَوقَ ما نَقولُ اللّهُمَّ إنّي أسأَلُكَ صَبرا جَميلاً وفَرَجا قَريبا وقَولاً صادِقا وأجرا عَظيما

أنت كما تقول أي أننا لا نستطيع أن نقول فيك شيئا الا ما أنت وصفت به نفسك في كتابك المنزل . وانت فوق ما نقول فكل ما قلنا فيك لن نؤدي حقك يا رب . قال تعالى : ” ليس كمثله شيء وهو السميع البصيرأي ليس مثله شيء (فالكاف زائدة) و هو السميع الذي يسمع كل صغيرة و كبيرة ، و بصير بعباده يعلم ما يصدر منهم من خير و شر. وكيف يمكن للإنسان مهما أوتي من علم و حكمة أن يصف الله جل شأنه . ” سبحان ربك رب العزة عما يصفونينزه الله و يقدس نفسه عن أوصاف المفترين عليه ، تعالى و تقدس ربنا وعلا علوا كبيرا . وتسبيح الله يتضمن التنزيه والتبرئة من كل نقص . ” سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيراو خلاصة القول أنه لا يمكن وصف الرب العظيم بكلمات نعهدها فإنه فوق ذلك كله ولا يمكن أن نصل اليه بعقولنا الصغيرة و إدراكنا المحدود في عالَم المادّة . و لذلك فإننا نعتقد بأن الله لا يعرفه معرفة كاملة إلا الذين منّ الله عليهم من الأنبياء و الأئمة عليهم السلام و عرّفهم بنفسه و أوصلهم الى أعلى درجات الكمال . و نحن أيضا نعرف الله ولكن معرفة سطحية بسيطة حسب قدراتنا الذهنية المحدودة .

اللهم اني أسألك صبرا جميلا : الصبر واضح معناه فهو التجلد و التحمل و الإنتظار في هدوء واطمئنان دون شكوى و استعجال . و لأهمية الصبر فقد ورد الصبر و مشتقاته أكثر من مائة مرة في القرآن الكريم منها  قوله تعالى : ” ربنا أفرغ علينا صبراأي صُبّ الصبر علينا . فالصبر في الحقيقة منهاج عمل للإنسان المؤمن و منظومة أخلاق و نموذج حياة وعندما ندعو الله أن يفرغ علينا صبرا لأن الإستعانة بالصبر أمر في غاية الأهمية بل ان الصبر من عزائم الأمور. وكثيرا ما يكون الصبر مع المعاناة و الضيق ولذلك نراه تعالى يصف أنبياءه بتحليهم بالصبر من دون قلق و اضطراب وهذا هو الصبر الجميل . فمادام الأمر بيد الله و هو يريد لك أن تعاني من مشاكل و مصائب في الدنيا فلا شك أن الصبر على المصائب و المصاعب أحجى و أقرب الى التعقل و الحكمة مضافا إلى أن الصبر الجميل يتبعه أجر مضاعف بل و تصبح في دائرة الرضوان و رضوان من الله أكبر . فالصبر الجميل الذي يطلبه الإمام من ربه أن يمنحه إياه هو الصبر الذي لا يصاحبه السخط و لا القلق ولا الشك ، بل يكون قرينا للرضا و القبول والتسليم لأمر الله عز و جل . والله يأمر رسوله بالصبر الجميل قائلا : ” فاصبر صبرا جميلاأي اصبر على أذى المشركين دون قلق و جزع وملل ، ولا يثنيك ما تلقى منهم من المكروه و الله يعلم كم تحمل رسول الله من الأذى في سبيل الدعوة المباركة حتى قال كلمته المشهورة : ”ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ”. وهذا الصبر هو المحمود و المطلوب لذلك فالإمام يستعين بربه للوصول الى الصبر الجميل .

جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قوله لحفص بن غياث :“ يا حفص ، إن من صبر صبر قليلا و إن من جزع جزع قليلا . ثم قال : عليك بالصبر في جميع أمورك فإن الله تبارك و تعالى بعث محمدا فأمره بالصبر و الرفق فقال : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلافالرسول مأمور بالصبر الجميل على أذى المشركين ثم بالهجر الجميل .

و اللطيف في الأمر أن الإمام يستدل بموضوع نفسي لطيف فلا الصبر طويل و لا الجزع على المكاره طويل لأن الزمن في الدنيا قصير فإن جزعت وليس ذلك بصالحك ، فإن الجزع زمنه قصير و إن صبرت و فيه الأجر و المثوبة و الفرج ، فإنك لن تصبر طويلا أيضا . ثم يشير الى صبر رسول الله صلى الله عليه و آله والأمر بالصبر على المكاره للوصول الى مرضاة الله فالأصل رضى الله تعالى .

و فرجا قريبا :الفرج هو انكشاف الغم و الهم وهو النصر على الكربة  . و هناك من المصائب ما لا يستطيع المرء تحملها فيدعو الله أن يقرّب فرجه و يكشف حزنه في أقرب وقت . و قد وعد الله بانفراج الكُرب ان صبر عليها الإنسان . قال تعالىإن مع العسر يسراو قيل : كل هم الى فرَج ، و الصبر مفتاح الفرَج .

و قال الشاعر: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ** فُرِجَت وكنت أظنُّها لا تُفرجِ .

وقولا صادقا :الصدق في القول هو أن يطابق قولك عملك أو أن يكون قولك مطابقا للواقع فالخبر يحتمل الصدق و الكذب ، فإن تحدثت بحديث فقل صدقا . قال الإمام الباقر عليه السلام : ” تعلموا الصدق قبل الحديثو بالرغم من أن الإنسان مأمور بالصدق في الحديث بل والعقل أيضا يأمره بذلك ولكن الإمام يسأل الله المعونة في قول الصدق .

و أخيرا يطلب من ربه أجرا عظيما . فنتيجة الصبر و تحمل الأذى ، لا شك أجر و مثوبة كبرى من رب العالمين . أي أن الإمام عندما يطلب في الدعاء أجرا عظيما فإنه يريد الإشارة إلى أنك أيها العبد إذا صبرت في مشاكل الدنيا و تحملت و تجلدت و لم تقل إلا صدقا فإن الله يفرج عنك في الدنيا و يرفع أجرك في الآخرة بلطفه و منّه .

اَسْاَلُكَ يا رَبِّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ اَعْلَمْ، اَسْاَلُكَ اللّهُمَّ مِنْ خَيْرِ ما سَأَلَكَ مِنْهُ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، يا خَيْرَ مَنْ سُئِلَ، وَاَجْوَدَ مَنْ اَعْطى

أسألك يا رب من الخير كله ما علمت منه وما لا أعلم : السؤال هو الطلب . اسألك أي أطلب منك و أرجوك . الخير : هو المعروف و هو نتيجة الإحسان و هو كل أمر محبوب للإنسان و كل أمر جيد و طيب وكل ما يرغب فيه الناس كالكرم و العطاء بل و العقل و العدل و موارد الخير كثيرة ، فهناك الخير المعنوي و الخير المادي فالمعنوي من قبيل العقل و العدل و السعة في الرزق والعافية و الصحة و الإيمان و المادي من قبيل المال والعطية و الهدية والغنيمة و يقال للرجل الذي يعمل الخير ، خيّر. وجمعه الأخيار و يقال للكريم السخي رجل ذو خير أي ذو إحسان و فضل .

الإمام يطلب من ربه الخير كله يعني بشقيه المادي والمعنوي بل و أكثر من ذلك ، فهناك خيرٌ لا علم لنا به و هناك خير معروف لدى الجميع فحتى الخير الذي لا نعلمه و لكن الله عالم به نريده من ربنا و ربما كان الغرض من هذا النوع من الخير ، المصلحة . فالله أعلم بما ينفعنا و يصلح بحالنا . رب خير في نظرنا و لكنه شر و بالعكس فالأولى أن يسأل الإنسان ربه أن يعطيه الخير الذي هو في صالحه دون تعيين النوع و الكيفية .

ثم يكرر ما سأله العباد الصالحون من ربهم : اسألك اللهم من خير ما سألك منه عبادك الصالحون . والذي يتبادر الى الذهن في الوهلة الأولى أن الصالحين يطلبون من ربهم الإيمان و التقوى و الورع و التوفيق للعبادة فكلها خير أو أن الإمام يطلب أفضل ما يطلبه العباد الصالحون فخير هنا للتفضيل يعني أحسن ما يطلبونه . وليس هذا ببعيد.

يا خير من سئل و أجود من أعطى : هنا كلمة الخير بمعنى الأفضلية فأنت يا رب أفضل و أعظم و أكرم من سأله السائلون و طلب منه الطالبون و استغاث منه المستغيثون . و انت أكرم و أسخى و أكثر جودا من كل جواد و كريم . وجاء في دعاء آخر : ” سبحانك من جواد ما أوسعك ”. أجود : أفعل التفضيل من جاد يجود فهو جواد .أي الأكثر عطاء و إحسانا و فضلا . والجواد كالكريم من أسماء الله الحسنى . ويقال في معنى الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض ولا لغرض. فلو أعطيت أحدهم شيئًا لن ينتفع به فهذا ليس بجود؛ كمن يطلب منك طعامًا فتعطيه كتابًا فهذا ليس جودًا لذلك قالوا: إفادة ما ينبغي. أي اعطاء ما يكون مناسبا للطرف الآخر. و في اللغة يعتبرون الجود ، كثرة العطاء لا مجرد العطاء . والله هو الجواد لأنه يعطي الناس ما يطلبونه و ما لا يطلبونه بل و يعطي الموحد و الملحد على السواء و هذا شأن الله خاصة أن يعطي من لا يستحق العطاء و كلنا لا نستحق شيئا على الله فهو المتفضل بالعطاء و الكرم و الجود على البشر بل على الخلائق كلها من دون استحقاق لأحد . يقول الشاعر :

وهو الجواد فجوده عم الوجود *** جميعهبالفضلوالإحسان

وهو الجواد فلا يخيب سائله *** ولو أنه من أمة الكفران

والله هو الجواد على الإطلاق و جود كل جواد من جوده . وقد ذكر بعضهم عشر مراتب للجود البشري : جود بالنفس، جود بالرياسة، جود بالراحة، جود بالعلم، جود بالجاه، جود بنفع البدن، وجود بالعِرض، وجود بالصبر، وجود بالخلق، والجود بترك ما في أيدي الناس .

و لنسأل الجواد الكريم أن يجود علينا بالخير كله مما نعلم و مما لا نعلم و أن يرضى عنا انه أكرم من كل كريم .

اَعْطِني سُؤْلي في نَفْسي وَاَهْلي وَوالِديَّ وَوَلَدي وَاَهْلِ حُزانَتي وَاِخْواني فيكَ، وَاَرْغِدْ عَيْشي، وَاَظْهِرْ مُرُوَّتي

يسأله الإمام أن يستجيب طلبه ليس في نفسه فقط بل و يُشرك في دعائه أهله بصورة عامة ثم يخصّ منهم والديه و أولاده ذكورا و إناثا ، و من يهتم بأمرهم واخوته في الله (المؤمنون) .

أهل حُزانتي : ما معنى الحُزانة ؟ أهل الحزانة هم الذين يحزن لأمورهم أي يهتم بهم فالحُزانة هي كل من تهتم بأمورهم و تحزن و تغتم لهم من أهلك و عائلتك و خواصّك و بطانتك و أصحابك المقربين لديك . إخواني فيك : يعني إخواني في الدين و ليس في النسب . لأنه عندما بدأ بذكر من يشركهم في دعائه بدأ بنفسه ثم بأهله و الأهل يشمل الإخوان و الأخوات و لذلك فإنه بعد التعميم يخصّ البعض كالوالدين والأولاد ثم يأتي بكلمة أهل الحزانة الذين هم أيضا أهله و أصحابه المقربون و بعدئذ يدعو لكل المؤمنين الذين هم إخوته في الله .

ثم يفصّل الدعاء بقوله : وأرغد عيشي

الرغد معناه الكثير الواسع . وعندما يقال عيش رغد أي حياة طيبة كريمة واسعة . أرغد الله عيشهم : جعله واسعا طيبا . رَغِد العيش : اي اتسع و طاب و نعُم . جاء في الكتاب الكريم : ” فكلوا منها حيث شئتم رغَداوهذا أيضا من نعمته تعالى على بني اسرائيل بعد معصيتهم إياه ، حيث أمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا، ويحصل لهم فيها الرزق الرغد الكثير الواسع الطيب . وجاء أيضا : ”وقلنا يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة و كُلا منها رغدا حيث شئتماأي سمح لهما بأن يأكلا كما يشاءان من الأكل الطيب الواسع الكثير في الجنة .

وقوله سلام الله عليه : ارغد عيشي أي اجعل حياتي مرفهة طيبة كثيرة النعمة وفيرة الرزق .

و أظهر مروّتي : اظهار المروءة أي أن يوفقه الله ليكون صاحب مروءة . ما هي المروءة ؟

المروءة مصدر مَرُء ، والجمع مروءات . بمعنى الفتوّة والنخوة والشهامة و الرجولية واجمالا هي من أهم الأخلاق العالية و الصفات الكريمة و الخصال الحميدة  . وجاء في تعبير البعض أن المروءة هي آدابٌ نفسانيَّةٌ تحمِلُ مُراعاتُها الإنسانَ على الوقوف عند محاسِن الأخلاق وجميل العادات ، أَو هي كمال الرُّجوليَّة . ورجلٌ ذو مروءة أي ذو أخلاق عالية و رجولة و شهامة .

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للحسن (عليه السلام) ابنه : يا بني ما المروءة ؟ قال : ”العفاف وإصلاح المال“ . 

والعفاف أمر ايجابي شامل حيث يشمل عفة النفس و الكرامة و الكف عن الفواحش و المحرمات و أما اصلاح المال فمعناه الحصول على المال و الرزق من مصدر موثوق معتمَد غير مشوب بالربا و الحرام و صرفه مقتصدا دون تبذير و لا إقتار .

و سئل الحسن (عليه السلام) عن المروءة ؟ فقال: العفاف في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على النائبة. و في هذا الحديث زاد الإمام عن قبله بالصبر على المصائب والمصاعب . فالإنسان الشهم لا تثنيه المصائب عن عزمه و لا تكسره مشاكل الدهر مهما كانت صعبة غير قابلة للتحمل لأنه ذو مروءة و فتوّة .

وجاء في حديث عن الرضا ، عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « ستة من المروءة ، ثلاثة منها في الحضر ، وثلاثة منها في السفر : فأما التي في الحضر ، فتلاوة كتاب الله ، وعمارة مساجد الله واتخاذ الاخوان في الله ، وأما التي في السفر فبذل الزاد ، وحسن الخلق ، والمزاح في غير المعاصي . » و في هذا الحديث يفصّل رسول الله صلى الله عليه و آله موارد الكرامة و الشهامة و الأخلاق العليا حيث ثلاث منها في السفر و أخرى ثلاثة في الحضر حيث أنه يظهر ممن له المروءة و الشهامة إن كان متصفا بتلك الصفات من عدمه .

وفي وصية لأمير المؤمنين عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية يوضح معانٍ مشابهة لما ذكره رسول الله صلى الله عليه و آله فيقول : ”واعلم أن مروءة المرء المسلم مروءتان : مروءة في حضر ، ومروءة في سفر ، فأما مروءة الحضر ، فقراءة القرآن ، ومجالسة العلماء ، والنظر في الفقه والمحافظة على الصلوات في الجماعات ، وأما مروءة السفر ، فبذل الزاد ، وقلة الخلاف على من صحبك ، وكثرة ذكر الله في كل مصعد ومهبط ونزول وقيام وقعود .“

وَاَصْلِحْجَميعَاَحْوالي،وَاجْعَلْنيمِمَّنْاَطَلْتَعُمْرَهُ،

الطلب الثالث للإمام عليه السلام : ”وأصلح جميع أحوالي

الإصلاح هو التقويم و التغيير الى الأفضل و التحسين . واصلاح ذات البيْن : مصالحة المتخاصمين . والإصلاح الاجتماعيّ : مجموعة الأنشطة التي تهدف إلى إعادة التَّنظيم للمؤسَّسات الاجتماعيّة للوصول إلى مستوى أفضل من العدالة الاجتماعيّة . أصلحَ بينهما ، أو ذاتَ بينهما ، أَو ما بينهما : أزال مابينهما من عداوة وشِقاق . صلح حاله : اي صار حسنا و زال عنه الفساد . جاء في القرآن : ” لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناسوالإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع يوجب من الشر ما لا يمكن حصره ، فلذلك يحرض الدين على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض . والعمل  الصالح أ ي عمل أو فعل أو قول يرضاه الله سبحانه وتعالى من عباده ويقوم به العبد بقصد التقرُّب به إلى الله سبحانه وتعالى . وصَلُحَتْ حاله : فَضُلَت ، عَفَّت و عَادَت إِلى صَوابِها و صارت حَسنةً وزال عنها الفسادُ.

الطلب الرابع : ”واجعلني ممن أطلت عمره ” : العمر هو أثمن كنز و أهم نعمة للإنسان حيث يستطيع خلال هذا العمر أن يعمل الصالحات و يخدم البشرية و يطور نفسه و يقضيه في الإصلاح بين الناس و في أعمال الخير بصورة عامة . و المرء مخيّرٌ في الدنيا أن يستعمل عمره في الحسنات و الطيبات و الصالحات أو أن يستعمله في الفسق والفجور والمعاصي والعياذ بالله . فإن وفقه الله و جاهد في قضاء عمره بالحسنات و الصالحات فطوبى له وإن تغافل عنه و قضاه بالسيئات الى أن وافاه الأجل ، فلا ينفع الندم والحسرة بعدئذ بشيء ، ولو نادى كثيرا و صرخ : ” ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمليأتيه الجواب القطعي الإلهي : ” أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ” (نستجير بالله)

و لذلك فعلى الإنسان أن يغتنم العمر فيما يقربه الى ربه و يقضيه بأعمال الخير . يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : ”ما أسرع الساعات في اليوم ، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر!“ والعمر تسير كسير عقارب الساعة بسرعة والإنسان يقترب من القبر شبرا كلما زاد في عمره ساعة . فلا نضيع العمر في اللغو واللهو و المعاصي والملذات ، بل نستغله فيما يقربنا الى الله و نرفع رصيد الحسنات حتى تزيد كفتها على كفة سيئاتنا و ما أكثرها ، و نكون اذ ذاك من المشمولين برحمته و غفرانه . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ”طوبى لمن طال عمره وحَسُن عمله فحَسُن منقلبه إذ رضي عنه ربّه، وويل لمن طال عمره وساء عمله وساء منقلبه إذ سخط عليه ربّهوالعمر مهما طال فإنه محدودٌ فعلينا أن نبادر قبل نفاذ الأجل فينا ؛ نبادر بالأعمال الطيبة الحسنة و نعتبر مما مضى من عمرنا في اللهو و الفراغ . ولابد بالإشارة الى نقطة هامة للشباب المؤمن ، أن لا يلتهوا و يتغافلوا عن الأجل فالموت يأتي بغتة دون سابق إنذار و لا يفرق بين الشاب و الشيخ . و ليغتنموا شبابهم و قوتهم في العبادة بشقيها الفردية و الإجتماعية دون تضييع الفرص لأن الطاقة الكامنة فيهم ، تساعدهم على خدمة أشمل و أكثر و أفضل بتوفيق من الله و فضل .

و الإمام اذا يطلب من ربه أن يطيل في عمره لأنه كلما زاد عمره كلما زادت حسناته قطعا لأنه يعرف ربه و يخشى مقام ربه و لا يصرف عمره الشريف فيما يبعده عنه والعياذ بالله . ونحن أيضا ندعو الله أن يطيل في أعمارنا ويوفقنا للخير و العمل الصالح و أما إن كانت حياتنا مليئة بالسيئات و بقاؤنا في الدنيا يزيدنا عصيانا و تمردا فالأولى بنا أن نطلب منه الإستعجال في وفاتنا حتى لا نرتكب آثاما أكثر و سيئات أخرى و لا نزيد الرصيد السيء سوءا . اللهم وفقنا للخير و جنّبنا السوء ما أبقيتنا .. آمين

وَحَسَّنْتَ عَمَلَهُ، وَاَتْمَمْتَ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ

الطلب الخامس للإمام : وحسّنت عمله

يطلب من ربه أن يطيل عمره و يوفقه للعمل الحسن . لقد سمعنا بالعمل الصالح ولكن قلّ من تحدّث عن العمل الحسن . الصلوح نتيجة الإتيان بالعمل الحسن . فبرّ الوالدين مثلا عمل حسن والصيام عمل حسن  والصلاة عمل حسن  ، فإذا أدّيت هذا العمل الحسن ، تقربا الى الله  فقد كُتب لك عملٌ صالح . والإحسان الى الفقراء عملٌ حسنٌ قطعا و لكن ما دمت لم تقم به خالصا لوجه الله أو مننت على الفقير و أنت تعطيه مالا ، فلا يُكتب لك عملٌ صالح . فالحُسن في ذات العمل و الإتيان به يكون صالحا .

الصوممثلاعملٌحسنولكنإنلميكنلكمنالصومإلاالجوعوالعطشفلميكنهذاالعملصالحا .. نعم أديت ما عليك من تكليف و لكن إذا أردته أن يكون صالحا فعليك أن تحسّن صومك بالقيام بالليل و العبادة و قراءة القرآن و الإمتناع عن المعاصي وعندئذ يرقى الى العمل الصالح .

قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : ”طوبى لمن طال عمره ، وحسن عمله فحسن منقلبه إذ رضي عنه ربّه ، وويل لمن طال عمره وساء عمله ، فساء منقلبه إذ سخط عليه ربّه عزّ وجلّ ”. فالبشارة تأتي من الرسول الأعظم (ص) لمن يرزقه الله طول العمر و يحسّن عمله أي يوفقه للإتيان بالأعمال الحسنة في مقابل من يخسر عمره وحياته بالأعمال السيئة و العياذ بالله .

وهناك من يعمل عملا سيئا و لكن الشيطان يخدعه فيزينه له ليراه حسنا.. قال تعالى : ”  أَ فَمَـنْ زُيِّنَ لَـهُ سُـوءُ  عَـمَـلِـهِ فَـرَآهُ  حَـسَـناًأي زيّن له الشيطان عمله ، فرآه حسنا ولكنه سيء . وربما كان العمل بذاته حسنا ولكنه ينقلب الى السيء اذا لم تصب الهدف والغرض السامي الذي هو التقرب الى الله و النية الخالصة لله . فهناك الكثيرون ممن تُعجبهم أعمالهم فينسون التقرب الى الله بل و يتفكرون أن لهم كرامة عند الله حيث عملوا أعمالا حسنة ولكن النية لم تكن خالصة و العجب و الغرور يُقلب الآية عليهم فهذا العمل الذي في حد ذاته حسن ينقلب الى السيء . مثلا نراه يبني مسجدا ضخما جميلا و يعحبه إطراء الناس له .. فالعمل في حد ذاته حسن و لكنه ليس عملا صالحا لأن قصد القربة لم يكن موجودا قبل و أثناء العمل . هناك من يصرف آلاف الدنانير في المشاريع الخيرية و لكن لكي ينشرون اسمه ويهتفون به بعنوان المتبرّع الخيّر ، فكل هذا الأموال تتحولللأسف ـ هباء منثورا .“وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا“ .

الطلب السادس : وَاَتْمَمْتَ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ

اللهم اجعلني ممن أطلت بعمره و وفقته للعمل الصالح الحسن و أتممت عليّ نعمتك . إتمام النعمة ربما كان بتوفيق من الله لكي يرزقه الصحة و العافية ورغد العيش (النعمة المادية) والإيمان والتقوى (النعمة المعنوية) أي أن الله يعطيه الخير المادي و المعنوي معا فيكون قد أتمّ النعمة عليه . و ربما كان الغرض من هذه النعمة التامة ، الولاية . لأن الله تعالى عبّر عن الولاية في كتابه المجيد بإتمام النعمة حيث قال في يوم الغدير ، يوم نصب أمير المؤمنين عليه السلام إماما و وليا على المسلمين  : ” اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتيفإكمال الدين و إتمام النعمة كان بالولاية . و الإمام هو أحد ولاة الأمر من قبل الله تعالى علينا و لكنه يرشدنا إلى أن ندعو الله بأن يتم علينا النعمة لأن النعمة موجودة و لكن قلّ من يراها و يرعاها ولذلك علمونا سادتنا و موالينا أن نطلب من الله دوما أن يثبتنا على الولاية ، ولاية محمد و آل محمد عليه و عليهم السلام .

و هناك حديث بل أحاديث تحكي عن إتمام النعمة على الإنسان منها  قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ”من أصبح وأمسى وعنده ثلاث ، فقد تمّت عليه النعمة في الدنيا ، من أصبح وأمسى معافىً في بدنه ، آمنا في سربه ، عنده قوت يومه ، فإن كانت عنده الرابعة فقد تمّت عليه الّنعمة في الدنيا والآخرة ، وهو الإيمان

و ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله :“النعيم في الدنيا الأمن وصحة الجسم، وتمام النعمة في الآخرة دخول الجنة..“ بل إن تمام النعمة ، التوفيق لكل عمل خير حسن و تجنب كل أمر منكر لأن النتيجة ستكون الجنة و رضوان من الله وانها والله تمام النعمة . ولا ريب أن النعمة لم تتم إلا بالفوز بالجنةفمن زحزح عن النار و أُدخل الجنة فقد فاز ”. اللهم زحزحنا عن النار و أدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين .. آمين ، رب العالمين .

وَرَضيتَ عَنْهُ وَاَحْيَيْتَهُ حَياةً طَيِّبَةً في اَدْوَمِ السُّرُورِ، وَاَسْبَغِ الْكَرامَةِ، وَاَتَمِّ الْعَيْشِ، اِنَّكَ تَفْعَلُ ما تَشاءُ وَلا تَفْعَلُ ما يَشاءُ غَيْرُكَ

الطلب السابعرضيت عنه :

متى يرضى عنا الله ؟ لا ريب أن غاية آمال المؤمن أن يرضى عنه الرب ، فمن نال رضاه فلن يخيب أبدا و يعيش حياته و بعد مماته في سعادة و هناء . والرضى أمر متبادل إن رضيت عن ربك و أطعته فيما يأمرك و ينهاك فإنه يرضى عنكرضي الله عنهم و رضوا عنهو لكسب رضى الله علينا بعد الطاعة أن نكثر من اظهار التذلل و الخشوع أمام عظمة الخالق تعالى. و بنظري القاصر إذا أدينا ما علينا من الفرائض فقط فقد رضي الله عنا . وكل ما زاد عليها فهو أجر مضاعف إن شاء الله . قال تعالى : ”رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُمن هذا يتبين أن رضى الله هو الفوز العظيم . فأول عامل للرضى هو الإيمان و التقوى . قال تعالى : ”إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ*جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ“.

و من عوامل الرضى أيضا  شكر النعم . قال تعالى :“ وإن تشكروا يرضه لكمفالإنسان بدوام شكر النعم الإلهية يصل الى رضا الله تعالى . وحسن التوكل على الله و إيكال الأمور اليه يوجب الرضى من الله . قال تعالى : ” إن الله يحب المتوكلينوأخيرا فإن كثرة التوبة ، و الندم على ما اقترفته من ذنوب يوجب رضى الله . قال : ” إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين ”.

و أخيرا نكتفي بهذا القدر و نتبرك بحديث لطيف من أمير المؤمنين عليه السلام: ”ثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله : كثرة الاستغفار ، وخفض الجانب ، وكثرة الصدقة ”. ثلاث خصال اذا اتبعتها فإن الله يرضى عنك : ١كثرة الإستغفار . و الإستغفار يطهر الذنوب و يمحيها و يزكي القلب و الإستغفار دليل الندم و التوبة و الإنابة لذلك فإن الله يرضى عنك إن داومت على الإستغفار . قال تعالى : ” و بالأسحار هم يستغفرون ” – هؤلاء المحسنون الذين يبشرهم الله بجنات و عيون ، يصفهم الله أنهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (ينامون) و بالأسحار هم يستغفرون و أخيرا فإنهم كانوا يجعلون للفقراء حقا في أموالهم (وفي أموالهم حق للسائل و المحروم ) ٢خفض الجانب يعني التواضع ومجانبة الترفّع والتفاخر والتعالي على العباد . مثل خفض الجناحواخفض لهما جناح الذل من الرحمةأي تواضع للوالدين أشد التواضع .٣كثرة الصدقة : و لعمري ما رأيت خصلة أكثر أجرا من الإنفاق على الفقراء و المساكين . وان الإنفاق قطعا يوجب رضى الله إن كان لوجه الله .

الطلب الثامنوأحييته حياة طيبة في أدوم السرور و أسبغ الكرامة و أتم العيش : يطلب الإمام من ربه أن يحييه حياة طيبة سعيدة و يديم عليه السرور و يضفي عليه الكرامة و يتمّ له العيش الهنيء الرغيد بالصحة و السلامة . قال تعالى : ”مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةًمن عمل بطاعة الله و امتثل أوامره و تجنب نواهيه وهو مؤمن بوعد الله و مصدق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته و مطمئن قلبه راجيا رضاه سبحانه ، فلا شك أن الله يجعل حياته حياة طيبة سعيدة رغيدة ، ذكرا كان أو أنثى حتى يشعر بلذة الحياة الطيبة و السعادة الدائمة و يجزيه الله بأحسن ما عمله من عمل ، في الدار الآخرة الخالدة بلطف منه و فضل . واختلف العلماء في الحياة الطيبة فمنهم من قال انها الرزق الحلال أو انها القناعة أو التوفيق الى الطاعة أو السعادة أو معرفة الله أو الإستغناء عن الخلق و التوكل عليه وحده . و مهما تكن فلا شك أنها أفضل حياة يعيشها الإنسان مادام الرب المتعال يصفها بالحياة الطيبة .

والسرور فإنه لذة في القلب يشعر ببرودته المرء وارتياح في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو اندفاع ضرر. ” ولقاهم نضرة و سرورانضرة وحسنا في الوجوه و سرورا في القلب .

أسبغ الكرامة : الإسباغ هو التوسع . اسبغ الله نعمه على العباد اي غمرهم بها و أتمها عليهم .والإسباغ في العطاء أي كثرة العطاء . والكرامة أي التكريم و المعزة والتفضيل فإسباغ الكرامة أي اعطائي أكثر مقدار من المحبة و المعزة و المجد . وأتم العيش هو إكماله حيث لا يكون فيه نقصٌ . إنك تفعل ما تشاء أي أن لك القدرة غير المحدودة طبعا ، على فعل أي شيء و أنت الفعال لما تشاء .قال تعالى : ” كذلك الله يفعل ما يشاءفلا يعجزه أمر و لا يتعاظمه شيء مهما كان خارقا للعادة فلا تشبه قدرته قدرة . سبحان الله. والحمد لله كثيرا .

اللّهُمَّ خُصَّنِي مِنْكَ بِخاصَّةِ ذِكْرِكَ، وَلا تَجْعَلْ شَيْئاً مِمّا أَتَقَرَّبُ بِهِ فِي آناء اللَّيْلِ وَأَطْرافِ النَّهارِ رِياءً وَلا سُمْعَةً وَلا أَشَراً وَلا بَطَراً، وَاجْعَلْنِي لَكَ مِنَ الخاشِعِينَ.

خصني : الإختصاص يعني الإمتياز . خصني يعني أعطني من دون سائر الخلق أو أنه يريد أن يخصّه بالعطاء كما يخص أولياءه المخلصون . خصني من التخصيص والإختصاص بمعنى الإهتمام الأكثر في مقابل التعميم حيث يشمل الجميع . و أما خاصّة الذكر ، فربما كان بمعنى : ألهمني ذكرا لك خاصا من بين الأذكار حتى أذكرك دائما به أو أن يريد بالكلمة الطلب من الله أن لا ينساه حيث يقول تعالى : ” فاذكروني أذكركمأي فاذكروني بإطاعة أوامري و تجنب ما أنهى عنه حتى أذكركم برحمتي و مغفرتي لكم . جاء في الحديث القدسي برواية رسول الله صلى الله عليه و آله : ” أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاهو من لوازم الذكر أن يذكرك من ذكرته فإن كان ذكرك لله إطاعة لأوامره فإنه يستجيب لك حاجتك إن دعوته و يغفر لك ذنوبك يوم تحتاج الى الغفران كثيرا .

و الذكر ليس دائما الأذكار اللفظية كالتسبيحات الأربعة أو الأسماء الحسنى لله التي يأمرنا أن ندعوه بها ، بل الذكر الأهم ربما كان الذكر القلبي أي أن تكون دائما في ذكر الله ، تذكره و تراه بقلبك فتخشع له بكل جوارحك و أعضائك و تقبل اليه بفؤادك و تطيعه حق الإطاعة و تنتهي عما يمنعك من إتيانه بقلب سليم .

جاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله : « سيد الأعمال ثلاثة : إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى بشيء إلا رضيتَ لهم مثله ، ومواساتك الأخ في المال ، وذكر الله على كل حال . ليس سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله، أكبر فقط ولكن إذا ورد عليك شيءٌ أمر الله عز و جل به ، أخذتَ به وإذا ورد عليك شيء نهى الله عز و جل عنه تركته .» (الكافي ٢١٤٤) وفي هذا الحديث المبارك يشرح الإمام معنى ذكر الله على كل حال وأنه ليس مجرد تسبيح و تهليل وتحميد وتكبير بل إن ورد عليك أمرٌ من الله في حكم ما تأخذ به دون أن تكون لك الخيرة من أمرك و إن ورد عليك نهيٌ عن أمر ما تمتنع عنه برضى و طيب نفس . وهذا لعمري الذكر الأهم .

وَلا تَجْعَلْ شَيْئاً مِمّا أَتَقَرَّبُ بِهِ فِي آناء اللَّيْلِ وَأَطْرافِ النَّهارِ رِياءً وَلا سُمْعَةً وَلا أَشَراً وَلا بَطَراً، وَاجْعَلْنِي لَكَ مِنَ الخاشِعِينَ.

آناء جمع إنْي و أَنْي بمعنى ساعات من الليل و عكسها أطراف النهار أي ساعات النهار . جاء في الحديث النبوي : لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا ، فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آناء الليل  وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ الّليل وَآنَاءَ النَّهَارِ.

ولا تجعل شيئا مما أتقرب به : اي أعمالي و أورادي و دعائي و عبادتي و كل ما يتقرب الإنسان به الى الله و هو عمله الصالح . و الإمام يدعو ربه أن يجعل هذه الأعمال خالصة له ، لا يشركه فيها أحد و يبرأ الى الله من أربعة أشياء : الرياء و السمعة و الأشر و البطر . و هذه الصفات الأربعة هي التي تودي بصالح الأعمال و تجعلها فاسدة و العياذ بالله .

الرياء :الرّياء أصلها الرؤية، والرّياء هو القيام بالأعمال الحسنة في سبيل الحصول على إعجاب النّاس دون قصد القربة و حتى لو كان ضمن طلب التقرب ، فيعتبر شركاً . ويُعرف الرّياء بأنه مخالفة الأعمال الظاهرة لما هو مخفيّ من النوايا الباطنة، بقصد الحصول على ثناء النّاس وحمدهم وإعجابهم، فالمرائي في الحقيقة هو المنافق الذي يظهر شيئا و يبطن خلافه . والرياء من أجلى صفات المنافقين . قال تعالى : ”يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاو لذلك فإن عمل المرائي باطل لأن العمل لابدّ أن يكون فيه الخلوص و قصد القربة المطلقة الى رب العباد . والرياء يكون في أصول العقيدة أو الأخلاق الفاضلة أو الأعمال الحسنة . والرياء يؤدي الى زوال نور الإيمان من وجه المرائي و خروج الإيمان من قلبه . جاء عن الإمام الصادق عليه السلام قوله :”قال الله عز وجل: أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً“.

و هناك علامات للمرائي ، وردت كثيرا في الأحاديث الشريفة نختصر بواحدة منها عن رسول الله صلى الله عليه و آله :  “ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره“. نعوذ بالله من هذا المرض القلبي الخبيث الذي يهدم الأعمال هدما .

السُّمعة :بضم أوله وسكون ثانيه ، الصيت ، الذكر الحسن والكلمة مأخوذة من السّمع . يقال : فعل ذك رياء و سمعة أي ليراه الناسُ ويسمعوه .

الفرق بين الرياء و السمعة :الرياء مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة بنية رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها على ما أتى به من عمل صالح ، فالرِّياء هو العمل لرؤية الناس كالصلاة والصدقة، وأما السُّمعة: فهي من السماع، والمراد العمل لأجل سماعهم وإسماعهم  كالقراءة والوعظ والذكر، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسُّمعة بحاسة السَّمع . وفي الحقيقة فإن السمعة مثلها كمثل الرياء ، وإنهما لشرك بالله من حيث العمل لا المعتقَد .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ومن قرأ القرآن يريد به السمعة والتماس شئ لقى الله عز وجل يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم، وزج القرآن في قفاه حتى يدخله النار ويهوى فيها مع من يهوى .» (ثواب الأعمال٢٣٣٧)

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال : «اخشوا الله خشيةً ليست بتعذير ، واعملوا لله في غير رياء ولا سمعة ؛ فإنّ من عمل لغير الله وكّله اللّه إلى عمله

و عن محمّد بن عرفة ، قال : قال لي الإمام الرضا عليه السلام : « يا ابن عرفة ، اعملوا لغير رياء ولا سمعة ؛ فإنّه من عمل لغير الله وكّله الله إلى من عمل» .

الأشِر : الأشِر فاعلٌ من أشَر بمعنى مرح و استكبر . والأشر أيضا جاء بمعنى الأكثر سوءاً وفساداً .

جاء في الكتاب المجيد : ” بل هو كذاب أشر“. والمقصود من الأشر: المَرِح ذا التجبر والكبرياء , والمَرِح من النشاط والكبر. أو كثير الشر .وقال أحدهم : الأشر الذي لا يبالي ما قال .

وكان الإمام الصادق عليه السلام يقول اذا خرج الى الصلاة : ” اللهم إني أسألك بحق السائلين لك وبحق مخرجي هذا ، فإني لم أخرُج أشِرا و لا بَطرا ولا رئاءً ولا سُمعة و لكن خرجت ابتغاء رضوانك واجتناب سخطك ، فعافني بعافيتك من النار .“

و عندما يكتب الإمام الحسين عليه السلام عبر رسالته الى أخيه ابن الحنفية : ” إني لم أخرج أشرا و لا بطرا ولا مفسدا و لا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، أريد أن آمُر بالمعروف و أنهى عن المنكر و أسير بسيرة جدي و أبي علي بن أبي طالب،  فإنه يعني بهذه الجملة الخالدة هدف فيامه و نهضته ضد الظلم والجور والطغيان و الفساد وانه ليس أشرا مرحا متكبرا يريد السلطة لنفسه بل خرج بنية صادقة سليمة لطلب الإصلاح في أمة جده المصطفى صلى الله عليه و آله .

البطر : بطر الرجل أي وقع في الكبرياء بعد أن غالى في الزهو و المرح . و بطر أي طغَى وغالى في مَرحِه وزهْوِه واستخفافه و جاوز الحدَّ  و كأنه مرادف للأشر ولكن بصورة أكثر تعجرفا و علوا وفسادا. جاء في الكتاب الكريم : ” و كم أهلكنا من قرية بطِرت معيشتهاالبطر في النعمة : الكفران والطغيان بها . وهناك من يقول : بطرت أي جهلت شكر النعمة فالبطر كافر بالنعمة و جاهل بها . وان كان الأشر بمعنى المرح فالبطر أيضا شدة المرح الى حد الطغيان والفجور .

واجعلني لك من الخاشعين : الخشوع ، هو الخضوع و التذلل و الإستكانة .يقال خشع المؤمنُ في صلاته : اذا أقبل عليها بكلِّ جوارحه و يصلي في خشوع اي في خضوع و استكانة وضراعة .اللهم اني لا أتمكن من أن أكون خاشعا تمام الخشوع الا أن تساعدني عليه وتجعلني من الخاشعين . والله يحب الخاشعين الخاضعين . يقول تعالى : ” قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون .“ والخشوع بمعنى الإنخفاض و السكون أيضا و بالطبع هذا السكون نتيجة للتذلل و الخضوع . قال تعالى : ” و خشعت الأصوات للرحمنففي يوم القيامة يقف الجميع وقفة خاضعة ذليلة أمام الجبار فلا تسمع إلا همسا .

اللّهُمَّ أَعْطِنِي السَّعَةَ فِي الرِّزْقِ، وَالاَمْنَ فِي الوَطَنِ، وَقُرَّةَ العَيْنِ فِي الاَهْلِ وَالمالِ وَالوَلَدِ، وَالمُقامَ فِي نِعَمِكَ عِنْدِي، وَالصِّحَّةَ فِي الجِسْمِ، وَالقُوَّةَ فِي البَدَنِ، وَالسَّلامَةَ فِي الدِّينِ .

ثم يأتي دورالدعاء للأمور المادية و المعنوية فيطلب من ربه الرزاق أن يوسع في رزقه .الرزق هو العطاء ولا ينحصر بالمال بل كل ما يعطينا الله من نعمة فهو رزق منه . والسعة بمعنى الزيادة و الدعة و الرفاهية و الغنى . يقال هو في سعة من العيش أي في رفاهية و وسعة .

الأمن في الوطن : الأمن ، الطمأنينة و اليُسر . و الأمن ، نقيض الخوف . و الأمن في الوطن ، مطلب انساني مهم جدا فلا حياة بدون الأمن و الإطمئنان . والله تعالى عندما يمن على المؤمنين  ، فيمنّ عليهم بنعمتين هما الأهم ، الشبع و الأمان . يقول تعالى : ” الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوفأي اعبدوا ربكم الذي أعطاكم هاتين النعمتين  المهمتين ، أن يشبعكم فلا تجوعون و يعطيكم الأمن و الأمان فلا تخافون و أنتم في أوطانكم و دياركم آمنين . و الإمام يطلب من الله أن يرزقه الأمن في وطنه ومكان استقراره  ، لأن الأمن من ضروريات العيش فإذا كان الحاكم ظالما أو اذا كانت البلاد معرضة لهجوم الأعداء فلا استقرار و لا أمان ولا حياة مطمئنة رغيدة .

قرة العين في الأهل و المال و الولد : قرة العين ، ما يصادف المرء به سرورًاو فرحاً فلا تطمح العين إلى ما سواه . وقرَّت عينُه : أي بَرد دمعُها ، ضدّ سخُنت ، ويُكنَّى به عن السرور والابتهاج ، وقيل لأنَّه للسّرور دمعة باردة وللحزن دمعة حارّة . و مهما كان الأصل في قرة العين فإنها كناية عن نهاية السرور و الأبتهاج والفرح .

و عندما يقول رسول الله صلى الله عليه و آله : ”…وقرة عيني في الصلاةأي أن الصلاة أحلى ما في الوجود و اني لن أفرح بشيء كفرحي بدخول وقت الصلاة و قيامي لله راكعا و ساجدا .

بناء عليه فإن قرة العين هي ما يسرّ و يبتهج به الإنسان . قال تعالى : ” والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرّة أعينأي اجعل أهلي لي سرورا و سكنا أرتاح اليهم و أستأنس بهم وأطمئن بوجودهم . و الإمام أيضا يطلب من ربه أن يعطيه الراحة و الإستقرار النفسي في ثلاثة أشياء :الأهل والمال و الولد . الأهل أي العائلة و الأقارب بصورة عامة ، يكونون لي مصدر سرور و فرح ثم المال من حيث السعة و الكثرة بحيث لا أحتاج الى أحد ثم الأولاد ، فالأولاد إن كانوا متربين تربية صحيحة فإنهم يعينونني في تحمل مشاقّ الحياة و صعوباتها . و قبل هذا أن يكونوا متقين و رعين يخشون الله ، وأن يكونوا في عِداد العلماء و الصلحاء والكرماء .

و المُقامَ في نعمك عندي :المُقام مأخوذ من الإقامة أي الدوام و الإستمرار . فالنعمة من الله أمرٌ و استمرار النعمة أمر آخر . قال تعالى عن أصحاب الجنة : ” خالدين فيها حسنت مستقرا و مُقامافالمؤمنون متنعمون في نعيم الجنة ، خالدون فيها ، و انها أحسن مكان يستقر و يقيم فيه الإنسان  إقامة دائمة . فطال مُقامه أي طالت إقامته .

الصحة في الجسم : الصحة خلاف السقم و هي السلامة و العافية . ولا شيء من النعم المادية أهم و أفضل من الصحة و العافية فلولا صحة الجسم و سلامته لما استطاع الإنسان أن يعبد ربه حق العبادة بل و ربما أثر في معتقده والعياذ بالله فانحرف عن جادة الصواب و لذلك فإن أئمتنا عليهم السلام يوصوننا أن نطلب العافية دائما من الله و حتى في ليلة القدر نلحّ على العافية و السلامة . جاء في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال : عبادالله، سلوا الله اليقين، فإن اليقين رأس الدين وارغبوا اليه في العافية فإن أعظم النعمة العافية فاغتنموها للدنيا والآخرة .“ وهنا يؤكد سلام الله عليه أن العافية هي أعظم النعم . ويأمرنا أن نطلب من الله العافية دائما . و ورد في حديث لطيف عن رسول الله صلى الله عليه و آله حيث يأمر أصحابه بقوله : ”سلوا ربّكم العافية ، فإنكم لستم من أصحاب البلاء .“ أي أن الذين يصبرون على البلاء و على الأمراض هم الخواص و أنتم لا تقدرون على ذلك ، بناء عليه أطلبوا من ربكم العافية حتى لا يبليكم بالأمراض و الأسقام ولا تتمكنوا من أداء حق ربكم و الصبر عليها .

القوة في البدن : الإنسان يحتاج الى قوة البدن ليتمكن من اتيان الواجبات على أكمل وجه فالإنسان العاجز أو الضعيف لا يستطيع أداء الفرائض بسهولة و يُسر ، فما بالك بالمستحبات و النوافل . والمؤمن يحتاج الى قوة في البدن لعبادة أفضل و خدمة أحسن . قال أميرالمؤمنين عليه السلامكما ورد في دعاء كميل – : ” قوّ على خدمتك جوارحيفمجموعة الجوارح هي البدن . و عندما يطلب الإمام أن يقويه ربه لكي يخدمه أي يقوم بأعماله الفردية و الإحتماعية على أحسن وجه ، فإن خدمة ربه ليست مقتصرة على الصلاة و الصيام بل و على خدمة خلق الله و عباده . و هنا أيضا يطلب الإمام السجاد عليه السلام من ربه قوة في البدن حتى يتمكن من أداء فرائضه و خدمة خلقه تعالى .

السلامة في الدين : وهذا أهم مقطع في الدعاء فالسلامة في الجسم أمر ضروري و مفيد و لكن الأهم منه السلامة في الدين . جاء في وصية لأمير المؤمنين عليه السلام : ” اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة، فإذا حضرت بليّة فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم ، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم ، فاعلموا أنّ الهالك من هلك دينه.“

واللطيف أن الإمام بعد طلب السلامة في الجسم ، يطلب من ربه أن يعينه في سلامة دينه لأن كثيرا من الناسكالعادةيتخبطون يمينا و شمالا إذا انحرفت صحتهم و ضعفت قواهم حتي يكادوا يفقدوا دينهم . ولذلك يستدرك الإمام هذا الموقف ليعلن أن الأصل سلامة الدين . والمشكلة أن كثيرا من الناس ، و أنا منهم ! لا نهتم بسلامة ديننا بل تهمنا في المقام الأول سلامة دنيانا مع الأسف فاليوم مثلا و نحن نمر في هذه الجائحة الصعبة و الوباء الموحش ، نرى الناس مضطربين كثيراولهم الحقو يحاولون بشتى الطرق الحفاظ على أجسامهم من التعرض للوباء لا سمح الله و لكن قلّ من يفكر في آخرته و يعمل لسلامة دينه شيئا  . قال رسول الله صلى الله عليه و آله : ” يأتِي على النّاس زمانٌ لا يُبالِي الرَّجلُ ما تَلِفَ من دينه إِذا سَلِمَت له دُنياهُ .“ اللهم سلمنا في ديننا و دنيانا . ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وَاسْتَعْمِلْنِي بِطاعَتِكَ وَطاعَةِ رَسُولِكَ مُحَمَّدٍ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَبَداً ما اسْتّعْمَرْتَنِي، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَوْفَرِ عِبادِكَ نَصِيبا فِي كُلِّ خَيْرٍ أَنْزَلْتَهُ وَتُنْزِلُهُ فِي شَهْرِ رَمَضانَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، وَما أَنْتَ مُنْزِلُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، مِنْ رَحْمَةٍ تَنْشُرُها، وَعافِيَةٍ تُلْبِسُها، وَبَلِيَّةٍ تَدْفَعُها، وَحَسَناتٍ تَتَقَبَّلُها، وَسَيِّئاتٍ تَتَجاوَزُ عَنْها

استعملني بالطاعة أي وفقني لإطاعتك في أمورك و نواهيك . و كثيرا ما وردت هذه الجملة في أدعية المعصومين عليهم السلام  . و طاعة الله هو إطاعته و الإنقياد لأوامره . و عندما نقول : سمعا و طاعة أي أني رهن الإشارة و تحت الأمر أي سأطيعك في كل ما تأمرني بهوالطاعة هي فعل ما أمر الله به كما أن المعصية هي البعد عما أمر الله به . واستعملني بطاعة رسولك : واطاعة الرسول ايضا تكرار لإطاعة الله فالرسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . و قد قرن الله طاعته بطاعة  رسوله في الكتاب العزيز أكثر من مرة ليكون قول الرسول نافذا كقول اللهما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ”.  بل إطاعة الرسول نافذة واجبة في أي أمر يأمر به حتى غير الفرائض .

ما استعمرتني أي ما استحييتني و ما عمرتني . والكلمة مأخوذة من العُمر . قال تعالى : ” هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَاأي أبقاكم و أحياكم فيها . و يقال : استعمراللهُ عبادَه في الأرض : أي جعلهم ساكنيه . أبدا ما استعمرتني يعني طوال عمري أي أنه يطلب من الله أن يكون مطيعا له و لرسوله دائما و في كل الأحوال .

واجعلني من أكثر عبادك سهما و نصيبا في كل خير أنزلته و تنزله في ليلة القدر . و يتبين من هذه العبارة المباركة أن التقدير كله يقدّر في ليلة القدر ففي هذه الليلة المباركة يقدر الله كل ما يكون لك خلال العام و ما ينزل من سماء الرحمة من خير و سعادة و مغفرة على العباد. ولذلك سميت بليلة القدر.فالقدر في اللغة عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور. وهناك أسباب ذكرت في الروايات الواردة عن أهل البيت عليه السلام لتسمية ليلة القدر، وأن الله قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، كما أن فيها رأس السنة التي يقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر أو مضرة أو منفعة . قال تعالى : ” فيها يُفرق كل أمر حكيم“ .

روى منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «الليلة الّتي يفرق فيها كلّ أمر حكيم ، ينزل فيها ما يكون في السنة إلى مثلها من خير أو شرّ أو رزق أو أمر أو موت أو حياة ، ويكتب فيها وفد مكّة ، فمن كان في تلك السنة مكتوبا لم يستطع أن يحبس وإن كان فقيرا مريضا ، ومن لم يكن فيها مكتوبا لم يستطع أن يحجّ وإن كان غنيّا صحيحا»

و قد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتدري ما معنى ليلة القدر ؟ فقلت: لا يا رسول الله ! فقال: إن الله تبارك وتعالى قدّر فيها ما هو كائن الى يوم القيامة، فكان فيما قدر عز وجل ولايتك وولاية الأئمة من ولدك الى يوم القيامة .“
أقول : و هذا القدر ربما كان مرة واحدة في التاريخ حيث قدّر الله فيه كل ما يحدث في العالم الى يوم القيامة و هناك قدرٌ كل سنة حيث يقدّر فيه كل ما هو كائن الى السنة القادمة من نفس التاريخ أي من القدر الى القدر . وفي هذه الليلة المباركة يقدر الله ما سيحدث لكل شخص و ما سيحصل عليه من رزق و نعمة أو بلاء و نقمة . لذلك فإننا مأمورون بالدعاء في هذه الليلة المباركة المصيرية بالخير لنا و للمؤمنين و المؤمنات .

وما أنت منزله في كل سنة .. و يطلب من الله أن يجعله من أحسن العباد نصيبا في كل خير ينزله الرب الرؤوف خلال سنوات عمره بلياليه و أيامه و ساعاته و دقائقه و لحظاته . ثم يفصل الخير الى عدة أقسام

:

مِنْ رَحْمَةٍ تَنْشُرُها، وَعافِيَةٍ تُلْبِسُها، وَبَلِيَّةٍ تَدْفَعُها، وَحَسَناتٍ تَتَقَبَّلُها، وَسَيِّئاتٍ تَتَجاوَزُ عَنْها

من رحمة تنشرها : عندما ينزل الله الرحمة على العباد فإنه ينشرها عليهم ليعم كل الخلق ، ففي الدنيا لا تنحصر الرحمة بالمؤمنين بل و تشمل  الخلائق و كل الأشياء والنباتات و الجمادات  والحيوانات . والرحمة هي العطف و الرقة و الرأفة و الشفقة . وفسرت الرحمة بصورة عامة بانها رقّة في القلب تستوجب الاحسان الى الذي يتلقى الرحمة  ولكنها اذا نسبت الى الله تعالى يُقصد منها الإحسان بذاته اذ لا يمكن ان يوصف الله تعالى بالرقّة . ولكن هناك نوعان من الرحمة رحمة لكل الكائنات و رحمة خاصة للمؤمنين دون غيرهم ويقال ان اتصافه تعالى بالرحمن من جهة شمول رحمته في الدنيا للجميع واتصافه بالرحيم من جهة اختصاص رحمته المستقرة والثابتة بالمؤمنين لانه لا يرحم غيرهم يوم القيامة.

وذلك استنادا الى قوله تعالى : “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ .“  فان الكتابة بمعنى التسجيل والإستقرار فالرحمة الثابتة الباقية خاصة بالمتقين . و بالتأكيد لا يعني ذلك أن الرحمة لا تشمل إلا المتقين في الآخرة فهناك من تشملهم الرحمة بالشفاعة أو بالصلوح ( ومن صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم) و هناك كثيرون ممن خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم و يرحمهم حتى بالرحمة الخاصة و هناك المرجون لأمر الله و كثيرون لا نعلمهم الله يعلمهم .

و عافية تلبسها : العافية هي الصحة و السلامة  و أن يكون الإنسان سالما معافى من كل مرض أو سقم أو بلاء. ثم شبّه نزول العافية على الإنسان باللباس يلبسه و اللباس لستر الجسم و كأن العافية تستره و تبعده عن الأمراض . و كما ورد في دعاء الإفتتاح : و عافية تلبسناها . و جاء في الحديث :“ و ألبسني عافيتكوورد في دعاء العافية مفصلا عن السجاد عليه السلام :“ اللهم و ألبسني عافيتك، وجللني عافيتك، وحصّني بعافيتك، وأكرمني بعافيتك، وأغنني بعافيتك، وتصدق علي بعافيتك، وهب لي عافيتك، وافرشني عافيتك، وأصلح لي عافيتك، ولا تفرق بيني وبين عافيتك في الدنيا والآخرة. اللهم عافني عافية كافية شافية عالية نامية ؛ عافية تولد في بدني العافية، عافية الدنيا والآخرة، وامنن علي بالصحة والأمن والسلامة في ديني وبدني، والبصيرة في قلبي، والنفاذ في أموري، والخشية لك، والخوف منك، والقوة على ما أمرتني به من طاعتك، والاجتناب لما نهيتني عنه من معصيتك ”.

و بلية تدفعها : اللهم ادفع عني كل البلاء و المكروه و الكرب .البلية هي البلاء و المصيبة و المحنة وجمعها بلايا .  أصل البلية و البلوى ، الإختبار و الإمتحان ؛ ذلك أن الله يختبر الإنسان بمقدار تحمله للبلايا والمصائب ليثيبه على مقدار ما يتحمل من بلاء و كل ما ازداد صبره و تحمله كلما ازداد أجره و ثوابه عند خالقه . جاء في الحديث : ”من طال غناؤه ، عظم بلاؤهفالبلاء هنا بمعنى الإمتحان حيث بسط الله في رزقه لكي يمتحنه و يختبره ، فلا يخيل اليه أن هذه الزيادة في المال لخصوصية فيه بل كلما زاد الثراء زاد البلاء . ولا يخيل للفقير أن الله يبتليه هو خاصة من دون الأغنياء فلكل بلاء خاص به و كل من صبر و تحمل البلاء أخذ أجره من الرحمن الرحيم . اللهم خفف عنا البلاء يا أرحم الراحمين .

و حسنات تتقبلها : ربما نقوم يوميا بالحسنات و الأعمال الصالحة و تقديم الخير للآخرين و لكن المهم فيها أن تكون مقبولة عند الله . فرُب إنسان يدفع من ماله الكثير في بناء مستشفى أو مستوصف أو مدرسة مثلا و لا يحصل من عمله شيئا بل يجعله الله يوم القيامة هباء منثورا لأنه لم يعمل لله و لم يتقرب الى الله بعمله بل كان يريد الشهرة و السمعة ، والعياذ بالله . لذلك ، ليس المهم كثرة العمل ولا حُسن العمل حسنا ظاهريا بل المهم القصد و النية . فإن كانت نيتك التقرب الى الله و عملت عملك خالصا لوجهه دون انتظار تقدير من الآخرين ، فإن عملك يكون مقبولا و الله يجازيك عليه أضعافا مضاعفة وان كان العمل تشوبه شائبة الرياء و ما أكثرها فإنه لا ثمرة فيه مهما كانت فوائده كثيرة للمجتمع البشري و ربما قيل لك يوم القيامة أن اطلب أجر عملك ممن عملت لهم !

ولذلك نرى الإمام يطلب من ربه أن يتقبل أعماله و حسناته بلطفه و منّه وكرمه .

و لابد من الإشارة الى نقطة أخرى و هي أنه كثيرا ما يقوم الإنسان بأداء الفرائض من صلاة و صيام و حج و زكاة و ربما كانت أعماله صحيحة ولا يعدّ تاركا للفرائض و لا يستحق العقاب و لكنها لم تكن مقبولة عند الله فالقبول أمر آخر غير صحة الفرض والعمل . في مثل الصلاة مثلا لا بد من الإقبال عليها و لابد من الخضوع و الخشوع فيها و لابد من مقدمات و شرائط يقوم بها المصلي ذكرها العلماء في كتبهم  ولولاها لما تُقبل الصلاة . فالقبول أمر آخر وله أهمية عظمى غير مجرد صحة العمل .

جاء في كلام أميرالمؤمنين عليه السلام : ” كم من صائم ليس له من صيامه إلّا الظمأ ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلّا السهر والعناءذلك لأن الصائم يجب أن تصوم كل جوارحه و أعضائه فإذا صام و استمر في الكذب و الغيبة و شتم الآخرين و عصى الله بعيونه مثلا فإن صومه ولوكان صحيحا فقهيا إلا أنه لا ثمر له ولا فائدة مرجوة منه . فلنتق الله و نحسن أوضاعنا و نتقرب اليه بالنية الصالحة لأن الله لن يقبل الا من المتقين ؛ جعلنا الله منهم .

و أعود أكرر مرة أخرى أنه ليس كل عمل في الجمع رياء فلا توسوسوا لأن بعض الأعمال في العلن لها أثر عميم و فائدة كبيرة .

و سيئات تتجاوز عنها :  و أخيرا فإن الإنسان كثيرا ما يعمل السيئات و يعصي ربه والعياذ بالله ، فلا شك أنه يحتاج الى المغفرة و الرحمة من ربه و أن يكفر عنه سيئاته و لا يؤاخذه بها . و السيئة هي كل عمل قبيح عقلا أو شرعا .جاء في الكتاب الكريم : ”وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ“ . فهناك من الحسنات ما تمحي الذنوب و المعاصي و هذا أيضا من رحمة الله و لطفه على عباده حيث تعمل الحسناتإن كانت خالصة لوجههعمل الممحاة للذنوب و السيئات . وهناك كثير من الأعمال الحسنة التي توجب الغفران و تمحي المعاصي . قال تعالى : ”لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْاذن فاجتناب الكبائروالموبقات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل والكتب والقرض الحسن المتمثل في الإنفاق بصورة عامة ، مكفّرة للسيّئات مزيلة لها ، بإذن الله . ومن المكفرات للذنوب حسب كلام المعصومين عليهم السلام الإكثار من الصلاة على محمد و آل محمد .

وَارْزُقْنِي حَجَّ بَيْتِكَ الحَرامِ فِي عامِنا هذا وَفِي كُلِّ عامٍ، وَارْزُقْنِي رِزْقاً وَاسِعاً مِنْ فَضْلِكَ الواسِعِ، وَاصْرِفْ عَنِّي ياسَيِّدِي الاَسْواءِ، وَاقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَالظُّلاماتِ حَتَّى لا أَتَأَذّى بِشَيٍ مِنْهُ .“

الإمام عليه السلام يطلب من ربه أن يرزقه و يجعل له نصيبا من الحج و زيارة البيت الحرام في عامه ذاك و في كل عام ، ذلك لأن الحج من أفضل العبادات و أكثرها ثوابا و أجرا .

جاءفيحديثعنالإمامالصادقعليهالسلامأنهقال :“ حَجَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ سَبْعِينَ رَقَبَةً فَقُلْتُ مَا يَعْدِلُ اَلْحَجَّ شَيْءٌ ؟ قَالَ : مَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ ؛ وَ لَدِرْهَمٌ وَاحِدٌ فِي اَلْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ سَبِيلِ اَللَّهِ .(الكافي ٤٢٤٠)

و ورد عن الإمام الباقر عليه السلام انه قال : ” اَلْحَاجُّ وَ اَلْمُعْتَمِرُ وَ اَلصَّائِمُ وَفْدُ اَللَّهِ إِنْ سَأَلُوهُ أَعْطَاهُمْ وَ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَ إِنْ شَفَعُوا شَفَّعَهُمُ اَللَّهُ وَ إِنْ سَكَتُوا اِبْتَدَأَهُمْ وَ يُعَوَّضُونَ بِالدِّرْهَمِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.(عدة الداعي ١١٢٨)

ولو تلاحظون ففي الحديثين يعوض الله الإنسان الحاج و المعتمر لكل درهم يصرفه في هذا السبيل بمليون أو مليوني درهم  . و هذا الأجر قلّ ما تجده في عمل غير الحج . وقد أضاف الإمام الباقر عليه السلام الصيام الى الحج و العمرة في الحديث الثاني حيث لا يقل أجرا من الحج حتى أن بعض الأحاديث تؤكد على أن أجر الصائم لا يعلم أحد مقداره الا الله تعالى .

و الحج معناه اللفظي القصد . و أما المعنى الإصطلاحي فإن الحج هو قصد البيت الحرام والمشاعر العظام وإتيانها، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص، على الصفة المعلومة في الشرع من تلبية وإحرام ووقوف بعرفة، وطواف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، وبقية الأعمال المتعلقة به .

وارزقني رزقا واسعا من فضلك الواسع :  الرزق الواسع هو الرزق الكثير بحيث يعيش الإنسان في رفاهية من العيش و راحة من الفقر والجوع  والرزق الواسع نعمة و زينة من نعم الدنيا . قال تعالى :“ الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاوكل ما يرزقنا الله فإنه من فضله و فضله كبير عظيم يتسع الجميع فالله يرزق المؤمن و الكافر بل و يرزق حتى الحيوانات و البهائم بأنواعها فتعيش في راحة و سلام بفضل الله تعالى  .

و الإسلام يحث المرء على الكد و العمل لكسب رزق أكبر و أفضل بل و يقدس العمل و الكسب لحياة أفضل و لراحة الأهل و العيال. و هناك وسائل لتوسعة الرزق بالإضافة الى العمل و الكسب ، منها كثرة الإستغفار. قال تعالى : ”فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًاو منها التقوى  . قال تعالى :“ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ”.و منها الإلحاح و الإصرار على الرب الرؤوف بالدعاء والطلب منه تعالى . وحتى الشكر يزيد النعم . قال تعالى : ” لئن شكرتم لأزيدنكم

فإذا عمل الإنسان و توكل على الله و كان مؤمنا متقيا و واظب على الدعاء و المسألة منه فإنه يقضي حوائجه و يدرّ عليه رزقا كثيرا واسعا هنيئا مريئاً بلطفه و منّه .

وَاصْرِفْ عَنِّي ياسَيِّدِي الاَسْواءِ، وَاقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَالظُّلاماتِ حَتَّى لا أَتَأَذّى بِشَيٍ مِنْهُ .“

وَاصْرِفْ عَنِّي ياسَيِّدِي الاَسْواءِ: الأسواء جمع سَوء و السَّوء كل  ما يغمّ الإنسان و يؤلمه . و تلفظ بفتح السين و ضمه . والسُّوء كل ما يقْبُحُ ، من شرّ و فساد و قُبْح و نقص و عيْب . اللهم اصرف و ادفع عني كل سوء و بلاء و كرب و غم و نقص و فساد وأذية . والصرف ، رد الشيء عن وجهه . وقوله تعالى صَرَفَ اللّه قلوبَهم أَي أَضلَّهُم الله مُجازاةً على فعلهم ؛ وصَرفْتُ الرجل عني فانْصَرَفَ ، والمُنْصَرَفُ : قد يكون مكاناً وقد يكون مصدراً ، وقوله عز وجل : سأَصرفُ عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ؛ أَي هؤلاء الذين يتكبرون على الناس في الدنيا دون أي وجه حق ، فإني أَجعل جَزاءهم الإضْلال عن هداية آياتي .  وقوله تعالى : ثم انْصَرَفوا صرف الله قلوبم بأنهم قوم لا يفقهون؛ أَي رَجَعوا عن المكان الذي استمعُوا فيه ، وقيل : انْصَرَفُوا عن العمل بشيء مـما سمعوا . وقوله عز وجل : فما تستطِيعون صَرْفاً ولا نصْراً أَي ما تستطيعون أن تصرفُوا وتبعدوا وتردوا عن أَنفسكم العَذابَ ولا أَن تنصُروا أَنفسكم . والصرف في هذا المقطع من الدعاء أي الكف و المنع والدفع . ونلاحظ أن الإمام جمع السوء الى الأسواء حتى يكون جامعا لكل ما فيه منقصة و مفسدة للإنسان وكل شيء ينطوي على القبح . يقول الشاعر ابن الرومي : وصانك الله من كل المكاره والأسواء ما دمت حيا بل وقاك بنا. و السوء و جمعها الأسواء عامة لكل ما يضر المرء من فعل فاعل أو من الحوادث والكوارث الطبيعية .

وَاقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَالظُّلاماتِ حَتَّى لا أَتَأَذّى بِشَيءٍ مِنْهُ

اقض عني أي أدّ عني .. مثل ما يقال : قضيت الصلاة أي أديته و أقمته . و أما الدَّين  فهو القرض و أدنته أي أقرضته و أعطيته مالا الى أجل .أدان و استدان : اي أخذ دينا و قرضا . قال تعالى :“ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ” أي اذا أخذتم مالا من أحد لمدة محدودة معلومة فعليكم أن تسجلوه في كتاب .

و أما الظلامات فإنها جمع ظُلامة  وهي ما تظلّمه الرجل أي أنه اخذ من حق أحد دون أن يحاسبه عليه . مثل بعض الناس الذين يمشون في السوق و يأكلون فاكهة هنا و مكسرات هناك دون أخذ الإذن من أصحابها أو أن في رقبتهم دينٌ لأحد فيما مضى لا يعرفون صاحبه أو أنه لم ينتبه للدَّين فهذه الأموال تعتبر ظلامات و يجب على الإنسان شرعا أن يؤديها لأصحابها و إن لم يعرفهم فيدفع من خالص أمواله بمقدار ما عليه من ظلامة و بإذن الحاكم الشرعي الى الفققراء و المساكين حتى يبرئ ذمته و تسمى رد المظالم . وانها ظلمة أيضا و جمعها مظالم و ظلامات . وقد تطلق على سائر الأموال والحقوق الباقية في ماله أو في ذمته للنّاس وإن كان أخذها ابتداءاً بغير ظلم يعني إن كان لأحد عليّ حق و قد ظلمته في أخذه منه أو عدم ردي له و قد فرق الزمان بيني و بينه أو أن له حقاً علي و لم أعرفه فإنني أدفع مالا بمقدار الظلامات التي علي  . والظلامة ما يطلبه المظلوم ، وهو اسم ما أخذ منه ظُلمًا . و الإمام يطلب من ربه أن يؤدي عنه ديونه و مظالمه التي عليه حتى لا يتأذى بشيء منه ذلك لأن حقوق الآخرين لا بد من إرجاعها اليهم ، أو أن يؤدي الله بلطفه و فضله تلك الديون الى أصحابها والظاهر أن المطلوب أداء الظلامات في الآخرة و ليس في الدنيا. و أما نسبة الظلامة الى نفسه مع أنه معصوم و لا يمكن أن تكون في رقبته ظلامة لأحد ، فربما كان من باب تعليم الآخرين و الإهتمام بالموضوع ليس غير .

وَخُذْ عَنِّي بِأَسْماعِ وَأَبْصارِ أَعْدائِي وَحُسَّادِي وَالباغِينَ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ، وَأَقِرَّ عَيْنِي وَفَرِّحْ قَلْبِي، وَاجْعَلْ لِي مِنْ هَمِّي وَكَرْبِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً، وَاجْعَلْ مَنْ أَرادَنِي بِسُوءٍ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ تَحْتَ قَدَمِيَّ

خذ عني بأسماعهم و أبصارهم يعني أصمّهم و اعمهم . طبعا هذه غاية الدعاء على الأعداء أن يتمنى الإنسان أن يعميهم الله و يصمهم. ومثل هذا الدعاء على الأعداء وارد لدى العرب  . قال تعالى : ”قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْأي : سلبكم تلك النعمتين بعد أن كان قد أعطاكموها من قبل فإنه هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصــار ”. و ربما يكون الغرض منع الإستفادة منهما  . قال تعالى :“ لهم قلوبٌ لا يفقهون بها و لهم أعين لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها.“ وذلك بالرغم من أن لهم فعلا عيون يرون بها و آذان يسمعون بها وهذه كناية عن ضلالهم و غيّهم . وربما كان المقصود هلاكهم و إماتتهم فهو يطلب من ربه أن يهلك هؤلاء الأعداء .

ثميوضحالإمامالذينيريدلهمتلكالحالة : أعداؤه و حُساده و ظالموه . العدو هو ضد الصديق أي الخصم . قال تعالى : ” لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين .“ ومن هذا يتبين أن أول عدو للإنسان هو الشيطان الرجيم فربما كان غرض الإمام من هذا الدعاء على عدوه ، دعاء على الشيطان أو أي عدو لدود له .  الحُسّاد : جمع حاسد وهو الذي يتمنى زوال نعمة غيره أو زوال نعمته و تحولها اليه ! و يشعر من جراء ذلك بالحسرة و الغضب . هذا هو الحسود  ولذلك فالحسد يعتبر من أشد الأخلاق السيئة و الصفات النكرة البغيضة   بل انها الصفة الأولى التي ظهرت لأعدى أعداء الإنسان(ابليس) فحسده و لم يسجد له مع أمر الله له فكان أن تعرض لسخط الرب الرحيم و أبعده الله من رحمته ولعنه الى يوم البعث . وقد جاء في الحديث : ” الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النارالحطب
و الثالث الذي يدعو عليه الإمام هو المعتدي و الباغي و الظالم .البغي مصدر الباغ والباغ هو الظالم الجائر. و في الحديث : ” ويل عمار ، تقتله الفئة الباغيةاي الجماعة الظالمة . قال تعالى : ” وينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي ”. فالفحشاء كل ذنب عظيم استفحشته الشرائع والفِطر كالشرك بالله والقتل بغير حق والزنا والسرقة والعجب والكبر واحتقار الخلق . والمنكرات كل ذنب ومعصية متعلق بحق الله تعالى مثل قضاء الصلوات والصيام والزكاة والكفارات وأما البغي فهو العدوان على الناس في الدماء و الأعراض و الأموال . جاء في الحديث : ” ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي و قطيعة الرحم ” .

وَانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ، وَأَقِرَّ عَيْنِي وَفَرِّحْ قَلْبِي : وانصرني أي أعنني يا رب على هؤلاء الأعداء واصرف عني أذاهم و حسدهم و بغيهم و أقر عيني : قلنا سابقا أن قرة العين كناية عن الفرح و السرور . و فرّح قلبي : الفرح هو الإبتهاج ، وفرح القلب ابتهاجه و انشراحه .

وَاجْعَلْ لِي مِنْ هَمِّي وَكَرْبِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً : الهم ليس هو الحزن فحسب بل كل أمر يشغل بال الإنسان و يؤرق فكره .الكرب هو الحزن و الغم الذي يأخذ بالنفس . قال تعالى : ” و نجيناه و أهله من الكرب العظيم  الكرب هو شدة الغم فإذا وصفناه بالعظيم فتكون محنة لا يمكن وصفها لشدتها و بؤسها  . و في الآية هو عذاب الإستئصال و الغرق الذي أصاب قوم نوح و حفظ الله نوحا و من معه منه . و الفرج هو انكشاف الغم و زوال الكرب . و المخرج بنفس المعنى فهو الخلاص و النجاة و ازالة الغموم والهموم  . قال تعالى : ” ومن يتق الله يجعل له مخرجا ” .فالمخرج هو موضع الخروج فإذا طلب الإنسان أن يجعل الله له مخرجا فإنه انما يطلب الخروج من الضيق و الشدة. فالمخرج هو الخروج من كل كرب و ضيق و عسر و شدة . اللهم اجعل لنا من البلايا فرجا و مخرجا بحق محمد و آله الطاهرين .


واجعل من أرادني بسوء من جميع خلقك تحت قدمي . وَاكْفِنِي شَرَّ الشَّيْطانِ وَشَرَّ السُّلْطانِ وَسَيِّئاتِ عَمَلِي، وَطَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّها، وَأَجِرْنِي مِنَ النّارِ بِعَفْوِكَ، وَأَدْخِلْنِي الجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ، وَزَوِّجْنِي مِنَ الحُورِ العِينِ بِفَضْلِكَ، وَأَلْحِقْنِي بِأَوْلِيائِكَ الصَّالِحِينَ، مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الاَبْرارِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الأخْيارِ، صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ وَعَلى أَجْسادِهِمْ وَأَرْواحِهِمْ، وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ.“

وَاجْعَلْ مَنْ أَرادَنِي بِسُوءٍ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ تَحْتَ قَدَمِي : اجعل من يريد بي سوءا و شرا و يريد أن يظلمني و يعتدي علي، اجعله تحت قدمي أي اجعله مغلوبا منكوبا و انصرني عليه . قال تعالى : ”رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالإِْنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأَْسْفَلِينَأي اجعلنا ندوس عليهما و نحطمهما و ننتقم منهما لأنهما كانا السبب في اضلالنا وشقائنا يوم الحساب .قال العلامة في الميزان : ”يسألون الله أن يريهم متبوعيهم من الجن والإنس ليجعلوهما تحت أقدامهم إذلالا لهما وتشديدا لعذابهما“.

اكفني شر الشيطان : يعني اجعلني في مأمن من الشر والكيد . و الإكتفاء هو الإستغناء وطلب عدم الحاجة . فعندما يقول اكفني يعني اغنني منه . اكفني شر الشيطان و الشيطان  كلمة مأخوذة من شطن أي بعد عن رحمة الله . و الواضح أن هذا الإسم لم يُطلق على ابليس بادئ الأمر لأنه كان يعبد الله آلاف السنين و لكن عندما استكبر و لم يسجد لآدم أبعده الله عن رحمته وعندئذ أسماه الشيطان  . فقد ترى في الآيات قبل أمر السجود كلمة ابليس و لكن بعد الأمر و عدم انصياع ابليس تحول الى الشيطان الرجيم المنفور و البعيد عن رحمة الله . أعاذنا الله و إياكم من شروره . و شر الشيطان عبارة عن وساوسه (يوسوس في صدور الناس) و اغواءاته واغراءاته و محاولة  اضلال الإنسان و اخراجه من الإيمان .

و أما السلطان فإنه إسم للحاكم و الذي يتسلط على الناس وكل من له سلطة في جهاز الحكم فالسلطنة هي التحكم و السيطرة و الأخذ بزمام أمور البلاد . و الإمام يتعوذ من شر السلطان ، طبعا إن كان جائرا .

و سيئات عملي  أي اكفني جزاء أعمالي السيئة . جاء في الكتاب العزيز : ” فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ”.أي فأصابهم آثار و عقوبات كفرهم و تمردهم على بارئهم . حل بهم من عذاب الله ما كانوا يستهزءون منه و يسخرون من الرسل .

طهرني من الذنوب كلها :التطهير ضد التنجيس و هو النقاء و التنزيه عن الأدناس و العيوب و الآثام . طهر الثوب : أزال وسخه وطهر القلب أي تاب و آمن و عمل صالحا .“ وأنزلنا من السماء ماء طهورااي ماء نقيا صالحا للتطهير . و ماء طاهر أي ماء نقي غير نجس . قال تعالى : ” ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرينأي ان الله يحب التوابين من الذنوب حتى لا يعودوا اليها و المتطهرين من المعاصي حتى لا يصيبوها . و الإمام يدعو ربه أن يطهره و يزيل عنه كل الذنوب و آثارها للتطهير من الذنوب وسائل و أدوات منها الإستغفار و التوبة و العمل الصالح و الخيرات و دفع الصدقات  و الإبتعاد عن الموبقات و الإكثار من الحسنات حيث انها يذهبن السيئات كما ورد في القرآن الكريم . و أخيرا لابد من الإلتجاء الى الله في مساعدتنا لتطهير أنفسنا من درن المعاصي و الآثام و الذنوب و يطهرها بلطفه و فضله و كرمه .

و أجرني من النار بعفوك :أجرني مأخوذة من الإستجارة و الإستجارة بمعنى الإستغاثة .. استجار بالله : استغاث به و التجأ اليه واستأمنه . أجرني أي أغثني و آمنّي . قال تعالى : ” وإن أحد من المشركين استجارك فأجرهاستجارك أي سأل جوارك أي أمانك و ذمامك و طلب اللجوء اليك و الأمن  و الأمان . وأجرني من النار بعفوك يعني أنني أطلب عفوك وأعوذ بك من نار غضبك يا رب .

و أدخلني الجنة برحمتك : الرحمة هي الرقة والتعطف و الشفقة . قال تعالى :“ ربنا آتنا من لدنك رحمة ” . وجاء في وصف القرآن : ” هدى و رحمة لقوم يؤمنونأي فصلناه هاديا و ذا رحمة أو أنه يؤدي الى الإيمان و الإيمان باب رحمة الله و مغفرته  .و نقيضها اللعنة و الضراء . فالرحمة إن كانت مغفرة الله ففي المقابل اللعنة التي هي البعد عن رحمته تعالى (نستجير بالله ) .

لا يستطيع أحد أن يدخل الجنة بعمله لأنه مهما كانت أعمالنا صالحة فإنها قليلة في مقابل تلك النعم الجسيمة التي من الله بها علينا فليس لأحد مهما علا و ارتفع قدره ، ليس له الحق في أن يدخل الجنة إلا برحمة من الله و فضل . قال تعالى : ” ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابةفالجميع ظالمون الا من عصمه الله و طهره تطهيرا و قليل ما هم . لذلك فإننا جميعا نطلب من الله الرحمة  فلولا رحمة من ربنا لما نال أحدنا الجنة بعمله بلا ريب . قال تعالى : ” و رحمتي وسعت كل شيءو بهذه الرحمة الواسعة الربانية نطمع أن يغفر لنا ربنا ذنوبنا على كثرتها و يدخلنا الجنة لطفا و فضلا و رحمة منه . و يكفينا قوله تعالى : ” كتب على نفسه الرحمةطبعا في المقابل علينا أن نلتزم بما أمرنا به و ننتهي عما نهانا عنه حتى تشملنا رحمته  ومغفرته .آمين يا الله .

وَزَوِّجْنِي مِنَ الحُورِ العِينِ بِفَضْلِكَ :الحور العين من نعم الجنة . قال تعالى : ” كذلك و زوجناهم بحور عين  و قال : ” و حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنونو الآيات و الأحاديث في الزواج بالحور العين كثيرة .التزويج بالحور العين أي أن يجعلهم قرناء لهنّ فالزوج بمعنى القرين .والحور جمع حوراء أي شديدة سواد العين و بياضهاأو ذات المقلة السوداء كالغزلان والظباء . والعِين جمع عيناء بمعنى عظيمة العينين  .والحوّر بمعنى شدة البياض في بَياض العين مع شدة السواد في سوادها وحورت العين أي واستدارت حدقتُها ورقَّت جفونُها وابيضَّ ما حواليها.

هناك ملاحظة مهمة : هلالحورالعينتطلقعلىنساءالجنةفقطمندونالرجال؟يعنيأنههلللرجالزواجمنالحورالعينوليسللنساءمثله؟

ليكن واضحا أن الحور العين كناية عن الجمال و معناه الظاهري وسعة العين ، ويمكن إطلاقها على الصنفين (الرجال و النساء) و لكن الله تعالى لم يأت بذكر النساء في هذا الإقتران  لأجل الحياء في النساء المؤمنات لذلك فإن الله لا يشوقهن بأمر يستحيين منه ، بعكس الرجال فإنهم يهتمون بالزواج والإقتران بالنساء كثيرا لذلك فالله يشوقهم بالحور العين . و أصلا لو نأخذ الكلمة بمعناها اللغوي فإن الحور جمعحوراءوأحورحيث يستوي فيها الرجل و المرأة  . و العِين أيضا جمعأعيَنوعيناءبمعنى واسع العين أو واسعتها . ولأن أصل الجمال في العين لذلك فإن الله جاء بلفظة الحور العين .

بالإضافة الى أن الله تعالى كثيرا ما يأت بالأزواج معا مثل قوله تعالى : ” أدخلوا الجنة أنتم و أزواجكم تحبرونأي ادخلوا مع أزواجكم بكرامة و احترام . فالزوجة في الجنة هي نفس الزوجة التي كانت معك في الدنيا بالإضافة الى أن الله يعطيها مسحة كبيرة من الجمال حتى تكون الحور العين أقل شأنا منها

ورد في حديث عن أن اَلنَّبِيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ذكَر اَلْحُورَ اَلْعِينَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَ مَا لَنَا فَضْلٌ عَلَيْهِنَّ؟ قَالَ: «بَلَى، بِصَلاَتِكُنَّ وَ صِيَامِكُنَّ وَ عِبَادَتِكُنَّ لِلَّهِ؛ بِمَنْزِلَةِ اَلظَّاهِرَةِ عَلَى اَلْبَاطِنَةِ» . و أما اللواتي لم يتزوجن فإن الله بلطفه و فضله يعطيهن من النعيم ما لا عين رأت و لا أذن سمعت .” فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ ”. ولكننا ربما لم نتمكن من معرفة أو ادراك هذه النعم الكبيرة  . وهذا أمربديهي .

و أخيرا فإن وعود القرآن تختلف حسب اختلافات الدرجات المعنوية فالإنسان المادي ، ضعيف الإيمان مثلي ، يعده الله بالنعم المادية من أكل و شرب و اقتران حتى يعبد الله عن طمع الوصول الى هذه النعم  وأما أولئك الذين يعبدون الله حبا لله و شكرا لأنعمه دون طمع في متاع و دون خوف من نار فإن الله يعدهم بمجالسة الرسل و الأنبياء و الأئمة المعصومين عليهم السلام ، ولا نعمة أكبر و أفضل و أجزل منها . قال تعالى : « وَ مَنْ یُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَاُولئِك مَعَ الَّذینَ اَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ وَ الصِّدِّیقینَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحینَ وَ حَسُنَ اُولئِكَ رَفیقاً»

وَأَلْحِقْنِي بِأَوْلِيائِكَ الصَّالِحِينَ، مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الاَبْرارِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الأخْيارِ، صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ وَعَلى أَجْسادِهِمْ وَأَرْواحِهِمْ، وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ.

اللحق : ما يجيء بعد شيء يسبقه . والإلحاق هو الإدراك و الوصول اليه واللصق به ومتابعته وموالاته . قال تعالى :“ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .“ أي انهم يفرحون بالمؤمنين الذين لم يصلوا اليهم و لا زالوا في الدنيا بأن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون لأنهم وصلوا الى تكريم الرب الجليل بهم بعد موتهم ، و أن الله لا يضيع أجر المؤمنين .

اللحوق بالأولياء بظني هو طلب الحشر معهم و الدخول في زمرتهم لأننا لا يمكن أن نلحق بهم بإعتبار المنزلة و الدرجة فهم في درجات أعلى منا لقربهم إلى الله و وصولهم الى الكمال الإنساني فلا يمكن أن أطلب من الله اللحاق بالأنبياء و الأئمة عليهم السلام إلا أن يوفقني الله بالحشر معهم . و لا شك أن الإمام عليه السلام و هو من المقربين إنما يتحدث عن لساننا و يطلب كما نطلب و إلا فهو في أعلى عليين بلا ترديد . و ربما كان هذا الطلب نوعا من التواضع بل و هذا هو الأرجح.

و طلب اللحاق بالأولياء و الشهداء ليس مقصورا على هذا الدعاء بل ان جميع الأنبياء كانوا يطلبون ذلك من الله لعلمهم بأن الإتصال بالأولياء و اللحاق بهم في الآخرة هو أعلى و أفضل نعم الجنة على الإطلاق . فيقول تعالى عن لسان ابراهيم عليه السلام : ” رب هب لي حكما و ألحقني بالصالحينوجاء على لسان يوسف على نبينا و آله و عليه السلام : ” توفني مسلما و ألحقني بالصالحين ” .

و ربما كان هذا الطلب يتضمن طلبا آخر و هو التوفيق للإتيان بالصالحات و الحسنات حتى أقترب من درجة الصالحين فعندما أطلب من الله أن يلحقني بأوليائه ، يتطلب مني أن أكون صالحا أعمل الصالحاتكما أمرني الله به في موارد عديدة و متكررة من كتابه الكريمولكي أكون صالحا فإني أحتاج الى توفيق من الله ، لذلك فإني أطلب منه أن يوفقني للعمل الصالح حتى يرضى مني و يقربني الى درجة أوليائه ولو لم أكن منهم ، تفضلا و رحمة منه تعالى .

قال عز من قائل : ” جنات عدن يدخلونها و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهمأي أنه يلحقهم بأولئك المؤمنين الصالحين منهم   ويدخلهم جنة الخلد ولو أنهم بأعمالهم لم يستحقوا هذا اللحوق و لكنهم ليسوا من السيئين كثيرا بل و عندهم من الصلوح ما يقتضي الحاقهم بآبائهم أو أزواجهم أو ذرياتهم الأكثر صلاحا و ورعا . والا فإن من يطع الله و رسوله ، فإن الله يجعله مع أوليائه أو يلحقه بهم دون ريب فالأصل الإطاعة المحضة . قال تعالى : ”وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفى بِاللّهِ عَلِيماً“. وفي كل الحالات فإن الله بفضله و لطفه يمن ّعلى عباده بهذه النعمة الكبيرة لا باستحقاقهم . و هذا أمر مفروغ عنه .

والجملة التالية تفسر الجملة الأولى . من هم أولياء الله الصالحين الذين يطلب الإمام اللحاق بهم ؟ هم محمد و آل محمد صلوات ربي و سلامه بلا عدد عليه و عليهم الى الأبد .

آل محمد هم أهل بيته و حصريا هم : علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين عليهم السلام . و هم حجج الله في الأرض و أئمته المهديون و أوصياء رسوله صلوات الله عليه و عليهم . بالتأكيد الأصل في آل محمد ، هؤلاء الذين هم أهل بيته  الذين عصمهم الله و طهرهم تطهيرا . ولا خلاف في ذلك لدى علمائنا و كافة المسلمين .

و لكن ربما كان لآل محمد معنى آخر مجازيا وليس حقيقيا، أو أنه ربما اضفنا الى آل محمد من كان يطيعهم و يحذو حذوهم و يسير بسيرهم و ينتهج منهجهم فهؤلاء آل محمد و خواصه . فعندما يقول رسول الله صلى الله عليه و آله : ” سلمان منا أهل البيتفلا يعني الأهلية النسبية ولا السببية بل الأهلية الإيمانية . وهو لا شك من أولياء الله وقد أكرمه رسول الله بمثل هذه الصفة المتعالية . و مثله سائر الأصحاب الذين بقوا على ولائهم لأهل البيت تحت أصعب الظروف  ، من ذلك الزمان الى زماننا هذا .و منهم العلماء الربانيون و المراجع المتقون و الفقهاء الصالحون الصائنون لأنفسهم الحافظون لدينهم المخالفون لأهوائهم المطيعون لأوامر مولاهم  والذين لم ينحرفوا قيد أنملة عن مبدأ أئمتهم و ولاة أمرهم . عن الإمام الباقر عليه السلام انه قال : ” من أحبنا فهو منا أهل البيت . قلت : جعلت فداك ، منكم ؟ قال : منا والله ؛ أما سمعت قول ابراهيم عليه السلام : «فمن تبعني فإنه مني»(تفسير العياشي ٢٢٣١) وبقول ابراهيم عليه السلام يستدل الإمام بأن محبيهم و شيعتهم منهم . و بالطبع لا ينظر الإمام الى المحبين مجرد الحب بل المحب لمن يحب مطيع . فالمحب الذي يطيع أئمته و يطيع ربه فإنه منهم . و في هذا أحاديث كثيرة  ، نتبرك برواية أخرى حتى يعلم الشيعي المخلص المطيع لأئمته ، منزلته و درجته عند الله :

يقول  الإمام الصادق عليه السلام :“ من اتّقىٰ الله منكم و أصلح فهو منا أهل البيت قيل منكم أهل البيت قال منّا أهل البيت . قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ : قُلْتُ لَهُ مِنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ:  إِي وَ اَللَّهِ مِنْ آلِ مُحَمَّدِ ، إِي وَ اَللَّهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ . أَ مَا تَسْمَعُ اَللَّهَ يَقُولُ : « إِنَّ أَوْلَى اَلنّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ » وَ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ : « فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي » .

الطيبين الطاهرين الأخيار : الطيب : الحسن و الطيب كلُ ما تستلذُهُ الحواسُّ أَو النفس . و الطيب كل ما خلا من الأذى و الخبث . طيب العِرق :من أصل شريف و سلالة نبيلة . و ما أشرف و أكرم من سلالة رسول الله صلى الله عليه و آله . فآل محمد هم الطيبون ذو الأصول النبيلة الشريفة المحمودة . و رجل طيب النفس : صادق النِّية، دَمِثُ الأَخلاق . والطيب هو الذي تحلى بالفضائل و تخلى عن الرذائل . و الطيبون هم الطاهرون من دنس الشرك و الكفر و رذائل الأخلاق .

الطاهرين : الطهارة أي النقاء والتنزه عن الأدناس و الأدران. الطاهر هو النزيه الشريف الكريم العفيف الزكي . قال تعالى في حقهم :

إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرافآل محمد مطهرون  من كل رجس بإذن الله و أمره لأن الله هو الذي طهرهم و عصمهم من الخطأ و الزلل  والذنوب .

عن عمر بن أبي سلمة قال : لما نزلت هذه الآية على النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ في بيت أم سلمة ، فدعا فاطمة و حسناً و حسيناً ، و علي خلف ظهره ، فجلّلهم بكساء ، ثم قال : ” اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً ” .

قال ابو نواس في حقهم :

مطهرون نقيات ثيابهم ** تجريالصلاةعليهمأينماذكروا

من لم يكن علويا حين تنسبه***  فما له في قديم الدهر مفتخر

واللهلمابراخلقافأتقنه ***  صفاكم واصطفاكم أيها البشر

الأخيار : جمع خيّر وهو  الكريم السخي ذو الخير. و الأخيار هم أفاضل الناس و أكارمهم و أماجِدهم والخيّر هو الشريف . و الإختيار هو الإصطفاء . قال تعالىو أنا اخترتك فاستمع لما يوحى .“ فالأخيار هم المصطفون الذين اختارهم الله قبل أن يختارهم البشر صلوات الله عليهم . قال تعالى : ” وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخياراي المختارين الذين اصطفاهم الله واجتباهم من صفوة خلقه و أفضل بريته وهم الذين يسيرون في صراط الله المستقيم بل هم  صراط الله و من اتبعهم فقد سار في الصراط القويم . و ورد أيضا في الكتاب الكريم : ”وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الأخيارِ“. أي من الذين اختار لهم ربهم أكمل الأحوال و الصفات من الأعمال و الأخلاق الحسنة و الصفات الحميدة والخصال الرفيعة .

صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ وَعَلى أَجْسادِهِمْ وَأَرْواحِهِمْ، وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ :

الصلاة : الأصل في معناها ، الدعاء . قال الراغب في مفرداته : “ قال كثير من أهل اللّغة : هي الدعاء والتبريك والتمجيد ، يقال : صلّيت عليه ؛ أي دعوت له . وصلوات الرسول وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق تزكيته إيّاهم . وقال : «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ » ومن الملائكة هي الدعاء والاستغفار كما هي من الناس“.

  وقد اشتهر ان الصلاة من اللّه الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن الناس التضرع و الدعاء . الصلاة على الأجساد ، دعاء للعافية و الصلاة على الأرواح دعاء للرحمة والمغفرة ، والحفظ من كل ما لا يليق بالروح  من الخصائص السلبية .

و قد ورد في كثير من الأدعية المأثورة الصلاة على الأرواح و الأجساد مثل ما جاء في أحدها : ” اللهم صل على محمد و آل محمد الأوصياء المرضيين بأفضل صلواتك ، وبارك عليهم بأفضل بركاتك ، وعليه و عليهم السلام ، وعلى أرواحهم و أجسادهم ورحمة الله وبركاته .”

و رحمة الله و بركاته : أي و عليهم رحمة الله  وبركاته . قال تعالى : ” رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيتأي لا تزال رحمته و بركاته و إحسانه عليكم أهل البيت . ويقول العلامة الطباطبائي في تفسيره : ”أي إنه تعالى مصدر كل فعل محمود ومنشأ كل كرم وجود يفيض من رحمته وبركاته على من يشاء من عباده.“

معنىالبركةالخيروالنماءوالزيادة . اللهم بارك على محمد و آل محمد أي أدم نعمك عليهم وما أعطيتهم من كرامة و حظوة و تشريف . صلوات ربي و سلامه على محمد و آل محمدصلاة أبدية سرمدية .

اِلهي وَسَيِّدي وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لَئِنْ طالَبَتْني بِذُنُوبي لاَُطالِبَنَّكَ بِعَفْوِكَ، وَلَئِنْ طالَبَتْني بِلُؤْمي لاَُطالِبَنَّكَ بِكَرَمِكَ وَلَئِنْ اَدْخَلْتَنِى النّارَ لاَُخْبِرَنَّ اَهْلَ النّارِ بِحُبّي لَكَ

الإمام يقسم بعزة الله و جلاله . العزة : هي القوة و الغلبة  والمنعة و السمو  و الأبهة و المجد . و الأصل في العزة ، الغلبة و القدرة و القهر فالله تعالى هو العزيز لأن العزة كلها له . قال تعالى : ” فلله العزة جميعا ” . قال الراغب في المفردات : العزة حالة مانعة للانسان من أن يُغلب ، من قولهم: أرض عزاز أي صلبة قال تعالى : ” أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاانتهى .  فالصلابة و القدرة هي الأصل في معنى العزة . والعزة بمعنى  كون الشيء قاهرا غير مقهور وغالبا غير مغلوب و هذه من صفات الله الحسنى لا يشترك فيها أحد و لكنه بفضله أجاد على المؤمنين بالعزة لتكون لهم دون غيرهم فمن أراد العزة فليطلبها من العزيز القهار لا من غيره . قال تعالى : ” ولله العزة و لرسوله و للمؤمنينباعتبار أن العزة كلها لله سبحانه و هو الذي يعطي العزة لرسوله و للمؤمنين .إما بالطلب منه مباشرة أو بالعبودية المحضة لله التي تتطلب أن تكون له هذه الصفة الحسنة .

الجلال : الجُل من كل شيء معظمه فالجلال هو العظمة و السؤدد والمنعة والترفع و التنزه . و ذوالجلال اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه:  المتّصف بصفات الجلال و العظمة والمستحقّ أن يُعرف بجلاله و كبريائه . والجليل المطلق هو الله سبحانه فالعظمة و الكبرياء كلها له . جاء في الكتاب العزيز : ” ويبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام .“وقال تعالى : ” تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرامأي: تعاظم وكثر خيره، الذي له الجلال الباهر، والمجد الكامل . جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله : ” ألِظُّوا بيا ذي الجلال و الإكرام ” (البحار ٩٠٢٣٥)  أي ثابروا و كرروا هذا القول و حسب اعتقاد بعض العلماء بل و مثل ما جاء في الروايات فإن توصيف الله بذي الجلال فيه الإسم الأعظم . و قد وردت هذه الجملة المباركة (ذي الجلال و الإكرام) في كثير من الأدعية المأثورة .

و الإمام يقسم الله بعزته و جلاله ، أي بقوته و كبريائه أنه لو طالبه بذنوبه و أراد أن يعذبه بها فإنه يطالبه مؤكدا بعفوه . لأطالبنّك : اللام لام التوكيد و النون أيضا للتوكيد فالكلمة مؤكدة تماما . أي أنه إذا طالبتني بذنوبي فلأطالبنك بعفوك  . ولو طالبتني بلؤمي  لأطالبنك بكرمك . اللؤم : مهانة النفس و خبثه واللؤم ضد الكرم . و يعتبر نفسه لئيما إن كان مذنبا فالإنسان لو لم تكن فيه خسة و دناءة لما أذنب و لما عصى ربه .. و حاشاه سيدي السجاد روحي فداه من هذا و لكنه يتوجس الخوف من ربه لعله لم يكن شاكرا حق الشكر لا لأنه أذنب و العياذ بالله فبينه و بين المعصية بُعد المشرقين . و كما قلت سابقا فإنه يتكلم بلساننا نحن المذنبون العاصون و يعلمنا كيف نتوسل و ندعو ربنا ليصرف عنا السوء و يغفر لنا خطايانا . و كما قلت سابقا فإن الكرم هو الجود و السخاء و الأريحية  وهو النبل و سمو النفس . فالإمام يطالب ربه بكرمه فهو الكريم على الإطلاق .

وَلَئِنْ اَدْخَلْتَنِى النّارَ لاَُخْبِرَنَّ اَهْلَ النّارِ بِحُبّي لَكَثم يقول في حرقة قلب : لو أدخلتني النار بسبب ذنوبي  وعدم قابليتي لدخول الجنة و سمحت لي أن أتكلم فسأخبر المعذبين في جهنم بأني رغم ذلك ، أحبك . اي أنني متعلق بك مشتاق اليك متيم بك ، وحتى لو عذبتني فلن أحيد عن حبك طرفة عين ، أنت الحبيب وأنا محبك . اللهم اجعلنا من محبيك يا ذا الجلال و الإكرام .

اِلهي وَسَيِّدي اِنْ كُنْتَ لا تَغْفِرُ إلاّ لاَِوْلِيائِكَ وَاَهْلِ طاعَتِكَ فَاِلى مَنْ يَفْزَعُ الْمُذْنِبُونَ، وَاِنْ كُنْتَ لا تُكْرِمُ إلاّ اَهْلَ الْوَفاءِ بِكَ فَبِمَنْ يَسْتَغيثُ الْمُسْيؤُنَ

ربي و مولاي إن كانت المغفرة خاصة لأوليائك و مطيعيك و صفوة خلقك  فإلى من يلجأ المذنبون و بمن يستغيث العصاة .

يفزع : يلجأ و يستنجد و يستغيث . والفزع هو الخوف الشديد . جاء في القرآن : ” لا يحزنهم الفزع الأكبرأي لا يقلقهم إذا فزع الناس و خافوا ، حين يقتربون الى النار يوم القيامة . وهؤلاء لا يفزعون و لا يخافون لأن الله وعدهم الجنة و الرضوان . والفزع إن كانت معإلىفتعني الإستغاثة و الإلتجاء و طلب الحماية .إلى من يفزع المذنبون يعني إلى من يستنجد و يستغيث العاصون .. ثم يكرر الأمر بجملة أخرى وإن كنت لا تكرم الا أهل الوفاء بك فبمن يستغيث المسيئون ؟ أهل الوفاء بالله هم الذين لم يخونوا العهد و بقوا على عهدهم مع ربهم و لم يعملوا ما يغضب الله والعياذ بالله . هؤلاء المخلِصون الذين عاهدوا الله منذ أخذ عليهم العهدألست بربكمو بقوا و استمروا على عهدهم واستقاموا فيه و صبروا عليه هؤلاء هم الذين يكرمهم الله و يأتيهم الخطاب : فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي

والإكراممناللهللعبدأنيرفعدرجتهويغفرلهذنوبهويقبلعمله. قال تعالى : ”قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي و جعلني من المكرمين .“ والكلام عن مؤمن قوم فرعون الذي دعا قومه لمناصرة موسى عليه السلام ومتابعته و قتلوه فاستُشهد و حين الوفاة قالت له الملائكة أدخل الجنة باعتبار أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون . فيقول متحسرا على قومه متأسفا لعدم انصياعهم للحق : يا ليتهم يعلمون أن الله قد غفر لي ذنوبي كلها و أكرمني هذا الإكرام العظيم حيث رفع درجتي و مقامي و جعلني في صف أوليائه و خاصة عباده .

قال العلامة رحمه الله في الميزان : ”و موهبة الإكرام و إن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالإكرام بالنعمة كما في قوله: “فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن:” الفجر: – 15، و قوله: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم:” الحجرات: – 13 فإن كرامة العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الإطلاق إلا طائفتين من خلقه: الملائكة الكرام كما في قوله: “بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون:” الأنبياء: – 27، و الكاملين في إيمانهم من المؤمنين سواء كانوا من المخلصين بكسر اللام كما في قوله: “أولئك في جنات مكرمون:” المعارج: – 35، أو من المخلصين بفتح اللام كما في قوله: “إلا عباد الله المخلصينإلى أن قالو هم مكرمون:” الصافات: – 42.“ انتهى.

و إن كان الإكرام خاصا لأهل الوفاء بك يا ربي و مولاي ، فبمن يستغيث  المسيئون . و الإستغاثة طلب النصرة و المساعدة .و المقصود هنا المغفرة من الله تعالى . والمسيء ، كل من أتى بالقبيح من فعل أو قول . والسوء هو كل ما يغمّ الإنسان و يحزنه و كل أمر  عيب و غير حسن . والمساوئ ، المعايب و النقائص ، و ما يلحق سوءا أو ضررا أو إجحافا . وفي هاتين الجملتين نلاحظ أن الإمام يتوسل بطريقة غير مباشرة الى ربه كي يغفر للمذنبين من عباده الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا ، و هكذا أكثر عباد الله المؤمنين ونحن منهم .. بناء عليه نحن أيضا نكرر مع الإمام هاتين الجملتين بصدق و صفاء أملا في أن يغمدنا رحمته و رضوانه و يغفر لنا في هذه الأيام و الليالي المباركة و يكفر عن سيئاتنا بحق هذا الإمام و آبائه و أبائه الكرام .

اِلهي اِنْ اَدْخَلْتَنِى النّارَ فَفي ذلِكَ سُرُورُ عَدُوِّكَ، وَاِنْ اَدْخَلْتَنِى الْجَنَّةَ فَفي ذلِكَ سُرُورُ نَبِيِّكَ، وَاَنَا وَاللهِ اَعْلَمُ اَنَّ سُرُورَ نَبِيِّكَ اَحَبُّ اِلَيْكَ مِنْ سُرُورِ عَدُوِّكَ

ينتقل الإمام الى نقطة ظريفة و مهمة جدا وفي الوقت نفسه بديهية ولكن يهمه تذكر ذلك لمواليه . و هي أنه لو أدخلتني النار يا رب ، فلا شك أن أعداءك الذين كانوا يعادونني في الدنيا لموالاتي من أمرتني بموالاتهم سلام الله عليهم ، سوف يفرحون أن يروني معهم في الجحيم و أما إذا أدخلتني الجنة بالرغم من ذنوبي على كثرتها ، فإن رسول الله صلى الله عليه و آله سوف يفرح لأنه يرى أحد مواليه و أتباعه ، في جنة الرضوان . ثم يقسم بالله أن سرور نبيه أحب اليه سبحانه من سرور عدوه بل لا مفاضلة بينهما فإن الله يحب نبيه و يحب أهل بيت نبيه و بالتالي يحب من يحبهم و يبغض من يبغضهم . وبالتأكيد ليست هناك مقارنة بين سرور النبي و سرور أعداء الله و لكن وردت هذه المفاضلة ضمن البحث ، دون أن يكون للطرف الآخر فضلا ليكون طرفا في المفاضلة و لكن هذا من أصول الكلام ليس غير .

اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ اَنْ تَمْلاََ قَلْبي حُبّاً لَكَ، وَخَشْيَةً مِنْكَ، وَتَصْديقاً بِكِتابِكَ، وَايماناً بِكَ، وَفَرَقاً مِنْكَ، وَشَوْقاً اِلَيْكَ ”.

يسأل ربه أن يملأ قلبه بضعة أشياء ، كلها تتعلق به لا غيره .

الحب له : تملأ قلبي الحب يعني  أن لا أحب غيرك فكل الحب لك . بالطبع لا يعني ذلك أن الإنسان إذا ملأ  قلبه حب الله لا يحب أحدا غيره ولكن الحب إن كان كله لله فإن من يحبهم بالتبع ، لأجل الله و لأن الله يأمر بحبهم أو يدعو الى حبهم . فعندما يأمرنا أن نحب رسول الله و أهل بيته فهذا أيضا حب لله دون ريب . و هكذا فإن الإنسان إذا أحبّ أهله و أبناءه فإنه يحبهم لله ، فإذا انحرف أحدهم عن الله فسوف يفارقه و يبعده عن نفسه لأنه ليس من أهله إنه عمل غير صالح كما طرد نوح عليه السلام ابنه ، و هكذا كما تبرأ ابراهيم عليه السلام من عمه لأنه عدو لله .

و محبة الله توجب الإنصياع  اليه و إطاعته و الكف عن عصيانه . يقول الإمام السجاد عليه السلام في مناجاة المحبين :

الهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبك فرام منك بدلا ، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنه حِولا.. ثم يقول :“ يا غاية آمال المحبين ، أسألك حبك وحب من يحبك و حب كل عمل يوصلني إلى قربك وأن تجعلك أحب الي مما سواك وأن تجعل حبي إياك قائدا الى رضوانك و شوقي اليك ذائدا عن عصيانك …“

وماذا بعد هذا التعبير اللطيف و هذا الشرح الوافي له لمحبة الله . أجل ..اذا أردنا أن يحبنا الله فعلينا أن نطيعه و نطيع من أمرنا بإطاعتهم ولكن حتى في هذا الأمر نحتاج اليه سبحانه أن يأخذ بيدنا و يعيننا في أمرنا ، فإذا اقتربنا من حبه وهو مقام المحبين العالي ، فعند ذاك لا نطلب حبا لأحد غيره و ستملأ قلوبنا من حب الله تعالى  . قال تعالى : ” والذين آمنوا أشد حبا للهفالمؤمن يحب الله أعظم حب ، حب العبودية مع الخضوع و الخشوع و الإنقياد التام له . و هكذا نرى أن حب الله الذي ملأ قلب علي عليه السلام يجعله في أحب ساعات عمره عندما يضربه أشقى الأشقياء على رأسه الشريف ليقول مناديا : ” فزت و رب الكعبةنعم فاز علي بلقاء الله الذي طالما اشتاق اليه حتى كان يعبر عن تذوق الموت بأحلى من حليب الأم الى رضيعه الجائع . وهذا الحب هو الذي يدعوه ليطلب كمال الإنقطاع اليه و اكتمل والله انقطاعه الى محبوبه و وصل حقا الى معدن العظمة .. فسلام من الرحمن علي علي و أبنائه الكرام سلاما أبديا سرمديا دائما دون انقطاع .

و تأتي بعد الحب ، الخشية منه .
يقول المحقق الطوسي قدس سره :“ ان الخوف والخشية وإن كانا في اللغة بمعنى واحد إلا أن بين خوف الله وخشيته وفي عرف أرباب القلوب فرقا وهو أن الخوف تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيات، والتقصير في الطاعات.وهو يحصل لاكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة جدا، والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل. والخشية: حالة تحصل عند الشعور بعظمة الخالق وهيبته وخوف الحجب عنه، وهذه حالة لا تحصل إلا لمن اطلع على حال الكبرياء وذاق لذة القرب، ولذا قال تعالى:” إنما يخشى الله من عباده العلماء“. فالخشية ، خوفٌ خاص .انتهى كلامه.

بناء عليه فإن الخشية هي بمعنى الخوفكما جاء في اللغةو لكن الخوف ليس من الله بل من مقام الله . قال تعالى : ” ولمن خاف مقام ربه جنتانفالخوف من مقام الله و الخضوع أمام عظمة الذات المقدسة هي الخشية . قال تعالى:“ إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة و أجر كبير ” . و جاء في آية أخرى : ”إنما تنذر من اتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب ، فبشره بمغفرة و أجر كريموان كان في الآية السابقة يبشر هؤلاء الذين يخشون مقام الرب العظيم بالأجر الكبير ففي هذه الآية يبشرهم بأجر كريم والكريم أيضا للدلالة على عظم الأجر و غلائه . نقول حجر كريم أي حجر ذو قيمة عالية جدا . و بالتأكيد لا يعرف أحد مقدار هذا الأجر الا الله تعالى . و هذه الخشية هي الذي تبعث المؤمن المتقي على التعظيم لله واتقاء غضبه و اطاعته اطاعة محضة وعدم ارتكاب المعاصي والمنكرات و أداء الفرائض و الواجبات . بل و حتى لا يقترب الإنسان منها و لا ينوي  المعصية لأنه يرى الله بالبصيرة و يدرك أكثر من غيره عظمة بارئه و كبرياءَه . ولذلك نرى أن أكثر من يخشى الله هم العلماء و الأولياء . قال تعالى : ” إنما يخشى الله من عباده العلماءفالعلماء و الأولياء هم الذين ارتقوا حتى وصلوا الى مقام الخشية من الله . وكما قيل فالخشية  انفعال يمتزج فيه الخوف مع الإعجاب بالمخوف وإهابته . فللهيبة و الإعجاب الأثر البالغ في خلق مثل هذا الخوف في قلب العارف بالله . ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم .

وَتَصْديقاً بِكِتابِكَ، وَايماناً بِكَ، وَفَرِقاً مِنْكَ، وَشَوْقاً اِلَيْكَ ”.

و يطلب من الله أن يملأ قلبه تصديقا بالقرآن الكريم . التصديق نقيض التكذيب . بالطبع المؤمن مهما كان ايمانه ضعيفا فإنه لا يكذب على الله تعالىوالعياذ باللهو لكنه يكذّب أحكام الله أحيانا عن جهل بأن يعترف ببعضها و ينكر بعضها الآخرأَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ

فالقرآن كله من الله و لا يمكن للإنسان أن يقبل بعض الأحكام و يكفر ببعض .هناك مثلا من يؤمن بالأحكام بصورة عامة و لكنه في الأحوال الشخصية و الأمور العائلية يرفض الإنصياع الى الحكم الشرعي و هذا ولو كان انكارا لحكم واحد فإنه تكذيب بالكتاب و كفر به . فالإمام يطلب من ربه أن يساعده في التصديق الكامل للكتاب العزيز دون أن تكون له الخيرة من أمره فالحكم حكم الله والواجب الإنصياع الكامل له ولكتابه و شريعته و لا مجال للبحث و الجدال و النقاش حتى لو لم يرتضيه الإنسان بطبيعته أو حسب بيئته أو حتى بعقله و علمه .

ايمانا بك : ويطلب أيضا أن يملأ قلبه إيمانا به . الإيمان كما قلنا هو الإعتقاد . ولازمة الإعتقاد أن لا يكون مجرد إيمان بالقلب بل نطق باللسان و عمل بما يتطلبه . فالإيمان الحقيقي ما كان تصديقا بالقلب و إقرارا و اعترافا باللسان و عملا بالجوارح يعني انه لا يكفي مجرد الإيمان القلبي بل يجب أن تكون كل أعضاء بدنك متفرغة و جاهزة للخدمة و للإنصياع التام و لتقبل الأحكام . ولذلك ورد في الكتاب العزيز : ” يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله و رسولهأي أنكم ولو آمنتم إيمانا ظاهريا قشريا فعليكم أن تؤمنوا إيمانا حقيقيا ليوافق ظاهركم و باطنكم  فلو آمنتم بالكتاب حقا فلا تكتفوا بالإظهار اللفظي و قراءة القرآن صباح مساء و وضع القرآن على رؤوسكم ليالي القدر ثم تجعلوا الآيات المحكمة خلف ظهوركم ، فتتقبلوا آيات الأخلاق الفاضلة و لا تعملوا بآيات الإنفاق و الزكاة أو أنكم تقبلوا حتى آيات الإنفاق و لكنكم تستنكروا آيات الجهاد و القتال في سبيل الله حسب شرائطه. فالمؤمن يجب أن يثبت على إيمانه و تكون له الإستقامة فيه وإلا فإيمانه ناقص و لا يفيده شيئا . لذلك فإننا ندعو ربنا دائما أن يزيد في إيماننا و يثبتنا فيه .اللهم ثبتني على دينك ما أحييتني ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .

و فَرِقاً منك : فرِق منه : فزع و جزع و اشتد خوفه . فالفرق هو الخوف الشديد . رجلٌ فرِق : اي شديد الخوف  ويقال له فُرُق أيضا بذات المعنى . جاء في القرآن : ” ولكنهم قوم يفرقونأي يخافون كثيرا، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم. فيخافون إن أظهروا حالهم منكم، ويخافون أن تتبرأوا منهم، فيتخطفهم الأعداء من كل جانب. والإنسان إن كان يخاف ربه خوفا كثيرا فإنه لا يتجرأ على العصيان و التمرد . وهذا الفزع هو الذي يجعل الإمام السجاد عليه السلام عندما يريد الوقوف بين يدي ربه ، توتعد فرائصه و يقشعر بدنه . جاء في الحديث : ” كان عليه السلام اذا حضرت الصلاة ، اقشعر جلده و اصفرّ لونه ، وارتعد كالسعفة ”. و أكثر من هذا فأمير المؤمنين عليه السلام كان اذا بدأ في الوضوء يتغير وجهه من خيفة الله تعالى .(البحار ٤١١٧) كل ذلك لأن هؤلاء روحي فداهم يعرفون جبار السموات والأرض فيخافونه خوفا شديدا لا خوفا من ناره بل خشية و فرِقا منه سبحانه .قال أمير المؤمنين عليه السلامأعلم الناس بالله سبحانه أخوفهم منه.“

وَشَوْقاً اِلَيْكَ

الخوف يقابله الشوق أي الرغبة في الثواب . بل و الشوق أكبر كثيرا و أهم من مجرد الرغبة فالشوق الى الشيء يجعل الإنسان صبّا متيما لا ينفك عن محبوبه . والشوق هو نزوع النفس وميله الى الشيء و تعلقها به و حبه حبا شديدا. فالشوق هو الرغبة الشديدة القوية والتعلق بالمحبوب والميل القلبي اليه . جاء في دعاء للرسول صلى الله عليه وآله : ”وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ.“ (الفقيه ١٣٢٧) وهذا الشوق الى الله هو الذي يدعو أمير المؤمنين عليه السلام أن يقول : ” وَ اَللَّهِ لاَبْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَس بالموت من الطفل بثدي أمه ” لأنه بالموت يصل الى لقاء الله فهو مشتاق أشد شوق الى لقاء ربه . لذلك فإنه يدعو الله أن يجعل لسانه بذكره لهجا و قلبه بحبه متيما.

و خلاصة القول أن الشوق إِلى لقاء اللَّه في الدُّنيا أعظم لذّة تحصل للسالك طريق المحبة الإلهية و لا يمكن أن يصل الإنسان العارف الى لذة أكبر و أعظم من لقاء ربه و الشوق اليه .

يا ذَا الْجَلالِ وَالاِْكْرامِ حَبِّبْ اِلَىَّ لِقاءِكَ وَاَحْبِبْ لِقائي

يا ذا الجلال : اي ياذا العظمة و الكبرياء . و ذو الجلال كما قلنا سابقا من أسماء الله الحسنى ويعني أن الله هو صاحب العظمة و أهل الكبرياء لا غيره. و الجلال بمعنى الرفعة و السمو .  وباعتبار ان في الجلال معنى الترفّع والعلو فيطلق على تنزيهه تعالى عن الصفات التي لا تليق بساحة قدسه ومن هذا الباب يعبّر عن الصفات السلبية بصفات الجلال . والإكرام أيضا بمعنى التعظيم و التبجيل و التقدير فذو الإكرام يعني هو أهل أن يكرّم و يُجلّ فلا يُعصى  بل يُعبد و يُتقرب اليه . ويمكن أن يقصد به تنزيه النفس عن الرذائل والذنوب فهو أهل للتنزيه و التقديس مما لا يليق بشأنه .

حبب الي لقاءك و أحبب لقائي :

ما هو لقاء الله ؟ الكثير من العلماء يعتقدون أن لقاء الله هو الموت فبالموت تنتهي العلاقة المادية للإنسان و تبدأ حياته الملكوتية و يدرك الله بالبصيرة إدراكا كاملا ،فبصرك اليوم حديدو لا شك أن الموت هو لقاء لله بل و أكثر ما يرد في القرآن و الحديث عن لقاء الله يشير الى خروج الروح من البدن و الوصول الى عالم البرزخ .و لكن ينبغي أن لا يقتصر فكرنا على ذلك ففي كل يوم نحن نلتقي بالله ، عندما نصلي و عندما نقرأ القرآن و عندما نعمل الصالحات و عندما ننفق على الفقراء ، كل هذه الأعمال عبارة عن لقاء الله بنحو من الأنحاء و لا شك أن الإنسان المؤمن عندما يريد أن يصلي و يلتقي بربه يكون سعيدا مبتهجا لذلك بعكس المنافق الذي يكره الصلاةوإذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناسو حتى ضعيف الإيمان يصلي بثقل و صعوبة بالغة و يريد أن يرتاح من هذا الثقل ليس إلا ، ولذلك تراه يصلي بثقل في نفسه و يريد أن يصل بسرعة الى آخر المطاف ليرتاح من حمل ثقيل أُجبر على تحمله خوفا من العذاب يوم القيامة و ليس طلبا لمرضاة ربه .. و لكن رسول الله صلى الله عليه و آله عندما يريد أن يرتاح من الدنيا و ما فيها يقول : ”أرحنا يا بلالكناية عن الأذان لأنه يرى راحته في الصلاة و العبادة بل و يعتبر قرة عينه في الصلاة . بناء عليه فإن لقاء الله يتأتى للمؤمن كل يوم وحتى الفاسق و الفاجر يلتقي كل يوم بالله و لكنه يكره هذا اللقاء لأنه يريد أن يتمادى في غيه و ضلاله و فجوره .

ورد في حديث أن أحد الأصحاب يسأل الإمام الصادق عليه السلام : أصلحك الله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ؟ ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه ؟ قال : نعم . قلت : فو الله إنا لنكره الموت ! قال عليه السلام :ليس ذاك حيث تذهب، إنما ذلك عند المعاينة، إذا رأى ما يحب فليس شئ أحب إليه من أن يتقدم، والله يحب لقاءه وهو يحب لقاء الله حينئذ، وإذا رأى ما يكره فليس شئ أبغض إليه من لقاء الله عز وجل والله عز وجل يبغض لقاءه ”(الكافي ٣١٣٤) والمقصود من المعاينة ، حال الإحتضار فعندئذ يرى الإنسان أشياء ما كان يستطيع بالدنيا رؤيتها و يدرك الله بكامل حواسه و بالتأكيد المؤمن الذي كان يحب لقاء الله يشعر إذ ذاك أن الله أيضا يحب لقاءه و يكرمه . يكفي أن يقول له الملائكة سلام عليكم كما ورد في الكتاب العزيز.

و عندما ندعو الله أن يحبب لنا لقاءه فقد يتضمن الدعاء طلبا من الله أن يوفقنا لنكون صالحين و نبتعد عن المعاصي حتى يحب الله لقاءنا ولا يعرض بوجهه الكريم عنا و نحب أيضا لقاءه ، فالإنسان المذنب لا يحب أن يراه حتى الأفراد العاديين و هو في حال الذنب فكيف بالله الذي هو الشاهد وهو الحاكم . ومن الطبيعي أن يحب الله لقاء المؤمن الصالح وهو يؤدي ما عليه من حقوق و واجبات بل يزيد على الفرائض بالمستحبات والنوافل .

وَاجْعَلْ لي في لِقائِكَ الرّاحَةَ وَالْفَرَجَ وَالْكَرامَةَ.

يتمنى الإمام أن يكون في لقائه لربه ثلاث نِعَم  تفضلاً منه تعالى :

الراحة : ورد في الحديث أن الإمام الكاظم عليه السلام كان يقول في سجوده : ” اللهم إني أسألك الراحة عند الموتفمما لا شك فيه أن الموت هو اللقاء الأكمل للإنسان بربه و لذلك يتمنى الإمام أن يكون وقت موته وقت راحته .. فكم تجرع من البلايا و المصائب في الدنيا طلبا للقاء الله و رضاه و ها هو عندما يخرج من الدنيا و يلتقي بربه يكون مرتاحا من كل الهموم و الغموم التي أثقلت قلبه الشريف فيرجو أن يكون موته أول راحته . و كلنا نتمنى ذلك ؛ نتمنى أن يكون آخر همنا الخروج من الدنيا و الله راضٍ عنا فيكون موتنا راحة لنا .

الفرج : وهو أيضا انفراج الغم و الشدة و المحنة و المصيبة . و ما أكثر مصائب الدنيا و محنها حيث لا يمضي يوم على الإنسان دون أن يسمع أو يرى ما لا يُسرّه ولا يفرحه.

و الكرامة هي العزة و هي حسن الضيافة والتقدير . و إكرام الله للإنسان أي إنزال رحمته و مغفرته عليه و إدخاله جنة رضاهيا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتيو هذا هو الإكرام التام لله لعباده الذين اصطفاهم وارتضاهم . وجاء في وصف مؤمن قوم فرعون رضوان الله عليه قوله : ” يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي و جعلني من المكرمينحيث يتمنى أن لو كانوا يسمعون كلامه وهو في عالم البرزخ أن الله أكرمه لإيمانه و صبره وأدخله الجنة وأذهب عنه حزن الدنيا و غمها و ألمها و مصائبها فهو اليوم مع الشهداء و الأولياء عند ربهم يرزقون . وتلك والله هي السعادة الأبدية .

اَللّـهُمَّ اَلْحِقْني بِصالِحِ مِنْ مَضى، وَاجْعَلْني مِنْ صالِحِ مَنْ بَقي وَخُذْ بي سَبيلَ الصّالِحينَ، وَاَعِنّي عَلى نَفْسي بِما تُعينُ بِهِ الصّالِحينَ عَلى اَنْفُسِهِمْ

اللهم الحقني بصالح من مضى : الإلحاق ، الإدراك والإتباع . لحق يعني شيء يأتي بعد شيء سابق . ألحقه : أي أدركه و لصق به . جاء في الكتاب العزيز : ” و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهمأي كرامة لآبائهم الصالحين الحقنا بهم ذريتهم ليكونوا معهم وتقر عيونهم بهم ولو أن أعمالهم ليست بدرجة أعمال الآباء و لكن فيهم صلوحا . جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله : ” إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه ”. والإمام يطلب من ربه أن يلحقه بالصالحين ممن مضى من الآباء أو بصورة عامة من المؤمنين و أن يجعله من الصالحين في من بقى منهم . اي أن يوفقه ليكون صالحا مثل سائر الصالحين من عباد الله .

وخذ بي سبيل الصالحين : أي اهدني الى منهج الصالحين . فالأخذ بيد أحد ، كناية عن مساعدته و معاونته و هدايته . و اذا قال قائل : خذ بيدي أي ساعدني و أرشدني الى طريق الحق و الصواب و امنعني من الإنحراف و الإنزلاق .

وَاَعِنّي عَلى نَفْسي بِما تُعينُ بِهِ الصّالِحينَ عَلى اَنْفُسِهِمْ، .. اي ساعدني في مخالفة النفس الأمارة بالسوء حتى لا أتبعها و أتبع أهواءها بل أتبع سبيل الرشاد . و الإعانة مصدر أعان ، يعون أي يساعد و يسعف و يغيث و يفرج همه و كربه و يعينه على مشكلته و يتفقد حاله  يؤازره. و الإعانة المساعدة لمن يحتاجها . جاء في الحديث : ” الله يكون في عون العبد ما كان في عون أخيهيعني أن الله يعين الذي يساعد أخاه المؤمن في قضاء حاجته و تفريج كربه . جاء في القرآن : ” و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان ”.

جاء في الحديث القدسي : ” بي استعان عبدي والي التجأ ، اشهدكم لأعيننّه على أمره ، ولأغيثنه في شدائده ولآخذن بيده يوم نوائبه .“ فأصل الإستعانة من اللهاياك نستعينو لكن ليس معنى ذلك أن لا نستعين بأحد في الأمور الدنيوية فلابد من الإستعانة ولو أن أئمتنا أرشدونا أن لا نستعين بلئام الخلق بل بالكرام .

يقولالشاعر : الناس للناس من بدو و من حضر * كل لكل و إن لم يشعروا خدم . ذلك لأن الجميع يحتاجون الى بعضهم البعض و هذه سنة الحياة التي لا محيص عنها. و لكن علينا أن نعلم بأن العون كله من الله ولو جاء عن طريق الوسائط التي لابد منها .

و في الأمور المعنوية بالطبع يحتاج الإنسان أن يستعين بربه و منها طلب العون في مخالفة أهواء النفس كما كان الصالحون يخالفون أنفسهم كسبا لرضى الله .

وَاخْتِمْ عَمَلي بِاَحْسَنِهِ، وَاجْعَلْ ثَوابي مِنْهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ، وَاَعِنّي عَلى صالِحِ ما اَعْطَيْتَني

اختم عملي بأحسنه : يعني اجعل عاقبة أمري حسنة سليمة محمودة . فخاتمة العمل أي نهايته و نهايته عند الأجل و لقاء الله . يتمنى الإمام أن تكون عاقبة أمره حسنة ، حيث يكون في أحسن حال من العقيدة لأن كثيرا من الناس ربما يتأثرون بالبلايا و المحن خصوصا في أواخر العمر فيصيبهم شكلا سمح اللهفي المعبود أو يسيئون الظن بالخالق الذي منحهم النعم الكثيرة التي لا تعد و لا تحصى طوال عمرهم ، فينحرفون عن الجادة و يميلون نحو الكفر أو الإرتداد . أو ربما يصيب بعض الناس خلل في عقيدتهم أواخر عمرهم فهناك من ينكر وجود الإمام الحجة روحي فداه بعد أن يرى الصعوبات و البلايا و عدم الظهور فيقسو قلبه و ينكر إمام زمانه . و هناك الكثيرون ممن بدأوا حياتهم موالين لأهل البيت عليهم السلام ثم على أثر المجالسة السيئة أو التعليم الخاطئ أدى بهم الى الخروج من دائرة الموالاة والإنضمام الى الآخرين و غير ذلك كثير .

لذلك فمن أهم الأدعية أن يدعو الإنسان و يطلب من ربه أن تكون عاقبته الى خير و أن يقبض ربه روحه و هو في كامل دينه و عقيدته ، لا تشوبها شائبة و لا يصل اليها أثر من الشكوك و الريب والا فمن المحتمل أن يحبط الله كل ما عمله من عمل حسن خلال سنوات عمره و يموت والله غير راضٍ عنه وهناك الطامة الكبرى . والمؤمن بلا شك دائم الخوف على نتيجة أعماله و لولا الرجاء من الله لما استقام له العيش في الحياة الدنيا لحظة واحدة لأنه يخشى كثيرا من عدم قبول أعماله الصالحة التي ربما خالطها الرياء و السمعة أو لم يقبلها الرب لارتكابه بعض ما يغضبه تعالى . و الخشية الكبرى من الرياء الذي ينفذ الى العمل بسرعة فيبدله من الصلوح الى الفساد والعياذ بالله .

يكتب الإمام الصادق الى أحد أصحابه : «إن أردت أن يختم بخير عملك حتّى تقبض وأنت في أفضل الأعمال ، فعظّم للّه حقّه ألّا تبذل نعماءه في معاصيه ، وأن تغترّ بحلمه عنك ، وأكرم كلّ من وجدته يذكرنا أو ينتحل مودّتنا ، ثمّ ليس عليك صادقا كان أو كاذبا ، إنّما لك نيّتك وعليه كذبه» . ويا ليتنا كنا نكتب هذه الوصية المباركة على قلوبنا حتى لا ننساها أبد الدهر و دوم الحياة .

واجعل ثوابي منه الجنة برحمتك : نحن نعلمكما في القرآنأن الله يكافئ المؤمن على ما عمله من عمل صالح ولو كان بمقدار ذرة و هكذا العكس . ولكننا نتمنىو هكذا يعلمنا الإمامأن يتقبل الله منا أعمالنا برحمته ، لأن أعمالنا مهما كانت صالحة ففي مقابل سيئاتنا الكثيرة جدا ، ربما لا تنفعنا يوم الجزاء إلا إذا أنزل الله علينا بركات رحمته الواسعة و مغفرته الشاملة فنحيى حياة سعيدة خالدة في جنة الخلد . و الإمام يرجو ربه أن يجعل عمله حسنا مقبولا ليأتي عليه بالمكافأة الطيبة و النتيجة المبشرة و الحياة الطيبة  وكل ذلك بفضله و كرمه تعالى و ليس باستحقاقه فالمرء مهما عمل من عمل ، فإنه لا يستحقه في مقابل تلك النعم التي لا يمكنه إحصاء واحدة منها . اللهم تقبل منا برحمتك و فضلك و كرمك يا وهاب .

وَثَبِّتْني يا رَبِّ، وَلا تَرُدَّني في سُوء اسْتَنْقَذْتَني مِنْهُ يا رَبِّ الْعالَمينَ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ ايماناً لا اَجَلَ لَهُ دُونَ لِقائِكَ، اَحْيِني ما اَحْيَيْتَني عَلَيْهِ وَتَوَفَّني اِذا تَوَفَّيْتَني عَلَيْهِ، وَابْعَثْنی اِذا بَعَثْتَنی عَلَیهِ.

الثبات : الإستقرار و الدوام و الرسوخ. و الثبات في الشيء ، الإستمرار فيه. قال تعالى : ” يمحو الله ما يشاء و يثبتالثبات خلاف المحو و الزوال . و عندما ندعو الله نقول : ”اللهم ثبتني على دينك ما أحييتني ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .“ – أي اجعلني ثابتا غير منحرف و لا متزلزل في ديني و لا تغير قلبي الى الضلال بعد اذ هديتني الى صراطك المستقيم و امنحني رحمة لتغفر لي ذنوبي و سيئاتي لأنك أنت يا رب كثير العطاء .

و عندما يدعو الإمام ، وثبتني يا رب : ربما كان الغرض منه ثباته و مداومته على صالح الأعمال حيث دعا قبله بختم عمله بالخير و الحسنى .

ولا تردني في سوء استنقذتني منه : استنقذه أي أنقذه و نجاه و خلّصه . جاء في القرآن : ” و ان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منهأي أنهم لا يستطيعون أن يخلصوا أنفسهم من الذبابة و هي الحشرة الصغيرة التي اذا أخذت منهم شيئا فلا يمكنهم رده وانتزاعه واستخلاصه.و ما أضعف الإنسان (ضعف الطالب و المطلوب) و الإمام في هذه الفقرة من الدعاء يطلب من ربه أن لا يرده في عمل سيء قد نجاه منه و خلّصه من ارتكابه  الولوج فيه .

ياربالعالمين . و العالمين ذكرت ٦١ مرة في القرآن الكريم و ذكرت في أول آية من القرآن بعد البسملة : الحمد لله رب العالمين . فما المقصود من رب العالمين : أي رب كل ما يُتصور من شئء في الوجود . و في سورة الشعراء يجيب الرب على هذا السؤال . عندما يقول يأتي موسى عليه السلام بهذه الكلمة ، يسأله فرعون : و ما رب العالمين ، فيقول : ” رب السموات و الأرض و ما بينهما إن كنتم موقنينأي رب كل ما يخطر على البال من وجود مادي أو معنوي ، فلو تصورنا السماء بالمعنى المادي أي ما فوق الأرض من الغلاف الجوي أو السماء بمعنى مسكن الملائكة كما جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام و كل ما يعلو المادية ، فالسماء من السمو و العلو و الذي هو فوق تصورنا و إدراكنا و الأرض للدلالة على كل الماديات و ما بينهما يشمل كل شيء .

اللهم اني أسألك ايمانا لا أجل له دون لقائك : و الإيمان كما أسلفنا ، هو الإعتقاد القلبي و العمل بالجوارح ، فلا يكفي الإيمان بالقلب دون العمل .  الأجل هو المدة و الوقت بل هو غاية الوقت و انتهاؤه أو الوقت المؤقت . قال تعالى : ” فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدونأي اذا وصل وقت بقائهم الى نهايته و غايته فلا يقدم هذا الأجل و لا يؤخر . و الإمام يطلب من ربه إيمانا لا نهاية له ولا زوال الى يوم اللقاء ، أي الى ساعة الموت وانتهاء فترة العمل . و هذه كناية عن استقرار الإيمان في القلب دائما و أبدا .

أحيني ما أحييتني عليه و توفني اذا توفيتني عليه : أي أحيني على الإيمان الراسخ الثابت طول حياتي الى ساعة وفاتي و توفني على ذات الإيمان . يا رب وابعثني يوم الجزاء أيضا على هذا الإيمان المحكم الراسخ القويم .

وَاَبْرِىءْ قَلْبي مِنَ الرِّياءِ وَالشَّكِّ وَالسُّمْعَةِ في دينِكَ، حَتّى يَكُونَ عَمَلي خالِصاً لَكَ

أبرئ من برأ و مصدرها البراءة أي التنزيه و الطهارة و رفع الشبهة . أبرئ قلبي أي نظفه و طهره و ارفع عنه الرياء و الشك و السمعة في الدين .

الرياء كما أسلفنا هو العمل لغير الله حتى يستحسنه الناس أي أن يظهر ما لا يعتقد به و لا يومن به .. فالذي يصلي مثلا أمام الناس بحالة من الخضوع و الخشوع و يأتي بالمستحبات خلافا لما يصليه في البيت ، فصلاته باطلة لأنه يرائي الناس و لا يقصد التقرب الى الله . و ربما اعتبره الله مشركا يوم الحساب لأنه يشرك الناس مع ربه و العياذ بالله فلا يعمل عملا إلا لاستحسان الآخرين دون أن يخلص في العمل لربه . و مثله مثل كثير ممن يعملون الأعمال الصالحةحسب الظاهرمن بناء المساجد و المستشفيات و المدارس ارضاء للناس .

والشكفيالدينأنيكونمتزلزلافيعقيدته،يتاثربكلامهذاوذاكمندوندليلوبرهانيستنداليه . نعم لا بأس أن يصل الإنسان الى حالة من الشك بادئ الأمرفإنه يدعو الى التكامل ، فيستفسر عن دينه و مذهبه و يتبع العلماء في الوصول الى اليقين في اعتقاده و يطالع الكتب المفيدة التي تدله علىى دينه بالدليل و البرهان القاطع فإذا وصل و اطمأنّ ، فلا يصح أن ينحرف و يتزلزل و يخرج عن مسار الحقيقة و مذهب الحق و منهج أولياء الله . والسمعة أيضا صنف آخر من الرياء فالرياء يتعلق بالرؤية كما يظهر من ظاهر الكلمة و السمعة من السمع، و الغرض منها العمل لأجل سماع الناس وإسماعهم  كالقراءة والوعظ والذكر وقراءة القرآن، دون أن ينوي التقرب الى الله . و بالتأكيد إذا كان يقصد القربة فعمله يكون مفيدا و مؤثرا و الله يكافؤه و يجزيه عليه أفضل الجزاء .

ثم يكرر القول ، حتى يكون عملي خالصا لك .. فإذا طهر القلب من موانع القرب كالرياء و السمعة و الشك فالنتيجة أن يكون العمل خالصا لله لا تشوبه شائبة . و الخالص أي السالم الذي لا عيب و لا نقص فيه . يقال خلّص الشيء أي نقّاه و صفّاه من كل شائبة . و خلصه الله من الضلال أي هداه الى الإيمان .و خلّص ذمته أي برّأ ضميره و أراحه . والمخلصون هم الذين أخلصوا العبادة لله تعالى .

و الإخلاص من أهم أعمال القلب و أعظمها شأنا و منزلة والإخلاص أن يعمل الإنسان أي عمل ، لغرض الإطاعة المحضة لله ، لا يريد به تعظيماً من الناس ولا توقيراًولا تبجيلاً ، ولا يطلب في مقابل عمله أي نفع مادي و لا حتى معنوي . أ لسنا نقرأ بعد كل فريضة : ”الهي هذه صلاتي صليتها لا لحاجة منك اليها و لا رغبة منك فيها إلا تعظيما و طاعة و إجابة لك إلى ما أمرتني به …“ فالغرض إجابة الدعوة و العمل تقربا الى الله وحده . و قد ورد في الكتاب العزيز : ”وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء“- فالأصل في العبادة أن تكون خالصة لله . و حنفاء بمعنى الميل عن الإفراط و التفريط و الدخول في الإعتدال والطريق الوسط . والحنيفية هي دين ابراهيم عليه السلام و بعده دين رسول الله صلى الله عليه و آله . اللهم ثبتنا على الحنيفية المسلمة و أبعدنا عن كل شرك و رياء و سمعة يا أرحم الراحمين .

اَللّـهُمَّ اعْطِني بَصيرَةً في دينِكَ، وَفَهْماً في حُكْمِكَ، وَفِقْهاً في عِلْمِكَ، وَكِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَوَرَعاً يَحْجُزُني عَنْ مَعاصيكَ .“

البصيرة : قوة الإدراك و الفطنة والخِبرة و العلم والفهم و اليقين. يقال نافذ البصيرة أي ذو ذهن وعقل ثاقب، أو انسان ذكيّ فطِن . هناك مثل مشهور يقال :“ فقد البصر أهون من فقد البصيرةففي فقد البصر لا يرى الإنسان الأشياء و لكن من فقد بصيرته لا يدرك الأشياء و لا يفهمها و لا يميز بين الخير و الشر و الحسن و السوء و شتان ما بين من فقد بصره و أصبح أعمى العين أو من فقد بصيرته فأصبح جاهلا أو فاسقا و العياذ بالله . فربما أُطلق فاقد البصيرة على الماجن الفاسد الذي يعيش في عالم الشهوات و لا يدرك شيئا من المعنويات .

جاء في الكتاب العزيز : ” بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرهأي انه يعلم تماما ما صنع ولو اعتذر و جاء بالمعاذير لتبرير عمله . فهنا البصيرة لا علاقة لها بالبصر و الرؤية بل إنها رؤية بالقلب و فهم و يقين بما حصل له و أحسه بكل وجوده .

عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال : ما يصنع أحدكم ان يظهر حسنا ويستر سيئا؟ أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك؟ والله سبحانه يقول: ” بل الانسان على نفسه بصيرةإن السريرة إذا صلحت قويت العلانية.

و في رواية أخرى عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام ما حد المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال : “ بل الانسان على نفسه بصيرة هو اعلم بما يطيق ” .

و ورد في القرآن أيضا بهذا المعنى : ” قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه و من عَمِي فعليهافهنا الإبصار ليس بمعنى الرؤية بالعين بل هو الرؤية بالقلب وكناية عن الهداية  فقد جاءكم من ربكم بصائر أي ما يفيدكم في الفهم و الإدراك لتصلوا الى الهداية فمن أدركها و فهمها فهو الرابح و من تغافل عنها وتجاهلها فهو الخاسر المبين . و في القرآن أيضا : ” فبصرت بما لم يبصروا بهأي تنبأت و فطنت و وصلت الى أمر لم يدركه الآخرون  هذا قول السامري الذي افتطن الى أمر لم يعرفه الآخرون .

و قال تعالى : ” تبصرة و ذكرى لكل عبد منيبأي أن خلق السموات و الأرض و ما بينهما و التدبير العجيب في الكون و غرائب خلقة الأشياء وبدائع صنع الله ، كل ذلك ليكون تبصرة و إفهاما و إدراكا و تذكرا لعباد الله الذين يحبون الإنابة و التوبة اليه سبحانه .

و الإمام يتمنى أن يمنحه الله تبصرا و فهما و تركيزا في أمور الدين حتى يفقه أحكامه و ينفذ أوامره و يعلم الآخرين .وهذا ما يتمناه كل مؤمن يعبد ربه .

و فهما في حكمك : الفهم هو الإدراك أيضا و التفقه . و أما ما الغرض من حُكم الله ؟ ربما كان الغرض منها معرفة مسائل القضاء بين الناس  ومبادئ الحكم . و ربما كان الأمر له شمولية أوسع فالحكم يعم كل مسائل الحلال و الحرام و الحاكم هو الذي يعرف أصول الإفتاء فيوضح الأحكام للناس أو يفتي فيها حسب استنباطه من الموازين و الأدلة الشرعية . و بالتالي فإن نتيجة الفهم في الأحكام تكون معرفتها معرفة علمية لا سطحية عابرة ، ليتمكن المتفهم و هو الفقيه من الإستدلال المحكم و تعليم الآخرين . وبالتأكيد الإمام عليه السلام لا يحتاج في معرفة الأحكام الى الإستنباط و استخراجها من الكتاب و السنة فهو بنفسه يمثل السنة الشريفة و قوله قول رسول الله صلى الله عليه وآله . جاء في دعاء الزهراء عليها السلام : ”اللهمّ إنّي أسألك قوّة في عبادتك، وتبصراً في كتابك، وفهماً في حكمك .“

وَفِقْهاً في عِلْمِكَ، وَكِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِكَ.“

ثميطلبالإماممنربهفقهافيالعلم . ما معنى الفقه ؟

الفقه في اللغة هو العلم بالشيء ، والفهم له ، و الفطنة . و يقال لعلم الدين وعلم الأحكام ، الفقه لشرفه و مكانته عند الله و فضله على سائر أنواع العلم حتى أصبح في عُرف الناس خاصا بعلم الشريعة ولو أن معناه في الأصل هو الفهم و الإدراك القوي ليس غير  . فَقِه الأمر : فهِمه بعد جهل وأدركه بعد تفكير.

قال تعالى : ” و إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ، فما لهؤلاء القوم لا يكادون بفقهون حديثاأي انهم لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به، من أن كل ما أصابهم من خير أو شر، أو ضرّ أو نفع ، أو سوء أو رخاء ، فكل ذلك من عند الله، ولا يقدر عليه غيره تعالى ، ولا يصيب أحدًا سيئةٌ إلا بتقديره، ولا ينال انسانٌ رخاءً ونعمة إلا بمشيئته فمالهم لا يعلمون ولا يفطنون ؟! فقد جاءت الكلمة في هذه الآية بمعنى الفهم و العلم . وقال تعالى : ” قد فصلنا الآيات لقوم يفقهونأي بينّا و وضّحنا الأيات لقوم يفهمون ويعُون كلام الله و معانيه .

و لكن جاء في مكان آخر بمعنى الفقه الإصطلاحي الذي هو علم الأحكام الشرعية . قال تعالى : ”وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.“ أي انه لا يمكن للمؤمنين كلهم أن يسيروا الى الجهاد و يتركوا رسول الله لوحده ، فمن الأفضل أن يسير بعض منهم إلى رسول الله صلى الله عليه و آله ليأخذوا منه أحكام دينهم ويتفقهوا في الدين حتى اذا رجعوا الى أقوامهم و أهاليهم ينذرونهم من عذاب الله و يحذرونهم من غضبه تعالى لعلهم يهتدون الى صراط الله المستقيم وهذا الإنذار كناية عن تفهيم الناس مسائل الحلال و الحرام حتى لا يضلوا طريق الحق والهداية و الرشاد.

وجاء عن رسول الله صلى الله عليه و آله قوله : ”مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِفالفقه في الدين هو أصل الخير للإنسان لأن الله اذا أراد خيرا لأحدكم فإنه يمنحه التفقه في دينه و فهم أحكامه وحلاله و حرامه .

ووردعنالإمامالباقرعليهالسلامقوله : ”الْكَمَالُ كُلُّ الْكَمَالِ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ …“ أي ان علم الأحكام وفهم الشريعة هو غاية ما يصل الإنسان اليه من درجة في الدنيا و بالتأكيد فإن منزلته عند الله في الآخرة منزلة عظيمة حتى ان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وانه يستغفر لطالب العلم من في السماء و من في الأرض كما ورد في الحديث النبوي الشريف .

وكفلين من رحمتك : الكفل هو النصيب . كفلين من الرحمة أي نصيبين و كناية عن الرحمة التامة . جاء في الآية المباركة :“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِأي نصيبين فكأنما له نصيب من الرحمة لإيمانه بالله و نصيب آخر لإطاعته رسول الله ، أو ضعفين من الأجر ، أجر لإيمانه بالرسل جميعا و أجر لإيمانه برسول الله روحي فداه ، حسب بعض التفاسير . والظاهر أن الغرض من الكفلين في هذا الجزء من كلام الإمام ، الرحمة الكاملة غير المجزأة و الناقصة . والله أعلم .

وَوَرَعاً يَحْجُزُني عَنْ مَعاصيكَ، وَبَيِّضْ وَجْهي بِنُورِكَ، وَاجْعَلْ رَغْبَتي فيـما عِنْدَكَ، وَتَوَفَّني في سَبيلِكَ، وَعَلى مِلَّةَ رَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْفَشَلِ وَالْهَمِّ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْغَفْلَةِ وَالْقَسْوَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ وَالْفاقَةِ وَكُلِّ بَلِيَّة، وَالْفَواحِشِ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَاَعُوذُ بِكَ مِنْ نَفْس لا تَقْنَعُ، وَبَطْن لا يَشْبَعُ، وَقَلْب لا يَخْشَعُ، وَدُعاء لا يُسْمَعُ وَعَمَل لا يَنْفَعُ، وَاَعُوذُ بِكَ يا رَبِّ عَلى نَفْسي وَديني وَمالي وَعَلى جَميعِ ما رَزَقْتَني مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمَ اِنَّكَ اَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ

ورعا يحجزني عن معاصيك : الورع هو التقوىكما أسلفناهو الكفّ و الإمتناع عن المحرمات والتحرج منها. و أصل الورع ، المنع و الحجز . ورع الشخص من الأمر أي تجنّب الإثم فيه و تعفّف عنه .

عن عمرو بن سعيد بن هلال الثقفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني لا ألقاك إلا في السنين فأخبرني بشئ آخذ به فقال : «أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه «» ولعل المراد من التقوى في الحديث ترك المحرمات بصورة عامة و أما الورع فليس تركا للمحرمات فحسب بل حتى اجتناب الشبهات و ربما بعض المباحات ، زهدا و تعففا . وجاء في الكافي عن حديد بن حكيم قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : « اتقوا الله و صونوا دينكم بالورعفلا يبعد أن يكون الورع أخص من التقوى بحيث يشمل الكف ّحتى عن المكروهات . والله اعلم.

و في الكافي عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلامإن أشدّ العبادة ، الورع » يعني أصعبها و أشقّها على النفس لأن فعل الطاعات أسهل و أيسر من اجتناب المحرمات خصوصا للشباب ، عصمهم الله من الزلل و آمنهم من الفتن .

وفي الكافي أيضا قال أبو الصباح الكناني لأبي عبد الله عليه السلام: ما نلقى من الناس فيك؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: وما الذي تلقى من الناس في؟! فقال: لا يزال يكون بيننا وبين الرجل الكلام فيقول: جعفري خبيث، فقال: يعيركم الناس بي؟ فقال له أبو الصباح: نعم، قال: « فما أقل والله من يتبع جعفرا منكم، إنما أصحابي من اشتد ورعه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، هؤلاء أصحابيوهذا حديث عجيب ، يقشعرّ منه بدن المؤمن لما يرى من تأسف الإمام على قلة المتورعين ممن يتبعه أو يدعي اتباعه ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .

و كما قال الإمام  السجاد عليه السلام فالورع يحجز الإنسان و يمنعه من ارتكاب المعاصي و المحرمات . و لذلك فإنه يطلب من ربه أن يعطيه هذه النعمة الهامة التي تعصمه من المعاصي .

وبيّض وجهي بنورك : اللهم بيض وجهي بنورك نورا و سرورا يوم تبيض وجوه أوليائك و محبيك و أتباع عترة نبيك صلى الله عليه و آله ولا تسود وجهي حزنا و دحورا يوم تسودّ وجوه أعدائك النواصب و المنافقين و الفجرة الفسقة و المغضوب عليهم والضالين . و في أدعية الوضوء أيضا نقرأ ، نقلا عن أمير المؤمنين عليه السلام حين غسل الوجه : ” اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه و لا تسود و جهي يوم تبيض فيه الوجوه، اقتباسا من الآية الكريمة التي تقول : « يوم تبيض وجوه و تسود وجوه» . ففي يوم القيامة هناك وجوه منيرة مشرقة بنور ربها ، أولئك الذين أنعم الله عليهم بما عملوا في الحياة الدنيا من أعمال صالحة فتاب الله عليهم و كفر عنهم سيئاتهم : « وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة ».. و هناك وجوه أخرى و العياذ بالله مظلمة كظلام الليل الأليل . قال تعالى : « و وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة » . و نحن نأمل أن يبيض الله وجوهنا بنوره يوم اللقاء بحرمة محمد و آل محمد .

وَاجْعَلْ رَغْبَتي فيـما عِنْدَكَ، وَتَوَفَّني في سَبيلِكَ، وَعَلى مِلَّةَ رَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ،

الرغبة : رغب في الشَّيء : أراده وحرَص عليه وطمِع فيه وأحبَّه واشتاق اليه . واذا كانت الرغبة في الدنيا فقد تؤول الى الحرص و الطمع الذي يكرهه لنا الخالق المتعال و لكن إن كانت الرغبة فيما عند الله فالأمر يختلف تماما فما عند الله خير و أبقى . و عندما يطلب الإمام من ربه أن يجعل رغبته فيما عنده ، فالمفهوم الكلي منه أنه لا يطمع في متاع الدنيا الفانية الا بالقليل دون زيادة بل طمعه فيما عند الله من الرضا و الرضوان و مصاحبة أولياء الله يوم القيامةو رضوان من الله أكبر“. ذلك لأن الرغبة في الدنيا مذمومة و لكن الرغبة الى ما عند الله في الآخرة مطلوبة .

و توفني في سبيلك : التوفي هو الأخذ كاملا وافيا . وعندما نقول توفاه االله أي أخذ روحه و قبضه . وعندئذ يبقى الجسم بدون الروح فيموت الإنسان و يبقى الروح بالطبع لأنه لن يموت أبدا . والتوفي هو قبض الروح و لكن يمكن لله أن يقبض الروح جزئيا و ليس كاملا كما في النوم . قال تعالى : ” الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الأخرى الى أجل مسمى .“ ففي الحالتين تتم عملية التوفي و قبض الروح و لكن في المنام يكون مجرد قطع التعلق بالبدن لفترة ما و لكن عند الموت يتم القبض كاملا فينقطع الروح عن البدن كليا لا جزئيا فيموت الإنسان و هذا هو الأجل المسمى والمحتوم . و الإمام يتمنى أن يكون موته في سبيل الله . ولا ينحصر المعنى في الشهادة ، ولو أنها من أبرز مصاديقه ، فالإنسان إن كان مؤمنا ورعا يعمل الصالحات ، فإن موته يكون في سبيل الله قطعا .السبيل هو الطريق , وهو المنهاج و هو الصراط وهو الأداء  و سبيل الله هو طريق الهدى الذي دعا اليه الله .و كل طريق و منهج أراد به الإنسان أن يتقرب فيه الى الله بأداء الفرائض والنوافل مثلا و بالإنفاق في سبيله و بالحج و الجهاد و الإحسان الى الوالدين و غيرها من العبادات ، يعتبر من مصاديق في سبيل الله .

و على ملة رسولك صلى الله عليه و آله : الملة هي الشريعة أو الدين ، كملة الإسلام و النصرانية ، و هي اسم لما شرع الله لعباده بواسطة أنبيائه ليتوصلوا به الى السعادة في النشأتين ، الدنيا و الآخرة . جاء في الكتاب العزيز : ” لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنايعني أنكم إما أن تعتقدوا بمثل معتقداتنا أو أننا نخرجكم من البلاد و نبعدكم إلى جهة أخرى . و جاء أيضا : ” ملة أبيكم إبراهيمأي دين أبيكم إبراهيم . و التوفي على ملة رسول الله يعني على دين و شريعة رسول الله صلى الله عليه و آله . و غاية أمل المؤمن أن يموت على هذا الدين وهذه الشريعة المباركة .

اَللّـهُمَّ اِنّي اَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْفَشَلِ وَالْهَمِّ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْغَفْلَةِ وَالْقَسْوَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ وَالْفاقَةِ وَكُلِّ بَلِيَّة، وَالْفَواحِشِ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ

ثم يعوذ بالله من عدة أشياء . العوْذ هو الملجأ . أعوذ بالله اي ألتجئ اليه وألوذ به . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي ألتجئ اليه و أعتصم به من شر الشيطان اللعين و كيده و مكره . قال تعالى : ” فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيمأي اعتصم به و الجأ اليه ليحفظك منه و يصونك من وسوسته و مكائده . قل أعوذ برب الناس : أي أستجير وأعتصم برب الناس وألوذ اليه  من شر الوسواس الخناس . ”و إني أعيذها بك و ذريتهاأيأستغيثبكوأسألكأنتحفظهممنالشيطانالرجيم

وهنا في هذه الفقرة يعوذ الإمام بربه من عدة أشياء :

الكسل : هو التثاقل و ضعف الهمة و التقصير في أداء العمل المحول الى الإنسان . بعكس النشاط . ويقال مثلا للذي لا يقوم للصلاة في أول وقته و يتكاسل اعتمادا على سعة الوقت .

الفشل : الفشل أيضا هو التراخي والإخفاق والكسل لدرجة عدم الوصول الى المبتغى . فالذي يريد أن يعمل عملا و لكنه لا يقوم بواجباته تجاه العمل المطلوب بجد و اجتهاد فإن النتيجة تكون الفشل في تحقق المراد . باء بالفشل : اي خاب ولم ينجح .

الهمّ :القلق و الإزعاج والحزن . و هذا غير الهم بمعنى العزم على القيام بأمر محمود .

الجُبن : جبن الرجل ، ضعفت قدراته و خاف و هاب . والجبان هو الذي يهاب و يخشى التقدم على كل شيء ولا يقوى على المواجهة لضعف في إيمانه أو هيبة و خوف من المواجهة بصورة عامة ، فلرب مؤمن ضعيف القلب  يخشى المواجهة . والجبان عكس الشجاع .

البخل : وما أدراك ما البُخل . من أقبح الصفات الخلقية بل أقبحها على الإطلاق. و البخيل هو الذي يرى ما ينفقه إسرافا و ما يمسكه و لم يصرفه أمرا حسنا بل و شرفا له ، ظنا منه أنه مقتصدٌ . والبخيل لم يتذوق طعم الحياة و ملذاتها طول عمره ولو كان من أغنى الأغنياء ! ومن شدة غبائه أنه يجمع المال و لا يعلم أنه لن يستفيد منه بل يجمعه لغيره و لعمري انه في صميم الخبال و الجنون أن يعيش الإنسان عيشة الفقراء و هو غني . و البخيل فوق هذا كله فإنه ممن يسيء الظن بالله فلا ينفق من أمواله على المحتاجين ظنا من الفقر و لا يعرف أن الله يزكي الإنفاق و ينميه ولو لم يكن في الدنيا فإنه يجعله ذخيرة لصاحبه يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

الغفلة : غفل عن الشيء ، تركه إهمالا من غير نسيان . والغفلة هي عدم الإكتراث وعدم الإهتمام . جاء في الكتاب المجيد : « ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا » يقول العلامة في تفسير الآية : ”المراد باغفال قلبه تسليط الغفلة عليه وإنساؤه ذكر الله سبحانه على سبيل المجازاة حيث إنهم عاندوا الحق فأضلهم الله باغفالهم عن ذكره.“

ومحصلة الكلام أن من يطيع هواه و ينسى خالقه فإن الله يجعل على قلبه ختما ويجعله غافلا عن الحقائق و النتيجة أنه يُنسيه ذكر ربه فيكون من الغافلين . والغفلة من أسوأ ما يطرأ على الإنسان حيث ينسى ما يجب عليه فعله و ينسى أنه خُلق للآخرة و ليس للدنيا فيستمر في المماطلة و التسويف حتى يأتي الأجل فيكون من الخاسرين . يقول تعالى : « اقترب للناس حسابهم و هم في غفلة معرضون » أي أن الأجل آت عن قريب ثم لا يبقى مجال للعمل فبعد البرزخ يوم الحساب و لكن الغافل فهو في غفلة عما يجري و لا يعلم أن كل يوم يمضي من عمره فإنه يقترب من القبر و لكنه يُعرِض عن ذكر ربه و يتهاون في الصلاة و الزكاة و الإنفاق و سائر العبادات ، و ينغمس في شهوات الدنيا و ملذاتها ظنا منه بأن الموت قد كُتب على غيره فيتمتع كالأنعام دون اكتراث « ذرهم يأكلوا و يتمتعوا و يلههم الأمل فسوف يعلمون». ألا إن الغفلة أكبر حجاب على القلب يحجبه و يستره عن ذكر ربه ، و لا علاج لها إلا الرجوع و الإنابة الى الله تعالى .

القسوة : هي الغلظة و الصلابة والشدة في أي شيء و المراد من القسوة هنا قسوة القلب ، فالذي يكثر من الذنوب ، سوف يقسو قلبه فيجعله فظا غليظ القلب ، بدون عاطفة و إحساس فلا يهتم لأمر مسكين و لا فقير و لا حتى طفل يتيم فتنحسر الرحمة من قلبه . قال تعالى : «ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة » أي جفت و غلظت و صلبت قلوبكم و انتُزع منها الرحمة فهي كالحجارة و الصخرة الصماء من الشدة و الغلظة بل و أشد قسوة من الحجارة . و القلب القاسي لا يذعن الى القرآن و لا الى أحاديث المعصومين عليهم السلام بل لا يأبه بأمر من أمور الآخرة لأنها لا تخفق من خوف الله و من لم يخش ربه فإنه يعمل المنكرات و يظلم البشر دون حساب و العياذ بالله .

المسكنة : الفقر الشديد . أسكنه الفقر : اي قلل حركته . ةالمسكين هو المحتاج أشد الإحتياج . و المسكنة أكثر فقرا من الفقير حسب ما يقول بعض العلماء و لو أن الظاهر لا فرق بينهما فالفقير و المسكين كلمتان لحالة واحدة . جاء في القرآن : ” و أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحرو معنى ذلك أنهم فقراء و عندهم سفينة يعيشون عليها فلو كان المسكين أكثر فقرا و عوزا من الفقير لقال : لفقراء يعملون في البحر . و من هذا يتبين لي أن الفقر و المسكنة على حد سواء . ولكن مهما كان فإن المسكنة و هي الإحتياج الشديد الى المال أمر في غاية الصعوبة و المشقة و لذلك فالإمام يعوذ بالله منها .

الفقر : ثم يأتي بعد المسكنة كلمة الفقر ، و الفقر ربما تأكيد آخر على المسكنة لأنه كما أسلفنا لا فرق بين الفقر و المسكنة و لكن إن كانت المسكنة أشد على الإنسان من الفقر ، فيأتي الفقر في الدرجة الثانية من حيث صعوبة الحياة في ظله . و الإمام يتعوذ منهما .

الفاقة : الفاقة بمعنى الحاجة . و تأتي عوضا عن الفقر أيضا و لو أنها أشمل من الفقر فالفقر حاجة الإنسان الى المال و الفاقة هي الحاجة بكل أنواعها . ولكن غالبا ما تأتي مع الفقر لتكون بنفس المعنى . و ربما قال بعضهم أن الفاقة هي فقر مدقع أي أنها أشد من الفقر فالفقر لو كان نقصا في المال فإن الفاقة تدل على عدم وجود خبز يأكله والفاقة لا فعل لها . و إن كان الفقر نقصانا في المال فالفاقةبظنيحرمان منه .

و كل بلية : البلية هي البلاء و المصيبة و المحنة و الشدة . ومعنى البلية و البلاء في الأصل ، الإختبار و الإمتحان . فالله يمتحن الإنسان ببلية في جسمه أو ماله أو وُلده . و لذلك قيل لكل مصيبة ، بلاء أو بلية . و الإمام يتعوذ بربه من البلية أي من المصيبة أو الإختبار الإلهي بالمعنى الأعم فربما اختبر الله عبده بالرخاء و السعة في رزقه أو بالفقر و الشدة و العسر و كلاهما بلاء من الله . ولكن الناس يحسبون أن البلاء منحصر في الشدة و المصيبة و الفاقة و لا تشمل الغنى و الثروة .

الفواحش ما ظهر منها و ما بطن : قال تعالى في كتابهقُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ » . والفواحش بصورة عامة هي القبائح و ما ظهر منها أي ما كان علانية ، و ما بطن أي ما كان في السر و الخفاء. والفاحشة هي  ما تنفر منه الطباع السليمة ولا تقره العقول الصحيحة ويوجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة. وقيل ان الفواحش هي الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما. وقوله: ما ظهر منها و ما بطن ، أي: الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء والنفاق، ونحو ذلك . و قيل أن الفواحش الظاهرة هي التي تكون قبيحة عند أغلب الناس فإن كانت في العلن مثل شرب الخمر و السكر و إن كانت باطنة مثل الزنا و العياذ بالله . والخلاصة أن الفاحش هو القبيح الشنيع من قول أو فعل . وقد وردت كلمة الفاحشة في القرآن بمعنى الزنا و اللواط . و لا يقتصر الأمر عليهما و لكنهما بارزتان أكثر من غيرهما من الفواحش و المعاصي الكبيرة .

وَاَعُوذُ بِكَ مِنْ نَفْس لا تَقْنَعُ، وَبَطْن لا يَشْبَعُ، وَقَلْب لا يَخْشَعُ، وَدُعاء لا يُسْمَعُ وَعَمَل لا يَنْفَعُ، وَاَعُوذُ بِكَ يا رَبِّ عَلى نَفْسي وَديني وَمالي وَعَلى جَميعِ ما رَزَقْتَني مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمَ اِنَّكَ اَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ

أعوذ بك من نفس لا تقنع : الإمام روحي فداه يعوذ بالله من النفس البشرية الطماعة .. النفس التي تبحث دائما عن الزيادة و لا تقتنع بما قسم الله لها .

القناعة : هي الرضا و القبول باليسير من العطاء .. و عطاء الله كثير لا يُعد و لا يُحصى . و القناعة اصطلاحا هي الرضا بما رضي لك الله من الرزق . و لا يعني ذلك أنك لا تجدّ في كسب الأفضل و الأكثر بل ترضى أخيرا بما رضي الله لك، ففي هذا الرضا رضا الله تعالى .

قال الراغب في مفرداته : “ القناعة: الرضا بما دون الكفاية، والزهد: الاقتصار على الزهيد، أي: القليل وهما يتقاربان، لكن القناعة تقال اعتبارًا برضا النفس، والزهد يقال اعتبارًا بالمتناول لحظ النفس، وكلُّ زهد حصل لا عن قناعة فهو تزهُّد لا زهد.“

سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى : ” ولنحيينه حياة طيبةفقال : ” هي القناعة ” (نهج البلاغة) .وقال أبوجعفر الباقر عليه السلام : ” من يئس مما فات أرتح بدنه و من قنع بما أوتي ، قت عينه .“ (الخصال)

و عن الإمام الصادق عليه السلام : ” لا مال أنفع من القنوع باليسير المُجزي .“ (علل الشرايع) و جاء في معاني الأخبار ، قال النبي صلى الله عليه وآله لجبرئيل : ما تفسير القناعة ؟ قال : ” تقنع بما تصيب من الدنيا ، تقتع بالقليل وتشكر اليسير .“

و بطن لا يشبع : وهذه الجملة تأكيد بل و تفسير لما سبق من القول بالقناعة و لو أن القناعة أشمل و الشبع أخص . البطن الذي لا يشبع هو بطن الطماع الذي يريد الزيادة و اللذة الى حد التخمة والنهمة . وهذا هو الطماع الذي همه كثرة الأكل . قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ” كالبهيمة المربوطة همها علفهاو لكن المؤمن يأكل بمقدار الحاجة و حتى لو أكل للتلذذ فلا اشكال فيه و لكن لا يكثر من الأكل حتى يمرض . و أصلا هذه الجملة لا تريد التأكيد على قلة الأكل بل على قلة الطمع في كل شيء من متاع الدنيا و زينتها و زخرفها .

وقلب لا يخشع : اعوذ بالله من القلب القاسي الصلب الذي لا يخشع لذكر الله و لا يستمع الى مواعظ الله و مواعظ رسوله و الأئمة الميامين ولا تؤثر فيه النصيحة لشدة جفائه و قساوته ، والذي قال الله في حقهم : ” فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، أولئك في ضلال مبين ” . وكما أسلفنا فالخشوع الذي هو من صفات القلب ، بمعنى الخضوع و الإستكانة و الركون . جاء في الكتاب المجيد : ” وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساعن أحوال يوم القيامة حيث الأشياء و الأفراد سكون مطلق و خضوع تام و ذل و انكسار و من شدة هيبة الموقف و خضوع الناس دون اختيار لا تسمع من بين مليارات الأشخاص الا همسا أي التكلم مع الغير بصوت خفيض يكاد لا يُسمع . والخشوع هو الخضوع والتواضع، ورمي البصر إلى الأرض، وخفض الصوت، وسكون الأعضاء، وحضور القلب. والخشوع في الصلاة دليل على الفلاح و النجاح . قال تعالى : ” قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ” . اللهم إنا نعوذ بك مع إمامنا من قلب لا يخشع لك و لا يخضع لذكرك عبادتك .

و دعاء لا يُسمع : أعوذ بك يا رب من دعاء لا يُستجاب ولا يُهتم به فكأنه غير مسموع . والدعاء إذا أردته أن يكون مسموعا مقبولا فعليك أن تأتي بشروط الدعاء من الخلوص و النية الصادقة و الخضوع القلبي و الأكل الحلال و غير ذلك من الشروط المذكورة ، و إلا فالدعاء لا يصل الى مقام الإستجابة والعياذ بالله . طبعا الإستجابة ليست مشروطة بزمان و لا مكان فرب دعاء لم يُستجاب في الدنيا لمصلحة يراها الرب و لا نراها و لكنه بلطفه و كرمه يدخره لصاحبه ليعطيه جزاءه يوم اللقاء و هذا لعمري أفضل بكثير مما ندعوه لدنيانا و لكننا نريد العاجلة و ننسى الآخرة .

و عمل لا ينفع : العمل مهما كان مفيدا حسب الظاهر و شاقا و يُصرف فيه المال و الجهد ، لن يكون نافعا للإنسان إن لم يكن بخلوص و قصد القربة و النية الصادقة . فالعمل النافع هو الذي يزيد في الخوف و الخشية من الله و يزيد في بصيرة الإنسان بعيوب نفسه حتى لا يبحث عن عيوب غيره . ثم إن العمل مهما كان شكله و أداؤه لن ينفع العبد يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا إذا كان بقلب سليم و نية صادقة .

وَاَعُوذُ بِكَ يا رَبِّ عَلى نَفْسي وَديني وَمالي وَعَلى جَميعِ ما رَزَقْتَني مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمَ اِنَّكَ اَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ

ثم يعوذ الإمام على كل ما يخصه من دين و مال و نفس و أولاد و رزق و علم ، من شر الشيطان الرجيم حيث أن الشيطان يتدخل في كل شأن من شئون الحياة ليضل الإنسان و يذلّه . ولابد للمرء أن يتعوذ بالله دائما من شرور الشيطان و مكائده . و قد أمرنا الله أن نستجير بالله و نعتصم به من همزات الشيطان و وساوسه . قال تعالى : ”وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربّ أن يحضرون .“

و أمر الله تعالى أن نتعوذ من الشيطان قبل قراءة القرآن فقال : ” فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ”. وعندما يستجير الإمام بالله من الشيطان الرجيم على نفسه و دينه و وُلده و ماله و ما رزقه ربه، دليل على أن الشيطان يتصرف في قلب الإنسان وفي بدنه وفي سائر شؤون الحياة الدنيا من أموال وبنين وغير ذلك بتصرفات مختلفة اجتماعاً وانفراداً، وسرعةً وبطؤاً، وبلا واسطة ومع الواسطة و يدعوه الى الفساد و الضلال و الإنحراف عن جادة الحق إذا مال اليه و أطاعه والا فإن الشيطان ليس له سلطان و قوة و قدرة  على المؤمنين المتقين ، إنما سلطانه على الذين يتولونه و يتبعونه و قد أمرهم الله مرارا و تكرارا أن لا يطيعوا الشيطان إنه عدو مضل مبين .

اَللّـهُمَّ اِنَّهُ لا يُجيرُني مِنْكَ اَحَدٌ وَلا اَجِدُ مِنْ دُونِكَ مُلْتَحَداً، فَلا تَجْعَلْ نَفْسي في شَي مِنْ عَذابِكَ، وَلا تَرُدَّني بِهَلَكَة وَلا تَرُدَّني بِعَذاب اَليم.

يجير : من أجار يعني يغيث و ينقذ . جاء في الكتاب المجيد : ” قل إني لن يجيرني من الله أحدٌالإجارة إعطاء الجوار والحماية لمن يستنجد و يستغيث بك . فإذا كان الله يريد أن يعذبك فلا يوجد أحدٌ يستطيع أن يمنعهوالعياذ باللهمن عذابك و يغيثك و ينقذك منه ! والمعنى واضح . و أما الملتحد ربما كان اسم مكان وهو المكان الذي يعدل وينحرف إليه للتحرز من الشر. أو اسم شخص و هو الذي ينصر الإنسان و يحميه . ومعنى الجملتين إجمالا قل لن يغيثني و ينصرني من الله أحد فيمنعني منه ولن أجد من دونه مكانا ألتجئ إليه و أحمي نفسي منه . وهل نسينا ابن نوح عندما رأى السيل من كل الأطراف قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء ، قال له نوح : ” لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمولذلك فإنه تعالى يأمرنا و يوصينا أن نفرّ من عذابه اليه ؛ أي الى رحمته و لطفه .

فلا تجعل نفسي في شيء من عذابك ولا تردني بهلكة ولا تردني بعذاب أليم .“ أي أبعد عني العذاب بكل صوره و أشكاله . والعذاب هو العقاب و النكال و كل أمر يشق على النفس و كل شيء مؤلم . و العذاب درجات فهناك العذاب الأدنى و هناك العذاب الأكبر و هناك في الآخرة أشد العذاب أو العذاب الأليم . وهناك من الأوصاف لنار جهنم و هذا بالآخرة ما يجعل المؤمن يرتجف و يقشعر لشدة هوله . قال تعالى : ” إنها لظى ، نزاعة للشوىو العياذ بالله . وفوق هذا كله فالنار خزي و ذل ما بعده ذل . قال تعالى : ” سأصليه سقر وما أدراك ما سقر ، لا تُبقي و لا تذروعندما يقول تعالىحسبه جهنميكفي ليعلم العاقل ماذا ينتظر العاصي هناك من عذاب أليم ، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ,

فلا تجعل نفسي يا رب في أي جزء من عذابك فلا طاقة لي و لا حول . ولا تردني بهلكة أي لا تردني مع هلاكي ، ذلك لأن الله اذا ردّ أحدا و صرف وجهه الكريم عنه فلا يوجد أحد ينصره و يغيثه أبدا . بل و إذا رده الله فإن مصيره الى النار لا محالة . لذلك يطلب الإمام أن لا يرده بهلكة و لا يرده بعذاب أليم . نستجير بالله من غضبه .

اَللّـهُمَّ تَقَبَّلْ مِنّي وَاَعْلِ ذِكْري، وَارْفَعْ دَرَجَتي، وَحُطَّ وِزْري، وَلا تَذْكُرْني بِخَطيئَتي، وَاجْعَلْ ثَوابَ مَجْلِسي وَثَوابَ مَنْطِقي وَثَوابَ دُعائي رِضاكَ وَالْجَنَّةَ، وَاَعْطِني يا رَبِّ جَميعَ ما سَاَلْتُكَ، وَزِدْني مِنْ فَضْلِكَ، اِنّي اِلَيْكَ راغِبٌ يا رَبَّ الْعالَمينَ،

اللهم تقبل مني : يا رب تقبل أعمالي بضعفها و استجب دعائي بلطفك و كرمك . قبل الله الأعمال أي رضي بها و أثاب عليها والتقبل هو الرضا عن طيب خاطر . قال تعالى : ” أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملواوتقبل الله الدعاء أي استجابه . جاء في القرآن : ” ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليمو عندما يستجيب الدعاء يقول : ” فتقبلها ربها بقبول حسن

اعل ذكري : اي ارفع شأني وقدري . ورفع الذكر بمعنى أنه يصلح حالي و يحترمني الآخرون وعندما يذكرونني فإنهم يذكرونني بخير . جاء في القرآن في وصف الرسول صلى الله عليه و آله : ” و رفعنا لك ذكركأي رفعنا شأنك . و أي شأن أرفع من شأن رسول الله حيث يذكره الله مع اسمه عندما يأمر الناس بإطاعته يأمرهم أن يطيعوا رسوله دون أن يفصل بين إسمه الكريم و إسم نبيه الحبيب . و الإمام سلام الله عليه هو من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و هو من الذين بلغ الله بهم أشرف محل المكرمين و أعلى منازل المقربين و أرفع درجات المرسلين حيث لا يلحقهم لاحق ولا يفوقهم فائق ولا يطمع في إدراكهم طامع .“

وارفع درجتي : الدرجة هي المقام و هي المنزلة . و هناك أعمال يعملها الإنسان في الدنيا فترفع درجاته في الآخرة ، علما بأنه لا حد لرفع الدرجات فحتى صلاتنا على النبي و آله ، فإن فيها رفع درجات للرسول و أهل بيته عليهم السلام والله يعلم كم من الدرجات تحسب لهم في يوم واحد بل و في دقيقة واحدة ولا نهاية لرفع الدرجات عند الله . و لا نستطيع أن ندرك كيف ترفع درجات المؤمنين و لكن هناك بعض الأعمال الواردة في الأحاديث الشريفة التي ترفع درجة العبد و تقربه الى ربه مثل قول الإمام الكاظم عليه السلام : ” يا هشام، أفضل ما تقرّب به العبد إلى الله بعد المعرفة به : الصَّلاة، وبرّ الوالدين، وترك الحسد والعجب والفخر.“ و بالتأكيد لا شيء أرفع قدرا و منزلة للمرء من معرفة الله فكلما ازدادت معرفته كلما ارتفع قدره و تأتي الصلاة و الإحسان الى الوالدين في الخطوة التالية للمعرفة لأن المعرفة أصل العلم و أساس التكامل . والصلاة هي الرابطة الوثيقة بين الخالق و المخلوق ، المعبود و العبد ففيها أكبر تكامل للروح البشرية و منها يتقرب العبد الى مولاه و بالتالي ترتفع درجته كلما ازداد خشوعا في صلاته و عبادته . وبر الوالدين هي العلاقة الإنسانية الفضلى بين الإنسان و والديه و قد قرنه الله بإطاعتهوقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحساناثم يأتي دور الصفات القبيحة التي تلازم الإنسان مثل التكبر و البخل و الحسد ، فكلما ارتقى المرء كلما ازداد بعدا عن هذه الصفات القبيحة و استبدلها بما يقربه الى ربه من الصفات الحميدة .

و حُطّ وزري : حطّ الحِمل : أنزله . و حط عنه وزره : ألقى عنه ثقله . جاء في الكتاب المجيد : ” و وضعنا عنك وزركأي و حططنا عنك حِملك فالوزر هو الحمل الثقيل . والحِمل في كلام الإمام كناية عن الذنب فعندما يقول الإمام : حط وزري أي اغفر لي ذنوبي ، فلا حِمل أثقل على الإنسان من لذنوب و العياذ بالله .

قال تعالى: “ لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ“.أي حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا. وفي قوله تعالى : ” وليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهمأي أنهم يحملون ذنوبهم و ذنوب من اتبعوهم بالإضافة الى ذنوبهم . و لذلك قال رسول الله صلوات الله عليه وآله : “ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ . وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ .“ فهذا الذي يسنّ سنة سيئة و ينشرها بين الناس فإنه يصيبه ذنوب كل من عمل بهذه السنة القبيحة الى يوم القيامة ، بالإضافة الى ذنوبه و العياذ بالله .

وأمابالنسبةللرسولصلىاللهعليهوآلهواللهيقولله : ووضعنا عنك وزرك ، فبالتأكيد لا يعني الذنب فالرسول و حتى الأئمة عليهم السلام معصومون من كل ذنب و خطيئة بل و نسيان . ولذلك فالوزر هناك ، الغرض منه أعباء الرسالة و الهم الذي كان يرافق الرسول روحي فداه لعدم تأثير القرآن و كلامه في الكفار و المشركين من قريش و غيرهم و تأثره الشديد لذلك و لكن الله يسليه و يرفع همه : ” طه ، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقىثم إنك يا رسول الله لم تقصر في أداء الرسالة على أحسن وجه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، و ذرهم و ما يخوضون فيه ، و لا تبتئس بما كانوا يعملون .

وَلا تَذْكُرْني بِخَطيئَتي : الخطيئة ، إساءة تستلزم الصفح أو التعويض . و الخطيئة كل ذنب و عصيان و قيل انه الذنب الكبير ولا أظن ذلك . قال تعالى : ” وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكمأي خطاياكم و هي كناية عن الذنوب . والخطأ ضد الصواب كما الخطيئة ضد الحسنة . ولا تذكرني ربما كانت كناية عن طلب الغفران أي و اغفر لي خطيئتي .أو لا تفضحني على رؤوس الأشهاد بخطاياي فهناك يرى الإنسان عمله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره . فالإمام يطلب من ربه أن يصفح عنه أو يستر عليه ذنبه حتى لا يتعرض للفضيحة أمام مرأى من الناس يوم الحساب .

وَاجْعَلْ ثَوابَ مَجْلِسي وَثَوابَ مَنْطِقي وَثَوابَ دُعائي رِضاكَ وَالْجَنَّةَ: الثواب هو الأجر وهو الجزاء كما أسلفنا . ثم يفصل الإمام الجزاء بالمجلس والمنطق و الدعاء . المجلس أي المكان الذي يجتمع فيه مع غيره إن كانوا أهل بيته أو كانوا أصحابه و إخوانه و أقاربه ، ففي المجلس يجب على الإنسان المؤمن أن لا يتمّ مجلسه دون ذكر الله و ذكر محمد و آل محمد عليه و عليهم السلام حتى لا يكونكما قالواوبالا على أصحابه و أبتراً . و لا شك أن مجلس الإمام كله خير و بركة و ذكر و قدس و ثواب . و مجرد الجلوس في حضرته أجر جزيل و ثواب عظيم ، بالإضافة إلى ما نسمع منه من درر وهداية .

والمنطقأهميتهبالتأكيدأكثرمنكلشيءفالإنسانمخبوءتحتلسانهواللسانربمايدعوكالىالجنةوالرضوانأوالىالسخطوالنيرانوالعياذبالله . و منطق الإمام هو منطق رسول الله صلى الله عليه و آله بلا ريب فلا ينطق إلا حقا و صوابا و ذِكرا و عِلما و حكمة و أخيرا فالدعاء و المناجاة بينه و بين ربه في خلو من كل أحد ، ساعات يقضيها العبد بينه و بين معبوده يدعوه و يتضرع اليه و يستغفره و يتقرب اليه و يناجيه و يناديه .. ما أحلاها من ساعات وما أقربها الى القلب من لحظات . و الإمام يطلب من ربه أن يكون أجر كل ما يعمل و ما ينطق و ما يدعو في الخفاء و العلن ، رضى من الله ثم الجنة فالأصل رضاهو رضوان من الله أكبر ”.

وَاَعْطِني يا رَبِّ جَميعَ ما سَاَلْتُكَ، وَزِدْني مِنْ فَضْلِكَ، اِنّي اِلَيْكَ راغِبٌ يا رَبَّ الْعالَمينَ .

و أخيرا أعطني يا رب كل ما سألتك و زدني من فضلك .. و كل ما يعطيه الله فضل منه . قال تعالى : ” و اسألوا الله من فضلهوقال : ” الذي أحلنا دار المقامة من فضله ”. و أما الزيادة فهو الذي وعد عباده حيث قال : ” فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .“ وكما في نص بعض الأحاديث القدسية :“ اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ”. ثم يضيف بقوله : غني إليك راغب .. أي أنني أريدك أنت و أريد لقاءك و رضاك فأنا راغب اليك يا حبيب قلوب العارفين و لا أريد غيرك فإن قلبي لا يسكنه إلا أنت يا رب العالمين .

اَللّـهُمَّ اِنَّكَ اَنْزَلْتَ في كِتابِكَ اَنْ نَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمْنا، وَقَدْ ظَلَمَنا اَنْفُسَنا فَاعْفُ عَنّا فَاِنَّكَ اَوْلى بِذلِكَ مِنّا، وَاَمَرْتَنا اَنْ لا نَرُدَّ سائِلاً عَنْ اَبْوابِنا وَقَدْ جِئْتُكَ سائِلاً فَلا تَرُدَّني إلاّ بِقَضاءِ حاجَتي، وَاَمَرْتَنا بِالاِْحْسانِ اِلى ما مَلَكَتْ اَيْمانُنا وَنَحْنُ اَرِقّاؤكَ فَاَعْتِقْ رِقابَنا مِنَ النّارِ

ثم يخاطب ربه ويقول : أنت أمرتنا بالعفو عمن ظلمنا بقولك : ” فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِففي العفو ، أجر لا يعلم أحد مداه الا رب العالمين . وقال تعالى : ” وليعفوا و ليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيمو هذا أمر مؤكد بالعفو عمن ظلمنا و الصفح عمن أساء الينا ثم يؤكد عليه ثانية : الا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ و من لا يحب ذلك فكلنا نتوق الى مغفرة من الله و رحمة . و يؤكدها ثالثة بقوله تعالى : والله غفور رحيم . ومن يغفر الذنوب كلها جميعا الا الله . و في مكان آخر يدعو الناس أن يسارعوا الى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين . و من هؤلاء المتقين الذين يغفر الله لهم أولا ثم يعطيهم جنة عرضها السموات و الأرض ؟ و يا لها من إغراء . هؤلاء هم الذين : ١ينفقون في السراء و الضراء .٢والكاظمين الغيظ . ٣والعافين عن الناس . فالذين يعفون عمن ظلمهم في هذه الدرجة العالية من النعيم و القرب الإلهي . ثم يعطيهم الله أحسن صفة للمؤمنين ، يضفي عليهم صفة الإحسان و يحببهم اليه و يقول : ” والله يحب المحسنين ”. ويقول في مكان آخر : ” و إذا ما غضبوا هم يغفرونأي أن سجيتهم العفو و الصفح عن الناس و لا يفكرون أبدا في الإنتقام . هؤلاء هم المحسنون حقا .

و هكذا نرى الإمام روحي فداه يتكلم عن العفو بما أمر الله به ثم يقول إننا ظلمنا أنفسنا . فالإنسان السمح لا يظلم أحدا و لكنه بعصيانه فقد يظلم نفسه و هذا أمر وارد بالنسبة لنا جميعا باستثناء المعصومين الذين عصمهم الله و منهم الإمام السجاد عليه السلام . و كأن الإمام يخاطب ربه مثل أي انسان مذنب و هو في أعلى درجات الإيمان و الكمال . ظلمنا أنفسنا ولا نستطيع جبران ذلك فاعف عنا أنت يا غفار و ارحمنا و كفر عنا سيئاتنا و اصفح عنا فأنت والله أولى بالعفو لأنك تأمرنا بالعفو عمن ظلمنا و الآن نحن نقر بالذنب و نقر بالظلم و انت أولى بالعفو بدلا من العقاب يا أرحم الراحمين . وهذه التفاتة لطيفة من الإمام حيث يقابل أمر الله بالعفو عمن ظلمنا ، بالطلب منه أن يعفو عنا لأنه لقد وقع ظلمٌ و لكنه ليس على أحد إنما على أنفسنا ، فيبقى المجال مفتوحا أمام الرب للإنتقام أو العفو فعندئذ يطلب منه أن يعفو ويصفح و لا يعاقب ولو أن له الحق في ذلك بالتأكيد .

وَاَمَرْتَنا اَنْ لا نَرُدَّ سائِلاً عَنْ اَبْوابِنا وَقَدْ جِئْتُكَ سائِلاً فَلا تَرُدَّني إلاّ بِقَضاءِ حاجَتي

أنت يا رب أمرتنا في كتابك الكيم أن لا نرد سائلا عن بابنا فلا تردنا عن بابك خائبا وقد جئتك أرجو قضاء حاجتي فلا تردني . قال تعالى : ” و أما السائل فلا تنهر“ النهر هو الزجر والرد بغلظة .أي لا ترده دون مساعدة ولو قليلا .قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ”لا تقطعوا على السائل مسألته ، فلولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم .“ وهذا جواب من يقول بأن السائل عادة ما يكذب وهو ليس بمحتاج . ولكن الله و رسوله يأمراننا أن نتصدق عليهم ولو شيئا قليلا ، و كما يقول الحديث (ما معناه) لو أن السائل ما كان يكذب فالأمر خطير جدا . يعني لولا احتمال الكذب لما كان يجوز ردهم أبدا . سعيد بن المسيب قال : حضرت علي بن الحسين ( عليهما السلام ) يوما حين صلى الغداة ، فإذا سائل بالباب ، فقال علي بن الحسين ( عليهما السلام ) : أعطوا السائل ولا تردوا سائلا .(الكافي ٤١٥)

وفي ( نهج البلاغة ) عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : ” إن المسكين رسول الله إليكم فمن منعه فقد منع الله ، ومن أعطاه فقد أعطى الله .“

واذا كان الأمر من الله أن لا نرد السائل فنحن أيضا بدورنا نرجوه و نطلب منه بإلحاح أن لا يردنا و نحن الفقراء اليه ـ إلا بقضاء حوائجنا .. يا رب.

وَاَمَرْتَنا بِالاِْحْسانِ اِلى ما مَلَكَتْ اَيْمانُنا وَنَحْنُ اَرِقّاؤكَ فَاَعْتِقْ رِقابَنا مِنَ النّارِ

قال تعالى : ”وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ”. ففي هذه الآية المباركة يأمرنا الله تعالى بالإحسان الى بعض فئات المجتمع و منها ، ما ملكت أيمانكم أي الأرقّاء . بالطبع في يومنا ليس للعبيد و الأرقاء مكانا محسوسا ، إلا ما يتعامل بعض الناس مع الخدم أو الخادمات مثل تعامل السابقين مع أرقائهم و مملوكيهم مع أنهم أحرار . على كل حال الإمام يستدل على الآيةحسب الظاهربوجوب الإحسان الى العبيد ثم يخاطب ربه بأننا نحن عبيدك و أرقاؤك فأحسن الينا بعتق رقابنا من النار .

جاء في كتاب النظم المستعذب في معنى العتق : العتق: مأخوذٌ من السَّبَق، يقال: عتقت منى يمين، أي: سبقت، وعتقت لفرس: إذا سبقت، وعتق فرح الطّائر: إذا طار واستقل، فكأن المعتق خُلِّي فذهب حيث شاء، ويقال: عتق العبد يعُتق عِتاقاً وعِتاقةً، فهو مُعتَق وعَتيق، ولا يقال: معتوق، وخُصَّت الرّقبة بالعتق والملك دون سائر الأعضاء؛ لأنّ تملُّك السيّد لعبده مثاله كمن يضع حبلاً في رقبة آخرٍ يُحرّكه كيف شاء، وكالغل يُحبَس به ولا يستطيع الفِكاك إلا بأمر ساجنه، وتُحبس الدابّة بالحبل وتُربَط في عُنقها، ولهذا استخدموا الحبل كنايةً في العتق، فقالوا: حبلك على غاربك (لمن أعتق عبده) جعله بمنزلة البعير يُطرح حبله على غاربه فيذهب حيث يشاء، ولا يوثَّق .

واجمالا العتق هو الخروج من العبودية أي تحرر العبد أو المملوك . و عندما يرجو الإمام من ربه أن يعتق رقابنا من النار كناية عن أننا عبيد لك يا رب و نريد منك أن تحسن الينا مثلما أمرتنا الإحسان الى مماليكنا و إحسانك و أنت أكرم الأكرمين يقتضي فكاك رقابنا من النار و إدخالنا الحنة برحمتك .. آمين .

يا مَفْزَعي عِنْدَ كُرْبَتي، وَيا غَوْثي عِنْدَ شِدَّتي، اِلَيْكَ فَزِعْتُ وَبِكَ اسْتَغَثْتُ وَلُذْتُ، لا اَلُوذُ بِسِواكَ وَلا اَطْلُبُ الْفَرَجَ إلاّ مِنْكَ، فَاَغِثْني وَفَرِّجْ عَنّي يا مَنْ يَفُكُّ الاَْسيرَ، وَيَعْفُو عَنِ الْكَثيرِ اِقْبَلْ مِنِّى الْيَسيرَ وَاعْفُ عَنِّى الْكَثيرَ اِنَّكَ اَنْتَ الرَّحيمُ الْغَفُورُ

يا مفزعي عند كربتي : الكربة هي الهم و الكآبة وهي كل أمر يحزننا و يغمنا و يأخذ بأنفسنا . قال تعالى : ” و نجيناه و أهله من الكرب العظيمأي الحزن الشديد والمشقة . فرّج الله كربتك : اي أزال الله غمك و قضى حاجتك . فقضاء الحاجة يزيل الهم و يشفي الغليل. والمفزع هو المخرج  والكلمة مأخوذة من الفزع أي الخوف. فزّع عنه أي كشف عنه الفزع  والخوف . فالمفزع هو الذي يكشف همومنا ويزيل غمومنا و يغيثنا في كربنا و المفزع هو المغيث الذي نرجع اليه عند تزول الخَطب و البلاء فيكشف بلاءنا و يدفع عنا ضرّنا .

و يا غوثي عند شدتي : تكرار لنفس الجملة بتعبير آخر جميل . فالغوث هو النصرة و الإعانة و هو الناصر والمغيث أيضا . غاثه الله أي نصره و أعانه . أغاث الله عباده : اي أجاب دعاءهم و قضى حاجتهم و كشف بلواهم . أغاثه الله برحمته أي كشف شدته و أزال همومه . قال تعالى : ” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكميعني تستجيرون به وتطلبون منه النصر بدعائكم فيستجيب لكم و يقضي حاجتكم و ينصركم . وما النصر الا من عند الله .

اليك فزعت وبك استغثت و لُذت : الفزع اذا أضيفت بإلى فتعني طلب الحاجة واللجوء . اليك فزعت أي التجأت اليك لا الى غيرك لأن الجملة بدأت بالجار و المجرور لتفيد الحصر فلو قال فزعت اليك يعني ممكن أن أفزع اليك والى غيرك أما عندما يقول : إليك فزعت ، يعني إليك و لا الى أحد سواك التجأت . و بك استغثت و الجملة أيضا تفيد الحصر أي لا أستغيث الا بك فأنت المغيث و أنت الناصر و أنت المجير . ولاذ أيضا يعني استجار و اعتصم واستغاث به . لاذ بالشيء : التجأ اليه و استتر و تحصّن  واحتمى به .

لا اَلُوذُ بِسِواكَ وَلا اَطْلُبُ الْفَرَجَ إلاّ مِنْكَ : تأكيد بعدم الإلتجاء الى غيرك فلا ملجأ و لا منجى الا بك و لا أطلب الفرج و كشف الضر الا منك . الفرج انكشاف الغم أو الشدة . فرّج الله الغم ، كشفه و أزاله و أذهبه . و الفرج هو الخلاص من الغموم . اللهم فرج عنا وعن المسلمين كربهم و غمومهم .

فَاَغِثْني وَفَرِّجْ عَنّي : كشف شدتي و بلائي و فرج عني و أغثني و انصرني و اقض حاجتي و ارحمني يا غياث المستغيثين .

يا مَنْ يَفُكُّ الاَْسيرَ، وَيَعْفُو عَنِ الْكَثيرِ اِقْبَلْ مِنِّى الْيَسيرَ وَاعْفُ عَنِّى الْكَثيرَ اِنَّكَ اَنْتَ الرَّحيمُ الْغَفُورُ.

ثم يخاطب ربه بقوله أنت يا رب من تفك الأسير من أسره و تطلق سراحه بعد سجنه و أنت الذي تعفو عن الكثير كما قلت في كتابك المنزل :“ ويعفُ عن كثيراي يعفو عن كثير من الذنوب والخطايا فلا يعاقبنا عليها . فما دمت أنت تعفو عن كثير من الخطايا فتقبل منا هذا اليسير من أعمالنا و اعف عنا الكثير من زلاتنا و اغفر لنا فإنك أنت الرحيم الغفور .

اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ ايماناً تُباشِرُ بِهِ قَلْبي وَيَقيناً حَتّى اَعْلَمُ اَنَّهُ لَنْ يُصيبَني ما كَتَبْتَ لي وَرَضِّني مِنَ الْعَيْشِ بِما قَسَمْتَ لي يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ .

و أخيرا يختم الإمام دعاءه المبارك بطلب من الله أن يعطيه إيمانا يباشر به قلبه . و هذه الجملة إشارة الى دعاء رسول الله صلى الله عليه و آله حيث كان إذا أصبح يقول : ” اللهم إني أسألك إيمانا تباشر به قلبي ويقينا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي ورضني بما قسمت لي ”(الكافي ٢٥٢٤) تباشر به قلبي أي تجده في قلبي مباشرة و لا يكون إيمانا ظاهريا لفظيا بمحض اللسان . و تباشر مباشرة أي ولي الأمر بنفسه فيطلب من الله أن يلي هذا الإيمان بنفسه و يجعله في قلبه إيمانا صحيحا خالصا من كل الشوائب ثم يطلب من الله أن يعطيه اليقين و اليقين أعلى مراتب الإيمان . فنحن كلنا نؤمن بأن ما يصيبنا فهو من الله و ما يصل الينا من رزق فهو من الله و لكننامع الأسفلم نؤمن إيمانا مقرونا باليقين أي أن في قلوبنا بعض الشك .. فمثلا إذا أصابنا ما أصابنا فإننا نلقي اللوم على المجتمع أو الوسائط الموجودة أو بعض الأشخاص ، ولكن الحقيقة أن كل ما يصيبنا من خير أو ما نراه شرا فإنه في كتاب الله . ” قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا و على الله فليتوكل المؤمنون ” , وقال تعالى : ” و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله ، يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم .“ فلو وصلنا الى مرحلة اليقين في إيماننا فإننا نعلم أن كل مايصيبنا إنما هو من الله و في كناب الله فعلينا أن نرضى بما قسم الله لنا من العيش و نشكره و نحمده على ما أعطانا و ما أبلانا وهو أرحم الراحمين .. رحماك يا رب .

وكانت نهاية شرحه في يوم ٢٩ ذي القعدة ١٤٤١ هجرية الموافق٢١٧٢٠٢٠ ميلادية . في الكويت

و آخر ما نختم به كتابنا : الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين .

محمد جواد المهري



التصنيفات :كتب

4 replies

  1. السلام عليكم ..

    كنت ابحث عن أمل ينير حياتي ، لإجد قلمك الفائض يملأ عليّ كل ماهو جميل ومريح للقلب ..شرحكم سلسل ولي عودة بإن المولى للقرأءة لترسيخ هذا الشرح العظيم .. وفقكم الله وسهل عليكم ..

    • عليكم السلام و الرحمة و المغفرة
      شكرا دون حصر و أتمنى أن يوفقني الله لإكمال شرح الدعاء بلطفه و منّه
      وفقكم الله لكل خير و أسعدكم في الدارين

  2. شكرا جزيلا وفقكم الله لكل خير لو تكرمت تحيطنا علما بما غفلنا عنه من شرح (اَوْ لَعَلَّكَ رَاَيْتَني آلفَ مَجالِسِ الْبَطّالينَ؛ فَبَيْني وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَني) ومتى يكون العبد في مقام استوجب فيه ان يترك من الباري عز وجل
    واكرر الشكر والثناء على مجهودك المميز وفي ميزان حسناتكم

    • بارك الله فيكم و أعزكم الله عزيزي أبو علي
      هذا الشرح نتاج عمل قديم ولا زلت أطلب من الله أن يوفقني لإكماله فهناك نقصٌ في الشرح .. أرجو أن أتممه خلال الأشهر القادمة ، فقلة الوقت و كثرة الإشتغال بأمور الدنيا بالإضافة الى الشيب وكبر السن أبعدتني عن إتمام ما يجب علي إتمامه و إكماله
      ألتمس منكم الدعاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: